العمليات الانتقامية "الإسرائيلية" في جنوب لبنان والقانون الدولي

د . محمد المجذوب

نائب رئيس المجلس الدستوري في لبنان، دكتور في الحقوق


مقدمة

في العام 1978 وفي العام 1982، وبعد ممارسة الهجمات المتقطعة الخاطفة لعدة سنوات، اجتاحت الجحافل "الاسرائيلية" القسم الاكبر من جنوب لبنان واعملت في سكانه تقتيلا وتشريدا وفي مؤسساته ومرافقه تخريبا وتدميرا.

وتدخل مجلس الآمن الدولي في العام 1978 غير معهودة واصدر قراره الشهير، رقم 425، الذي نص فيه على تكوين قوة عسكرية تابعة للأمم المتحدة ( تعرف باسم قوات الطوارئ الدولية ) الدولية ) وإرسالها إلى جنوب لبنان من أجل " تأكيد انسحاب القوات "الإسرائيلية" ". وخلا القرار، بخلاف القرارات السابقة الصادرة عن مجلس الآمن في حالات مماثلة من أية إدانة للغزو أو الغازي، ومن أي تحديد زمني لفترة الانسحاب .

وتدفقت القوات الدولية على لبنان تباعا وتمركزت في بعض المناطق الجنوبية الآمنة بدلا من الانتشار حول الشريط الحدودي الفاصل بين لبنان والأراضي الفلسطينية . ومع ان القرار 425 ينيط بها مهمة إجلاء القوات الغازية، فإنها لم تبذل أي جهد لإنجاز المهمة. ومع العدو لم ينسحب كليا من الجنوب، ولم يتوقف عن غاراته وهجماته، ولم يخف علاقاته الوثيقة بالميليشيات العميلة، فإنها لم تحرك ساكنا واكتفت في معظم الأحيان بمراقبة ما يحدث .

والعدو "الإسرائيلي" للجنوب يطرح، على صعيد القانون الدولي العام، أسئلة عديدة سنكتفي بمعالجة اثنين منها : الأول يتعلق بمعرفة الوصف القانوني للمسلك الذي اتبعه العدو عندما اجتاح الجنوب وبقي فيه فترة الزمن استغلها لتحقيق بعض مآربه وأغراضه، والثاني يتعلق بتحديد الصلاحيات التي تتمنع بها قوات الاحتلال في المناطق المحتلة .

اولا ـ غزو الجنوب عمل انتقامي

يعتبر لبنان، من الناحيتين القانونية والقومية، في حالة حرب مع الكيان الصهيوني الذي اغتصب جزءا من فلسطين العربية في العام 1948، ثم راح، في الأعوام التالية ولا سيما في العام 1967، يقضم الأجزاء الأخرى حتى شملت عملية القضم مناطق واسعة تابعة لدول عربية مجاورة . وحالة الحرب يعود تاريخها إلى العام 1948، الذي شهد المجابهة الأولى بين الصهيونيين والعرب . وقد انتهت المجابهة آنذاك بتدخل مجلس الآمن ودعوة الأطراف المتنازعة إلى عقد هدنة تتضمن أمرين مهمين : تعيين حدود هدنة تمنع القوات المسلحة لهذه الأطراف من تجاوزها، وسحب القوات المسلحة وتخفيضها إلى حد يضمن صيانة الهدنة خلال فترة الانتقال إلى سلام دائم في فلسطين . وعلى هذا الأساس تم، في العام 1949، توقيع اتفاقيات الهدنة بين "إسرائيل" من جهة، ومصر ولبنان والأردن وسوريا من جهة أخرى .

فاتفاقيات الهدنة، الموقعة في العام، بين الدول العربية و"إسرائيل" هي، إذن، الوثيقة الدولية الرسمية الوحيدة التي تحدد العلاقات الراهنة بين الطرفين . ومن اطلاعنا على هذه الاتفاقيات يمكننا استخلاص الأمور المهمة التالية :

1 ـ ان خطوط الهدنة، كخطوط وقف إطلاق النار، لا يمكن ان تصبح حدودا دائمة لدولتين أو أكثر ما لم توافق هذه الدول، صراحة، على ذلك .

2 ـ ان خطوط الهدنة العربية "الإسرائيلية"، باستثناء الخط الفاصل بين لبنان و"إسرائيل"، لم يعد لها قيمة أو وجود بعد التوسع الجغرافي الذي حققته "إسرائيل" في العام 1967 .

3 ـ ان أكثر الدول ما تزال، من الوجهة القانونية، في حالة حرب مع "إسرائيل"، وان قرارات وقف إطلاق النار الصادرة عن مجلس الآمن، في حزيران 1967 وتشرين 1973، لا تغير من هذا الواقع القانوني شيئا .

4 ـ ان الهجمات أو العمليات العسكرية التي تشنها "إسرائيل"، من وقت لآخر، تعرف، في القانون الدولي العام، باسم الأعمال أو التدابير الانتقامية التي تحدث في زمن الحرب، وهي، كغيرها من التصرفات العسكرية، تخضع لقواعد خاصة .

ان "إسرائيل" قد دأبت، منذ توقيع اتفاقيات الهدنة، على انتهاج مخطط استراتيجي ثابت ينسجم مع منطلقاتها العقائدية وغاياتها البعيدة . وهذا المخطط  يقضي بأن تقوم سلطتها  العسكرية، في فترات زمنية متقاربة، وبحجة الدفاع المشروع عن النفس .

وابتداء من العام 1969، تضاعفت الأعمال الانتقامية "الإسرائيلية" واشتدت حتى أصابت جميع الدول العربية المجاورة، وحتى كادت ان تصبح حدثا يوميا .

والأعمال الانتقامية التي تقوم بها دولة أخرى ليست بالحدث الجديد في ميدان العلاقات الدولية . انها تصرفات معروفة منذ القدم . وقد اهتم بها الفقه الدولي ووضع فيها دراسات تناولت ماهيتها ووضعها في القانون الدولي العام . ولعل السبب في انكباب الفقه الدولي المعاصر على دراسة هذه الظاهرة يعود إلى أمرين : إلى كثرة اللجوء إليها في القرن الحالي، والى تساؤل الساسة والفقهاء، بعد قيام المنظمات العالمية ( عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة )، عما اذا كانت تلك الأعمال تتلاءم مع فكرة هذه التنظيمات وروحها وتتفق مع نصوص مواثيقها . وفي أثناء الحرب العالمية الثانية لجأت الدول، بشكل ملحوظ، إلى الأعمال الانتقامية . وتميزت فترة ما بعد الحرب بانتشار هذه الأعمال وتكاثرها، على الرغم من وجود منظمة الأمم المتحدة التي يحرم ميثاقها اللجوء إلى أي عمل انتقامي .

وتعريف الأعمال الانتقامية لا يثير خلافا يذكر بين رجال القانون، فكلهم متفقون على وصفها بأنها تدابير إكراه أو عنف أو ضغط، مخالفة مبدئيا لقواعد القانون الدولي العام، تلجأ إليها الدولة للرد على أعمال، مخالفة هي أيضا للقانون، قامت بها أو سمحت بقيامها دولة أخرى . والأعمال الانتقامية، التي تقوم بها دولة ما تعرضت لاضرار أو أخطار من جراء أعمال غير مشروعة ارتكبتها دولة أخرى، تهدف عادة إلى إكراه هذه الدولة الأخيرة على عدم الاستمرار أو التمادي في ارتكابها، أو إلى إجبارها على التعويض عن الأضرار التي نجمت عن أعمالها .

ومن هذا التعريف نستخلص العناصر التي يرتكز إليها مفهوم الأعمال الانتقامية، وهي ثلاثة : مخالفة القانون، وإلحاق الضرر بالدولة المنتقمة، وارغام الدولة المذنبة على العودة إلى المشروعية أو التعويض عن الضرر .

والعنصر الأول يبرز الصفة الأساسية المميزة لفكرة الأعمال الانتقامية، لان الدولة تمارس هذه الأعمال وهي مدركة انها تخالف مبدئيا القوانين الدولية .

واللجوء إلى الأعمال الانتقامية، الذي يستلزم مخالفة القوانين بشكل إرادي متعمد، يضفي على هذه الأعمال مفهوما خاصا ومميزا . غير ان هذه الأعمال ـ سواء أكانت مبررة أم غير مبررة، وسواء ارتكبت في زمن السلم أم الحرب ـ لا يمكن ان تحظى بالقبول . الا اذا كان الخصم مسؤولا، بصورة علنية وثابتة، عن الأعمال التي استدعت الانتقام .

وممارسة الأعمال الانتقامية يخضع ( ويجب ان يخضع ) لضوابط أساسية . والأعراف الدولية التي أقرت بحق الدولة في اتخاذ تدابير انتقامية لدى تعرضها لاضرار ناجمة عن أعمال غير مشروعة تشترط ان يكون الانتقام متناسبا مع الضرر المحدث . فالرغبة في الانتقام يجب الا تسيطر على التدبير الذي تتخذه الدولة بشكل يخرجه عن المبادئ الإنسانية والحدود المعقولة، فيخسر الغاية التي بررته ويتحول إلى عمل إجرامي بحد ذاته .

وبما ان للأعمال الانتقامية تأثيرا بالغا في سير العلاقات الدولية فقد بذل الفقه والاجتهاد الدوليان قصارى الجهد لإخضاع هذه الأعمال لسلطة القانون عن طريق وضع حدود لها وتنظيم شروط ممارستها . وتنقسم هذه الشروط إلى أساسية وشكلية، فهل تحترم "إسرائيل" أحكامها ؟

1 ـ الشروط الأساسية

هناك أربعة أساسية تبرر الأعمال الانتقامية : الشرط الأول هو ان يكون للعمل الانتقامي مبرر . ومن مبرراته ان يكون العمل المثير للانتقام عولا غير مشروع، أي عملا يعتبر بحد ذاته مخالفا للقانون ويبرر الانتقام الذي يستلزم بدوره خرق ذلك القانون .ومن مبرراته كذلك وجود ضرورة ملحة تسوغ استعمال القوة وخرق القواعد الدولية . و"إسرائيل" تدعي، عندما تلجأ إلى التدابير الانتقامية، وجود ضرورة ملحة، هي الدفاع عن نفسها أو المحافظة على أمنها . وتزعم كذلك ان أعمال المقاومة ( التي تصفها هي بأنها أعمال إرهابية غير مشروعة ) تخولها حق الانتقام من الدول العربية ومن السكان العرب في الأرض المحتلة . غير ان الرأي السائد اليوم، فقها واجتهادا، يعتبر المقاومة المسلحة حقا طبيعيا وعملا مشروعا يستند إلى أسس ثابتة في القانون الدولي العام .

والشرط الثاني يتعلق بالغرض من العمل الانتقامي الذي يجب ان تتوافر فيه أربعة مطالب :

الأول هو مطلب التوازن أو التناسب، أي ان يكون حجم الانتقام بحجم الضرر . و"إسرائيل" تخالف دائما هذا المبدأ لان الأضرار التي تثقل كاهل العرب من جراء تصرفاتها وغاراتها الانتقامية تفوق بكثير الأضرار الناتجة عن عمل العرب . وقد أتيح لمجلس الآمن، في المناسبات عديدة، إدانة العمليات الانتقامية "الإسرائيلية" والإشارة إلى انتقاء التناسب بين الانتقام والضرر المحدث . والمطلب الثاني هو مطلب الانسانية الذي يقضي بلا تتضمن الأعمال الانتقامية اعمالا غير انسانية وغير أخلاقية . وسجل "إسرائيل" حافل في هذا المجال . والمطلب الثالث هو الفعالية الذي يقضي بعدم السماح للدول باللجوء  إلى عمل انتقامي معين عندما يكون بالإمكان استعمال أسلوب آخر، أو عمل انتقامي آخر يعطي نفس  النتائج ويكون أقل خطورة . والمطلب الأخير حصولها على النتائج أو التنازلات التي تتوخاها . ونلاحظ ان لا حدود لمطالب "إسرائيل" أو للتنازلات التي تريد انتزاعها من الدول العربية .

والشرط الثالث يتعلق بالسلطة المختصة بإقرار اللجوء إلى الأعمال الانتقامية . والدولة، في العصر الحديث، هي السلطة المختصة بذلك . وهي تمارس هذا الاختصاص بواسطة هيئاتها العامة، وخصوصا السلطة التنفيذية المتعاونة مع قيادة الجيش . والشرط الرابع هو عدم الأضرار، عند ممارسة الأعمال الانتقامية بمصالح الدول الأخرى التي ليست طرفا في النزاع المسبب للانتقام .

2 ـ الشروط التشكيلية

هناك شرطان رئيسيان : الأول شرط الأخطار المسبق، أي الإنذار الذي توجهها لدولة المتضررة  إلى الدولة المسببة للضرر، أو المسؤولة عنه، وفيه تطالبها بالكف عن بعض الأعمال، أو باحترام القوانين والمواثيق الدولية، أو بالتعويض على بعض الأضرار .

 والثاني هو وجوب استنفاذ جميع الوسائل السلمية قبل اللجوء إلى الانتقام . ولم تحترم "إسرائيل" يوما هذين الشرطين .

ان "إسرائيل" التي تشن هجماتها على لبنان تدعي دائما انها تفعل ذلك انتقاما منه لمساعدته رجال المقاومة وتسهيله لهم سبل التسلل إلى أراضيها . وهي تفعل ذلك غير مبالية بالقانون الدولي المعاصر، المجسد بالعديد من الاتفاقيات والمواثيق والممارسات الدولية، الذي يحظر بشكل قاطع اللجوء إلى قوة أو التهديد بالقوة، ويمنع بالتالي القيام بالتدابير الانتقامية وخصوصا ضد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة .

والامر المهم هنا هو ان "إسرائيل" تدعي، عندما تقوم بتدابيرها الانتقامية ضد لبنان، انها تمارس حقا سمحت به المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ( حق الدفاع المشروع عن النفس ) . ان هذه المادة تعترف، ولا شك، بحق الدفاع عن النفس لكل دولة تتعرض لهجوم مسلح، ولكنها تقيد استعمال هذا الحق ببعض الشروط لئلا يتحول بدوره إلى وسيلة للعدوان، أو يصبح ذريعة لخرق نظام الآمن الدولي .

فالهجوم المسلح الذي يبرر استعمال حق الدفاع الذاتي هو الهجوم المسلح الراهن الذي يمس ارض الدولة ويكون على جانب من الخطورة يهدد السلم والأمن الدوليين . وهذا الهجوم يجب ان يكون سابقا لاتخاذ وسائل الدفاع المشروع، بمعنى انه لا يجوز للدولة ان تمارس ما يسمى بحق الدفاع الوقائي درءا لهجوم محتمل أو متوقع . ومع ان المادة 51 لم تذكر، صراحة، الجهة التي تقوم بالهجوم، فمن المتفق عليه ان الهجوم المسلح الذي يبرر الدفاع المشروع هو الهجوم الذي تقوم به دولة معترف بها اعترافا قانونيا أو فعليا .

وفي ضوء هذه الشروط التي تتضمنها المادة 51، إلى أي مدى تشكل أعمال المقاومة هجوما مسلحا راهنا يبرر قيام "إسرائيل" بتدابير انتقامية ضد لبنان تحت قناع الدفاع المشروع عن النفس ؟ ان القانون الدولي المعاصر، وكذلك الاجتهاد والفقه الدوليين، لا تعتبر الأعمال الصادرة عن منظمات المقاومة اعمالا صادرة عن دولة معترف بها دوليا، ولا ترى في هذه الأعمال التي تحدث بشكل متقطع عدوانا أو هجوما مسلحا يبرر الدفاع المشروع .

وادعاء "إسرائيل" بانها تمارس حق الدفاع، أو لمنع تجمعهم على حدودها، أو لاكراه لبنان على طردهم أو عدم السماح . ان هذا الادعاء يعني ان "إسرائيل" تسمح لنفسها بممارسة الهجوم أو الاعتداء الوقائي لكي تتجنب احتمال قيام لاحق موهوم ضدها . ولكن القوانين والممارسة الدولية تحرم اليوم العمليات الوقائية وتعتبرها بمثابة عمليات عدوانية .

ان "إسرائيل" قد التزمت، لتحقيق أغراض الصهيونية، بسياسة العنف والارهاب . وعندما وجدت صعوبة في تحقيق هذه الاغراض دفعة واحدة عمدت إلى اتباع منهج المرحلية . والتدابير الانتقامية التي تقوم بها، من حين إلى حين، ضد لبنان والدول المجاورة، دون اهتمام بالرأي العام العالمي أو باستعداد بعض الانظمة العربية لتقديم التنازلات لها، لا يمكن ان تفهم وتفسر الا في ضوء هذا المنهج . "فلاسرائيل" استراتيجية سياسية تهدف إلى تأمين كيانها، وتجميع يهود العالم فيها، وتحقيق مشروع "إسرائيل" الكبرى، وضمان تأييد الدول الكبرى لها . وفي سبيل هذه الغايات تستعمل مختلف الوسائل ومنها الأعمال الانتقامية المسلحة .

فهذه الأعمال ليست، اذن، سوى هجمات عسكرية مدبرة ومعدة سلفا تلجأ إليها "إسرائيل" لخدمة استراتيجية . انها خطوات ووسائل تساعدها على بلوغ اهدافها البعيدة .  

وما حجة الانتقام التي تتذرع بها سوى قناع شفاف تحاول به إخفاء اغراضها الرئيسية من حملاتها العسكرية . ويمكننا اجمال أهم هذه الأغراض أو الدوافع برغبة "إسرائيل" في :

1 ـ تشويه السمعة المقاومة، واضعاف مركزها، واكراهها على التسليم بوجود "إسرائيل" في قلب الوطن العربي والرضوخ لشروطها وعقد الصلح معها .

2 ـ الضغط على الدول العربية لقمع العمل المقاوم والتنكر له .

3 ـ المحافظة على معنويات "الإسرائيليين" باثبات تفوق الجيش "الإسرائيلي" على الجيوش العربية في كل معركة .

4 ـ استدرار صدقات اليهود في العالم .

واجتياح "إسرائيل" لجنوب لبنان في آذار 1978 وفي العام 1982، لا يختلف عن بقية التدابير الانتقامية التي تعرض لها لبنان في السابق الا في شيء واحد، امتداد فترة الانتقام واقترانها بالاحتلال .

ثانيا  ـحدود صلاحيات دولة الاحتلال

ان "إسرائيل" لم تنسحب كليا من الجنوب بشهادة الجميع . والوصف القانوني لوجودها في قسم من اراضي الجنوب هو وضع الاحتلال العسكري أو الحربي لاراضي دولة أجنبية مرتبطة بدولة الاحتلال باتفاقية هدنة .

و"إسرائيل" لا تكتفي بالاحتلال والتدمير والتهجير وتكرار الغارات ليل نهار، وإنما تعمد كذلك إلى رعاية الميليشيات الانعزالية المتمردة وتشجيعها على إقامة سلطة محلية مستقلة عن الحكومة الشرعية، وتجعتها سابقا على انشاء مرفأ في منطقة البياضة ومطار في مرج الخيام . فما هو موقف القانون الدولي العام من هذه الأعمال والتصرفات ؟

الاحتلال العسكري، في مفهوم هذا القانون، هو مرحلة تعقب لجوء إحدى الدول إلى استخدام القوة المسلحة . ومن دلائل الاحتلال وقوع كل أقليم الدولة المغلوبة، أو وقوع جزء منها، تحت سلطة الدولة الغازية .

وتبتدئ فترة الاحتلال، حسب اتفاقية لاهاي لعام 1907، بمجرد اكتمال سيطرة الدولة المنتصرة وممارسة الجيش الغازي للسلطة الفعلية فوق الاقليم المحتل أو فوق الجزء المحتل منه . والاحتلال مرحلة مؤقتة تنتهي بانسحاب القوات الغازية من الاقليم المحتل، بالتفاهم أو بالقوة .

ومع ان غالبية الدول قد عبرت، في نهاية الحرب العالمية الثانية، عن رغبتها في تحريم اللجوء إلى القوة بأي شكل كان، فان ميثاق الأمم المتحدة قد اضطر إلى السماح باستعمال القوة المسلحة في حالتين : حالة الدفاع المشروع عن النفس، وحالة قيام الأمم المتحدة نفسها باستخدام القوة ضد دولة معينة . وإذا نتج عن الحالة الثابتة احتلال لاقليم هذه الدولة، أو لجزء منه، فانه يعتبر عملا مشروعا .

ومن المسائل المهمة التي يثيرها الاحتلال الحربي : مسألة السيادة ومسألة ادارة الاقليم المحتل .

ففي الماضي كان الغزو أو الاحتلال سببا من اسباب اكتساب الاقاليم .

وكانت دولة الاحتلال تعتبر الأراضي المحتلة جزءا من اقليمها تتصرف به كما تتصرف بأملاكها . ولكن الوضع أخذ يتغير ويتطور ابتداء من القرن الثامن عشر، حيث بدا المجتمع الدولي يميز بين الاحتلال والغزو والاستيلاء .

وبصدور اتفاقيتي لاهاي لعامي 1899 و 1907، أصبح للاحتلال وضع قانوني متفق عليه .

وفي العام 1949، صدرت اتفاقيات جنيف ووافقت عليها غالبية دول العالم . وقد حددت الاتفاقية الرابعة منها المبادئ والقواعد الأساسية التي يخضع لها الاحتلال الحربي . ويمكننا تلخيصها بالنقاط التالية :

1 ـ الاحتلال وضع مؤقت ليس له صفة الدوام وليس له أي تأثير فياستمرار وجود الدولة .

2 ـ الاحتلال لا يؤدي، من الوجهة القانونية، إلى نقل السيادة من دولة إلى أخرى، أي انه لا يكسب دولة الاحتلال حق السيادة على الاقليم المحتل، لان السيادة تبقى كامنة في السكان الذين يحق لهم،خلال فترة الاحتلال، رفض الغزو أو الضم واللجوء إلى المقاومة . ان كل ما يمكن ان يسفر عنه الاحتلال، بالنسبة إلى السيادة، هو تجميد ممارستها .

3 ـ الاحتلال يخول دولة الاحتلال صلاحية ممارسة سلطة فعلية واقعية تستهدف حفظ النظام والأمن في الاقليم المحتل وتسيير شؤون سكانه .

وهذه السلطة لا تستند مطلقا إلى حق السيادة على الاقليم ولا تؤثر في الوضع القانوني للاقليم . انها تستند فقط إلى قانون الاحتلال الحربي المستمد من الاتفاقيات الدولية .

4 ـ قانون الاحتلال هو الذي يحدد الاطار التشريعي والاجرائي الذي يحق لسلطة الاحتلال ان تتحرك ضمنه . وكل تغيير تدخله هذه السلطة على شؤون الاقليم يجب ان يتم اضيق نطاق ويقتصر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية للسكان .

والمسألة الثانية التي يعالجها قانون الاحتلال الحربي هي مسألة ادارة الاقليم المحتل . فالاحتلال يؤدي إلى انهيار السلطة الشرعية للبلاد ( في كل البلاد أو جزء منها ) ونشوء فراغ سياسي واداري فيها . ولتجنب قيام حالة من الفوضى بسبب غياب سلطة القانون وتوقف المؤسسات والمرافق العامة من الفوضى بسبب غياب سلطة القانون وتوقف المؤسسات والمرافق العامة عن العمل، فان قانون الاحتلال قد نص على وجوب قيام سلطة حكومية بديلة تسد الفراغ  وتحول دون تدهور الأوضاع الداخلية .

والقانون الذي أوجد السلطة البديلة رسم لها حدود الصلاحيات التي تملكها في ادارة الاقليم المحتل وفي احداث التغيرات في الأراضي المحتلة .

ويمكننا ايجازها بالنقاط التالية :

1 ـ ان على السلطة الاحتلال الامتناع عن احداث أي تغير في المؤسسات والمرافق العامة الا في حالة الضرورة القصوى، أو في حدود الضرورات التي يفرضها حفظ النظام والأمن.

2 ـ ان على سلطة الاحتلال ان تكتفي، في الاقليم المحتل، بممارسة حقوق الإدارة، لانها لا تملك، بموجب قانون الاحتلال، أي حق في ضم الاقليم إلى اراضيها، أو في تقسيم الاقليم، أو في تشكيل حكومة مدنية فيه أو في جزء منه . ثم ان حق الإدارة الذي الشرعية الاصلية على الاقليم في الاحوال العادية . ومن هنا تمارسه سلطة الاحتلال إجراء أي تغيير اداري من شانه خدمة مصالحها السياسية أو الاقتصادية وتهيئة هذه الأراضي المحتلة للانضمام إلى دولة الاحتلال، أو للانفصال عن الدولة الخاضعة للاحتلال .

3 ـ ان على سلطة الاحتلال ان تدير الاقليم المحتل بواسطة حكومة عسكرية . وتعرف هذه الحكومة بانها " ذلك الشكل من الحكومة التي يؤسسها ويقيمها أحد الاطراف المتحاربة بقوة السلاح في الاقليم المعادي الذي جرى احتلاله من اجل حكم ذلك الاقليم " . وتختلف الحكومة العسكرية هنا عن الحكم العسكري العرفي الذي تفرضه الدولة على المواطنين في بعض الحالات الاستثنائية الخاصة .

4 ـ ان على سلطة الاحتلال الا تقدم على تدمير الاملاك الخاصة للدولة أو استعمالها الا اذا قضت الضرورة بذلك . ولمنع التعسف في استعمال هذا الحق، وضع قانون الاحتلال قيودا وحدودا مستمدة من مبدأين : الضرورة والانسانية . وهذه القيود والحدود ليست ثابتة لان وضعها مرتبط بطبيعة املاك الدولة المحتلة ( املاك منقولة أو غير منقولة . املاك قابلة لخدمة اغراض عسكرية . املاك ضرورية لسد حاجات جيش الاحتلال ) . وإذا كانت اتفاقية لاهاي لعام 1907، التي تنظم العلاقات الاقتصادية في وقت الحرب، تسمح للعدو الموجود فوق ارض خصمه بتدمير الاملاك العامة غير المنقولة، لاغراض حربية، أو باستعمالها لاغراض ادارية أو استراتيجية، فانها تحظر عليه حرية التدمير من أجل التدمير . وإذا كانت المادة 55 من الاتفاقية تخول العدو المحتل حق ادارة اولاك دولة الخصم واستثمارها، فانها تفرض عليه بالمقابل المحافظة على جوهرها واصولها من التلف .

 تلك هي أهم القواعد العامة التي يخضع لها الاحتلال الحربي، والتي حظيت بموافقة كل دول العالم تقريبا . ولو راجعنا الاحكام الصادرة بعد الحرب العالمية الثانية عن المحاكم الاوروبية، وخصوصا عن محكمة نورمبرغ الدولية ) لانها كلها قد ادانت سلطات الاحتلال ( الالمانية والايطالية وغيرها ) لانها تجاوزت أو خالفت احكام القانون الدولي وعمدت، خلال فترة الاحتلال، إلى تغيير بعض المعالم في الأراضي المحتلة أو إلى احداث مرافق عامة كان الغرض الأساسي من انشائها خدمة مصالح سلطات الاحتلال .

وبالاسناد إلى كل ما تقدم يمكننا التأكيد على ان ما تقوم به "إسرائيل" في جنوب لبنان، من الخارجين على القانون والشرعية بالسلاح وحثهم على إقامة سلطة  منشقة، هو عمل مخالف لابسط القواعد الدولية ويتناقض مع  مزاعم المسؤولين ""الإسرائيليين"" بالانسحاب الكامل من الجنوب . وحتى لو حاولت "إسرائيل" التنصل من هذه المسؤولية والقاءها على القوات اللبنانية المتمردة، فان مساعدتها لهذه القوات، أو حمايتها لها، تفضح نياتها وتدين تدخلها غير المباشر في الشؤون لدولة أخرى .