الاطماع "الاسرائيلية" في الاراضي اللبنانية

 البعد القانوني لمفاوضات الحدود الدولية

د. عصام خليفة

استاذ في الجامعة اللبنانية

دراسة وردت للمؤلف في كتابه لبنان: الحدود والمياه 1916 - 1975، (بيروت، 1996).


اولا: الصراع على المجال الجغرافي - قضية الحدود

ان فلسفة الحركة الصهيونية التي تركز على تحويل كل يهود العالم للعيش في دولة "اسرائيل"، فرض على هذه الدولة ان تكون ذات حدود متغيرة باستمرار. من هنا رفضها الاعتراف بالحدود الدولية مع الدولة اللبنانية. ومن هنا سعيها المستمر الى تغيير هذه الحدود.

هذا الموقف يرتكز على تفسير مادي للسفر الذي ورد في اصحاح الخلق "لذريتك اعطي هذا البلد من نهر مصر الى النهر الكبير " (اصحاح 15، اية 8)، كما يرتكز هذا الموقف على قراءة مشوهة لفترات معينة من التاريخ، حيث يتم التأكيد ان الحدود التاريخية ل"اسرائيل" هي الحدود التي كانت خلال حكم داود وسليمان وهي تشتمل على المنطقة المحصورة بين صيدا على البحر المتوسط ومنها حتى جنوب دمشق، وفي الشرقف من جنوب دمشق، شرق عمان شرق معان، شرق العقبة على خليج العقبة، وفي الغرب الخط الواصل من جنوب رأس النقب على خليج العقبة وحتى شرق مدينة العريش.

ومن جملة الادلة التي تعطى على اعتبار جنوب لبنان جزءا من ارض الميعاد توطن اربع قبائل عبرانية فيه (اشر، ايزاشر، زوبولون، نفتالي) (1) .

ومنذ قيام الحركة الصهيونية، كانت هناك خطة ثابتة لديها باعتبار جنوب لبنان، على الاقل، امتدادا طبيعيا وجغرافيا للجليل. وقد وضحت في كتابي "الحدود الجنوبية للبنان بين مواقف نخب الطائف والصراع الدولي (1908-1936) تفاصيل المداخلات التي قامت بها الحركة الصهيونية لتوسيع حدود فلسطين باتجاه الشمال وبينت الاهمية التي اولاها قادة الحركة الصهيونية لمسألة مياه جنوبنا بالنسبة لمستقبل الدولة العبرية.

لقد ظلت الحركة الصهيونية ثابتة في موقفها الضمني بالنسبة للحدود التي تؤمن بها حدودا حقيقية لفلسطين متبعة سياسة المراحل. اي انها توافق مؤقتا على الامر الواقع ولكنها تسعى لتغيير هذا الواقع عندما تسمح الظروف بذلك. وهذا ما ذكره احد الباحثين الاميركيين (برنارد راش) حيث قال:

"ان الاتجاهات السياسية "الاسرائيلية" والرأي العام "الاسرائيلي" كان منقسما بالنسبة لتحديد الرقعة او الحدود التي يريدونها ومن ثم اتفقوا على شيء واحد وهو عدم التكلم عن هذا الموضوع وتركه للوقت والظروف التي ستحدد مقدار الرقعة التي يمكن ان تضمها. "اسرائيل" تبدو وكأنها اخذة بمفهوم راتزل للحدود السياسية. هذا المفهوم البيولوجي الذي يركز على التوسع والاستيلاء على المناطق والاقاليم العامة في اطار هاجس اعلاء سلطان الدولة وقوتها". يقول بن غوريون: "ليست المسألة مسألة احتفاظ بالوضع الراهن، فعلينا ان نقيم دولة غير متجمدة، دولة ديناميكية تتجه الى التوسع" (2).

المنظور "الاسرائيلي" لمسألة الحدود مع لبنان

ان الخط التاريخي الذي حكم الفكر الاستراتيجي لزعماء "اسرائيل" شدد باستمرار على ضرورة التوسع وبخاصة نحو منابع المياه اللبنانية وفي طليعتها الليطاني. وغولدا مائير قالت في الكنيست:

"ان الحدود الصحيحة هي الاماكن التي يقطن فيها اليهود، لا الخطوط المرسومة على الخرائط".

وليفي اشكول يرى ان الحدود الآمنة هي في سلام "يؤمن لنا حدود الامن في الشرق الأوسط وحرية الملاحة في الغرب، وسيطرة على منابع المياه (الشمالية)"..

اما بيغال الون فقد قال:

"ان على "اسرائيل" ان ترسم حدودها وفق احتياجات الامن، وارتباطنا التاريخي بالبلد، والامكانيات السياسية".

ويضيف في مجال آخر:

"وتتكون مع حركة وموقع حارث الارض والعامل اليهودي". ويؤكد ان خطوط الهدنة التي كانت قائمة عام 1949:

"لا يمكن ان تكون حدودا دائمة. انها، في غالبيتها، خاوية من اي قيمة استراتيجية، عودة "اسرائيل" اليها تعني عودتها الى مصيدة موت استراتيجية محتمة".

ويعلل وجهة نظره هذه بقوله: "ان حدود "اسرائيل" السياسية" يجب ان تكون "حدودا آمنة من الناحية الاستراتيجية".

وعام 1952، صرح بن غوريون قائلا:

"كل دولة تتكون من ارض وشعب، و"اسرائيل" لا تشكل استثناء لهذه القاعدة ولكنها دولة ليست مطابقة لارضها او لشعبها. فحين قامت الدولة لم تكن تضم سوى 6 بالمئة من مجموع الشعب اليهودي. علينا ان نقول ان الدولة قامت فوق جزء من ارض "اسرائيل" ".

وعام 1972، نشرت صحيفة "معاريف" (7 تموز (يوليو)) حديثا لغولدا مائير ننقل بعض ما ورد فيه:

- ما هي حدود الاراضي التي تعتبرونها ضرورية لتأمن "اسرائيل" ؟

- اذا كانت تريد ان تقول انه يتعين علينا ان نرسم خطا لحدودنا، فهذا امر لم نفعله. وسننفذه عندما يجيء الوقت المناسب. ولكن يجب ان يعرف الناس ان من اساسيات سياستنا عدم النص في اي معاهدة للسلام على حدود 1967، فلا بد من ادخال تعديلات على الحدود. نريد تغييرا في حدودنا، في كل حدودنا، من اجل امن بلادنا".

وفي 10 اب (اغسطس) 1967، قال دايان:

"نحن لا نحتاج الى حدود دائمة فقط بل الى حدود تضمن السلام". واضاف: "الحديث عن قداسة الحدود في هذه المنطقة مجرد هراء.. والحدود في منطقتنا ليست شيئا ثابتا بل هي دائمة التغيير والتعديل" (3).

 

الحدود الآمنة ليست خطوط اتفاقيات الهدنة

ان الخطوط التي تحددت في اتفاقيات الهدنة اعتبرتها اغلبية القيادات السياسية "الاسرائيلية" خطوطا مؤقتة. فليفي اشكول اعتبر - في تصريح بتاريخ 29-10-1967 - "ان خطوط الهدنة قد جرى الاتفاق عليها عام 1949 بناء على اعتبارات عسكرية فقط وان هذه الخطوط ليست حدودا طبيعية". واضاف ان هدف حكومته هو "تعيين حدود قومية آمنة ومتفق عليها في اطار معاهدات الصلح".

اما بيغال الون فقد قال في الكنيست بتاريخ 21-2-1968 "ان جميع الخرائط التي اصدرتها مصلحة المساحة "الاسرائيلية" التي تتضمن علامات خطوطا الهدنة سنة 1948 اصبحت اثرية وتاريخية واصبحت في ذمة التاريخ. وان "اسرائيل" لا تعترف بخطوط الهدنة لسنة 1948".

وفي 10-3-1969، يقول الون: "ان خطوط الهدنة لعام 1949 ليست حدودا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن العودة اليها، ويربط الون تخطيط حدود "اسرائيل" السياسية باحتياجات الامن (اي الحدود الآمنة)، والميل الخارجي للشعب اليهودي الى ارض "اسرائيل" (اي الحدود التاريخية)، والامكانيات السياسية.

"اسرائيل" تلغي اتفاق الهدنة مع لبنان من طرف واحد

بعد حرب حزيران (يونيو) 1967، اتخذت "اسرائيل" موقفا بالغاء اتفاق الهدنة مع لبنان متذرعة ببعض الحجج الواهية. منها القول بان رسالة رئيس وزراء لبنان المرحوم رشيد كرامي اكدت تضامن لبنان مع دول المواجهة في 31-7-1967. فسارع وزير خارجية "اسرائيل" في 14-8-1967 الى الغاء اتفاقية الهدنة مع لبنان من طرف واحد. وقد اضاف ديفيد كيمحي جملة حجج لالغاء اتفاق الهدنة منها توقيع لبنان لاتفاق القاهرة.

ربط تحديد الحدود بالتفاوض

لم توضح "اسرائيل" بشكل مستمر مفهومها للحدود بل ربطت هذه الحدود بالمفاوضات وبمعاهدات السلام التي سيتم الاتفاق عليها مع الدول المجاورة.

فغولدا مائير تذكر عام 1970:

"سوف نوافق على السلام الحقيقي والذي سوف نصل اليه بين اطراف النزاع بواسطة المفاوضات المباشرة التي ستؤدي الى الامن والاعتراف وحدود متفق عليها، وهذا ما نسميه السلام الدائم والذي يمنع الحروب في المنطقة".

اما شيمون بيريز فيقول في 1-1-1971:

".. لهذا يجب عند المفاوضات تنظيم الحدود في مناطق قابلة للدفاع عنها. فان الحدود في رأيي اكثر اهمية من الضمانات".

ويضيف بيريز في حديث نقلته وكالة "رويتر" في 27-2-1971 انه:

"يعارض تقديم خريطة الحدود الجديدة التي تطلبها "اسرائيل"، فان "اسرائيل" ليست في عجلة من امرها كي تصنع مثل هذه الخريطة التي اذا قدمناها لتمثل الحد الادبي فلسوف تتهم بالرغم من ذلك بالتوسع، ولكن يجب تقديم هذه الخريطة عندما يوافق العرب على التفاوض معنا مباشرة".

وفي المعنى نفسه، يقول مناحيم بيغن في 10-3-1971:

لا يجب على "اسرائيل" ان تقدم خريطة حدود، فالخريطة التي ستقدم كحد ادنى ستتحول في المفاوضات الى حد اقصى نطالب بالتراجع عنه. وبالتالي، فتقديم هذه الخريطة سيعود في كل حال بشر كبير".

اما رابين فيقول في 19-9-1974 (هآرتس):

"ان المفاوضات في المرحلة المقبلة ستكون حول السلام. اما مشكلة الحدود فهي جزء من المفاوضات حول السلام..".

هكذا تبدو "اسرائيل" متمسكة بالاراضي التي تحتلها، فتخفي مطالبها الاساسية، وتتقن فن المناورة وتعتمد على سياسة الامر الواقع والضغط لاجبار العرب على الاقرار بالحقائق الجديدة.

وكدليل على فن الخداع والمناورة، نعرض جواب "اسرائيل" على اسئلة غونار يارينغ عام 1969: في مطلع آذار من عام 1969، طرح مندوب الامم المتحدة غونار يارينغ 14 سؤالا على المسؤولين في كل من مصر و"اسرائيل" والاردن ولبنان. ولقد تمحورت الاسئلة 3 و 4 و 5 حول مفهوم سيادة الدولة على اراضيها وماهية الحدود الآمنة والمعترف بها بالنسبة الى هذه الدول.

جواب "اسرائيل" على المندوب الدولي، الذي سلم في 2 نيسان (ابريل) 1969 وضح موقفها من مسألة الحدود.

جواب السؤال الثالث:

"توافق "اسرائيل" على الاعتراف بالسيادة واحترامها وعلى الامن الاقليمي والاستقلال السياسي للدول العربية المجاورة.

ان هذا المبدأ سيضمن في معاهدات السلام التي تحدد الحدود المتفق عليها".

جواب السؤال الرابع:

"ان حدودا آمنة ومعترفا بها لم توجد يوما من الايام بين "اسرائيل" والدول العربية. وعليه، فان من الضروري تحديدها الان كجزء من عملية الوصول الى السلام. ويجب استبدال وقف اطلاق النار بمعاهدات سلام، تحدد حدودا آمنة ودائمة ومعترفا بها، كما يتفق عليها بالمفاوضة بين الحكومات المعنية".

ما هي الخلاصة التي يمكن ابرازها؟

1- "اسرائيل" تسعى لتغيير كل حدودها.

2- ترفض "اسرائيل" اعتبار خطوط وقف اطلاق النار بمثابة حدود.

3- تخطيط الحدود يخضع لاحتياجات الامن والحدود التاريخية.

4- تخطيط الحدود يرتبط بمعاهدات سلام.

5- "اسرائيل" الغت اتفاق الهدنة مع لبنان.

المنظور اللبناني لمسألة الحدود بمواجهة الطرح "الاسرائيلي"

ان مسألة الحدود ووضوحها واحترامها هي من المسائل المركزية في العلاقات الدولية. وسيادة الدول واستقلالها يرتبطان بتوضيح ترسيم الحدود. وممارسة السيادة والاستقلال تكون ضمن حدود الدولة ومن قبل القوى العسكرية الوطنية. من هذا المنطلق، فان الرد اللبناني على الطروحات "الاسرائيلية" يرتكز على قاعدة صلبة من منظار القانون الدولي. وفي مواجهة المخطط الصهيوني الذي يسعى لتغيير الحدود الدولية الجنوبية للبنان بهدف السيطرة على المياه وعلى الارض، يجدر بنا ان نذكر بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية. ومهما حاولت الديبلوماسية "الاسرائيلية" ان تؤكد انها غير طامعة بالمياه او الارض، فان البروفسور يوفال نئمان احد وزراء حكومة بيغن عام 1982 فضح الاطماع الصهيونية الاكيدة عندما قال:

"امامنا فرصة عظمى ينبغي على "اسرائيل" ان تغتنمها لاقامة نظام جديد في لبنان.. يجب ان يستعد الجيش ليبقى وقتا طويلا في لبنان. وخلال ذلك تستطيع "اسرائيل" ان تحسن وضعها الاقتصادي ومركزها من الناحية الفنية الادارية في منطقة تعتبر تاريخيا جزءا لا يتجزأ من "اسرائيل" الكبرى.. وستتمكن ولا شك من ان تدخل في الخطة الانمائية الجزء الجنوبي من لبنان حتى نهر الليطاني.."

وردا على هذه الاطماع، فالموقف اللبناني الساعي لحماية الاستقلال والسيادة الوطنية يجب ان يركز على ما يلي:

1- في 23 كانون الاول (ديسمبر) 1920، تم التوصل الى اتفاق لتحديد الحدود بين منطقة الانتداب الفرنسي ومنطقة الانتداب البريطاني، وبخاصة بين لبنان وفلسطين. وفي آذار (مارس) 1923، تم التوصل الى رسم الحدود بين لبنان وفلسطين وسوريا من خلال اتفاق سمي اتفاق بوله - نيوكومب.

2- هذا الاتفاق اصبح له صفة دولية بعدما تقدم به الطرفان الانكليزي والفرنسي الى عصبة الامم. اذن عندما نقول عبارة "الحدود المعترف بها دوليا نعني اتفاق بوله - نيوكومب المكرس من قبل عصبة الامم.

3- هذا الترسيم وضع نقاطا محدودة على امتداد الحدود الفلسطينية - اللبنانية، وعدد هذه النقاط 38 نقطة، ثم اكملت هذه النقاط بين سوريا وفلسطين لتصل الى الرقم 71.

4- في العام 1926، تم التوقيع على اتفاق حسن جوار بين السلطات الانجليزية المنتدبة على فلسطين والسلطات الفرنسية المنتدبة على لبنان وسوريا.

5- في العام 1949 (11 ايار (مايو))، تمت الموافقة على انضمام "اسرائيل" الى الامم المتحدة، وعلى نحو استثنائي، فقد ربطت عضويتها بشروط وردت في مقدمة القرار:

".. ومع الاخذ بعين الاعتبار، اعلان دولة "اسرائيل" انها سوف تقبل دون تحفظ التزامات الامم المتحدة التي نص عليها الميثاق، وتقيدها بواجباتها، منذ اليوم الاول الذي تصبح فيه عضوا في هذه المنظمة.

ومع الاخذ بعين الاعتبار التصريحات والشروحات التي قدمها ممثلو حكومة "اسرائيل" امام اللجنة السياسية الدائمة، والتي تعهدوا فيها بتنفيذ قرارات الامم المتحدة المتخذة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 (المتعلقة بالحدود)، وفي الحادي عشر من كانون الاول 1948 (التقسيم او التعويض على اللاجئين)، فان الجمعية العامة تقرر قبول "اسرائيل" في عضوية الامم المتحدة".

6- ان من يعود الى محاضر جلسات التوقيع على اتفاقية الهدنة 23 آذار (مارس) 1949 يلاحظ حرص المفاوض اللبناني على ان يتضمن الاتفاق مادة صريحة لا لبس فيها تدل على الاعتراف بالحدود السياسية المعترف بها دوليا. وقد احتدم الجدال حول هذه النقطة، مما اطال الجلسات عدة ايام، بعدما كان المفروض ان يتم الاتفاق والتوقيع في جلسة واحدة، وبالفعل، فقد جاء في المادة الخامسة:

"أ- يجب ان يتبع خط الهدنة الدائمة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين.

7- بين 5 و 15 كانون الاول (ديسمبر) 1949 حصل مسح جغرافي ادى الى ترسيم الحدود بين لبنان و"اسرائيل" من خلال لجنة الهدنة اللبنانية - "الاسرائيلية" وباشراف مندوب من الامم المتحدة. ونود ان ننشر تعريبا حرفيا لهذا الاتفاق نظرا لاهميته البالغة في المفاوضات الحالية. اما جواب الحكومة اللبنانية الذي تلقاه السيد يارينغ في 21 نيسان (ابريل) 1969، والموقع من وزير الخارجية يوسف سالم، فقد جاء فيه:

".. من الطبيعي ان خطوط الهدنة لم تتبدل مطلقا، وهي تتطابق بالاضافة الى ذلك مع الحدود التي اعترف بها دائما دوليا كحدود لبنان سواء في الوثائق الدبلوماسية الثنائية، والمتعددة الاطراف، او من جانب عصبة الامم ومنظمة الامم المتحدة، والميثاق الذي اسهم لبنان اسهاما فعليا في وضعه، والذي اقر بسيادته وبكيانه الحالي..".

8-بعد عملية الليطاني في آذار (مارس) عام 1978، صدر عن مجلس الامن القرار 425. وقد جاء في مادته الاولى:

أ- يطلب ان تحترم بدقة وحدة الاراضي اللبنانية، وكذلك سيادة واستقلال لبنان السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا وتطبيقا لهذا القرار ارسلت القوات الدولية الى الجنوب طبقا للقرار 426.

وفي 17-9-1978، صدرت وثيقة كامب دايفيد. وقد ورد فيها:

"ان السلام يتطلب احترام السيادة والوحدة الاقليمية، والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، وحقها في العيش في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها غير متعرضة لتهديدات او اعمال عنف".

على صعيد اخر، لحظت هذه الوثيقة ما يلي:

1- "تعلن مصر و"اسرائيل" ان المبادئ والنصوص المذكورة ادناه ينبغي ان تطبق على معاهدات السلام بين "اسرائيل" وكل من جيرانها مصر والاردن وسوريا ولبنان. ومن الخطوات الواجب اتخذاها: الاعتراف الكامل، الغاء المقاطعات الاقتصادية وغيرها".

هكذا يبدو ان الموقف اللبناني يرتكز على القانون الدولي ويتمتع على الصعيد النظري بكل مقومات الشروط الشرعية الدولية.

اما بالنسبة الى اتفاقية الهدنة، فقد ركز لبنان على تمسكه بها في عدة مناسبات:

أ- وزير الخارجية جورج حكيم تشرين الاول (اكتوبر) 1967 ووزير الخارجية فؤاد بطرس تشرين الاول (اكتوبر) 1968 ومندوب لبنان في الامم المتحدة اكدوا جميعا على استمرار تمسك لبنان باتفاقية الهدنة.

ب- السفير انطوان فتال رد، خلال المفاوضات اللبنانية - "الاسرائيلية" (28-12-1982) على النظرية "الاسرائيلية" قائلا:

"لقد اتهمت الحكومة "الاسرائيلية" لبنان بانه اعلن الحرب وفق الاصول الكلاسيكية مما كان يلغي آنذاك اتفاق الهدنة، انما نؤكد اننا رفضنا دائما ونرفض هذه النظرية. ان لبنان لم يعلن الحرب على "اسرائيل" عام 1967 ولا خاضها ولا قام باية اعمال عسكرية، والمجتمع الدولي يؤكد ذلك".

ثم يذكر فتال:

" بان المادة الثانية من هذا الاتفاق تنص على انه يظل حتى الوصول الى حل سلمي بين الاطراف. وتدل كذلك على ان لهذا الاتفاق طابعا دائما ونائيا مما يميزه عن اتفاقيات الهدنة التقليدية..".

"ان اتفاق الهدنة اللبنانية-"الاسرائيلية" لا يمكن ايا من الفريقين الغاءه. اي انه ليس بمقدور لبنان ولا "اسرائيل" الانفراد في تقرير تجاهل الالتزامات المترتبة من جراء هذا الاتفاق، (وبالتالي) فان اتفاق رأس الناقورة لا يزال الاداة القانونية التي تسوس العلاقات اللبنانية - الاسرائيلية" (4).

وكذلك فان الدكتور ادمون نعيم يؤكد:

"ان اتفاق الهدنة يبقى ساري المفعول حتى تحقيق الحل السلمي بين البلدين" (5).

والامم المتحدة من جهتها اعتبرت اتفاقية الهدنة (6) ما تزال قائمة قانونيا من خلال موقف امينها العام بتاريخ 15-9-1967 ومن خلال قرارا مجلس الامن (332 تاريخ 21-4-1973، والقرار 450 تاريخ 14-6-1979، والقرار 501 تاريخ 26-2-1982).

الحدود الدولية للبنان الجنوبي من خلال بعض وثائق مؤتمر التسوية

اذا كان من الاهمية بمكان التوقف عند تحليل خلفيات مؤتمر السلام وظروف انعقاده والمنطلقات التي توجه اعماله، واذا كان منطق بعض الزعماء اللبنانيين الداعين الى مقاطعته يوجب التوقف عنده لما له من القوة والتماسك، فحسبنا الان ان نستقرئ ما ورد في بعض وثائق المؤتمر المنشورة (7) حول مسألة حدودنا الجنوبية:

 

1- الموقف الاميركي

أ- في خطاب الدعوة الى المؤتمر تم التأكيد على اساس التفاوض هو القرارين 242 و 338.

ب- في رسالة التطمينات الاميركية الى لبنان، اكدت الولايات المتحدة على : مبدأ الارض مقابل السلام طبقا لقرار مجلس الامن الدولي 242 338.

- استمرار تأييد القرار 425.

- حق لبنان في استقلال ووحدة الاراضي ضمن حدوده المعترف بها دوليا.

- حق "اسرائيل" في حدود آمنة مع لبنان.

- بسط سلطة الدولة على اراضي البلاد كلها من خلال تطبيق اتفاق الطائف.

ج- في رسالة التطمينات الاميركية الى "اسرائيل":

- الاستناد الى قراري مجلس الامن 242 و 338.

- تأكيد على ان "اسرائيل" تستحق حدودا آمنة وقابلة للدفاع عنها.

- هذه الحدود يجب ان يتفق عليها في مفاوضات مباشرة بحيث تكون مقبولة من جيرانها. لم تبلور الولايات المتحدة حتى الان موقفا نهائيا من مسألة الحدود.

- ل"اسرائيل" الحق في الامن على امتداد الحدود الشمالية كلها.

 د- في خطاب الرئيس بوش ابان افتتاح المؤتمر:

- "لكننا نريد السلام، السلام الحقيقي. وانني اتحدث عن الزمن والعلاقات الاقتصادية والتجارية والتبادل الثقافي" (اذن مع حدود مفتوحة).

- مع احتياجات "اسرائيل" الامنية المعقولة.

- ( ان اميركا) تسعى الى تسوية عادلة ودائمة. (وهي) لن تحدد ما يعني هذا. (وهي ستتعامل مع ذلك) بناء على المفاوضات التي ترسم الحدود، ويجب ان نتحدث عن اراضي وتقسيمها والحدود والترتيبات السياسية. والولايات المتحدة سوف تقبل كل ما تجده الاطراف مقبولا.

- المفاوضات ستتم على اساس القرارين 242 و 338، ولا ذكر للقرار 425.

هـ- من بيان جيمس بيكر:

- السلام المزمع قيامه يعني قيام علاقة حسن جوار ووضع معاهدات سلام وعلاقات اقتصادية وثقافية وسياسية.

2- الموقف "الاسرائيلي"

أ- في خطاب شامير، لا ذكر للبنان وانما هناك ربط بين مفهوم "اسرائيل" للسلام وبحث عناصر التعايش والتعاون الاقليمي.

- هدف التفاوض المباشر هو التوقيع على معاهدات سلام بين "اسرائيل" وجاراتها.

ب- في تعقيب شامير، ذكر بان "اسرائيل" ليس لديها اطماع في الاراضي اللبنانية.

- في اطار معاهدة السلام وانسحاب الوجود السوري، بامكان "اسرائيل" ان تعيد الاستقرار والامن على الحدود بين البلدين.

ج- انطلاقا من الوثيقة التي نشرتها السفير بتاريخ 11-5-1993 حول الاقتراح "الاسرائيلي" للوفد اللبناني المفاوض يمكننا استنتاج ما يلي:

- الرغبة في الانسحاب من اراض وليس الاراضي اللبنانية هي رغبة لبنانية.

استعملت الوثيقة كلمة البقعة ولم تستعمل كامل الاراضي اللبنانية.

"اسرائيل" ترغب في عقد معاهدة سلام مع لبنان.

- هذه المعاهدة تتضمن في جملة ما تتضمن (هذا يعني انها تتضمن جوانب اقتصادية وسياسية وثقافية وغيرها) بنودا تهدف الى تأمين امن "اسرائيل" على طول حدودها الشمالية ولم تشر الى انها حدود دولية.

- وباعتبار ان رغبة كل من البلدين (لم تستعمل مصطلح الدولتين).

- استعملت مصطلح الحدود اللبنانية "الاسرائيلية" ولم تطلق عليها صفة الدولية.

- الاشارة الى مجموعة العمل العسكرية المشتركة، لا توضح من هي الجهة التي تعين اسماء افرادها. هذا يعني ضمنا امكانية تعيين قائد للميليشيات المتعاملة معها في عدادها.

- عمل اللجنة العسكرية درس المشاكل الامنية والتفتيش عن حلول مقبولة من الفريقين. (اتفاق 17 ايار يسمح ل"اسرائيل" بالقيام بدوريات عسكرية في الجنوب اللبناني...).

الجلسة العامة هي التي لها حق التقرير وهي لها حق التوجيه.

- عمل اللجنة يستند الى اسس قواعد المؤتمر. لا توضح "اسرائيل" ما هي اسس وقواعد المؤتمر بالنسبة للبنان: اهي القرار 425 ام القراران 242 و 338 ام ماذا؟

ما هي ابرز الملاحظات التي يمكننا إيرادها على كل من الموقفين الاميركي و"الاسرائيلي" من منظار ايماننا وحرصنا على استقلال لبنان وسيادته على كامل ترابه الوطني:

1- حول الموقف الاميركي

أ- لبنان غير معني بالقرارين 242 و 338، فلماذا اصر الاميركيون على ربط لبنان بهذين القرارين؟

ب- كيف توفق الولايات المتحدة بين اشارتها الى حدود لبنان والمعترف بها دوليا في رسالة التطمينات للبنان وبين رفضها لوجود حدود دولية في خطاب الرئيس بوش ابان المؤتمر؟

ج- لماذا تم تجاهل القرار 425 في خطاب الرئيس بوش بينما تم ذكره في رسالة التطمينات؟

د- ماذا تعني الولايات المتحدة بالحدود الآمنة ل"اسرائيل" مع لبنان؟ وما معنى الاحتياجات الامنية المعقولة؟ وكيف تقول اميركا انها لم تبلور موقفا نهائيا من الحدود بينما تتكلم عن حدود لبنان المعترف بها دوليا؟

هـ- كيف توفق اميركا بين التزامها بانسحاب القوات غير اللبنانية كافة من لبنان، وتأييدها لاتفاق الطائف الذي يشير فقط الى اعادة تمركز القوات السورية؟

و- هل ان المرجعية، في حال حصول خلاف بين العرب و"اسرائيل"، هو القانون الدولي وتفسير الامم المتحدة للقرارين 242 و 338 ام ان الولايات المتحدة هي المرجعية؟

2- حول الموقف "الاسرائيلي"

اضافة الى النقاط النقدية التي طرحناها حول الاقتراح "الاسرائيلي" لوفدنا المفاوض، نطرح النقاط التالية:

أ- ما دامت "اسرائيل" لا تطمع بالاراضي اللبنانية، فلماذا لا تستعمل مصطلح الحدود المعترف بها دوليا؟ وهل لا تزال ""اسرائيل"" تعترف باتفاق ترسيم بينها وبين لبنان والموقع بتاريخ 12 كانون الاول (ديسمبر) 1949 باشراف الامم المتحدة؟

ب- لم يشر شامير في خطابة الى الانسحاب من لبنان بل ذكر ان "اسرائيل" ستعيد الاستقرار والامن على الحدود بين البلدين - وليس الدولتين- في حال انسحاب الوجود السوري - وليس الجيش السوري.

يقول الجانب "الاسرائيلي" انه وفقا للقرار 242، فان انسحاب القوات "الاسرائيلية" لا يكون من جميع الاراضي العربية التي تم احتلالها بل من بعض هذه الاراضي. وان النص الإنجليزي للقرار، وهو في نظرها النص الرسمي الوحيد الذي اعترفت به، يشير صراحة الى ان الانسحاب يكون من اراض محتلة وليس من جميع الاراضي المحتلة. ويضاف الى ذلك ان ذكر كلمة الحدود الآمنة في القرار يؤكد ان الحدود القديمة التي كانت قائمة قبل الحرب يجب تعديلها. على صعيد اخر، يهمنا التذكير بما قال سيسكو - مساعد كيسنجر - الى مجلة المجلة اللندنية (العمل 4-6-1981):

".. نعم ان سهل البقاع مهم جدا لامن سورية وهذا ما جرى الاعتراف به في التفاهم الضمني (نظام الخطوط الحمر). واهمية هذا السهل بالنسبة لسوريا هي كأهمية الحزام الامني بالنسبة لاسرائيل".

الهوامش


الهوامش

1- George Adam Smith ( the Historical geography of the Holy Land) (London: 1894) p.415.

2- ديفيد بن غوريون، بعث "اسرائيل" ومصيرها، )نيويورك: 1954)، ص 419.

3- الجيروزاليم بوست، 10 اب )اغسطس) 1967.

4- حاليات، العدد 28، خريف 1982، ص 271-272.

5- حاليات، العدد 29 ص 11.

6- راجع مقال نبيل خليفة، مجلة المستقبل، السنة 12، العدد 593.

7- استندنا الى الوثائق المنشورة في مجلة السياسة الدولية، العدد 107.