مقولة الدفاع عن النفس وادعاءات "إسرائيل"
د. ابراهيم مشورب
استاذ في الجامعة اللبنانية
مقدمة
يعتبر حق الدولة في الدفاع عن نفسها، او بمعنى اخر حق الدولة في النشاط الدفاعي، احد اهم الحقوق التي تتمتع بها الدولة في القانون الدولي المعاصر. فاستخدام القوة، تطبيقا لهذا الحق لا يتعارض مع الاحكام او المواثيق الدولية.
ان دراسة هذا الموضوع ترتدي اهمية بالغة في الظروف الحالية من الصراع العربي - "الاسرائيلي"، حيث ان "اسرائيل" تبرر دائما اعمالها العدوانية ضد الدول العربية وخاصة ضد لبنان بضرورات الدفاع عن النفس ضد هجمات "المخربين" العرب.
"فاسرائيل" منذ قيامها وهي تخوض الحروب ضد الدول العربية، وضد لبنان خاصة، بحجة ان امنها مدد من قبل "الجماعات التخريبية". فالعرب دائما هم المعتدون. اما "اسرائيل" حسب مزاعمها فهي تدافع، وحقها في الدفاع مشروع وتقره المواثيق والاعراف الدولية.
اولا: المضمون القانوني لمبدأ تحريم استخدام القوة
من المعروف ان مبدأ عدم استخدام القوة او التهديد باستخدامها على علاقة بفهم حق الدولة في الدفاع عن نفسها. بين المفهومين ارتباط وثيق. ويمكننا القول ان وجود مبدأ يرحم استخدام القوة او التهديد باستخدامها في القانون الدولي المعاصر يعتبر الاساس القانوني، الذي يعطي حق الدولة في الدفاع عن نفسها هذه الاهمية التي تعود له، كذلك فان تحليل حق الدولة في الدفاع عن نفسها يفترض النظر الى المضمون القانوني لمبدأ تحريم استخدام القوة او التهديد باستخدامها.
تنص الفقرة 4 من المادة (2) من ميثاق الامم المتحدة على ان "يمتنع اعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال السياسي لاية دولة او على أي وجه اخل لا يتفق ومقاصد الامم المتحدة " (1) .
لدى النظر في مضمون هذه الفقرة من المادة (2) نرى ان مبدأ تحريم استخدام القوة او التهديد بها يعتبر مبدأ متعدد الجوانب، اذ تنتج عنه واجبات تقع على عاتق الدول وتفرض عليها الالتزام بها من اجل الحفاظ على السلام والامن الدوليين.
اولى هذه الواجبات، ان تمتنع الدول في علاقاتها الدولية عن استخدام أي شكل من اشكال القوة. فبمقتضى تجربة القانون الدولي المعاصر يمكن ان يأخذ استخدام الدول للقوة اشكالا متعددة: عسكرية، اقتصادية وسياسية. بالارتباط مع هذا نرى امكانية استخدام القوة العسكرية، القوة الاقتصادية والقوة السياسية في العلاقات الدولية. هكذا يمكننا فهم مضمون الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة. ونلاحظ في المادة المذكورة ان الحديث يجري على استخدام القوة ضد سلامة الاراضي والاستقلال السياسي. وهنا نشير الى ان تعبير "سلامة الاراضي" و "الاستقلال السياسي" وضعت في الميثاق بناء على طلب الدول الصغيرة في مؤتمر سان فرنسيسكو 1949 (2) .
من المهم كذلك الاشارة الى انه في الفقرة 4 من المادة (2) من الميثاق يجري التمييز بين تعبير الاستقلال السياسي واستقلال الاراضي، باعتبار ان المفهومين غير متطابقين. فعند استخدام القوة المسلحة ضد دولة ما، فان ما تتعرض له هو سلامة اراضيها واستقلالها السياسي. اما عند استخدام القوة غير العسكرية ضد دولة ما فاننا نفهم ان استقلالها السياسي قد تعرض للخطر. ذلك ان هذا الشكل من استخدام القوة، بخصائصه، لا يمكن ان يخرق سلامة الاراضي.
ان تعبير "سلامة الاراضي" المذكور في الفقرة الرابعة من المادة (2) من الميثاق يشير الى تحريم استخدام القوة المسلحة بالذات. هذا الاستنتاج تؤكده ايضا الاحكام الواردة في مقدمة الميثاق، التي تعرض على منظمة الامم المتحدة ضرورة " … ان تكفل بقبول مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها الا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة". بمعنى إزالة امكانية ان تقوم دولة باستخدام القوة المسلحة لاهداف معينة.
ثانيا: حق الدولة في الدفاع عن نفسها
بناء على ما تقدم نرى ان القانون الدولي المعاصر يحرم استخدام أي شكل من اشكال القوة في العلاقات بين الدول. ومع ذلك فإن ميثاق الامم المتحدة والاحكام الاخرى تسمح باستخدام القوة المسلحة في حالتين فقط:
(أ) في حالة الدفاع عن النفس.
(ب) في حالة ما اذا قرر مجلس الامن اتخاذ تدابير معينة ضد عدوان دولة ما. فالمادة (42) من الميثاق تقول:
"اذا رأى مجلس الامن ان التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض او ثبت انها لم تف به، جاز له ان يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الاعمال ما يلزم لحفظ السلم والامن الدولي او لاعادته الى نصابه. ويجوز ان تتناول هذه الاعمال المظاهرات والحصر والعمليات الاخرى بطريق القوات الجوية او البرية التابعة لاعضاء الامم المتحدة".
فمجلس الامن الدولي، المسؤول عن حفظ الامن الدولي يملك الحق في استخدام القوة العسكرية ضد دولة معتدية، اذا رأى ان التدابير غير العسكرية المتخذة لم تف بالغرض المطلوب.
ولكن ماذا بالنسبة للدفاع عن النفس.
تنص المادة (51) من ميثاق الامم المتحدة على حق الدولة في الدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء من قبل دولة أخرى "ليس في هذا الميثاق ما يضعف او ينقص من الحق الطبيعي للدول فرادى او جماعات في الدفاع عن انفسهم اذ وقع اعتداء مسلح على دول اعضاء في الامم المتحدة وذلك الى ان يتخذ مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدوليين. ويجب تبليغ المجلس فورا بالتدابير في أي حال فيما للمجلس بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من احكام هذا الميثاق من الحق في ان يتخذ في أي وقت، ما يرى ضرورة لاتخاذه من الاعمال لحفظ السلم والامن الدولي واعادته الى نصابه".
من هنا فان القانون الدولي المعاصر قد اعطى الحق في استخدام القوة لرد أي عدوان من قبل أي دولة أخرى. ولكن الدفاع عن النفس لا يتم بشكل عشوائي، منفلت من القيود، من هنا ترتدي اهمية بالغة مسألة التنظيم القانوني لهذا الحق. يعني متى يحق للدولة استخدام الدفاع عن النفس وطبيعة استخدام هذا الحق.؟
ان حل هذه المسألة بشكل صحيح، والفهم الدقيق لمفهوم حق الدولة في الدفاع عن نفسها له اهميته البالغة في الاداء الفعال ليس فقط لنظام الامن الجماعي، الذي يقع اساسه مبدأ حماية السلام العالمي والنضال من اجل رد العدوان المسلح، وانما لحق الدفاع عن النفس كوسيلة من اجل تطبيق النشاط الدفاعي للدولة.
من المعروف، ان الدفاع عن النفس، كرد فعل من قبل الدولة المعتدى عليها، تستخدمه من اجل ضمان امنها، مرتبط بشكل وثيق باستخدام القوة المسلحة. لذلك فانه لدى لجوء الدولة الى ممارسة هذا الحق، عليها ان تسترشد بنظام محدد ودقيق. ذلك ان اعطائها الحرية في الفعل يمكن ان يهدم نظام الامن الجماعي، الذي يؤكده القانون الدولي المعاصر. ان حق الدولة في اللجوء الى الدفاع عن نفسها لا بد وان يستخدم في حالة وقوع خطر محدق بالدولة، أي في حالة وقوع هجوم مسلح عليها من قبل دولة اخرى. ويمكننا وضع المعادلة التالي: قوة مسلحة في مقابل عدوان مسلح. وهذا يعني ان استخدام القوة المسلحة في الدفاع عن النفس يطبق فقط في حالة وقوع العدوان المسلح. أي ان استخدام القوة المسلحة كوسيلة للدفاع عن النفس يصبح مشروعا فقط في حالة وجود. عدوان مسلح. واي حالة أخرى لا يمكن ان تعطي المبرر لاستخدام القوة المسلحة، نستنتج مما سبق ان استخدام الحق في الدفاع عن النفس لا يمكن ان يكون مبررا ومشروعا وفقا للقانون الدولي الا في حالة وقوع هجوم مسلح على الدولة، أي ان الهجوم المسلح اصبح واقعة، حقيقة.
ان معادلة القوة المسلحة مقابل عدوان مسلح المعبر عنها في المادة (51) من ميثاق الامم المتحدة يدفع الى الاستنتاج انه لا يمكن الاستناد الى تطبيق هذا الحق في الحالات التالية:
1- التهديد باستخدام القوة المسلحة، وايضا أي شكل اخر من اشكال العدوان. ونعني هنا بالعدوان السياسي او الاقتصادي.
2- وجود عمل عدواني غير مرتبط باستخدام القوة المسلحة، يعني القوة السياسية والاقتصادية.
3- وجود خطر يتهدد حياة مواطني الدولة واملاكهم في الدول الأخرى. أي ان الدولة لا يجب ان تأخذ من الاوضاع غير المستقرة في دولة ما والتي يمكن ان تشكل خطرا على مواطنيها مبررا لاستخدام القوة المسلحة بحجة الدفاع عن النفس ضد الدولة التي يقيم مواطنوها على اراضيها.
4- تهديد المصالح الاقتصادية للدولة. فالدولة لا يجب ان تتخذ من تدابير اقتصادية تتخذ ضدها كمبرر لاستخدام حق الدفاع عن النفس. فقد عمدت "اسرائيل" الى شن حرب ضد مصر عام 1967، بحجة ان مصر اغلقت مضائق تيران ومنعت مرور المواد الاستراتيجية "الاسرائيلية" عبر هذه المضائق. فاخذت "اسرائيل" من هذه حجة قانونية لشن الحر ب.
ان القرار الذي اتخذته مصر باغلاق مضائق تيران يتفق مع حقوق السيادة التي تملكها الدولة التي تكمن في حالة حرب مع دولة اخرى، اضافة الى كونها صاحبة الاقليم المطل على المضائق. ثم ان مياه الخليج تعتبر مياه وطنية وليس مياها دولية، باعتبار ان استعماله اقتصر على الدول العربية فترات تاريخية طويلة.
من هنا فان لجوء "اسرائيل" لاستعمال القوة في مواجهة مصر التي اغلقت المضائق، بحجة ان هذا تهديد للمصالح الاقتصادية "الاسرائيلية"، لا يعد استعمالا لحق الدفاع عن النفس، لان اغلاق المضائق لا يعتبر من قبيل الهجوم المسلح وفقا لاحكام الميثاق والمقررات الدولية. وفي هذا يقول الدكتور تيسير النابلسي:
"… ان من حق مصر اتخاذ كافة الاجراءات التي يعطيها قانون الحرب للمتحاربين بخصوص حماية اراضيها بمنع مرور السفن المعادية في مياهها الاقليمية وحق التفتيش، والزيارة للسفن المحايدة وهذا هو ما طبقته مصر فعلا عندما حظرت مرور السفن "الاسرائيلية"، والمواد الإستراتيجية التي تسهم في دعم المجهود الحربي لدولة هي معها في حالة الحرب " (3) .
ان لجوء الدولة الى استخدام القوة المسلحة في الحالات المذكورة اعلاه يعتبر خرقا فاضحا لمبدأ حق الدولة في الدفاع عن نفسها. وبالتالي فهو عدوان مسلح وخرق لمبادئ واحكام القانون الدولي.
هل يعني ان الدولة التي هددت مصالحها الاقتصادية لا تملك الحق في الرد؟
نعتقد بانه على الرغم من ان القانون الدولي المعاصر لا يعطي الدولة الحق في اللجوء الى الدفاع عن نفسها. الا انه يسمح لها باتخاذ تدابير ذات طابع دفاعي، بهدف حماية مصالحها والتأثير الفعال على الدولة التي قامت باعمال عدائية. وهي على كل حال يجب ان لا تتجاوز بطبيعتها ما قامت به الدولة الاخرى.
اما الجانب الاخر الهام في فهم مبدأ حق الدفاع عن النفس فهو وقوعه تحت رقابة مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة.
من المعروف ان مجلس الامن الدولي يتحمل بمقتضى ميثاق الامم المتحدة "التبعات الرئيسية في امر حفظ السلم والامن الدولي: (الفقرة 1، المادة (24)). هذه التبعات الرئيسية تنبع من المادة (51)، التي تنظم حق الدولة في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس والمنصوص عنها في الفصل السابع من الميثاق لا يشير فقط الى الاهمية التي يعطيها الميثاق لحق الدولة في اللجوء الى الدفاع عن النفس وانما يضع هذا الحق تحت اشراف ورقابة مجلس الامن بهدف عدم استخدامه تعسفيا. ورقابة مجلس الامن على حسن تطبيق مبدأ الدفاع عن النفس يقوم بها مجلس الامن بطريقتين:
1- بمبادرة من مجلس الامن نفسه.
2- عن طريق الدولة نفسها التي يفترض بها ابلاغ مجلس الامن عن التدابير التي ستتخذها من اجل تطبيق حق الدفاع عن النفس.
من الضروري الاشارة هنا الى ان ممارسة مجلس الامن الدولي الرقابة على حسن تطبيق أي دولة لحقها في الدفاع الفردي او الجماعي عن النفس، ضرورية ليس فقط من اجل الاقرار بان ممارسة هذه الدولة لمبدأ حق الدفاع عن النفس يتطابق مع احكام المادة (51) من الميثاق، وانما ايضا من اجل اتخاذ تدابير عملية من قبل مجلس الامن لمساعدة الدولة الضحية والضغط على المعتدي والحفاظ على السلم والامن الدوليين.
ثالثا: عدوان "اسرائيل" على لبنان الاستخدام الاسوأ لمفهوم الدفاع عن النفس
استنادا الى ما سبق يستطيع مجلس الامن الدولي مراقبة حسن تطبيق مبدأ الدفاع عن النفس. هذا ممكن في حال تحلي اعضاء مجلس الامن الدولي، وخاصة الدول الدائمة العضوية، بالموضوعية وعدم التحيز لطرف ضد طرف اخر من الاطراف المتحاربة في تقدير خطورة الوضع الناشئ، والاسترشاد بمقاييس موحدة. وهذه قضية جوهرية برأينا، خاصة وان الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الاميركية، دائما ما تقف الى جانب "اسرائيل" في عدوانها ضد الدول العربية، انطلاقا من الدعم الكامل "لاسرائيل". هكذا حصل مثلا في عام 1967 عندما قامت "اسرائيل" بعدوان على ثلاث دول عربية، مصر، سوريا والاردن. فعلى الرغم من ان كل الوقائع كانت تشير الى مسؤولية "اسرائيل" عن العدوان، استطاعت الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا ان تمنعا مجلس الامن من ادانة "اسرائيل" واتخاذ قرار بهذا المعنى. هكذا مثلا حدث عندما قامت "اسرائيل" بعدوان نيسان (ابريل) على لبنان عام 1996.
"فاسرائيل" ادخلت الى الاراضي اللبنانية آلتها العسكرية وقصفت المدن والقرى. وهذه وقائع تشير الى مسؤولية "اسرائيل"، حيث لم يكن هناك من عدوان ضدها وانما عمليات مقاومة مشروعة في القانون الدولي. ومع ذلك انحازت الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا ومنعتا مجلس الامن الدولي من وضع يده على المسألة. وهكذا لم يتخذ مجلس الامن أي قرار ادانة بحق "اسرائيل"، وانما حمل الحكومة اللبنانية ايضا مسؤولية ما جرى تحت ستار الدفاع عن السلام في منطقة الشرق الاوسط.
وتؤكد الوقائع، ان الدول الغربية من اجل التخريب على مجلس الامن الدولي وتحجيم دوره ومنعه من القيام بالرقابة على استخدام حق الدفاع عن النفس تلجأ الى وسيلتين: الاولى تحاول ابعاد مجلس الامن عن القيام بدوره في تقدير خطورة الوضع الناشئ بحجة ان الدولة المعنية تقوم بالدفاع عن نفسها في وجه عدوان ناشئ. هذا ما حصل خلال عدوان "عناقيد الغضب" ضد لبنان عندما بررت الولايات المتحدة اعمال "اسرائيل" العدوانية بحجة الدفاع عن النفس ضد هجمات المقاومة اللبنانية. فقد صرح الناطق باسم الخارجية الاميركية غلين ديفيس خلال عمليات "عناقيد الغضب"بان الموقف الاميركي "لا يزال على حاله وهو ان حزب الله وهجماته سببا زيادة التوتر في المنطقة " (4) .
هو هنا يؤكد على مسؤولية حزب الله في اندلاع المعارك اما "اسرائيل" فهي في مجال الدفاع عن النفس. ويضيف الناطق الاميركي:
"ولكن المهم هو الاستمرار في التركيز على واقع انه يجب انهاء العنف وان هذا العنف يعود الى هجمات الكاتيوشا من حزب الله على شمال "اسرائيل"، يجب ان تتوقف هذه الهجمات لكي يتوقف العنف…" (5) .
ان عمليات المقاومة ضد القوات "الاسرائيلية" المحتلة لا يمكن ان تعطي المبرر "لاسرائيل" للهجوم على لبنان. فحق النضال المشروع ضد المحتل كرسته المواثيق والاعراف الدولية، اضافة الى ان عمليات المقاومة تجري ضمن الاراضي اللبنانية ويقوم بها افراد وجماعات غير تابعين للدولة اللبنانية ويقومون بعمليات محدودة ضد القوات "الاسرائيلية" وليست ضد المدنيين. اما مسألة اطلاق صواريخ الكاتيوشا فكانت ردا طبيعيا على اعتداءات "اسرائيل" المتكررة ضد المدنيين والقرى اللبنانية. ان الاجراءات التي قامت بها "اسرائيل" ضد لبنان في نيسان (ابريل) 1996 تعدت كونها اعمالا انتقامية لانها كانت عمليات عسكرية على نطاق شامل وواسع. فحجم القوة المستخدمة من قبل "اسرائيل" يزيد باضعاف عن قدرة الدولة اللبنانية وقدرة المقاومين. فقد افاد تيمور غوكسيل الناطق باسم القوة الدولية ان "اسرائيل" نفذت خلال احد عشر يوما من الحرب 523 غارة واطلقت 23 الف قذيفة على الاراضي اللبنانية، اضافة الى تدمير محطة كهرباء بصاليم والمجازر التي ارتكبتها ضد المدنيين اللبنانيين. ان حجم القوة التي استخدمتها "اسرائيل" ضد لبنان بتقديرنا يجب التوقف عنده اذ كيف تدعي "اسرائيل" انها تدافع عن نفسها وهي تحشد قواتها المدرعة والمؤللة ضد عمليات بسيطة وباسلحة بدائية اذا ما قورنت بالسلاح "الاسرائيلي" المستخدم. فالهدف الاساسي للعمليات "الاسرائيلية" ضد لبنان في شهر نيسان (ابريل) 1996، عبر عنه الصحافي "الاسرائيلي" في صحيفة "يديعوت احرونوت" سيفر بلوتسكي حين قال بان "ثمة هدف استراتيجي مهم لعمليات الجيش "الاسرائيلي"، وهو يتجاوز مجرد الانتقام. فالقصف يتوخى اظهار قدرة "اسرائيل" على المس بصورة مباشرة وقاسية، بالجهود المبذولة لترميم اقتصاد لبنان…" (6) .
ثانيا، تحاول الدول الغربية حرمان مجلس الامن الدولي من امكانية اتخاذ تدابير فعالة ضد الدولة المعتدية، فالولايات المتحدة الاميركية وبعض الدول الأوروبية بوقوفها وتحيزها الى جانب "اسرائيل" تجشع هذه الدولة على العدوان وتهديد السلام في المنطقة الشرق الاوسط، وتمنع مجلس الامن الدولي من اتخاذ التدابير الرادعة بحق "اسرائيل".
مما سبق، نرى ان احكام المادة (51) من ميثاق الامم المتحدة تعطي اساسا متينا وفعلا لتأكيد حق الدولة في الدفاع الفردي والجماعي عن نفسها ومن اجل ضمان الأمن والسلام الدوليين.
واخيرا، تؤكد كل التطورات في منطقة الشرق الاوسط ان "اسرائيل" دولة عدوانية، تريد السيطرة على خيرات المنطقة العربية، وهي في ذلك تستخدم كل الأساليب لتبرير عدوانيتها ومنها مبدأ حق الدفاع عن النفس، وطبعا بعد تحريفه وتفسيره بما يخدم سياساتها العدوانية.
الهوامش:
(1) ميثاق الامم المتحدة، نيويورك، الطبعة العربية.
(2) مؤتمر الامم المتحدة في نيسان فرنسيسكو، 25 نيسان (ابريل) - 26 حزيران (يونيو) 1949، موسكو، 1980
(3) تيسير النابلسي، الاحتلال "الاسرائيلي" للاراضي العربية، دراسة لواقع الاحتلال "الاسرائيلي" في ضوء القانون الدولي العام. (بيروت: مركز الابحاث الفلسطيني، 1975)، ص 59
(4) جانب كرم، من عناقيد الغضب الى سقوط بيريس، (بيروت: ملف النهار، 1996)، ص 45
(5) كرم، عناقيد الغضب، المصدر نفسه
(6) المصدر نفسه ص 25