شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الاجنبي

د. محمد مجذوب

نائب رئيس المجلس الدستوري اللبناني


مقدمة

يقوم بين الظواهر الاجتماعية والمواقف القانونية والفقهية تلازم وتفاعل وتكامل. فلولا تصدي الشعوب، منذ القدم، للمعتدين لما استطاع الفكر المقاوم تحديد العلاقة بين السلطات الاحتلال وسكان الاراضي المحتلة على اساس استمرار علاقة الولاء والتبعية لدولة الاصل وانتفاء أي التزام بالطاعة لدولة الاحتلال. بل انه كان لضروب المقاومة التي مارستها الشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال في سبيل الدفاع عن وجودها وكرامتها اثر بارز ودور فاعل في تطوير احكام قانون الاحتلال الحربي في مجال تحريم الضم والاستيلاء، والحفاظ على سيادة الدولة، وجواز الدفاع عن النفس طالبا للحرية وحماية للاستقلال.

ولو اطلعنا على احكام القانون الدولي المعاصر لما وجدنا فيه قاعدة تحول دون قيام سكان الاراضي المحتلة باعمال المقاومة الوطنية، مسلحة كانت ام غير مسلحة. والفقه الدولي الحديث لم يتخلف عن الركب في هذا الميدان فراح يعتبر ان لهؤلاء السكان حقا في الثورة على سلطات الاحتلال وان واجبهم القومي يحتم عليهم اللجوء الى المقاومة. وذهب البعض الى ابعد من ذلك عندما رأى ان عليهم واجب الثورة، وان هذا الواجب مفروض ومغروس في نفوسهم بموجب علاقة الولاء المستمر بينهم وبين دولتهم المحتلة.

ولقي هذا الاتجاه قبولا وتأييدا لدى دول عديدة، منها بريطانيا والولايات المتحدة، فنصت في تشريعاتها العسكرية على ثورات الحروب او انتفاضات الحروب War Rebellions وعلى سبيل المثال نذكر ان المادة العاشرة من قانون الحرب البرية الاميركية تنص على انه:

"ليس لمحارب الحق في ان يعلن انه سيعامل كل من يقبض عليه ضمن القوات المسلحة لجماعات الشعب الثائر في وجه العدو معاملة الشريك في عصابة لصوص، او معاملة اللص المسلح" (1) .

وكل معالجة قانونية لشرعية المقاومة في الاراضي المحتلة تتطلب كلمة في قانون الاحتلال الحربي، وحديثا عن انواع المقاومة، واستعراضا للجهود الدولية الرامية الى دعم هذه الشرعية.

 

قانون الاحتلال الحربي وصفته الامرة

ان جزءا من اقليم الدولة اللبنانية يرزح، منذ سنوات، تحت نير الاحتلال "الاسرائيلي". وتشهد المناطق المحتلة، وخصوصا منطقة الجنوب، مقاومة مسلحة وهجمات متلاحقة ضد قوات العدو. والمعارك والاشتباكات التي تجري يوميا تقريبا، وببسالة تثير الاعجاب، بين افراد المقاومة وقوات الاحتلال تطرح، على صعيد الاعراف والقوانين والمواثيق الدولية، السؤال الذي أشرنا اليه عن حق افراد الشعب الخاضع لاحتلال اجنبي في اللجوء الى المقاومة، بمختلف الوسائل والاشكال، من اجل التصدي لهذا الاحتلال.

نلاحظ، قبل الاجابة عن هذا السؤال، ان تغيرا جوهريا طرأ، في العصر الحديث، على طبيعة الحرب، وخصوصا بعد ان دان القانون الدولي المعاصر استخدام القوة واعتبرها عملا غير مشروع. فالفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة تنص على وجوب امتناع الدول الاعضاء، في علاقاتهم الدولية، عن التهديد باستعمال القوة او استعمالها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال السياسي لاية دولة، او على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الامم المتحدة.

ومع ذلك فما زالت دول كبرى وصغرى تعمد، من وقت الى اخر، الى انتهاك مبادئ الميثاق الاممي واحتلال اراضي الغير. وهذا ما حتم في الماضي وجود قانون للاحتلال الحربي. فلماذا وضع القانون؟ وما هي اهم المراحل التي مر بها؟ واذا كان لهذا القانون صفة آمرة، فما المقصود بها؟

 

قانون الاحتلال الحربي

يميز الفقه الدولي بين حالتي الحرب والاحتلال الحربي، فالاولى هي مرحلة الاشتباك والقتال على ارض المعركة، والثانية هي المرحلة المؤقتة التي تعقب العدوان المسلح.

ولكل من الحالتين قانونها الخاص. وقواعد قانون الحرب ظهرت وتبلورت قبل قواعد قانون الاحتلال. ونجد في اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي الخاصة بالحرب البرية، وفي اتفاقية جنيف الرابعة حول حماية المدنيين، تدوينا او تقنينا للاحكام المتعلقة بقانون الاحتلال الحربي.

وعرفت المادة (42) من اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي للعام 1907، الاقليم المحتل بأنه الاقليم الذي يصبح بالفعل خاضعا لسلطة الجيش المعادي. ولا فرق في ذلك بين احتلال عسكري تم نتيجة استسلام الدولة المنهزمة، او نتيجة تخلي القوات المسلحة عن سلاحها، او نتيجة عقد هدنة او ايقاف لاطلاق النار غير مصحوب بالغاء حالة الحرب.

والناحية المهمة في الاحتلال هي اخضاع اقليم دولة ما، او جزء من هذا الاقليم، ماديا وعسكريا، لسيطرة فعلية اجنبية ووجوب خضوع سلطة الاحتلال لقانون الاحتلال الحربي الذي ينظم حالة الاحتلال ويحدد العلاقات بين سلطات دولة الاحتلال من جهة، وبين سلطات الدولة المحتلة والسكان المدنيين في الاراضي المحتلة من جهة اخرى.

وقانون الاحتلال الحربي لم ينشأ في القرن الماضي، وخصوصا بعد تفاقم الحروب النابوليونية التي كانت وبالا على السكان المدنيين في الاراضي المحتلة، الا للتجاوب مع رغبات الشعوب في وضع حد نهائي للاساليب الوحشية التي كانت تستعملها الجيوش الغازية ضد السكان الآمنين.

وكانت الولايات المتحدة التي تعرضت، خلال حربها الاهلية، لاقسى انواع الجرائم اول من قنن او دون، في العام 1863، قواعد الحرب ونظم سلوك القوات المحاربة وحرم عليها اعمال السلب والنهب ونص على عقوبات ضد افراد هذه القوات لدى ارتكابهم هذه الجرائم.

وعندما عقد مؤتمر بروكسيل في العام 1873، وحضرته غالبية الدول الاوروبية، كان التقنين الاميركي بين ايدي المندوبين. وعندما قدمت الحكومة الروسية مشروعا بقواعد الحرب البرية انقسم المؤتمر الى فريقين: فريق الدول الكبرى الذي طالب بالزام سكان الاراضي المحتلة بالطاعة لسلطات الاحتلال وبعدم اللجوء الى العنف لطرد المحتلين، وفريق الدول الصغرى الذي طالب بعدم الاعتراف لدول الاحتلال بحقوق في الاراضي المحتلة، كما طالب بان يكون للشعب حق الثورة على قوات الاحتلال حتى يتم طردها.

واستطاع المؤتمر، في النهاية، التغلب على الصعوبات والتوصل الى مشروع اتفاق يتضمن قواعد للحرب البرية مستمدة من القواعد العرفية التي كانت سائدة من قبل. ومع ان الدول لم تصدق على المشروع فقد كان اثره واضحا في التعليمات العسكرية التي اخذت الدول توجهها الى جيوشها خلال المعارك.

وفي العام 1899، عقد في مؤتمر لاهاي الاول وتمكن من وضع العديد من الاتفاقيات، كان من بينها لائحة الحرب البرية المستمدة من مشروع مؤتمر بروكسيل، والتي الحقت بالاتفاقية الثانية. وفي العام 1907، عقد مؤتمر لاهاي الثاني واعاد النظر في بعض الاتفاقيات والتصريحات الصادرة عن المؤتمر الاول، وتمكن من وضع اتفاقية حول قانون الاحتلال الحربي.

وفي الحربين العالميتين انتهكت احكام هذا القانون وتبين للجميع ان المواد الخاصة بحماية المدنيين في فترة الاحتلال لم تعد كافية في حالات الحروب الشاملة.

وفي العام 1949، دعت الحكومة السويسرية، بايعاز من لجنة الصليب الاحمر الدولي، الى مؤتمر دبلوماسي عقد في مدينة جنيف وحضره مندوبون عن 64 دولة. وفي 12-8-1949، وبعد اربعة اشهر من المداولات العميقة والمثمرة، تم توقيع اربع اتفاقيات، كانت الرابعة منها خاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب والاحتلال الحربي. وهذه الاتفاقيات جاءت لتكمل او تعدل او تقنن نصوص الاتفاقيات السابقة. وتعتبر الاتفاقية الرابعة من الانجازات الباهرة التي استطاعت الشعوب تحقيقها في حل القانون الدولي والانساني. وكان لبنان و"اسرائيل" من الدول التي حضرت المؤتمر المذكور، ووافقت على الاتفاقيات الاربع، وصدقت فيما بعد عليها دون تحفظات.

فقواعد قانون الاحتلال الحربي تتكون، اذن من النصوص الواردة في اللائحة الملحقة باللت باتفاقية لاهاي، الخاصة بالحرب البرية والواردة في اتفاقية جني فالاب الرابعة، بالإضافة الى المبادئ العامة لحقوق الانسان ووسائل حمايتها.

 

الصفة الامرة لقانون الاحتلال الحربي

تتميز قواعد هذا القانون بان لها صفة آمرة أي ملزمة لكل الدول سواء اكانت اطرافا ام غير اطراف فيها. وقد حددت المادة (53) من اتفاقية فيينا للعام 1969 حول قانون المعاهدات القاعدة الآمرة في القانون الدولي العام انها:

"القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل الجماعة الدولية باعتبارها قاعدة لا يجوز الاخلال بها، ولا يمكن تبديلها الا بقاعدة جديدة من قواعد القانون الدولي تملك الصفة ذاتها".

صحيح ان هناك فقهاء دوليين يرون ان القانون الدولي يتكون من قواعد اختيارية وان للدول الحق، في كل وقت، في ابرام أي نوع من المعاهدات، وان تكن مخالفة للقواعد العامة للقانون الدولي، الا ان الفقه الدولي المعاصر يتبنى موقعا مغايرا.

فهناك فريق يرى ان القواعد الآمرة في القانون الدولي هي تلك التي يتكون منها النظام العام الدولي. وهناك فريق اخر يحدد تلك القواعد بانها تلك التي تتضمن الحد الادنى من السلوك الضروري لضمان العلاقات الدولية. ويقول فريق ثالث ان القواعد الآمرة هي التي تعبر عن بعض الحاجات الاجتماعية والسياسية. وثمة اتجاه يعتبر القواعد التي تضمنها ميثاق الامم المتحدة قواعد آمرة لا يمكن الاتفاق على عكسها او الاخلال بها. ومن القواعد التي استقر الرأي على اعتبارها آمرة في القانون الدولي، القواعد التي تمس حقوق الدول، والقواعد الخاصة بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. والمبادئ الاساسية للميثاق الاممي الخاصة بمنع التهديد باستعمال القوة او استعمالها في العلاقات الدولية، والقاعدة الخاصة بالحل السلمي للمنازعات الدولية، والقاعدة الخاصة بمساعدة الامم المتحدة في أي عمل تقوم به طبقا لميثاقها، والامتناع عن مساعدة الدول المعتدية.. وذلك لان هذه القواعد وضعت من اجل مصلحة الانسانية قاطبة. (2)

لقد رفضت المانيا، خلال الحرب العالمية الثانية، وتطبيق اتفاقيات لاهاي ولوائحها بحجة انها تتضمن شرطا ينص على عدم تطبيقها الا بين الاطراف المتعاقدة، كما ينص على عدم تطبيقها الا في حالة واحدة، وهي حالة اشتراك جميع هذه الاطراف في الحرب. غير ان الفقه رفض هذه الحجة التي اثارتها دول الاحتلال للتهرب من تطبيق الاحكام القانونية، ذات الصفة الآمرة، في الاراضي المحتلة.

واتيح لمحكمة نورمبرغ ان تناقش مدى الزام اتفاقيات لاهاي واللوائح الملحقة بها لغير الاطراف، فاعتبرت ان هذه الوثائق الدولية ملزمة لالمانيا بصرف النظر عن شرط المشاركة العامة المنصوص عليه في المادة الثانية من اتفاقية لاهاي للعام 1907. وبذلك تكون المحكمة قد اكدت الصفة الآمرة للوائح لاهاي، بالنسبة الى كل الدول، بوصفها عملا اقراريا لعرف كان مستقر قبل وضع اللوائح، وليس عملا منشئا لقواعد جديدة.

ولهذا فمن شأنها ان تطبق على كل الدول، لا فرق في ذلك بين اطراف او غير اطراف.

وايد القضاء الوطني هذا الاتجاه، فقررت محكمة الاستئناف اليونانية، في قضية تتعلق بالاحتلال البلغاري لليونان، اثناء الحرب العالمية الثانية، ان سلطات الاحتلال ملزمة بتطبيق المبادئ التي وردت في لوائح لاهاي في الاراضي المحتلة، وان القواعد التي تضمنتها اتفاقيات لاهاي تمثل مبادئ القانون العرفي الدولي الملزمة لكل الدول، وان لم تكن اطرافا فيها، كما كان الحال بالنسبة الى اليونان.

ولو تأملنا اتفاقية جنيف الرابعة لوجدنا انها من نوع المعاهدات الجماعية التي تتسم بصفة عالية، وتشبه الى حد كبير الميثاق الاممي الملزم لكل دول العالم، بما فيها الدول غير الاطراف في الميثاق. الا تنص الفقرة السادسة من المادة الثانية منه على ان الامم المتحدة تعمل على ان تسير الدول غير الاعضاء فيها على المبادئ التي تضمنها الميثاق؟ اليست حماية الاجيال من ويلات الحروب، وحماية حقوق الانسان وحرياته، وتحريم اللجوء الى القوة او التهديد بها من هذه المبادئ؟ وهل ترمي اتفاقية جنيف الرابعة الى تأمين شيء اخر غير حماية هذه الحقـوق؟ (3)

ان المبدأ الذي جاءت به الفقرة السادسة المذكورة " يعكس مرحلة من تطور المجتمع الدولي لم تعد فيها المصادر التقليدية للقانون الدولي بقادرة على وضع القواعد الكفيلة بالحفاظ على السلام الدولي وحمايته، في كل المواقف والاحوال، وفي كل جوانب المعمورة، تحقيقا للامن والاستقرار في هذا المجتمع. فمن الطبيعي، اذن، الا يظهر اساس هذا المبدأ في هذه المصادر. ومن الطبيعي ايضا ان يتعين البحث عن هذا الاساس في التحول الثوري الذي طرأ على اساليب انتاج القواعد القانونية في النظام الدولي".

واذا كانت الامم المتحدة تستمد اختصاصها التشريعي من كونها الهيئة التي اقامتها الغالبية الكبرى للمجتمع الدولي للمحافظة على السلام والامن، ومن كونها المركز الذي ينظم ونسق الجهود اللازمة لادراك هذه المقاصد، فقد "اصبح لارادة اغلبية المجتمع الدولي، في المرحلة الحاضرة من تطور القانون الدولي، القدرة على احداث الاثر القانوني ليس فقط بين اطراف هذه الارادة، بل حتى تجاه اولئك الذين لم يشاركوا في تكوينها" (4) .

وبالاضافة الى هذه الحجة فقد صدقت الغالبية الساحقة من دول العالم على اتفاقية جنيف الرابعة، وادخلتها في صلب تشريعاتها الداخلية. واشارت معظم القرارات الصادرة عن اجهزة الامم المتحدة الى الاتفاقية ونادت بضرورة التزام الدول بقواعدها. بل ان الفقرة الاخيرة من المادة (158) منها تنص على ان انسحاب الدولة من الاتفاقية لا يعفيها من الالتزامات التي تترتب على اطراف النزاع بموجب مبادئ قانون الشعوب، المستمدة من العادات التي استقرت بين الشعوب المتمدنة ومن قوانين الانسانية ومتطلبات الضمير العام.

ومجموعة المبادئ والقواعد الاساسية التي يخضع لها الاحتلال الحربي والتي تحددها الاتفاقية الرابعة هي التي تعنينا هنا. ويمكننا تلخيصها بالامور التالية:

1- الاحتلال وضع موقت ليس له صفة الدوام وليس له أي تأثير في استمرار وجود الدولة.

2- الاحتلال لا يؤدي، من الناحية القانونية، الى نقل السيادة من دولة الى اخرى، أي انه لا يكسب دولة الاحتلال حق السيادة على الاقليم المحتل، لان السيادة تبقى كامنة في السكان الذين يحق لهم، خلال فترة الاحتلال، رفض الغزو واللجوء الى المقاومة.

3- الاحتلال لا يخول دولة الاحتلال الا صلاحية ممارسة سلطة فعلية واقعية تستهدف حفظ السلام والامن في الاقليم المحتل وتسيير شؤون سكانه.

4- قانون الاحتلال الحربي هو الذي يحدد الاطار التشريعي والاجراء الذي يحق لسلطة الاحتلال ان تتحرك ضمنه. وكل تغيير تدخله هذه السلطة على شؤون الاقليم يجب ان يتم في اضيق نطاق ويقتصر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية للسكان.

و "اسرائيل"، كدولة احتلال في لبنان، قد تمادت في خرقها لكل هذه المبادئ، مما دفع فئة من اللبنانيين الى حمل السلاح لطردها من ارضهم.

 

انواع المقاومة المسلحة

المقاومة المسلحة على انواع. وقد حاولت بعض الاتفاقيات الدولية اخضاع ممارستها لشروط محددة. وعندما اتسعت رقعتها بعد الحرب العالمية الثانية زاد الاهتمام بامرها في المحافل الدولية، كما ازدادت الرغبة في تنظيم ممارستها واضفاء الصفة القانونية على رجالها.

في الماضي كانت القواعد التقليدية لقانون الحرب تميز بين فئتين من الناس: المحاربين الذين تتكون منهم القوات المسلحة للدولة، وغير المحاربين الذين يمثلون السكان المدنيين.

واثير آنذاك خلاف حول الاعتراف بصفة المحارب للمقاتلين غير النظاميين، وذلك في حالتين:

الاولى تتعلق بـ"هبة الشعب" في وجه العدو Levee en masse. ولهذا التعبير معنيان: فهو قد يعني انتفاضة السكان في وجه العدو الغازي، بناء على دعوة من حكومتهم، وانضمامهم الى التنظيمات العسكرية التي تنشئها الحكومة للدفاع عن الوطن. وهو قد يعني قيام السكان تلقائيا بحمل السلاح والتصدي للغازي. والمادة الثانية من اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي تقرر إضفاء صفة المحاربين على السكان الذين يندفعون في مقاومة المعتدي دون ان يكون لديهم الوقت الكافي لتنظيم صفوفهم. الا ان المادة تشترط عليهم للافادة من صفة المحارب: ان يحملوا السلاح علنا، وان يحترموا قوانين الحرب وعاداتها، وان لا يكون الاقليم قد احتل بعد.

والحالة الثانية تتعلق بـ"فصائل المتطوعين" او "قوات التحرير" التي تسمى بالفرنسية Corps Francs او القناصة. وهي تتكون من افراد يشتركون طوعا في العمليات الحربية دون ان يكونوا اعضاء في اية وحدة من وحدات الجيش النظامي. ووضع هؤلاء الافراد ما زال غير محدد، والفقه الدولي ما زال منقسما بصددهم.

والمادة الاولى من اللائحة الملحقة بالاتفاقية الرابعة للعام 1907 تمنح افراد الميليشيات والمتطوعين صفة المحارب النظامي، اذا توافرت فيهم الشروط الاربعة التالية:

- ان يكونوا تحت امرة شخص مسؤول.

- ان يحملوا علامة مميزة ثابتة يمكن تبينها عن بعد.

- ان يحملوا السلاح علنا.

- ان يراعوا في عملياتهم قوانين الحرب واعرافها.

وفصائل المتطوعين تتكون عادة من رعايا الدولة المحاربة. ولكن ليس هناك ما يحول دون انضمام متطوعين من رعايا دول اخرى اليهم. وفي هذه الحالة تطبق عليهم، كما تطبق على الآخرين، قواعد الحرب، فيعاملون معاملة الاسرى اذا وقعوا في قبضة العدو.

وفي الحرب العالمية الثانية، ومن خلال عمليات التصدي للقوات المحتلة، برزت ظاهرتان:

الاولى هي ظاهرة القوات الحرة. ففي العام 1940 وافقت حكومات اوروبية، بعد هزائمها العسكرية امام الجيوش النازية المعتدية، على ايقاف العمليات الحربية. غير ان عناصر وطنية رفضت الرضوخ لهذا الامر وقررت متابعة الكفاح المسلح. وهذا ما اقدمت عليه "القوات الفرنسية الحرة" التي كانت بقيادة الجنرال ديغول. وقد ساوى الاجتهاد الفرنسي بين افراد هذه القوات وبين المحاربين النظاميين.

والثانية هي ظاهرة حركات المقاومة. فقد تميزت الحرب العالمية الثانية ايضا بالدور المهم الذي قام به تجمع "الانصار" في الاراضي التي احتلتها جيوش المحور، ولا سيما في فرنسا. وفي العام 1939، لم يكن هناك أي تنظيم قانوني يتعلق بهذه الظاهرة. وكانت لائحة لاهاي لا تهتم الا بحركات المقاومة المنظمة، ولا تتضمن شيئا عن وضع المقاوم الفردي. واستغلت المانيا النازية هذه الثغرة فاعتبرت افراد المقاومة ارهابيين واعدمت كل من وقع منهم في قبضتها.

ولم تحصل "قوات الداخل الفرنسية"، وهي احدى حركات المقاومة، على وضع قانوني الا بعد نزول الحلفاء في الساحل الفرنسي وصدور مرسوم بذلك من "اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني" في 9-6-1944. ولم يتوان الاجتهاد الوطني في الدول الاوروبيـة التي شهدت ظاهرة حركات المقاومة عن اقرار المساواة، بشكل عام ومن حيث النشاط، بين اعضاء هذه الحركات وبين المحاربين النظاميين. وكان الاجتهاد الهولندي واضحـا وصريحا عندما اكد شرعية حركات المقاومة السرية التي نشطت خلال الاحتلال النازي لهولندا، وعندما اعتبر ان هذه الحركات تشكل "قوة شرعية من المحاربين ضد اعمال المحتل التي كانت تتنافى كليـا مع القانون الدولي" (5) .

 ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت، من جديد، انواع مختلفة من المقاومة غير النظامية، مارست نشاطها في العديد من دول القارة الافريقية واميركا اللاتينية، مما دفع البعض الى المطالبة بادخال التعديلات اللازمة على قوانين الحرب لكي تتمكن من مواكبة التطورات الحديثة في مجال التصدي للمعتدين او المستبدين، وتستوعب اعمال المقاومة في داخل الاراضي المحتلة او خارجها، سواء توافرت فيها الشروط الاربعة ام لا.

ولو اجرينا مقارنة سريعة بين احكام اتفاقيات لاهاي واحكام المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الخاصة باسرى الحرب، لوجدنا ان اهم الفروق بينهما تنحصر في الامور التالية:

ان احكام لاهاي اقتصرت على حماية افراد الميليشيات وافراد القوات المتطوعة، أي القوات المقاتلة المرتبطة بالجيوش المحاربة. اما الفقرة الثانية من المادة الرابعة فقد شملت بحمايتها، بالاضافة الى اعضاء الميليشيات والقوات المسلحة ووحدات المتطوعين والعاملين الى جانب القوات المسلحة، اعضاء الميليشيات الاخرى واعضاء وحدات المتطوعين الاخرى، بما فيها حركات المقاومة المنظمة، أي ان الفقرة المذكورة غطت بحمايتها كل اشكال المقاومة، حتى ولو عملت مستقلة عن الجيوش النظامية.

ان احكام لاهاي أسبغت وصف المحاربين على الفئات التي تقاتل خارج الاقليم المحتل. اما احكام المادة الرابعة فقد شملت افراد المقاومة النظامية التي تعمل داخل الاراضي المحتلة او خارجها، بشرط ان تتوافر فيهم الشروط الاربعة.

ان احكام لاهاي لم تخضع كل صور الحرب المادية والمنازعات المسلحة لحكم القانون. اما اتفاقيات جنيف فقد اخضعتها لحكم القانون، سواء اكانت الحرب رسمية ام غير رسمية، مشروعة او غير مشروعة. واذا كانت هذه الاتفاقيات قد اعترفت بحركات المقاومة المنظمة ومنحتها حقوق القوات المحاربة، فانها اخضعتها، في الوقت ذاته، لاحكام قوانين الحرب.

ان احكام لاهاي وجنيف خولت افراد الشعب الذين يهبون في وجه العدو الاستفادة من وصف المحاربين. وهذا النص يغطي عمليات المقاومة غير المنظمة خارج الاراضي المحتلة. غير ان الاحكام المذكورة لم تتعرض صراحة لوضع افراد المقاومة غير النظامية، او لوضع افراد الشعب الذين يقومون باعمال المقاومة الفردية داخل الاراضي المحتلة. وبعبارة اوضح : انها لم تتعرض لوضع المدنيين الذين يحملون السلاح ضد قوات الاحتلال داخل الاراضي المحتلة. واشتراط توافر شارة مميزة في هؤلاء الافراد امر اثبتت التجارب استحالته نظرا لما يتطلبه نجاح عملياتهم من سرية وكتمان (6) .

 

الجهود الدولية الداعمة لشرعية المقاومة

عندما عقد المؤتمر الدبلوماسي الذي انبثقت عنه اتفاقيات جنيف شعر كثير من المندوبين بصعوبة التوفيق بين امرين: بين اعلان عدم شرعية الحرب او تحريمها من جهة، وبين مطالبة سكان الاقليم المحتل باحترام حقوق دولة الاحتلال والرضوخ لسلطتها وارادتها من جهة اخرى، او بين اعتبار الاحتلال عملا عدوانيا لا يترتب عليه أي حق او مكسب من جهة، وبين حرمان السكان من حق اللجوء الى أي نوع من انواع الثورة او التمرد على سلطات الاحتلال. ولهذا استند البعض الى حق الشعب في الدفاع عن النفس ضد الاحتلال فتقدم باقتراحات تهدف الى الاعتراف الصريح باعمال المقاومة الفردية، أي غير المنظمة.

ويبدو ان المؤتمر حاول ان يتجاوب ويتعاطف مع هذا الاتجاه حينما اقر في المادة الخامسة من الاتفاقية الخاصة باسرى الحرب، التي قضت بانه "اذا ما اثير شك حول انتماء الاشخاص الذي يقومون بعمل حربي ويقعون في ايدي العدو الى اية فئة من الفئات التي عددتها المادة الرابعة، فان هؤلاء الاشخاص يتمتعون بالحماية التي تقررها الاتفاقية، بانتظار تحديد وضعهم من قبل محكمة مختصة".

ولكننا نعترف بان هذا النص تشوبه بعض الثغرات، فهو لا يعترف الا بالمقاومة المنظمة، ولا يوفر الحماية الكافية للمقاومة عندما تكون فردية، أي يقوم بها افراد، وعندما تكون غير منظمة. وهو يترك لسلطات الاحتلال، تقريبا، مسألة الفصل في الشبهات والشكوك حول انتماء المقاتلين، ومسألة تعيين المحكمة المختصة للفصل في حقيقة وضعهم. وهو لا يواكب التطورات والتغيرات الحالية التي طرأت على المجتمع الدولي في السنوات الاخيرة، ولا يسعى لاستيعاب ظاهرة المقاومة المسلحة التي انتشرت في كل ارجاء الدنيا وكان لها اثر بارز في اهتزاز الانظمة السياسية وتوتر العلاقات الدولية. وهو، اخيرا، لا يتفق ولا يتفاعل مع الاتجاهات والمواقف الحديثة التي جسدتها الممارسة الدولية وعبر عنها الفقه او الاجتهاد الدولي. وكلها تدعو الى ايجاد صيغة عادلة لتأمين الاعتراف الدولي باعمال المقاومة، المنظمة وغير المنظمة.

وتجاوبا مع الرغبات التي اعرب عنها المؤتمر الدولي لحقوق الانسان، المنعقد في طهران في العام 1968، اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة، في 19-12-1968ـ قرارا، رقم 2444، دعت فيه الامين العام الى التشاور مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر والهيئات الدولية المختصة الاخرى لدراسة التدابير التي يمكن اتخاذها لضمان تطبيق افضل للاتفاقيات والقواعد الدولية ذات الطابع الانساني، والتي يعمل بها خلال المنازعات المسلحة. كما دعته الى الاهتمام بوضع اتفاقيات دولية جديدة ذات طابع انساني، او وضع وثائق قانونية خاصة، بغية توفير حماية افضل للمدنيين والاسرى والمقاتلين في أي نزاع مسلح.

وفي العام 1970، وبناء على طلب من الجمعية العامة (القرار 2957 للعام 1969)، رفع الامين العام للامم المتحدة تقريره الثاني الى تلك الجمعية، وعالج فيه مسألة احترام حقوق الانسان ابان المنازعات المسلحة. وناقشت الجمعية هذه المسألة بعمق واصدرت، في 9-12-1970، خمسة قرارات حول الموضوع.

والقرار، رقم 2674 هو الذي يعنينا هنا، ففيه اعادت الجمعية تأكيدها رسميا وجوب تجنب حروب العدوان والمنازعات المسلحة، وشجبت تصرفات الدول التي ما زالت تشن حروب العدوان، منتهكة بذلك ميثاق الامم المتحدة، ومتحدية مبادئ المواثيق الدولية من امثال بروتوكول جنيف للعام 1925، واتفاقيات جنيف للعام 1949، واعلن القرار ان الدول التي تخرق حرمة هذه المواثيق يجب ان تدان وتعد مسؤولة امام الجماعة الدولية. واكد القرار ايضا ان الاشخاص الذين يسهمون في حركات المقاومة، وكذلك المناضلين من اجل الحرية، يجب ان يعاملوا، لدى القبض عليهم، كأسرى حرب.

وفي شهري ايار (مايو) - حزيران (يونيو) 1971، عقد في جنيف مؤتمر للخبراء الحكوميين حول تطوير القانون الدولي الانساني القابل للتطبيق في المنازعات المسلحة.

وكان التقرير الثالث الذي رفعه الامين العام الى الجمعية العامة يدور، بشكل اساسي، حول اعمال المؤتمر المذكور. وفي 20-12-1971، اصدرت الجمعية قرارا، رقم 2852، دعت فيه الى "ضرورة وضع مبادئ تهدف الى تعزيز حماية الافراد الذين يناضلون ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية، وضد الاحتلال الاجنبي والانظمة العنصرية"، وضرورة "تطوير القواعد المتعقلة بوضع المناضلين ورجال العصابات، وحمايتهم ومعاملتهم الانسانية، ابان المنازعات المسلحة، الدولية وغير الدولية" (7).

وكانت الجمعية العامة قد اصدرت، في 24-10-1970، وتحت الرقم 2625، "الاعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي، الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، وفقا لميثاق الامم المتحدة". وقد جاء فيه ان "على كل دولة ان تمتنع عن اللجوء الى أي تدبير قسري من شأنه ان يحرم الشعوب من حقها في تقرير مصيرها، ومن حريتها واستقلالها. وعندما تنتفض هذه الشعوب، وتقاوم، خلال ممارستها حقها في تقرير مصيرها، أي تدبير قسري كهذا، فمن حقها ان تلتمس وتتلقى دعما يتلاءم مع اهداف الميثاق ومبادئه".

ولو راجعنا مجموعة القرارات الصادرة عن الجمعية العامة لوجدنا ان هناك، منذ العام 1975، نصا يتكرر سنويا ويتضمن اعادة تأكيد الجمعية "شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الاقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والاجنبية، ومن التحكم الاجنبي، بكل ما تملك هذه الشعوب من وسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح".

والامر الذي يسترعي الانتباه ويثلج الصدر، لدى الاطلاع على هذه القرارات، هو الوتيرة التصاعدية لازدياد عدد الدول الموافقة على هذا النص. ففي العام 1975، حظي بموافقة 99 دولة، ضد دولة واحدة ("اسرائيل") وامتناع 18 دولة عن التصويت. وفي العام 1976، ارتفع عدد الموافقين الى 109. وفي العام 1977، وصل الى 113. وفي العام 1980، بلغ 119.

وحذت لجنة حقوق الانسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الامم المتحدة حذو الجمعية العامة، فتبنت النص ذاته في قراراتها الاخيرة (8) .

وهكذا يمكننا ان نعتبر اقرار القانون الدولي العام بحق الشعوب المشروع في الكفاح المسلح وغير المسلح، دفاعا عن حريتها وسيادتها وتقرير مصيرها، من اعظم الانتصارات والمكاسب التي حققتها هذه الشعوب في معاركها المتواصلة ضد الظلم والاستبداد.

فتاريخ المجتمعات البشرية يمكن تلخيصه بظاهرة الصراع العنيف، والدامي غالبا، بين الشعوب التي تكافح من اجل حقها الطبيعي في الحياة الحرة وبين القوى الغاشمة، الداخلية والخارجية، التي تريد استغلال هذه الشعوب وفرض سطرتها عليها من اجل المآرب الخاصة والابقاء على الامتيازات الطبقية او الفئوية.

غير ان الشعوب، باصرارها على متابعة مسيرة النضال واستعدادها لتحمل كل التضحيات، استطاعت، عبر العصور، ان تنتزع من المستبدين قرارا بحقها في مقارعة الظلم والعدوان، وان تنتزع من الهيئات الدولية مواثيق واتفاقيات تقر بحقها في تقرير مصيرها واختيار الانظمة التي تلائمها والتصرف بحرية في ثرواتها الطبيعية.

ونستطيع اليوم ان نؤكد ان احكام القانون الدولي العام المعاصر تقر، بشكل عام، بحق كل الشعوب في مقاومة العدوان. وليست شرعية المقاومة الوطنية، او شرعية حرب التحرير، للتخلص من الاحتلال مسألة طارئة فاجأت القانون الدولي، وانما هي مسألة وجدت وطرحت في النصف الثاني من القرن المنصرم، عندما جرت المحاولات الاولى لتقنين قواعد الحرب.

ويأتي في طليعة الوثائق والاتفاقيات والمواثيق التي تكرس او تدعم المبادئ المتعلقة بحق المقاومة ومشروعيتها:

 

1-اتفاقيات مؤتمري لاهاي

ففي المؤتمر حاولت الدول الكبرى حصر قانونية الحرب او مشروعيتها بجيوشها النظامية وبالحرب التي تخوضها هي، باعتبار الحرب وسيلة مشروعة من وسائل السياسة للدول ذات السيادة. ولكن الدول الصغيرة، المعرضة دوما للعدوان والاحتلال، رفضت هذه المحاولة واصرت على ضرورة الاعتراف بمشروعية المقاومة الوطنية وضرورة حمايتها في اية عملية تدوين لقانون الحرب. واضطرت الدول الكبرى الى الرضوخ والاعلان بان تقنين بعض قواعد الحرب واعرافها لا يعني، باي حال من الاحوال، الانتقاص من قانونية وسائل الدفاع الاخرى.

ومع ان الغرض من عقد المؤتمرين كان التخفيف من ويلات الحروب وحماية حقوق الانسان وايجاد الحلول السلمية للمنازعات الدولية، فقد اعترفت الاتفاقيات التي صدرت عنهما بقانونية المقاومة الوطنية ضد العدوان والاحتلال، وقررت لافرادها الحقوق ذاتها المقررة لافراد الجيوش النظامية، والقوات المتطوعة، والشعب الذي يهب في وجه العدو.

وعرفت المادة الثانية من لائحة لاهاي للعام 1907 "الشعب القائم او المنتفض في وجه العدو" بانه مجموعة المواطنين من سكان الاراضي المحتلة، الذين يحملون السلاح ويتقدمون لقتال العدو، سواء اكان ذلك بامر من حكومتهم، ام بدافع من وطنيتهم او واجبهم. وقررت المادة ان هؤلاء المواطنين المقاتلين يعتبرون في حكم القوات النظامية وتطبق عليهم صفة المحاربين، بشرط توافر شرطين فيهم: حمل السلاح علنا والتقيد بقوانين الحرب واعرافها.

وجرى العرف حتى نهاية الحرب العالمية الاولى على اعتبار "القوات المتطوعة" و"الشعب المنتفض في وجه العدو" حركات مقاومة شعبية منظمة يستحق افرادها حمل صفة المحاربين. وقد سار الفقه الدولي في هذا الاتجاه.

 

2- ميثاق الأمم المتحدة

لم يكتف هذا الميثاق بتحريم الحرب وتحريم استخدام القوة، بل ذهب، في الفقرة الرابعة من المادة الثانية، الى ابعد من ذلك فحرم مجرد التهديد باستخدامها. وبذلك تكون الامم المتحدة قد الغت مبدأ الحرب القانونية من القانون الدولي واعتبرت كل حرب هجومية حربا عدوانية.

ولم يسمح الميثاق بالحرب الا في حالة الدفاع المشروع عن النفس، وضمن قيود معينة. واعتبرت المادة (51) منه ان للدول افراديا وجماعيا، حقا طبيعيا في الدفاع عن نفسها إذا ما تعرضت لعدوان مسلح.

وعلى الرغم من هذا الانجاز العظيم فقد اصرت الدول الاستعمارية على تفسير حق الدفاع عن النفس بشكل مغالط للواقع، فادعت انه يقتصر على الدول فقط دون الشعوب، ورفضت بالتالي مبدأ حروب التحرير، وحروب العصابات، وحركات المقاومة الشعبية.

غير ان معظم الفقهاء يرون ان هذا المنطق مرفوض بحكم الواقع الدولي والانساني. فالدول الصغيرة او الناشئة لا تقوى على مواجهة الكبار في السلاح يضطرها الى ممارسة حقها في الدفاع المشروع عن طريق المقاومة بمختلف اشكالها، وفي طليعة ذلك المقاومة الشعبية وحرب العصابات. وقد مارست شعوب اوروبا هذا الاسلوب ضد العدوان النازي والفاشي دون انت تعتبر مقاومتها عملا مخالفا للمبدأ المقرر في المادة (51).

لقد انهارت الانظمة الحاكمة امام الاجتياح النازي، فنهض الشعب او قسم منه وحل محل الحكومات في ممارسة حق الدفاع عن الارض والاستقلال. وكانت المقاومة الشعبية هي الشكل المعتمد والسائد. وابلت المقاومة بلاء حسنا، وكان لها الفضل الاكبر في انهاك العدو قبل سحقه (9) .

واعترفت الدول الكبرى بشرعية هذه المقاومة، وتعاملت معها كممثل شرعي لشعوبها، وامدتها بالمال والسلاح، وسمحت لها بافتتاح مكاتب رسمية ومراكز تدريب في اراضيها. فالولايات المتحدة، مثلا لم تتوان عن دعم مختلف حركات المقاومة ماديا ومعنويا. وكان تأييدها للمقاومة الفرنسية كبيرا.

والحقيقة ان كل انواع المقاومة في اوروبا حظيت بعطف الولايات المتحدة وتشجيعها. ففي شهر آب (اغسطس) 1943، اعترفت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا بالمقاومة الفرنسية. وفي كانون الثاني (يناير) 1942، اصدر وزير الخارجية الاميركية تصريحا ايد فيه المقاومة الالبانية ضد الاحتلال الايطالي واعلن :

"ان جهود فرق المقاومة المختلفة التي تعمل في البانيا ضد العدو المشترك تثير الاعجاب والتقدير".

واعترفت معاهدة السلام مع ايطاليا، في العام 1947، بالمقاومة الايطالية. واذا كانت مختلف الفلسفات القانونية تكرس حق الشعب في ان ينتفض ضد حكومته، فالمنطق يقود، من باب اولى، الى الاعتراف بحقه في الثورة على قوة غريبة تحتل ارضه (10) .

 

3- الاتفاقيات الدولية حول حقوق الانسان والشعوب

انها كثيرة، واشهرها واهمها: الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الصادر في العام 1948 عن الجمعية العام للامم المتحدة. وهو يعتبر، في ديباجته، انه من الضروري ان يتولى نظام قانوني حماية حقوق الانسان، لئلا يضطر المرء، في نهاية الامر، الى التمرد على القهر والطغيان.

والى جانب (الاعلان) هناك اتفاقيتان صدرتان في العام 1966: الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية للانسان.

وتطبيقا لمبادئ حقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، اقرت الجمعية العامة في 14-12-1960 (قرار رقم 1514) "الاعلان الخاص بمنح الاستقلال للاقطار والشعوب المستعمرة". وقد جاء فيه "ان اخضاع الشعوب للاستعباد الاجنبي والسيطرة الاجنبية والاستغلال الاجنبي يشكل انكارا لحقوق الانسان الاساسية، ويناقض ميثاق الامم المتحدة، ويعرض السلام والتعاون العالميين للخطر"، و "ان كل محاولة تستهدف، جزئيا او كليا، تقويض الوحدة الوطنية والسلامة الاقليمية لقطر ما، تتعارض مع مقاصد ميثاق الامم المتحدة ومبادئه".

 

4- تعريف العدوان

في 14-12-1974، اصدرت الجمعية العامة، بعد طول انتظار، قرارا بتعريف العدوان، فعرفت المادة الاولى منه العدوان بانه "استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة اخرى، او ضد سلامتها الاقليمية، او ضد استقلالها السياسي..".

وحددت المادة الثالثة الاعمال التي تشكل عدوانا، ومنها: الاجتياح والاحتلال الحربي وقصف الاقليم وحصار المرافئ والسواحل. ونصت المادة السابعة على انه ليس في التعريف ما يمكن ان يمس حق الحرية والاستقلال وتقرير المصير الذي تتمتع به الشعوب، وما يمكن ان يجحف بحقها في ان تكافح من اجل هذا الهدف وفي التماس الدعم وتلقيه من الغير.

والعدوان، حسب المادة الخامسة، لا يمكن ان يبرر باي اعتبار، سواء اكان سياسيا، ام اقتصاديا، ام عسكريا، لان حرب العدوان جريمة ضد السلام العالمي تترتب عليها مسؤولية دولية. وكل المكاسب والمزايا الناتجة عن العدوان لا يمكن ان تعتبر مشروعة، ولا يمكن الاعتراف بآثارها.

 

5- اتفاقيات جنيف للعام 1949

لقد اصرت الدول الاستعمارية، عند وضع هذه الاتفاقيات، على ايراد عبارة "حركات المقاومة المنظمة"، بغية تضييق الخناق على الثورات المسلحة ضد سلطات الاحتلال. ولكن الواقع يثبت لنا انتفاء وجود مقاومة مسلحة يمكن ان يتوافر فيها شرط التجمع والتنظيم في ظل الاحتلال، الى جانب الشروط الاربعة. وان حصل ذلك كان مصيرها الضعف والتفكك.

ان حركات المقاومة هي، عادة، تنظيمات سرية لا تحمل شارة مميزة ولا تظهر بزي عسكري. ثم ان حمل السلاح علنا لم يعد امرا معقولا او عمليا في الحروب الحديثة. ان رجال المقاومة لا يظهرون بسلاحهم الا في لحظات القتال.

ولهذا وجد الكثيرون ان الشرطين المتعلقين بالشارة المميزة وكيفية حمل السلاح يشكلان قيدين يصعب التقيد بهما، وان التشديد على الشروط جميعا يؤدي:

"الى حرمان الكثير من حركات المقاومة في العالم من صفتها هذه، وذلك لتناقض احكام الاتفاقيات الدولية في الكثير من زواياها مع متطلبات العمل الفدائي التي تستند الى السرية والمفاجأة، ومع طبيعة الحرب الحديثة التي تعتمد على السرعة وانواع الاسلحة المتطورة تقنيا. وقد تفهمت المحاكم المنشأة بعد الحرب العالمية الثانية هذه الصعوبات، فاتخذت موقفا لينا تجاه حركات المقاومة التي لم تلتزم كليا بشروط انظمة لاهاي، المطابقة لشروط اتفاقية جنيف. وقالت المحاكم بوجوب معاملة رجال المقاومة المقبوض عليهم كأسرى حرب حتى لو ثبت في المحاكمة انهم غير جديرين بصفة المحاربين القانونيين" (11) .

ومع ان معظم الفقهاء لم يجدوا في اتفاقيات جنيف نصا صريحا يحول دون لجوء سكان الاراضي المحتلة الى اعلان الثورة المسلحة او العصيان المدني على سلطان الاحتلال، ومع ان بعضهم قرر، بصراحة تامة، ان حروب العصابات وحركات المقاومة التي يقوم بها الشعب المحتل للدفاع عن وطنه وحريته هي حروب مشروعة يحميها القانون الدولي (12) ، فان الموقف من حركات المقاومة غير النظامية والثورات التلقائية العارمة ضد المحتلين ما زال غير موحد.

والسبب يعود الى موقف الكبار من شرعية المقاومة. فهذا الموقف ما زال خاضعا لمصالحهم وتباين اوضاعهم. فالدولة الكبرى تؤيد فكرة الشرعية عندما تكون رازحة تحت الاحتلال، وترفضها عندما تصبح دولة الاحتلال.

فبريطانيا كانت خصما للمقاومة الشعبية في حرب البوير في جنوب افريقيا. والولايات المتحدة كانت خصما لها في الحرب الاهلية الاميركية. الا ان الدولتين اصبحتا من المؤيدين والمساعدين لحركات المقاومة ضد الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية.

وبقيت المانيا النازية حتى نهاية الحرب من الد اعداء المقاومة. ولم يتورع قادتها عن اصدار التعليمات الصريحة القاضية بتصفية افراد المقاومة بلا رحمة. ولكن ألمانيا اضطرت، تحت وطأة الظروف القاسية وبدافع من المصلحة الذاتية الى تغيير موقفها من فكرة المقاومة عندما دخلت جيوش الحلفاء اراضيها في العام 1945 كقوات احتلال، فقد اصدرت آنذاك تعليمات الى جميع مواطنيها دعتهم فيها الى وجوب مقاومة العدو في الاراضي الالمانية، المحتلة وغير المحتلة.

وبالاضافة الى كل ما ذكرنا ينبغي لنا الا ننسى موقف الجمعية العامة من حركات التحرير الوطني في العالم، نفقد استطاعت هذه الجمعية ان تكرس وجود هذه الحركات وترفع من شأنها ومكانتها بمنحها صفة العضو المراقب.

والخلاصة ان سكان الاراضي المحتلة اصبحوا يجدون في الوثائق والمواقف الدولية ما يبرر لجؤهم الى حمل السلاح للدفاع عن الشرف والنفس والارض. ولكن الاعتماد على القوانين والمواثيق فقط لا يكفي. ونحن، على الرغم من اعتزازنا بالإنجازات الانسانية الباهرة التي حققها القانون الدولي المعاصر في مجال توفير الحماية لرجال المقاومة، ما زلنا نعتقد ان المقاوم اللبناني لا يقاتل قوات الاحتلال لان القانون بجانبه، او لان اتفاقيات جنيف قادرة على حمايته، بل لانه تعلم، من تجارب امته وتجارب الامم الاخرى، ان باب الحرية والكرامة لا يدق الا بايد مضرجة بالدماء.


الهوامش

1- نقلا عن د. عز الدين فوده، في كتابه: الاحتلال "الاسرائيلي" والمقاومة الفلسطينية، (بيروت : مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1969)، ص 124-125، (سلسلة دراسات فلسطينية رقم 62).

2- راجع دراسة د. عبد العزيز سرحان عن : "تطور وظيفة معاهدات الصلح" في المجلد الثالث من: دراسات في القانون الدولي، (القاهرة: الجمعية المصرية للقانون الدولي، 1971)، ص 122-125.

3- راجع دراسة د. محي الدين العشماوي عن : "الصفة الآمرة لقواعد الاحتلال الحربي"، المجلة المصرية للقانون الدولي للعام 1973، ص 179-200.

4- راجع ما كتبه د. حسن الجلبي حول هذا الموضوع، في المجلة المصرية للقانون الدولي، للعام 1966، ص 67-68.

5- ROUSSEAU CH, LE DROIT DES CONFLITS ARMES, (PARIS, ED. A. PEDONJE, 1983), PP. 71-80

6- راجع دراسة د. عائشة راتب حول: "مشروعية المقاومة المسلحة". في المجلد الثاني من دراسات في القانون الدولي" (القاهرة: الجمعية المصرية للقانون الدولي، 1970)، ص 203-204.

7- راجع كتاب الامم المتحدة عن نشاطها في حقل حقوق الانسان. منشورات الامم المتحدة (بالفرنسة) للعام 1975، ص 122-126.

8- راجع، مثلا، القرار رقم 5 (الدورة 36)، في 15-2-1980.

9- راجع دراسة شفيق الرشيدات عن : "المقاومة الفلسطينية والقانون الدولي وحقوق الانسان"، في مجلة "الحق" التي تصدر عن اتحاد المحامين العرب. عدد يناير (كانون الثاني) 1970. ص 58-73.

10- راجع كتاب الياس حنا، الوضع القانوني للمقاومة العربية في الارض المحتلة، (بيروت: مركز الابحاث الفلسطيني 1968)، ص 80-81، (سلسلة دراسات فلسطينية رقم 49).

11- المرجع السابق، ص 101.

12- راجع، مثلا، دراسة:

IP TRAININ, QUESTIONS OF GUERILLA WARFARE IN THE LAW OF WAR, (A.J.I.L., 1946), PP. 534-562.