محكمة الجزاء الدولية والعدوان "الاسرائيلي" على لبنان
د. انطوان ساروفيم
استاذ في الجامعة اللبنانية
(دراسة سوسيو-قانونية)
مقدمة
اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة، في خلال مؤتمر لمبعوثين مطلقي الصلاحية، في روما، في 17 تموز يوليو 1998، محكمة الجزاء الدولية، انها تأتي انطلاقا من "الروابط المشتركة" الحضارية التي تجمع الشعوب. "علما انه في خلال القرن العشرين، وقع ملايين الاطفال والنساء والرجال ضحايا اعمال وحشية فظيعة صدمت على نحو عميق ضمير الانسانية". واعترافا منها بان جرائم خطيرة كهذه تهدد سلام العالم وامنه وسلامته، حيث من الضرورة معاقبة الجرائم الكبيرة التي تهدد المجتمع الدولي ووجوب تأمين محاكمتهم عبر تعزيز العدالة على الصعيد الدولي.
وخوفا من تضارب القضائين الدولي والمحلي، اشارت المقدمة الى ان محكمة الجزاء الدولية سوف تتكامل مع السلطات القضائية الجزائية المحلية، من اجل ضمان احترام تطبيق العدالة الدولية.
سنحاول في هذه المقاربة التوقف امام نظام محكمة الجزاء الذي يتألف من 128 مادة موزعة على 13 قسما، وفي القسم الثاني نورد دعوى لبنان ضد "اسرائيل" باعتبارها دولة تقع تحت طائلة الادانة بسبب جرائمها.
اولا : النظام وشموليته
دأبت بعض المجتمعات والتنظيمات غير الرسمية والحكومات، في صراعاتها السياسية والعسكرية، الى استرخاص كل الوسائل الآيلة الى تحقيق اهدافها. لقد تمادت هذه الفئات في انتهاك القانون الدولي ولا سيما الاتفاقية التي تبنتها الجمعية العمومية للامم المتحدة في 9 كانون الاول ديسمبر 1948 حيث تدعو في بندها السادس الى محاكمة افعال الابادة الجماعية.
ومع تزايد الجرائم الفظيعة التي ارتكبت بين عامي 1975 و 1978 في كمبوديا ويوغسلافيا ورواندا، سارعت الامم المتحدة الى تسريع انشاء المحكمة الدولية لتبصر النور في 16 كانون الثاني يناير 1996 في القرار 217/51 فحددت الجرائم التي من ضمن صلاحيات هذه المحكمة، اضافة الى سلطة المحكمة القضائية.
القسم الاول: في انشاء المحكمة
انشئت بموجب القانون محكمة الجزاء الدولية، وهي مؤسسة دائمة تمارس سلطتها القضائية على الاشخاص المسؤولين عن الجرائم الدولية التي تهدد المجتمع الدولي. وجاء في البند الثاني انه يتم تحديد علاقة المحكمة بالامم المتحدة بناء على معاهدة للامم المتحدة.
اما مقر المحكمة فعين في مدينة لاهاي La Haye الهولندية. ويمكن ان تتخذ لها مقرا
ثانيا متى اوجبت الظروف ذلك؟
اما وضع المحكمة القانوني وسلطتها، فقد حددهما البند الرابع، حيث اعتبر انها تتمتع بهوية قانونية دولية تمارس سلطتها على اراضي اية دولة طرف، وعلى اراضي اية دولة اخرى وفق اتفاقية خاصة.
ويتضح من خلال انشاء المحكمة في بنودها الاربعة ان المبعوثين المطلقي الصلاحية الذين صاغوا الاتفاقية بشكلها النهائي، لم يجعلوا من هذه المحكمة جهازا اساسيا في الامم المتحدة، ولا هيئة تابعة لها، بل هيئة تشكلت بناء على معاهدة للامم المتحدة، مما يستتبع الحديث عن حرية الدول في الانضمام اليها، وشمول سلطتها الدول غير المنضوية تحت لوائها.
اضاف الى ذلك ان الاعتراف بسلطة الدولة المحلية، والسلطة الدولية معا غير دقيق لانه لم يحدد حدود السلطات و؟لا سيما في حال اختلافها.
القسم الثاني: السلطة القضائية، شروط القبول والقانون الممكن تطبيقه
يشمل هذا القسم البنود من 5 الى 20 ويعالج سلطة المحكمة القضائية، وآلية قبول القضايا والاحكام التي تطبق على هذه القضايا.
تطاول سلطة المحكمة حصرا الجرائم آلاتية:
أ - جريمة الابادة الجماعية.
ب - الجرائم ضد الانسانية.
ج - جرائم الحرب.
وحددت البنود السادس والسابع والثامن معاني هذه الجرائم بدقة متناهية.
فالابادة الجماعية هي القيام باي فعل نحو جماعة قومية، عرقية، عنصرية، دينية، على نحو كامل او جزئي بهدف قتلها، او التسبب باذى جسدي او معنوي، او فرض ظروف حياة على نحو متعمد لاهلاكا، وفرض تدابير تهدف الى منع الولادات ضمن الجماعة، واخيرا نقل اطفال قسرا من الجماعة الى جماعة اخرى.
اما الجرائم ضد الانسانية فهي القيام باي هجوم واسع الانتشار او نظامي موجه ضد شعب مدني بهدف القتل، الابادة، الاستعباد، ترحيل الشعوب، السجن، التعذيب، الاغتصاب او فرض العقم او أي شكل من اشكال العنف، الاضطهاد على اساس سياسي او عنصري او قومي او جنسي، اختفاء الاشخاص القسري، جريمة التمييز العنصري، واية افعال اخرى تسبب عمدا الاذى الجسدي او العقلي.
اما جرائم الحرب، فان المحكمة تتمتع بسلطة قضائية في هذا المجال حين ترتكب هذه الجرائم كجزء من خطة او سياسة على نطاق واسع.
وتوسعت المحكمة في سرد الجرائم الداخلة في البند الثامن، منطلقة من أي انتهاك لمعاهدة جنيف الصادرة في 12 اب اغسطس 1949 عبر ارتكاب أي من الافعال ضد الممتلكات او الاشخاص الذين تحميهم شروط معاهدة جنيف المذكورة: القتل المتعمد، التعذيب، التسبب بمعاناة كبيرة او باذى خطير للصحة، التدمير الشامل والاستيلاء على الاملاك، احتجاز رهائن، وإكراه سجين الحرب على الخدمة في صفوف قوات سلطة معادية والانتهاكات الخطيرة للقوانين والاعراف المطبقة في خلال نزاع دولي، ضمن اطار القانون الدولي، القيام باعمال حربية ضد مجتمع مدني وضد الاشخاص او الآليات الذين يؤمنون العون الانساني، قصف المدن والقرى بهدف ايذاء المدنيين او الممتلكات، استعمال السموم في الحرب، ارتكاب انتهاكات للكرامة الشخصية.
يستدل من نصوص القسم الثاني الملاحظات التالية:
-ان الجرائم التي تقع تحت سلطتها واسعة، وهي تتعدى اطار الجرائم التي نصت عليها معاهدة جنيف الدولية. فاصبحت سلطة المحكمة أكثر شمولية.
- ان الجرائم التي حددها المشترع، على سبيل الحصر، تشمل الجرائم الفردية والجماعية، وحق الملكية، اضافة الى الاذى المعنوي الذي اولته المحكمة اهمية تضاهي الاذى الجسدي.
فتكون سلطة المحكمة اكثر شمولا، غير انه يعرضها مرة اخرى لتجاذب الثنائية القضائية مع السلطة المحلية.
القسم الثالث: المبادئ العامة للقانون الجنائي
يشمل هذا القسم البنود من 22 الى 36 مجموعة من المبادئ العامة تطبق حاليا في المحاكم الجزائية لكل دولة من الدول: لا جريمة من دون قانون، لا عقاب من دون قانون، عدم وجود مفعول رجعي، المسؤولية الجنائية الفردية، عدم تأثير الصفة الرسمية كالحصانة امام المحكمة، مسؤولية القادة والرؤساء الاخيرين، وعدم اعتماد مرور الزمن على الجرائم، العنصر الفكري.
غير ان عيب هذا القسم انه اوجد ثغرة في المسؤولية الجزائية عندما تحدث، في البند الثالث، عن ربط الجرائم بفعل سابق التصور والتصميم.
وعلى الرغم من ان المشترع تحدث عن "التصميم" بدقة، وحدده بـ"الوعي التام لوجود طرف ما او لحدوث نتيجة ما"، الا ان القانون افسح في المجال لاجتهادات قانونية قد يصعب تحديدها، ولا سيما ان نتيجة هذه الجريمة تدخل ضمن اطار الجرائم التي حددها القانون.
القسم الرابع: تشكيل المحكمة وادارتها
تشمل البنود من 34 الى 52 وتتعلق بتشكيل المحكمة وطريقة انتخاب القضاة ومؤهلاتهم العلمية وانظمة المحكمة الداخلية.
نص البند 34 على طبيعة تشكيل المحكمة من الرئاسة، وقسم استئناف للمحاكمة، مكتب الادعاء، ومكتب التسجيل.
يتم تعيين القضاة عن طريق الانتخاب وينقسمون الى قسمين: قضاة يكونون على اساس دوام كامل قضاة الرئاسة وقضاة بدوام جزئي.
تقدم المحكمة ثمانية عشر قاضيا، ويمكن للرئاسة ان تطلب من جمعية الدول زيادة الاعضاء اذا ثبت حاجة المحكمة الى قضاة اضافيين.
وحدد البند 36 مؤهلات القضاة كالتمتع بالكفاءات الضرورية في مجال القانون الجنائي والقانون الدولي وحقوق الانسان، وبخبرة عميقة كصاحب صفة قانونية مهنية.
وحدد البند 36 ايضا الية الترشيح والانتخاب، بعد الاخذ بعين الاعتبار التمثيل الجغرافي العادل والتمثيل المتكافئ بين القضاة الرجال والنساء.
وتمتد بنود القسم الرابع من الرقم 37 الى 51 وهي تتناول الوظائف القضائية الشاغرة 37، والية انتخاب الرئاسة 38 وتنظيم الجلسات 39 واستقلالية القضاة 40، واعفاء القضاة وتجريدهم من صلاحيتهم 41، وتنظيم مكتب الادعاء 42، ومكتب التسجيل وهيئة الموظفين والتدابير التأديبية بحقهم 43-47، والحصانة التي يجب انه يتمتع بها القضاة 48، وصولا الى الرواتب واللغات الرسمية المعمول بها وقوانين الاجراءات والادلة وانظمة المحكمة 49-52.
ونتوقف في هذا القسم امام الملاحظتين الآتيتين: الاولى تتعلق باعفاء القضاة وبتجريدهم من اهليتهم، والملاحظة الثانية تتعلق بالامتيازات والحصانة.
فقد نص البند 41 على الشروط المتعلقة باعفاء احد القضاة من ممارسة احدى المهمات، وشدد البند على الا يشارك أي قاض في أي قضية قد تدور فيها شكوك حول عدم تحيزه على أي اساس.
غير ان هذا النص هو جزئي لانه يعلق عضوية القاضي في مهمة محددة، نظرا لعلاقته الشخصية فيها. وكان يفترض ان يرتقي هذا التعليق الى درجة الاعفاء المطلق، اذ تبين للامم المتحدة - وهي التي اصرت على شروط النزاهة والكفاءة ان تعفي القاضي بشكل نهائي - في حال ثبوت التحيز في قضية واحدة فقط، ليس من منطلق العلاقة الشخصية فحسب، بل من منطلق أي مصلحة شخصية كانت او سياسية او وطنية.
اما الملاحظة الثانية فهي تتعلق بالامتيازات والحصانة المعطاة للقضاة والمدعي ونواب الادعاء وامين السجل، وهي امتيازات غير دقيقة وغير واضحة عندما تتعلق بعد انتهاء مدة الخدمة. فمن يمنح الحصانة؟ وكيف تتجسد؟ وهل ثمة حقوق للقاضي بعد انتهاء ولايته؟ ثم من يحمي القضاة في بلادهم الاصلية او أي بلد يختارون العيش فيه، السلطة المحلية ام الامم المتحدة؟
القسم الخامس: التحقيق والادعاء
يشمل هذا القسم البنود ابتداء من الرقم 53 الى الرقم 61. ويتعلق بالاطار العام للمحاكمة البند 53، الشروع في التحقيق، وواجبات المدعي وسلطاته في ما يتعلق بالتحقيقات البند 54، وحقوق الانسان ابان التحقيق البند 55، ودور الجلسة الممهدة للمحاكمة في ما يتعلق بحال وجود فرصة وحيدة للتحقيق البند 56، ومهمات الجلسة الممهدة للمحاكمة وسلطاتها البند 57، واصدار الجلسة الممهدة للمحاكمة مذكرة توقيف واستعداء للمثول امام القضاء البند 58، واجراءات الاعتقال في الدولة الوصية البند 59، والاجراءات التمهيدية امام المحكمة البند 60، واثبات التهم قبل المحاكمة.
ويستدل من هذا القسم ان المحكمة الجزائية اولت اهتماما خاصا قضايا التحقيق الممهد للمحاكمة. فعلى المدعي ان يثبت التهم، وان يجرم المجرم قبل المحاكمة كما نص البند 61، وكأن المحاكمة قد بدأت وانتهت فعليا وشكليا في الاجراءات التي تسبق المحاكمة.
اضف الى ذلك ان الاجراءات المتعلقة باعتقال المجرم قد تكون اكثر تعقيدا مما بسطه البند 59 عندما تتعلق المحاكمة بشخصية شعبية سياسية في بلد ما، حيث يبدو التعاون الخاص والعام شبه مستحيل.
القسم السادس: المحاكمة
تشمل البنود 62-67. وتتعلق هذه البنود بمكان المحاكمة البند 62، وضرورة حضور المتهم البند 63، ومهمات مجلس المحكمة وسلطاته البند 64، والاجراءات المتبعة عند الاعتراف بالذنب البند 65، وافتراض البراءة البند 66، واخيرا حقوق المتهم البند 67.
ويستدل من هذه البنود ان السياسة المتبعة في توجيه التهمة هي افتراضية، على نقيض القسم الخامس المتعلق بالادعاء، حيث يفترض ان المتهم مجرم ويلقى القبض عليه. لقد افترض البند 67 البراءة لاي متهم الى ان يثبت انه مذنب، فتكون المحكمة قد اتبعت منهجين متناقضين في الشكل، متلاحمين في المضمون، عندما تتشدد في الاجراءات السابقة للمحاكمة، ثم تتأنى في توجيه التهمة، علما بان لفقرة رقم 3 من البند 66 غامضة في نصها الاتي: "كي تدين المتهم، يجب ان تكون المحكمة مقتنعة بانه مذنب من دون ادنى شك". فهذه العبارة لا تحمل الشفافية في تهم لا تثبت ادلتها بدقة، ولا تدعم وثائقها الا بشكل استنسابي.
القسم السابع
حماية الضحايا والشهود ومشاركتهم في الاجراءات البند 68 الى الادلة البند 69، وموقف المحكمة من التدرب على إدارة العدالة البند 70، وقدرتها على معاقبة الاشخاص الماثلين امامها على التصرف امامها، واخيرا تتولى حماية المعلومات التي تتعلق بالامن القومي البند 72.
واتوقف امام البند الاخير المتعلق بالمعلومات العائدة لدولة ما وقدرة المحكمة على تحليل المعطيات نظرا لسريتها وحق المحكمة التوسع في كشف قضية ما استنادا الى شهود يؤكدون هذه المعلومات او ينفونها. مرة اخرى يخشى التورط في ازدواجية العلاقة وتناقضها ما بين المحكمة الجزائية وما بين المحاكم المحلية.
القسم الثامن: الاستئناف ضد قرارات المحكمة
يمتد هذا القسم من البند 81 الى البند 85. وتتعلق هذه البنود بالاجراءات المتعبة لدى صدور الحكم وآلية الاستئناف البند 81، والاستئناف ضد القرارات الاخرى البندان 82 و 83، ومراجعة الادانة او الحكم البند 84 والتعويض لشخص تم اعتقاله او ادانته البند 85.
ويؤكد الاستئناف ان المحاكمة السابقة للمحكمة لا تقل شأنا من المحكمة الجزائية، بدليل انها تخضع للاستئناف.
القسم التاسع: التعاون الدولي والمساعدة القضائية
يستأثر هذا القسم بمعالجة موضوع التعاون الدولي وتقديم كل مساعدة ممكنة تسهيلا لاعمال المحكمة، وهي تشمل البنود من 86 الى 102، وهي اولت الموضوع اهمية خاصة. فالبند 86 تحدث عن الالتزام العام بالتعاون، وشملت البنود الاخرى كل اشكال التعاون: طلبات التعاون البند 89، تسير الاجراءات وفق القانون المحلي البند 88، تسليم الاشخاص الى المحكمة البند 89، الطلبات المتضاربة البند 90، مضمون طلبات الاعتقال والتسليم البند 92، الاعتقال المؤقت البند 92، اشكال اخرى من التعاون البند 93. ونص البندان 94 و 95 على تأجيل تلبية طلب بسبب تحقيق او ادعاء دائري، او اعتراض على قبول القضية. اما البند 96 فعرض لاشكال اخرى من المساعدة. اما البنود الباقية 97-102 فقد اوردت تفاصيل تتعلق بالعلاقات بين الدول والمحكمة من خلال المشاورات، التنازل عن الحصانة والموافقة على التسليم، تنفيذ الطلبات، قانون التخصيص، واستعمال التعابير.
ويستدل ان المحكمة تحولت الى ما يشبه دولة تتمتع بالكيان الخاص الرسمي، ولها اسبقية على الدول في ما يتعلق ببعض الجرائم، موضوع المحكمة. وهي تستخدم كل دولة لمصلحتها، من ناحية استعمال القوة العسكرية لايقاف متهم او التعاون في اطار تقديم أي مساعدة لوجستية اخرى. هذا التعاون ينطبق على الدول غير المتهمة بتسبب رجالاتها بالتهم؟
ولكن في حال اتهمت دولة بانها ارهابية، فان معايير التعاون تبدو غير عملانية، وتحتاج الى اطر اكثر تعقيدا لما تبسطه مضامين المحكمة.
القسم العاشر: التطبيق
يتناول هذا القسم البنود 103-111 وهي الاطار التنفيذي لتحقيق الأحكام بعد صدورها. البند 103 يتعلق بدور الدول في تطبيق الاحكام بالسجن. البند 104 حق المحكمة في اختيار دولة اخرى لقضاء العقوبة. البند 105 يتعلق بتطبيق الحكم. البند 106 يتعلق بالاشراف على تطبيق الاحكام وشروط السجن. البند 107 نقل الشخص عند إتمام العقوبة. البند 108 المهلة القانونية للادعاء او لمعاقبته على جرائم اخرى. البند 109 تطبيق تدابير التغريم والمصادرة. البند 110 مراجعة المحكمة في مسألة تخفيف الحكم. البند 111 الفرار.
ويستدل من بنود هذا القسم انه ليس للمحكمة من سجون خاصة بها. فهي تستعمل سجون بعض الدول الداخلة في نظامها، ولكنها ستشرف على السجين. غير انها لم تحدد بدقة واقع السجن وظروف المجرم، وهل يعامل كمجرم عادي شأنه شأن كل مجرم اخر، علما ان الدولة المضيفة تتولى مراقبته كاي سجن اخر وهي مسؤولة عن فراره.
القسم الحادي عشر: جمعية الدول الاطراف
ينظم هذا القسم في البند 112 طبيعة العلاقات بين جميع الدول الاطراف في هذا النظام. وتعمل الجمعية على ان تتمثل بممثل واحد من اجل الاشراف على المحكمة ودراسة التوصيات الاعدادية الآيلة الى تحسين العمل. كما يؤخذ بعين الاعتبار تأليف مكتب لفترة محددة ثلاث سنوات يتمتع بالطابع التمثيلي، ويتم تعيينه بالانتخاب وتتمثل فيه الدول جغرافيا. وتتعهد الدول اخيرا بدفع المستحقات عليها بشكل منتظم.
وعلى الرغم من ان هذا القسم اخذ بعين الاعتبار التمثيل الجغرافي للدول، الا انه لم يحدد الية هذا التمثيل. فهل يكون انطلاقا من تمثيل القارات، او الدول، او منظومة الدول؟ وهل يحق لدولة ما ان تتمثل اكثر من مرة؟
القسم الثاني عشر: التمويل
تتعلق بنود هذا القسم 113-118 بقضية تمويل المحكمة. فالبند 113 يتعلق بالانظمة المالية، والبند 114 بدفع المصاريف، والبند 115 بالميزانية السنوية، والبند 116 بمبدأ المساهمات الطوعية، والبند 117 بتقديم المساهمات، والبند 118 بالتدقيق السنوي في المساهمات.
وعلى الرغم من اهمية مبدأ التمويل وتركيز نظام المحكمة عليه، فان النظام اسقط مبدأ عدم جواز المساواة في تمويل المحكمة. فلا يمكن ان تتساوى الدول الغنية والفقيرة في هذا الاطار، والدول الكبرى والدول الصغرى، ذلك ان مبدأ المساواة سيحرم الدول الفقيرة من طموحها في الانضمام الى المحكمة متذرعة بالاعباء المالية المترتبة عليها.
القسم الثالث عشر: الفقرات الاخيرة
يشمل هذا القسم البنود 119-128 وتتعلق هذه البنود بتسوية الخلافات التي تتعلق بمهامها القضائية البند 119، وعدم جواز اتخاذ أي تحفظات ازاء هذا النظام البند 120، والية التعديلات التي يمكن ان تطال النظام البند 121، والتعديلات على الشروط ذات الطابع المؤسساتي البند 122، وتناولت البنود الاخيرة مراجعة النظام، والشرط الانتقالي، والتوقيع على النظام، وسريان النظام، والانسحاب من هذا النظام، والنصوص الاصلية.
طاولت بنود النظام كل دقائق الاطر القانونية وتفاصيلها. واستطاعت ان تحدد بدقة اطار عمل المحكمة، غير ان الثغرة العالقة في المحكمة لا تأتي من داخل المحكمة، أي جمعية الدول المعترفة بالمحكمة، بل من الدول التي لم تنضم اليها. فالانضمام ليس ملزما، مما اقتضى وجود دول خارج اطارها ولا تطالها سلطة المحكمة.
ثانيا: دعوى لبنان ضد "اسرائيل"
تحتل "اسرائيل" جزءا من ارض لبنان. وتفتك بشعبه في الجنوب اللبناني المحتل وفي البقاع الغربي. ان اثار الاحتلال "الاسرائيلي" تطاول كل لبنان وتعكس تأثيراتها السلبية على كل قطاعاته البشرية والاقتصادية. تتجاوب الاثار السلبية مع طبيعة دولة "اسرائيل" القائمة على الارهاب، ذلك ان اعتداءات الدولة الصهيونية هي جزء لا يتجزأ من وجود هذه الدولة العدوة القائمة على تدمير الدول المجاورة بتحطيم البنى التحتية، وسلب خيراتها، وخلق حالة من عدم الاستقرار خدمة لمصالحها.
وحيث ان ارهاب الدولة يقع ضمن مسؤولية محكمة الجزاء الدولية، ولا سيما البند الثامن من نظامها المتعلق بجرائم الحرب، وحيث ترتكب هذه الجرائم كجزء من خطة شاملة وسياسة عامة على نطاق واسع، سنورد التهم الموجهة الى "اسرائيل".
1- التهمة الاولى: الارهاب
يقوم النظام السياسي في "اسرائيل" على الارهاب، وتظهر هذه السمة في الدوافع الكامنة وراء إنشاء الدولة العبرية، ان لجهة وسيلة انشائها، وان لجهة تجميع الشعب فيها.
أ - الارهاب وطبيعة النظام: تتفق الاحزاب السياسية في "اسرائيل"، على الرغم من تعددية اسمائها واتجاهاتها السياسية، على العنف كوسيلة لتحقيق رغباتها. فبعد اكثر من 50 سنة من قيام هذه الدولة، لا يزال اركان النظام هم انفسهم. فعماد النظام هو الحركة الصهيونية القائمة على دينامية مجموعة من العصابات، امعنت قتلا وتهجيرا وتدميرا في الشعب الفلسطيني ابان الانتداب الانكليزي على فلسطين.
فمنذ قيام "اسرائيل" عام 1948 وحتى اليوم، تحولت العصابات الصهيونية نفسها الى احزاب سياسية، والى ركائز في الجيش "الاسرائيلي"، فاستمر الارهاب نهجا يميز النظام السياسي، ونتج عن هذا النظام، سلوك سياسي يقدم دائما على الترويع في سبيل الوصول الى الغاية المرجوة.
من هذا المنطلق، بدا ان دستور "اسرائيل" غير المكتوب قائم على العنف والقوة. فقد سعت "اسرائيل" منذ تأسيسها الى تطوير قوتها العسكرية. فزادت من حجم ميزانيتها العسكرية امعانا في قهر الفلسطينيين والدول العربية من المحيط الى الخليج. ان سباق التسلح الذي هدفت اليه "اسرائيل" ادى الى خلق اقتصاد حرب، من نتائجه التضخم المالي والقضاء على البنى الاقتصادية والاجتماعية وتأخير خطط التنمية الشاملة، وهو يؤدي اخيرا الى عدم استقرار سياسي.
ان الحالة العدوانية للشعب اليهودي وحكوماته المتعاقبة، تجاه الشعوب العربية، ليس حالة عابرة اقتضتها ظروف معينة او مرحلة تاريخية محددة، بل هي مجمل تاريخ الشعب اليهودي في فلسطين. هذا الشعب الذي لا يعترف بغير اليهود، ولا يرى حقوقا لغير "شعب الله المختار"، فاذا بالمذهب يوحد عندما تختلف القوميات والثقافات واللغات. والعنصرية الدينية هي العدوة التي توحد اليهود وتبعدهم عن بقية الاديان.
لقد جهد "الاسرائيليون" في طمس هذه الفروقات عن طريق اعطاء العقيدة طابعا دينيا مصدره التلمود. وفي محاولة لجمع الدين والسياسة، كانت المصادر الدينية، المشكوك في صحتها، تصدر التعاليم المخزية و الواردة في بعض الكتب اليهودية، فانتشرت توصيات الفسق والخداع والاستعلاء التي تزخر بها بروتوكولات حكماء صهيون. وهذه التعاليم، في جوهرها، طعنة نجلاء موجهة الى صميم القيم الاخلاقية والتشريعية التي توصلت اليها البشرية (1)، وبات مع هذه التعاليم يطرح السؤال: هل ان هذه التعاليم هي، فعلا، تعاليم ديانة سماوية؟
لقد نتج عن هذه العقيدة اهداف استعمارية توسعية، تستخدم العنف المنظم ضد الشعوب المجاورة بغية إخضاعها والهيمنة عليها بكل شكل من اشكال الدولة العنصرية.
ب - الارهاب: أساليب ونتائج: عمدت "اسرائيل" الى ممارسة التمييز العنصري والديني والعرقي ضد الشعب الفلسطيني وشعوب الدول العربية، ومن بينها شعب لبنان. لقد حاولت اغتصاب مزيد من الارض العائدة الى مواطنين مسالمين متسلحة بقوانين منبثقة من رحم النظام الارهابي، فاقامت المستوطنات على اراض سلبت بالقوة لتقيم عليها عائلات استقدمت من الخارج، فيما وضعت يدها على اراض في جنوب لبنان وبقاعه الغربي.
اما بالنسبة الى المستوطنات على اراض في فلسطين، فان "اسرائيل" اعطت استيلاءها على الارض بعدا شرعيا، فشرعت الاغتصاب، واصبح بامكان الحكومة الاستيلاء على اراضي الغير من دون وازع او رادع الا حفنة من القوانين وضعتها لنفسها واستفادت منها.
ان طريقة هذا الاغتصاب منافية للقوانين المرعية الاجراء التي تتيح للدولة وضع يدها على اراض معينة للمنفعة العامة، وذلك لسببين:
السبب الاول يتعلق بالوسيلة. اذ لا يجوز، في ظل أي نظام سياسي، مصادرة اراض خاصة رغما عن ارادة اصحابها، سواء اكان ذلك بالقوة والاكراه ام بموجب قانون محدد، ذلك ان قوانين المصادرة انما تضعها الدولة حصرا، وعلى نطاق ضيق جدا، فيما تكون الغاية منه الشأن العام (2).
وما يحدث في "اسرائيل" ان هذه المصادرة تتم لاهداف خاصة. فبطلت شمولية القانون وعموميته، لانه تحول الى افادة فئة من الناس على حساب فئة اخرى، فتناقض ذلك من مبادئ قدسية الملكية التي تنص على حرية التصرف بها من قبل اصحابها فقط.
السبب الثاني يتعلق بالغاية التي من اجلها تصادر الدولة املاكا لمصلحتها. فالدولة تصادر لتعزيز واقعها السياسي. لذلك فهي تبرهن على الدوام انها ليست دولة شرعية لانها تقوم على التوسع في داخل الاراضي التي استولت عليها في فلسطين، والتوسع خارج فلسطين ومنه جنوب لبنان. فالاعتراف بحق "اسرائيل" بمصادرة الاراضي يعني قانونيا الاعتراف بوجود "اسرائيل" دولة توسعية. وهذا ما يتناقض مع ميثاق الامم المتحدة الذي يحرم استيلاء أي دولة على اراضي دولة اخرى (3).
لقد حاولت "اسرائيل" الهروب من الانظمة الدولية، التي تقيد وتمنع الاستيلاء بالقوة او بالحيلة على املاك الغير، الى فتاوى "حكماء "اسرائيل"" ومنهم تسفي يهودا كوك الذي قال:
"لقد امرنا بان نستولي على الارض وبان نستوطن. اما معنى الاستيلاء فهو الغزو. ونحن اذ نؤدي هذا (المتسيفا) الفريضة نستطيع تأدية الاخرى - فريضة الاستيطان. لقد فرض علينا في توراتنا الخالدة ان نستعمر الارض اليباب، وهذا يعني ايضا الارض التي الم بها الخراب الروحي. لا مثيل لنا في اجتذاب هذه الارض. التوراة - الحرب - الاستيطان، انها ثلاثة في واحد، ونحن نسعد بالسلطة التي اوليناها لكل من هذه الثلاثة" (4).
ينبع الاستيطان اذن من استراتيجية "اسرائيل" القائمة على تبرير فكرة "الوطن القومي اليهودي". وهذا التبرير سيجد نقيضا له في الدول العربية المجاورة غير القائمة على العنصرية والتعصب، ليطرح نموذج الصراع بين فكرين متناقضين: الفكر العنصري الديني الذي يجد ما يبرره في تيارات في داخل الدولة العبرية نفسها، وبين الفكر الحضاري القائم على تعايش الاديان.
من هذا المنطلق، بدأ التناقض السياسي بين "اسرائيل" والدول العربية تناقضا في المبدأ، اذ انه قائم على عنصرية دينية تكافحها الامم المتحدة، كما يحدث في يوغسلافيا اليوم، وما حدث في افريقيا الجنوبية في السبعينات لانها تسير ضد التطور التاريخي للحضارات والشعوب.
وحيث ان محكمة الجزاء الدولية تدين كل شكل من اشكال العنف والعنصرية والتمييز القائم على العرق والجنس، فان "اسرائيل" تقع في قفص اتهام محكمة الجزاء الدولية استنادا الى البند السابع، الفقرة 6، من نظام المحكمة الذي ينص على ما يأتي: "الاضطهاد السياسي ضد أي جماعة محددة على اساس سياسي او عنصري او قومي او عرقي او ديني او جنسي..".
اضافة الى الاحتماء بالدين لتبرير الاعتداءات، ولجعل أي سلوك غير اخلاقي بعيدا عن متناول القانون الوضعي، استغلالا للدين لتبرير جرائم ضد الانسانية.
وحيث ان هذه الجرائم هي ذات صفة جماعية، فانه يطلب من محكمة الجزاء العمل على تبديل النظام العنصري - الديني، واستئصال ركائزه وعناصره، ومحاكمة اركان هذا النظام: رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس النواب، ورؤساء الاحزاب السياسية، قادة الجيش وسائر القادة العسكريين، وكل من تعتبره المحكمة مسؤولا، ان على صعيد الفكر، او الممارسة بحق دولة قائمة على الارهاب والتعصب الديني تحقيقا لاطماع صهيونية غير مبررة من الناحية الديمقراطية.
2- التهمة الثانية: الابادة الجماعية
يحفل تاريخ الشعب اليهود بسياسة الابادة الجماعية لشعب فلسطين وشعب لبنان وشعوب الدول العربية الاخرى، من خلفية اجبار الشعوب العربية على الاستسلام والقبول صاغرة بالشروط "الاسرائيلية".
لقد لاحقت "اسرائيل" الفلسطينيين في مخيماتهم في بيروت، واعتدت على القرى في جنوب لبنان، وعلى العاصمة بيروت، وشملت اعتداءاتها الداخل اللبناني في الشمال والجبل والبقاع، فسقط، نتيجة لسياستها العدوانية، آلاف القتلى والجرحى من المدنيين وشردت آلاف العائلات منذ عام 1970 وحتى اليوم.
وتخلل العدوان "الاسرائيلي" غزوات مدمرة مما يتناقض مع استقلال لبنان وسيادته على كامل ارضه. كان ابرز هذه الاعتداءات الاجتياح "الاسرائيلي" للبنان عام 1982، اذ وصلت الجيوش "الاسرائيلية" الى بيروت فدمرتها تحت اسم اجتزاز المقاومة الفلسطينية واخراجها من لبنان. اضف الى ذلك مجازر ارتكبت في العديد من القرى اللبنانية، نذكر منها مجازر قرى "معركة" و "حومين التحتا" و "الزرارية" عام 1985، واجتياحات عام 1993 لجنوب لبنان وعام 1996 حيث ارتكبت "اسرائيل" اكبر جريمة في تاريخنا المعاصر عنيت بها مجزرة "قانا". ففي الساعة الثانية والدقيقة العاشرة من بعد ظهر يوم 18 نيسان 1996، اطلقت مرابض المدفعية "الاسرائيلية" البعيدة المدى من عيار 155 ملم المنتشرة في داخل الاراضي اللبنانية المحتلة 17 قذيفة على موقع القوات الفيدجية التابعة للامم المتحدة، في بلدة قانا المسالمة، مستهدفة 3 هنغارات كان يلجأ اليها الاهالي العزل من بلدة قانا والبلدات المجاورة لها، وجلهم من الاطفال والنساء والمسنين. لقد ادت هذه الجريمة البشعة الى مذبحة بشرية اودت بحياة 105 مواطنين، بينهم ما لا يقل عن 33 طفلا، اختلطت اشلاؤهم بعضا ببعض، فيما احترقت اجساد كثيرة فتعذر التعرف اليها.
لقد تميزت الجريمة النكراء، جريمة قانا، بالاعتبارات آلاتية:
-انها تمت عن سابق تصور وتصميم. فالهدف "الاسرائيلي" كان جليا امام المدفعية "الاسرائيلية" : انهم مدنيون.
- انها ادت الى ابادة عائلات بكاملها، فلم ينج من هذه العائلات فرد واحد.
- انها استهدفت مسالمين عزلا لم يحملوا السلاح، ولم يطلقوا النار على الجنود "الاسرائيليين". لم تكن مواقع قوات الامم المتحدة مواقع عسكرية مضادة "للاسرائيليين".
- ادت الى قتل الاطفال والنساء والمسنين، مما يؤكد المقولة القائلة: ان "اسرائيل" لا تفرق بين طفل ورجل، بين امرأة ومسن، فكل عربي هو عدو "لاسرائيل"، و"اسرائيل" تبيد كل اعدائها.
- انها لم تميز بين مذهب واخر، فقد ضربت موقعا مدنيا، لجأت اليه عائلات اسلامية ومسيحية اتقاء للاعتداءات "الاسرائيلية". ف"اسرائيل" هي ضد المسيحيين وضد المسلمين سواء بسواء.
- ان "اسرائيل" لم تحترم موقع قوات الامم المتحدة وجنودها، فضربت قلب الموقع، ضاربة بعرض الحائط ميثاق الامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان.
وحيث ان هذه الجريمة لا تقع ضمن منطقة العمليات العسكرية لدولتين متحاربتين، ولم يستهدف هدف عسكري او عسكريون نظاميون او غير نظاميين،
وحيث ان هذه الجريمة استهدفت، عن سابق تصور وتصميم، مدنيين عزلا، احتموا في مخيمات في وطنهم اعدتها الامم المتحدة اتقاء للشر "الاسرائيلي"، وعلى مرأى من جنود الامم المتحدة،
وحيث ان هذه الجريمة ليست جريمة فردية، بل طاولت مجموعات مدنية، فتقع عليها صفة الابادة الجماعية التي تنص عليها المادة السادسة من نظام المحكمة التي تحدد الابادة كما يأتي:
"تعني بالابادة بالجماعية أي فعل من الافعال آلاتية التي ارتكبت بنية اهلاك جماعية قومية، عرقية، عنصرية، دينية، على نحو كامل او جزئي".
كما ينطبق على هذه الجريمة نص البند السابع بعنوان: "الجرائم ضد الانسانية". ولا سيما جرائم ترتكب بحق الشعب المدني: قتل، ابادة، اضطهاد.. اعمال تمارس ضد أي جماعة محددة على اساس سياسي، او عنصري، او قومي، او عرقي، او ثقافي، او ديني، او جنسي".
وحيث ان زعماء "اسرائيل" : رئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء، والوزراء، ولا سيما وزير الدفاع، والنواب، وقادة الجيش "الاسرائيلي"، وضباط الفيلق الذين اطلقوا النار على المدنيين، هم مجرمون حسب مواد محكمة الجزاء الدولية ونصوصها، فان "قانا" تتهمهم بارتكاب جريمة الابادة الجماعية (5).
3- التهمة الثالثة: الرهائن اللبنانيون
على مدار تاريخها السياسي، عمدت "اسرائيل" الى اعتقال آلاف المواطنين الفلسطينيين القاطنين على ارضهم وفي وطنهم، اضافة الى اسر مئات اللبنانيين، وزجهم في السجون والمعتقلات "الاسرائيلية".
ومن اجل استيعاب هذا الكم اللامحدود من المعتقلين، اقامت "اسرائيل" سلسلة من المعتقلات في "اسرائيل"، وفي جنوب لبنان رمت فيها المعتقلين اللبنانيين من دون ان توجه اليهم أي تهمة، او ان يقدموا الى المحاكمة. اما المعتقلون الذين حوكموا في "اسرائيل"، فقد قدموا الى محاكم ميدانية عسكرية وجلهم من المدنيين، وذلك خلافا لمعاهدة جنيف المعقودة عام 1949، التي تنص على حماية المدنيين القاطنين ضمن منطقة محتلة.
وفي سلوكها هذا اعادت "اسرائيل" الى الاذهان سيرة المعتقلات النازية التي رفضها الرأي العام الدولي والتي من خلالها حاكم العالم النظام النازي الالماني.
زجت "اسرائيل" المعتقلين اللبنانيين في مخيمات ابرزها معتقل "انصار"الذي أنشئ عام 1982، ومعتقل ثكنة "الخيام" الذي تحول الى معتقل دائم منذ 1985.
تضم المعتقلات "الاسرائيلية" في داخل الاراضي اللبنانية وفي "اسرائيل" حوالي 200 معتقل، سعى الصليب الاحمر الدولي لمعرفة اسمائهم وهوياتهم، ولتنظيم زيارات دورية لاهاليهم.
تمارس "اسرائيل" على المعتقلين شتى انواع العنف الجسدي والمعنوي، كالضرب المبرح، وتعليق المعتقل على عمود، حيث لا تلامس قدماه الارض، والصعق بالصدمات الكهربائية في اماكن حساسة من الجسم، والركل بالارجل، والتجويع، وتقييد اليدين والارجل، وعصب العينين، والقاء قنابل دخانية وغازية على المعتقلين، بالاضافة الى ما يبتكره الارهاب الصهيوني من اساليب دموية تعلمها من النازيين وبرع فيها.
اساليب التعذيب النفسي، وهي: الاهانات والشتائم والاتهامات الخاطئة، والتهديد باحضار احد افراد العائلة لمشاهدة التعذيب، وتهديد المعتقل باغتصاب زوجته او احدى قريباته، واسماع المعتقلين صراخ رفاقهم في اثناء التعذيب، والتهديد بالقتل او قتل الأقرباء وقضاء الحاجة داخل الغرفة، وادخال رأس المعتقل في كيس، واطلاق الزمامير في اثناء التحقيق، والحجز داخل زنزانة ضيقة، وحشر عشرات المعتقلين في زنزانة صغيرة، ومنع المعتقلين من الخروج من زنزاناتهم الا نادرا..
لقد ادت هذه الاعتقالات الى عوارض نفسية وجسدية، والى اضطرابات مرضية دائمة، بالاضافة الى امراض عقيلة وعصبية مزمنة (6).
لقد عالجت موضوع الاعتقال، وما يتأتى عنه من تعذيب قاس للمعتقلين السياسيين، نصوص قانونية دولية، ولا سيما اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة اسرى الحرب عام 1929 والمؤتمر الدبلوماسي الدولي الذي انعقد عام 1949.
وحيث ان الاسرى المعتقلين تنطبق عليهم نصوص معاهدة جنيف المتعلقة باسرى الحرب،
وحيث لان اعتقالهم يعود لسبب سياسي هو مقاومة العدوان اسوة بالمقاومة الفرنسية ضد المانيا النازية، والثوار الهولنديين ضد الاحتلال النازي، والجيش السري البولندي ضد المانيا،
وحيث ان هذه الجريمة تقع ضمن نطاق محكمة الجزاء الدولية، ولا سيما البند السابع، تحت عنوان "الجرائم ضد الانسانية" الفقرة ج: "السجن او أي حرمان قاس من الجريمة الجسدية ينتهك قواعد القانون الدولي الاساسية"،
فان "اسرائيل" مذنبة في هذا السلوك ويقتضي توجيه تهمة الجرائم ضد الانسانية بحق المسؤولين فيها، السياسيين والعسكريين، انصافا للعدالة.
4- التهمة الرابعة: الاطماع في المياه اللبنانية
جندت "اسرائيل" منذ زمن طويل، العملاء والسياسيين، الاعداد لمصوغات دراسات تتعلق بسبل الاستفادة من مياه اليرموك، ونهر الاردن، ونهري الليطاني والحاصباني.
ان اطماع "اسرائيل" في مياه لبنان ليست حديثة العهد، ذلك ان الجاليات الصهيونية في فلسطين طالبت عام 1903 بمنسوب مياه الليطاني، وبعد نشر اتفاقية سايكس - بيكو على اثر تفكك الدولة العثمانية، اثار اليهود هذا المطلب مرة اخرى.
ان المطالبة بمياه الليطاني، يعني عمليا ان "اسرائيل" تهدف الى تحقيق مطلبين. المطلب الاول هو الارض: فالوطن القومي اليهودي يهدف الى ضم اجزاء من لبنان، انطلاقا من روحية التوسع الصهيوني المستند الى التوراة حسب السفر القائل: "حدودك يا "اسرائيل" من وادي مصر الى الفرات".
اما المطلب الثاني فيقوم على اغتصاب البلدان المجاورة ومنها المياه، خلافا لاي نص قانوني دولي يحدد تقاسم المياه بين الدول التي تمر بها الانهر.
لم تنتظر "اسرائيل" طويلا لاغتصاب مياه لبنان، فقد دلت التقارير الدولية على ان الدولة الصهيونية سحبت فعلا منسوبا من المياه الى اراضيها.
في تموز يوليو 1990 اعترفت "اسرائيل" بلسان رئيس شركة "ميكوروت" الحكومية للمياه ان "اسرائيل" استفادت من 20 الى 23 مليون متر مكعب من مياه الليطاني عام 1989.
وفي تقرير دولي اخر، اكدت الامم المتحدة نفسها في الاجتماع الوزاري السنوي للجنة الاقتصادية الاجتماعية لغرب اسيا الاسكوا ان "اسرائيل" حولت ملايين الامتار المكعبة من المياه عام 1991 من انهر الليطاني واليرموك والوزاني والاردن.
ان هذه الجريمة المتكررة لا تقل اهمية وشأوا عن جريمة احتلال الارض، لانها تطال ملكية دول مجاورة لا يجوز التصرف بها الا برضا الاطراف المعنيين.
ان محكمة الجزاء الدولية جعلت، ضمن "الجرائم ضد الانسانية" التي اناطتها بنفسها، الجرائم المتعلقة بسلب اموال تعود الى الغير واغتصابها. ففي الفقرة (ت) وتحت عنوان "الاستعباد" نصت بنود المحكمة صراحة على منع استلاب الملكية وجعلته مرادفا للاستعباد.
من هذا المبدأ فان حكومة "اسرائيل" متهمة بجريمة "الاستعباد" ضد لبنان، وينبغي مقاضاتها امام محكمة الجزاء الدولية.
ثالثا: خلاصة واستنتاج
تبدو محكمة الجزاء الدولية صحوة دولية جديدة في وجه الدول والحكام والسياسيين الذين ينتهكون الاعراف والقوانين الدولية. وهي سلطة قضائية متقدمة، ارتكزت في نظامها، ان بشكل علني او بروحية النصوص ليس فقط على شرعة حقوق الانسان والمواثيق القانونية الدولية المعترف بها، بل على النظام السياسي الليبرالي الذي يهيمن على القارات الخمس بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
تتميز الاطر القانونية للمحكمة بشموليتها. فهي اكثر الماما من أي محكمة دولية اخرى اخذت على عاتقها محاكمة مجرمي الحرب. فالجريمة، حسب محكمة الجزاء الدولية، باتت تطال القيم التي تؤمن بها المجتمعات كالحرية في اعتناق أي مذهب ديني او سياسي، او حق الاقامة المشروع في منطقة ما، او في نزع الملكية.
ويخال للباحث السياسي، عند التوقف امام هذه المعايير الدقيقة، ان المحكمة بنيت على قاعدة محاكمة الانظمة الاشتراكية التي مارست، في زمن ما من تاريخها، جرائم بحق شعوبها، فبدلت النظام السياسي، وامعنت تقطيعا في اوصال مجتمعاتها خدمة للنظام السياسي والاشتراكي.
وعلى الرغم من ان المحكمة لا تعترف باي جريمة سابقة لتاريخ صدورها، فانها ارست قواعد فكرها الفلسفي على مبادئ النظام الليبرالي. وكأنها بذلك تريد منع أي نظام سياسي من ان يتخذ شكلا مغايرا كليا او جزئيا للنظام الليبرالي الذي يحكم العالم.
مهما يكن من امر، فان انشاء المحكمة تعتريه ملاحظات قد تعرقل العدالة الدولية وتحد من شمولها. وهذه الملاحظات في على المبدأ وعلى التطبيق.
فمن منطلق المبدأ، ان محكمة الجزاء هي سلطة قضائية فقط، وهي بذلك تحتاج الى قوة تطبيق لقراراتها ولا سيما ان هذه القرارات الاحكام قد تتوجه ضد حكومات او قوى سياسية وعسكرية كبيرة في منطقة معينة او ضمن بلد ما. وهي بذلك تفتقد الى قرارات اخرى صادرة عن الامم المتحدة لوضع قراراتها موضع التنفيذ، فتدخل الاحكام القضائية اذن في اطار التجاذبات السياسية الدولية والاقليمية.
اما الثغرة الثانية فهي تقوم على عدم الزامية الدول في الانخراط فيها. وهذه الدول هي حتما متهمة من الطراز الاول "كاسرائيل" مثلا. فهل تنطبق احكام القوانين على جميع الدول ام فقط على الدول التي تقبل بالمحكمة تعترف بها ؟
اما الثغرة الثالثة، فتتعلق بثنائية القوة القضائية لجريمة واحدة. فهل كل الجرائم التي تدخل في اطار محكمة الجزاء الدولية من اختصاص هذه المحكمة ان تشاركها فيها المحاكم المحلية في كل دولة من الدول؟
اما الثغرة الرابعة فتظهر لدى تعدد الجرائم. هل يحاكم المجرم اولا في محكمة الجزاء الدولية على جرائم ارتكبها ضمن نطاقها، ثم يعود الى وطنه او الى أي بلد اخر ليحاكم على جرائم اخرى؟
اما الثغرة الخامسة فتقوم على سؤال يتعلق بمصير المحاكم الدولية الاخرى التي تحاكم مجرمي الحرب وسائر الاتهامات الجماعية، فهل ان محكمة الجزاء الدولية هي البديل عن هذه المحاكم ام انها واحدة منها؟
والثغرة السادسة تقوم على عدم توضيح العلاقة بين الامم المتحدة من جهة وبين هذه المحكمة من جهة اخرى خوفا من استيعابها من قبل الدول الكبرى، او من جزء منها فيتحول دورها الى دور استنسابي اكثر منه دورا عاما وشاملا.
اما الثغرة السابعة فتظهر في غموض النصوص المتعلقة بمحاكمة الحكومات والاتجاهات السياسية الفكرية التي ينتج منها مسار عقائدي يصدر الارهاب ويبرر اللجوء الى الجرائم ضد الانسانية.
مهما يكن، فان محكمة الجزاء الدولية هي قوة قانونية دولية رادعة للعابثين والمستهترين بالقيم الانسانية. وهي تأتي لتسلط الأضواء على القانون الدولي الذي يوحد القارات والثقافات والحضارات. انها ثقافة العالم الواحد.
المراجع
1- النص الحرفي لنظام محكمة الجزاء الدولية، نشرته جريدة النهار في اعدادها الصادرة في : 29 و 30 و 31-7-1998 وفي 1 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9 و 11-8-1998.
2- بلال شرارة، قانا واخواتها 1936 - 1996، بيروت: عالم الفكر، 1996.
3- حروب "اسرائيل" ضد لبنان نصوص ودراسات، بيروت: مجلس النواب، اللجنة الوطنية لاحياء 14 آذار و 18 نيسان، 1996.
4- 14 آذار، اليوم اللبناني العالمي من اجل الجنوب والبقاع الغربي وثائق العدوان "الاسرائيلي"، بيروت: مجلس النواب، 1995.
5- الجرائم "الاسرائيلية" في لبنان: ارهاب الدولة ومسؤولية المجتمع الدولي، بيروت: مجلس النواب، اللجنة الوطنية لاحياء 14 آذار و 18 نيسان، 1998.
6- قانا: الحق والوعد: نصوص وشهادات، جمع المادة واعدها للنشر يوسف ديب، بيروت: اللجنة الوطنية لاحياء 14 آذار و 18 نيسان، بالتعاون مع مجلس الجنوب، 1996.
7- يوسف ديب: الجنوب تحت الاحتلال، يوميات ووثائق، 1985، بيروت : دار عالم الفكر، 1996.