دور المقاومة في تاريخ الشعوب
الحاج محمود القماطي
عضو المكتب السياسي لحزب الله
5/كانون الأول/1997
دور المقاومة في حياة الشعوب عنوان هام يتصدى لقضية تمس الفطرة الانسانية النازعة دوما نحو الحرية وانطلاق والسيادة والاستقلال، فالجنين في احشاء امه يتحرك شوقا للخلاص من سجنه، للانطلاق في افاق الحياة الرحبة، والشعوب لا يمكن ان ترتاح او تطمئن تحت استعمار او احتلال او استغلال او اغتصاب ارض او مصادرة ارادة او طمس سيادة. من هنا لم يكن للمقاومة دور في حياة الشعوب فحسب لتحقيق الذات والكرامة والسيادة والحرية والاستقرار بل نستطيع ان نقول بلحاظ نتائجها ام المقاومة هي حياة الشعوب.
وفي لبنان كما في بقية بقاع الارض للشعب فيه صولات وجولات في تاريخه الحديث ضد الاستعمار والاحتلال والانتداب غير انه سجل تميزا عن محيطه العربي المعادي للكيان الصهيوني الغاصب في مقاومة نوعية باسلة منوعة، هادفة وثابتة، في مواجهة العدو الاساس للامة العربية والاسلامية والذي غرس في خاصرة العالم الاسلامي والعربي نتيجة مؤامرة دولية هادفة وعن سابق اصرار وتصميم ودراسة وتخطيط مما جعل من مقاومة هذا الكيان قضية تمثل العرب جميعا بمختلف انتماءاتهم الدينية، والمسلمين والمسيحيين جميعا بمختلف انتماءاتهم الجغرافية وتنوعهم العرقي…
ولا ننسى هنا ان اول من تصدى لهذا الكيان كانت المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين، ثم خارج فلسطين، وخصوصا انطلاقا من الاراضي اللبنانية، وما مثلته هذه المقاومة الفلسطينية منذ انطلاقتها وحتى العام 1982 ، من امل ورجاء للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية آنذاك، وما لعبه من دور داخلي محلي في الساحة اللبنانية ، ومساهمة كل ذلك في ولادة المقاومة الوطنية، ومن ثم ما الت اليه الامور من انكفاء نحو مشروع التسوية الاستسلامية وتخل عن نهج الكفاح المسلح الذي كانت تطرحه منظمة التحرير الفلسطينية كسبيل وحيد لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني، والقبول بحكم ذاتي هزيل بدأ موقعو اتفاقية اوسلو الفلسطينيون يلتمسون نتائجه السليبة على كافة المستويات.وما يهمنا هنا ان نستخلص من المرحلة التي تصدت فيها المقاومة الفلسطينية بكافة فصائلها للعدو الصهيوني مدى تأثر اكثر الشعب اللبناني وتفاعله مع القضية الفلسطينية من جهة ومشاركته الفعلية في المقاومة الفلسطينية من جهة اخرى وتألمه من الاعتداءات "الاسرائيلية" المتتالية عليه وعلى ارضه ومدنه وقراه، حيث ان التعرض للبنانيين الامنيين كان متواصلا من نشؤ الكيان الغاصب عام 1948 حتى يومنا هذا، مما لا يدع مجالا للشك حول الطبيعة العدوانية لهذا العدو الشرس ، ولا يحتاج الاعتداء عنده الى مبرر حتى يقوم به ويمارسه، وقد ذاق الشعب اللبناني مرارات كبرى من هذا الكيان قبل انطلاقة المقاومة الفلسطينية وبعدها فضلا عن انطلاقة المقاومة اللبنانية الوطنية والاسلامية في اروع مواجهات سجلت بطولات نوعية للتاريخ المقاوم على الاطلاق بعد الاجتياح "الاسرائيلي" عام 1982 والذي اخرجت بعده قوات المقاومة الفلسطينية خارج لبنان في محاولة للسيطرة الكاملة عليه عسكريا، امنيا ، سياسيا، واقتصاديا . ولقد عانى المسلمون والمسيحيون في المنطقة على السواء من الصهاينة ومكرهم واجرامهم منذ كان التآمر الدولي عام 1918 وباصدار وعد بلفور باعطاء فلسطين لليهود حيث تحقق هذا الوعد والذي كان حلم الحركة الصهيونية العالمية بتأسيس دولة لهم في ارض فلسطين عام 1948 على حساب الشعب الفلسطيني بارتكاب المجازر بحقه وتهجير من بقي حيا الى خارج ارض فلسطين، هذا الارهاب "الاسرائيلي" القائم على طرد اصحاب الارض من ارضهم والسيطرة عليها بعد قتل اكبر عدد ممكن من شعب هذه الارض تكرر في العام 1967 باحتلال اراضي سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة….
وهذا الارهاب "الاسرائيلي" القائم على احتلال الارض بعد قتل وتهجير شعب هذه الاراضي المحتلة نفذته "اسرائيل" بابشع صوره في لبنان منذ تأسيس هذا الكيان الغاصب في العام 1948 باعتداءات ومجازر دموية بحق النساء والاطفال والشيوخ دون سبب او مبرر سوى اعداد المقدمات لاحتلال الاراضي المجاورة للشمال "الاسرائيلي" وكان ضم الكثير من القرى والبلدان والمزارع اللبنانية منذ العام 1967 وتوج هذا الاحتلال باجتياح عام 1978 الذي اقامت بعده "اسرائيل" الشريط الحدودي ودولة الميليشيات العميلة التي اسمتها دولة لبنان الحر…
هذا الارهاب "الاسرائيلي" الذي تمثل باحتلال اراض لبنانية بين الاعوام 1967 والعام 1978 والذي اسس لدولة عميلة تابعة له مستقلة عن السلطة المركزية اللبنانية هيأ الظروف لاجتياح 1982 والذي ادى الى السيطرة على اكثرية الأراضي اللبنانية…
هذا الارهاب الصهيوني القائم على احتلال الارض بعد اعمال القتل والتدمير في حق اهلها ترافق معه جملة من الاعمال الارهابية الصهيونية التي كانت تهدف لالغاء لبنان من الخارطة السياسية العالمية بلحاقه بالكيان "الاسرائيلي"وذلك عبر اتباع السياسة الارهابية التالي:
أ_العمل على ايجاد زعامات وقيادات لبنانية مرتبطة "باسرائيل" ومنفذه لارادتها…
ب- اذكاء روح العداوة والبغضاء والتناحر بين الطوائف والاحزاب اللبنانية مع العمل لايجاد دويلات وكيانات مستقلة بهذه الطوائف والاحزاب تكون قائمة على التناحر والتقاتل والمستمر وذلك تخويف كل طائفة وحزب ما من حزب وطائفة اخرى.
ج_ ممارسة كافة انواع الاذلال والاعتقال للناس بهدف تهجيرهم من قراهم ومنازلهم مع التهيئة الظروف لتسهيل هجرة هؤلاء وخاصة الشبان منهم الى الخارج بالتنسيق مع جهات ودول خارجية..
د_ اتلاف المحاصيل الزراعية والاشجار المثمرة وقتل قطعان الماشية وجرف المنازل وقطع الطرق بين المناطق الزراعية… بهدف ابعاد اصحاب الارض عن ارضهم وترويج البضائع والمنتجات "الاسرائيلية" …
ه_ محاولة ضرب الزراعة المحلية في الاراضي المحتلة وذلك عبر السيطرة على المياه الجوفية ومياه الانهر الليطاني_والحاصباني_والوزاني..
و_ سرقة الكثير من الآثار اللبنانية وبخاصة في اجتياحي 1978_1982 بهدف افقار لبنان سياحيا وتنشيط السياحة "الاسرائيلية". والجميع يعلم كم نهبت "اسرائيل" في فترات اجتياحها من النواويس والآثار التاريخية الهامة وتدمير ما تبقى وبخاصة في مدينة صور الاثرية…
من هنا يمكن القول ان الارهاب "الاسرائيلي"في لبنان كان له اوجه متعددة ابتداء من ارتكاب المجازر وتدمير القرى وضمها وتهجير الاهالي من منازلهم وتدمير املاكهم ومزروعاتهم والاعتقالات الجماعية وسرقة المياه والآثار وتدمير أماكن العبادة والعمل على ايجاد كيانات طائفية متناحرة… وغيرها الكثير الكثير من انواع الارهاب والهمجية الصهيونية ومن أبرز الاعمال الارهابية للصهاينة والعملاء نوردها في الاحصائيات الاساسية التالي:
عام 1948 ارتكبت العصابات الصهيونية عدة مجازر في جبل عامل كان من افظعها تلك المجزرة التي ارتكبتها هذه العصابات في بلدة حولا والتي ذهب ضحيتها 58 مواطنا لبنانيا من هذه البلدة تترواح اعمار اكثر من النصف منهم بين 45 و 75 سنة…
24 تموز 1950 قصفت طائرة عسكرية "اسرائيلية" مدنية لبنانية بينما كانت تحلق فوق الاراضي اللبنانية مما ادى الى سقوط قتيلين وثمانية جرحى بين ركاب الطائرة …
_ عام 1959 اجبرت ثلاث طائرات لبنانية على الهبوط في "اسرائيل" في الفترة بين 18 ايار 1959 و 19 تشرين الثاني 1959 عام 1948
_ 26/12/1968 اغار الطيران "الاسرائيلي"بغارة دامت 45 دقيقة على مطار بيروت الدولي حيث دمر في المطار 13 طائرة في ارض المطار بينها 8 طائرات تابعة لخطوط الشرق الاوسط التي تضررت هنغاراتها كثيرا…
_ 3/1/1970 قامت فرقة "اسرائيلية" بالتغلغل داخل الاراضي اللبنانية حيث اعتقلت عسكريين لبنانيين و11 مدنيا في بلدة قليا…
_ 12،13/5/1970 هجمات "اسرائيلية"على منطقة العرقوب ادت الى سقوط 23 شهيدا و36 جريحا من المدنيين اللبنانيين والمقاتلين الفلسطينيين…
_ 22/5/1970 قصفت "اسرائيل" القرى الحدودية اللبنانية بالمدفعية الثقيلة مما ادى الى سقوط 20 قتيلا و40 جريحا لبنانيا كما ادى القصف الى تدمير 83 منزلا للمواطنين اللبنانيين…
_ 27،28/5/1970 غارات جوية "اسرائيلية"على بلدة ياطر ادت الى استشهاد 12 مواطنا لبنانيا وفلسطينيا .
21/6/1971 قصفت المدفعية "الاسرائيلية"بلدة حاصبيا مما ادى الى سقوط 48 شهيدا و 45 جريحا من المواطنين الآمنين…
_ 23/6/1971 قصفت المدفعية "الاسرائيلية"بلدة دير العشائر في البقاع مما ادى الى استشهاد 19 وجرح 10 مواطنين…
_ 15،16/9/1974 غارات للطيران الصهيوني على المخيمات الفلسطينية والقرى اللبنانية الآمنة في الرقد وراشيا الوادي، ونهر البارد ـ شمالي لبنان ـ مما ادى الى سقوط 17 شهيدا و37 جريحا وقد اتبعت "اسرائيل" هذه الغارات الجوية باجتياح لـ 18 قرية حدودية لبنانية ادت الى سقوط 118 شهيدا كما ادى هذا التوغل الى تفجير 150 منزلا كما دمر جسرين على نهر الليطاني ولقد استخدم الصهاينة في هذه الهجمات الغازات السامة والقنابل الفسفورية…
- 10/4/ 1973 غارات للطيران "الاسرائيلي"على بيروت مستهدفا مخيمات الفلسطينيين في صبرا وتل الزعتر والحي الشعبي في الاوزاعي مما ادى الى سقوط 44 شهيدا والعشرات من الجرحى الفلسطينيين واللبنانيين
- 6/1/1975 شكوى لبنانية الى مجلس الامن تحدثت عن اختراقات "اسرائيلية"للاراضي اللبنانية.
- بين 12/12/1974 و 4/1/1975 في المجالات التالية:
اختراق للاجواء اللبنانية 44 مرة
سرقة للمياه اللبنانية 10 مرات
اجتياح عبر البحر 10 مرات
اجتياح عبر البر 8 مرات
قصف بالمدفعية الثقيلة 347 مرة
- بين 11،17/1/1975 غارة جوية وقصف بالمدفعية استهدفت القرى الحدودية اللبنانية وتحديدا وبشكل رئيسي بلدة كفرشوبا التي ادى القصف عليها الى تدميرها بشكل كامل ونزح اهلها عنها لعدم وجود مساكن لايوائهم…
- 9/11/1977 قام الطيران "الاسرائيلي"بتدمير بلدة العزية الجنوبية على رؤوس اهلها الآمنين مما ادى الى سقوط 56 شهيدا و 68 جريحا…
- اجتياح آذار 1978 أدى إلى احتلال "اسرائيل" لمساحة واسعة من الاراضي اللبنانية الحدودية وذلك على الشكل التالي:
- 15 كلم في نقاط عديدة من القطاع الغربي والمنطقة الساحلية…
- 7 كلم في نقاط من القطاع الاوسط…
- 8 كلم في القطاع الشرقي ومرتفعات جبل الشيخ…
هذا الاحتلال للاراضي اللبنانية في آذار 1978 ترافق معه همجية وارهاب صهيوني كبير بمساندة من العملاء تمثلت بارتكاب مجازر جماعية وتدمير منازل ومؤسسات حيوية في المناطق ولقد اورد تقرير للصليب الاحمر الدولي صدر في 6/4/1978 حجم الخسائر في المناطق المجتاحة في آذار 1978 على الشكل التالي:
1000 شهيد مدني لبناني
82 قرية تضررت
6 قرى دمرت كليا
بين من كل خمسة ابنية تدمر جزئيا او كليا في شتى مناطق العمليات
10 بالمائة فقط من المساكن صالح للسكن في القرى المستهدفة
266 الف مهجر جنوبي نزحوا باتجاه الشمال
- تنفيذ مذابح بربرية بحق المواطنين اشد هولا تلك التي جرت في قرى الخيام والعباسية وكونين ففي الخيام التي دمرت كليا بنسبة 80 بالمائة اعدام 31 شخصا من بينهم 29 شخصا تتراوح اعمارهم بين الستين والثمانين عاما ، وفي بلدة العباسية، اعدام 34 شخصا من بينهم عائلة محمد داود وهبة المؤلفة منه وزوجته واطفاله الخمس.. وفي كونين، إعدام 29 مواطنا سبعة عشر منه لا تتجاوز اعمارهم الخامسة عشرة…
افضل تقرير اعدته الامم المتحدة عن خسائر الجنوبيين اللبنانيين حتى اب 1980 كما يلي :
- 250 الف منزل متضرر
- 10000 مسكن مهدم
- 250 الف مهجر ونازح
- 3046 اسرة فقدت بدون مدرسة
- 7046 معاقا
- 10810 يتيما
- اجتياح حزيران 1982 والذي ادى الى سيطرة مباشرة للجيش "الاسرائيلي"على مساحة 3100 كلم من اصل 10452 وخضع زهاء ربع سكان لبنان لسلطات "اسرائيل" العسكرية المباشرة ولقد قام الطيران "الاسرائيلي"والمدفعية البحرية "الاسرائيلية"قبل وخلال اجتياح القرى والبلدات اللبنانية بمئات الغارات الجوية ومئات الآلاف القذائف المدفعية الثقيلة الفسفورية والسامة فعلى سبيل المثال تم تقدير ما ارتكبته الآلة "الاسرائيلية"بحق لبنان وشعبه الامن في يوم 6/6/1982 على سبيل المثال سجل سقوط 185 الف قذيفة مدفعية مع غارات متواصلة للطيران في ذلك اليوم مدة 12 ساعة متواصلة على كافة انحاء الاراضي اللبنانية دون توقف ولقد ادى الارهاب "الاسرائيلي"في اجتياح 1982 إلى تدمير عشرات القرى تدميرا كبيرا بقذائف عنقودية ومسمارية وفسفورية وانشطارية.. ادت الى سقوط ارقام رهيبة من الشهداء والجرحى والمعاقين والقد اظهرت قيود المستشفيات والمستوصفات وأجهزة الدفاع المدني والاسعاف العام والاحصاءات التي اعدتها الاجهزة الأمنية بما توافر لها من امكانات ان عدد الذي قتلوا وجرحوا منذ بداية العدوان "الاسرائيلي"للبنان في 4 حزيران 1982 وحتى نهاية شهر اب 1982 بلغ 17825 شهيدا 30103 جريحا بينهم 84 بالمائة من النساء والاطفال والشيوخ…
هذه الارقام الرهيبة لاعداد الشهداء والجرحى في اجتياح 1982 والخسائر المادية الكبيرة.. اكتمل عقدها بمقتل 1400 مواطن لبناني وفلسطيني بين 16،17/9/1982 في مناطق صبرا وشاتيلا القريبة من بيروت وذلك باوامر "اسرائيلية"وايدي عميلة منفذة وعلى رأسها ميليشيات الشريط الحدودي المحتل والقوات اللبنانية برئاسة الوزير اللبناني الحالي في حكومة الرئيس رفيق الحريري المدعو الياس حبيقة..
كل هذه الاعتداءات التي اخترناها من عدد كبير يكاد يكون يوميا من الاعتداءات "الاسرائيلية"على لبنان واهله ومواطنيه زرعت في قلوب اللبنانيين حب المقاومة خصوصا اولئك الذين لم تنطل عليهم الخدع الصهيونية في محاولة اقناع العامة من بين الناس ان الاجتياح "الاسرائيلي"يستهدف المقاومة الفلسطينية وبعد ذلك سوف تخرج "اسرائيل" من لبنان.
وما كاد وقت قليل من الامر يمر حتى تبين الناس الحقيقة وكانت المقاومة الاسلامية والوطنية قد بدأت مسيرتها ضد قوات الاحتلال الصهيونية.
المقاومة الاسلامية والوطنية في المواجهة:
لم تنتظر المقاومة طويلا لبدء العمليات ضد الاحتلال بل نستطيع القول ان المعركة بدأت في خلدة اثناء الاجتياح "الاسرائيلي"عام 1982 حتى مؤتمر الطائف 1989 مرورا بشباط 1984 استمرت المقاومة بدورها الفاعل في التصدي للعدو الصهيوني، كان دور المقاومة الاسلامية يتطور فيها يوما بعد يوم ويبرز ويتبلور ويتصدر الدور الريادي المقاوم الى ان أصبح منذ العام 1990 حتى اليوم يكاد يكون وحيدا غير اننا لا ننسى هنا ان المقاومة لم تكن مسلحة عسكرية وامنية فقط وانما كانت شعبية وجماهيرية واسعة في التصدي للعدوان.
المقاومة الشعبية والجماهيرية:
في الاشهر الاولى للاجتياح الصهيوني للاراضي اللبنانية في حزيران 1982 شعر كثير من الناس ان "اسرائيل" جاءت لتخليصهم من عبث ومجون الميليشيات الحزبية والتنظيمات الفلسطينية.. من هنا اخذ الناس ينثرون الارز والزهور على قوات الجيش "الاسرائيلي"المقتحمة للاراضي اللبنانية..
وحدهم ابناء الاسلام المحمدي الاصيل بقيادة علماء الدين وفي مقدمتهم شيخ شهداء المقاومة الاسلامية تنبهوا لخطر "اسرائيل" على ارض وشعب لبنان ومستقبل هذا البلد فكانت تحركاتهم على المستويات المختلفة بدءا من تحريم التعامل مع الصهاينة والعملاء، مرورا بوجوب مواجهة هذا العدو بكل الوسائل المتاحة، وانتهاء بالتحريض والمشاركة في العمليات الجهادية ضد هذا المحتل. ولقد اخذت نداءات ابناء الاسلام المحمدي الاصيل تأخذ دورها وتجد صدى لها داخل مجتمع المسلمين اللبنانيين، ولقد كان للارهاب الصهيوني بحق الاهالي وخصوصا الاعتداء على الآمنين وزج آلاف السكان من النساء والشيوخ داخل المعتقلات وبخاصة معتقل انصار بعد عدد من عمليات المقاومة الاسلامية وفي مقدمتها عملية امير الاستشهاديين الشهيد احمد قصير في 11/11/1982 التي هزت الكيان الصهيوني وارعبته، كان لهذه النداءات الدور المفصلي في ايقاظ ابناء المجتمع من رقادهم فالتفوا حول القيادة الجنوبية الحكيمة والتي تمثلت وقتذاك بشيخ شهداء المقاومة الاسلامية وثلة من العلماء والاخوة المجاهدين الذي جمعهم الاسلام ووحدهم فكانت التحركات والانطلاقات الاولى من المساجد والحسينيات وعند تشييع كل شهيد..
هذا التحرك الشعبي بقيادته العلمائية والذي واجهته "اسرائيل" باعتقالات ومداهمات لمنازل وحصار العديد من القرى والبلدات بدءا من بلدة دير قانون النهر التي حوصرت لمدة اسبوع بعد عملية الشهيد احمد قصير وانتهاء بمسيرات وتظاهرات ومصادمات محدودة في صور والسكسكية وعين قانا ، جباع ، انصار ، صيدا، الغازية، القليلة، النبطية، زفتا،..
البدايات الاولى لهذه التحركات الشعبية المؤمنة المحدودة وغاير المتكاملة توضحت معالمها وصورتها ونضجت وتكاملت نوعيا وكميا للمرة الاولى على صعيد واسع بعد اقدام القوات الصهيونية على اعتقال الشيخ راغب حرب في 18/3/1983 بعد رفضه مصافحة ضباط العدو وطردهم من منزله فكان موقفه المبدئي الشهير "الموقف سلاح والمصافحة اعتراف" هذا الاعتقال فجر انتفاضة عارمة في بلدة جبشيت، فكان ان انتصرت بلدة جبشيت لامامها وتصدت لقوات الاحتلال معلنة الاضراب والاعتصام.
وسرعان ما انتقلت المواجهة الى مدينة النبطية التي خرجت يوم 23/3/1983 بتظاهرة حاشدة ضد الاحتلال واستمرت المواجهة بين الاهالي في جبشيت منطقة النبطية وبين قوات الاحتلال حتى 4نيسان 1983 حين اطلقت قوات الاحتلال سراح الشيخ راغب حرب فاستقبل في منطقته استقبال الابطال بمشاركة وفود شعبية من مختلف مناطق الجنوب وبيروت والضاحية الجنوبية..
هذا الانتصار الذي حققته جبشيت والقوى المساندة ادى الى سيادة منطق مواجهة الاحتلال فزاد ايمان الناس باهمية الانتفاضة ، وبدأ المواطنون في عزل عملاء "اسرائيل" سياسيا واجتماعيا فضلا عن الامتناع الطوعي عند معظم المواطنين عن الاتجار بالبضائع "الاسرائيلية".
بعد جبشيت تغيرت معالم الصورة كثيرا وصار في امكان منطق المواجهة الشعبية ان يقارع منطق العمالة والاستزلام للاحتلال وعملاءه فانفرط عقد المجموعات التي شكلتها "اسرائيل" بدءا من جبشيت مرورا بزبدين وانصارية، وكرت السبحة.
وفي 3/5/1983 اقيم احتفال خطابي حاشد في مدينة صور لمناسبة ذكرى مولد الامام علي (ع) اكد المتحدثون فيه على ضرورة الاستمرار في مواجهة الاحتلال، وبعد ثلاثة ايام اقتحمت قوات الاحتلال مؤسسة جبل عامل المهنية في صور فتصدى لها الطلاب وسقط للمقاومة الاسلامية الشهيد حسن مشيمش، كما جرح تسعة من رفاقه فخرج اهالي مدينة صور وقطعوا الشوارع وهاجموا الدوريات "الاسرائيلية"وتجمعوا في المساجد والحسينيات ضد "اسرائيل" .
بعد ذلك تتالت الانتفاضات والمواجهات الشعبية فكانت تنقل من قرية الى اخرى فكان دور دير قانون النهر في 11/6/1983 التي استمر حصارها سبعة ايام واعتقل منها نحو 200 شاب.
وعربصاليم في 21 حزيران استمر حصارها ثلاثة ايام واعتقل منها عدد كبير من المواطنين بينهم السيد يوسف صفي الدين.
وكفر صير في 29/6/1983 استمر حصارها ثلاثة ايام وكفرملكي في 27 تموز 1983 والتي استمر حصارها 15 يوما وباريش والعباسية والبيسارية في 17 ايلول والسكسكية في 4 تشرين الاول 1983.
وفي 16 تشرين الاول 1983 توجت هذه الانتفاضات بانتفاضة عاشوراء النبطية حيث اصطدمت جماهير وانصار ابي عبد الله الحسين (ع) مع دورية للاحتلال الصهيوني ادت الى استشهاد عدد من المواطنين في المواجهة بينهم الاخ المجاهد سهيل حمود وجرح العشرات فيما اصيب عدد من جنود الاحتلال واحرقت آليات عدة بعدها حوصرت المدينة مدة ثلاثة ايام.
هذه نماذج بارزة للمواجهات الشعبية الاولى للاحتلال "الاسرائيلي"والعملاء، حيث كانت الآيات القرآنية والشعارات الاسلامية "الله اكبر" والشعارات الكربلائية "هيهات منا الذلة" ، "كل يوم عاشوراء كل ارض كربلاء" واضحة في جميع هذه التحركات.
كما كانت صور قادة الامة وفي مقدمتها امام الامة وقائد المستضعفين الولي الفقيه الامام روح الله الموسوي الخميني "قده"، وشيخ الشهداء راغب حرب وصور سماحة السيد الامام موسى الصدر..
هذا التلاقي والتكامل الشعبي الايماني بين المقاومة المسلحة لمجاهدي المقاومة الاسلامية والوطنية واهالي القرى والبلدات اللبنانية الجنوبية منها على وجه التحديد والخصوص التي ظلت ثائرة على الدرب والعهد الذي ترجمته باستمرار الدعم والتأييد القولي والعملي لجهاد المقاومة الاسلامية والذي ترجم باعظم تجلياته في مسيرات تشييع سيد الشهداء المقاومة الاسلامية السيد عباس الموسوي "رض" الذي سار في تشييعه كل ابناء الامة مما لفت انظار الاوساط المحلية والاقليمية والدولية الى المدى الذي وصل اليه التكامل بين مجتمع المقاومة والمقاومة الاسلامية المسلحة..
ويجمع المراقبون ان اهم اخبار لجماهير وشعبية مجتمع المقاومة الاسلامية كان في حربي تموز 1993 ونيسان 1996 حين استطاعت المقاومة الاسلامية وجماهيرها الثابتة في الجنوب رغم استعمال "اسرائيل" كل آلتها العسكرية وفشلت كل المحاولات لايجاد ثغرة بين المقاومة الاسلامية ومجتمعها من خلال بعض المسؤولين اللبنانيين ولا سيما الرسميين منهم الذي طالما ادعوا تبني المقاومة.. فكان ان خرجت المقاومة الاسلامية بجماهيرها ومجتمعها الذي التف حولها رغم خسارة كل شيء نتيجة للتدمير الكبير الذي حلق بالمنازل والاراضي ومصادر الرزق .. مرفوعة الرأس وكانت النتيجة مزيدا من التكامل والتوحد بين ابناء المقاومة الاسلامية والمجتمع الجنوبي وحتى اللبناني..
بعد هذا التاريخ تأكد للجميع ان عمليات وجهاد ابناء المقاومة الاسلامية ضد الصهاينة والعملاء ليس عملا صادرا عن مجموعة من المسلحين وانما هو جهاد يمثل المجتمع اللبناني ويمثل ارادة اكثرية اللبنانيين الذي يؤمنون بوحدة وحرية وكرامة لبنان ارضا وشعبا.
اشكال المواجهة الشعبية للاحتلال
اما اشكال المواجهة الشعبية للاحتلال فهي كثيرة ومتعددة.
1- رفض التعامل مع العدو او حتى استقباله وهو شكل فردي للمواجهة ولكنه فعال خصوصا اذا ما كان الرافضون من القيادات السياسية والدينية او حتى المسؤولين الاداريين ( قائم مقامون، رؤساء بلديات، مخاتير) وكان رمز هذه المواقف الشهيد الشيخ راغب حرب..
2- رفض المساهمة في انشاء "الحرس الوطني واللجان المحلية" في معظم القرى والبلدات في الجنوب والبقاع الغربي..
3- رفض التطبيع الاقتصادي من خلال القيام بحملات تدريجية لمقاطعة البضائع "الاسرائيلية"ورفض التعامل بالشاقل (العملة "الاسرائيلية") في العديد من المدن والقرى، وقد ساعدت في هذا الاتجاه العمليات التي نفذتها المقاومة ضد بعض المروجين لبضائع العدو من تفخيخ البطيخ في سوق النبطية الى تفجير مستودعات البضائع "الاسرائيلية"في صيدا، الى نسف مراكز بعض الوكالات السياحية التي تتعامل مع العدو.. ولكن الدور المحوري الذي انجح المقاطعة الشعبية للبضائع "الاسرائيلية"كان لفتاوى علماء المسلمين التي تحرم التعامل مع "اسرائيل" باي شكل من الاشكال ومهما كانت الظروف والاوضاع..
4- رفض التطبيع الثقافي مع الاحتلال والعمل الحثيث من اجل افشال برنامج تعليم اللغة العبرية في بعض المدارس داخل الجنوب المحتل وخصوصا في الشريط الحدودي المحتل.. وقد فشل هذا البرنامج بالفعل..
5- اللجؤ الى حالات العصيان المدني ضد قوات الاحتلال والتي تجلت في العديد من الاضرابات والاعتصامات في القرى وكذلك في الاضرابات العامة التي شملت كل مناطق الاحتلال ورافقها في اغلب الاحيان اعلان وتنفيذ الاضراب العام في كل المناطق اللبنانية، وقد افتتحت سلسلة الاضرابات والاعتصامات بالاضراب الذي اعلنته بلدة جبشيت في آذار 1983 بعد اعتقال الشيخ راغب حرب.
6- تنظيم التظاهرات والتجمعات الضخمة ضد المحتلين وعملائهم واطلاق الهتافات المعادية "لاسرائيل"، وهذا النوع من المواجهة اصبح بعد فترة الشكل الاساسي للتحرك، وتركز في المدارس ومراكز العبادة " مساجد والحسينيات " ولعل اهم تجمع ذلك الذي حصل في 16 تشرين اول 1983 في مدينة النبطية احياء لذكرى عاشوراء الذي تحول بعد تحرك آليات العدو لمنعه الى مواجهة بطولية ادت الى مقتل واصابة عدد من الجنود وتدمير عدد من الآليات في حين سقط من الاهالي عدد من الشهداء والجرحى..
7- المواجهة المباشرة في معارك غير متكافئة مع قوات الاحتلال، وهذه المواجهات كانت تتم لمنع المداهمات واجبار قوات الاحتلال على التراجع عن دخول قرية ما او حي ما، كما حصل في بلدات معركة والقرعون وفي العديد من القرى وقد استعملت في هذه المواجهات العصي والحجارة والزيت المغلي والماء والاطارات المحترقة والحواجز.. وانتصرت فيها الارادة الشعبية على المدافع والآليات، ولم تهن عزيمة المواطنين في مثل هذه المواجهات رغم العديد من المجازر التي ارتكبت والتي ذهب ضحيتها عشرات المواطنين..
8- التحركات الشعبية الواسعة وخصوصا لذوي المعتقلين لدى الاحتلال والعملاء.
العمليات الميدانية للمقاومة الاسلامية
تطورت عمليات المقاومة الاسلامية منذ بداياتها وحتى يومنا هذا في ثلاثة انواع:
1- العمليات الاستشهادية
2- العمليات النوعية الجماعية
3- العمليات النوعية الانتقائية
اهم العمليات الاستشهادية استهدفت مقر الحاكم العسكري "الاسرائيلي"في 11/11/1982 الامر الذي ادى الى مقتل وجرح 300 ضابط وجندي ورتيب صهيوني، بعد ذلك تتالت ضربات الاستشهاديين من ابناء المقاومة الاسلامية فكانت عملية مدرسة الشجرة في صور في 4/11/1983 وعملية الاستشهادي ابو زينب في المطلة "عند الحدود اللبنانية الفلسطينية " في 11/3/1984 وغيرها الكثير من العمليات الاستشهادية الكبيرة والمؤثرة بسبب عمليات الاستشهاديين هيثم دبوق والشيخ اسعد برو والحر العاملي وصلاح غندور وعلي قشمر التي هزت كل الكيان الغاصب وجعلته يرى نوعا جديدا من الناس لا يخشون الموت بل يذهبون اليه بقلوب فرحة وبثغور مبتسمة، حتى قال رئيس وزراء العدو اسحاق رابين بعد العملية الاستشهادية الاولى "كيف نستطيع ان نواجه من جاء لتنفيذ عملية انتحارية ضدنا، هل نهدده بالموت وهو من اتى ليموت من تلقاء نفسه..؟"
بعد ذلك لجأت المقاومة الاسلامية الى القيام بعمليات نوعية كبيرة يقوم بها عدد كبير من المجاهدين " بالمئات " حيث يقومون بمهاجمة المواقع المحاذية للمناطق المحررة بشكل خاص ويقومون خلال العملية بتطهير المواقع من العدو والعملاء وتدمير آليات ودشم وسحب ما يمكن سحبه من العتاد والاسلحة الى خارج المناطق المحتلة وهذا ما حصل في العشرات من العمليات التي هزت كل كيان الدولة العبرية واحرجت قياداتها السياسية والعسكرية واوقعتها في ارباك شديد يصل الى حدود الصراع والتنافس والتطاحن بين هذه القيادات، وتسببت في العديد من المسيرات والتظاهرات التي خرجت تطالب بالانسحاب من لبنان "هذا البلد الملعون " كما يسميه الصهاينة لانه هزمهم وقهرهم من خلال مجموعات صغيرة من المجاهدين.
ومن ابرز هذه العمليات النوعية لمجاهدي المقاومة الاسلامية والتي هي من ابتكارهم نخص بالذكر عمليات تحرير مواقع برعشيت وبيت ياحون وعلمان الشومرية وعلي الطاهر والرادار وطلوسة حيث حررت هذه المواقع ولاكثر من مرة. ولا تزال أسلحة واليات مصادرة من هذه المواقع بحوزة المجاهدين. يذكر ان المقاومة عمدت الى تطوير عملياتها الاولى القائمة على تفجير العبوات الناسفة بدوريات العدو وعملائه ، بابتكار اسلوب العمليات المزدوجة القائمة على تفجير اكثر من عبوة وفي اماكن واوقات متقاربة مع قيام مجاهدي المقاومة باعداد كمائن اضافة الى العبوات المنتظرة قدوم التعزيزات لتفجيرها بمن قدم والاجهاز على من بقي حيا من خلال اسلحة المجاهدين المنتظرة لمثل هذه الساعة.
ولقد حققت المقاومة الاسلامية من خلال هذه العمليات نجاحات كثيرة كانت نتائجها كارثية على جيش العدو الصهيوني وعملائه بحيث كانوا ينتظرون كثيرا قبل ان يرسلوا اى تعزيزات مخافة الموت على ايدي المقاومة، وحصل في الكثير من العمليات ان الجنود كانوا ينزفون ولا يتقدم احد لنجدتهم حتى انه في بعض العمليات كان الصهاينة والعملاء يهربون في الاحراش ويتركوهن رفاقهم يموتون دون نجدتهم.. ومن الامثلة الدامغة على هذا النوع من العمليات كانت عملية شيحين " تموز 1993 " التي سقط فيها للعدو عشرة قتلى وفق اعترافاته.. وعملية ضرب الكوماندوس "الاسرائيلي"في انصارية حيث ابيدت نخبة العدو ولم تستفق "اسرائيل" من ذهولها نتيجة العملية حتى يومنا هذا.
ومن الاساليب الاخرى التي اتبعتها المقاومة الاسلامية في مواجهاتها للعدو، الاشتباك المباشر في عمليات ضارية اثناء القيام بعملية هدفها المواجهة المباشرة او خلال الدفاع عن المناطق المحررة وهذا ما حصل بشكل واضح في ميدون التي لم يدخلها العدو الا بعد مواجهات قوية مع عدد محدد من المجاهدين في مقابل جيش كثير العدد والعدة وبعد نفاد ذخيرتهم..
ومواجهات كفرا وياطر ولاكثر من مرة في العام 1993 وغيره من الاعوام استطاع خلالها المجاهدون هزيمة جيش العدو وعملائه مما اضطرهم للانكفاء مخلفين ورائهم خسائر كبيرة في الارواح والمعدات . وبعد المواجهات المباشرة بين المقاومة الاسلامية والصهاينة اثناء العمليات والدفاع عن القرى والبلدان المحررة وصل الصهاينة الى قناعة مفادها انه لا يمكن الدخول الى القرى المحررة التي تقع بقبضة مجاهدي المقاومة الاسلامية الا بخسائر فادحة لا يستطيع المجتمع الصهيوني تحملها لان هؤلاء المجاهدين " وفق رأي الصهاينة " لا ندخل الى مناطقهم الا على جثثهم او اذا نفدت ذخائرهم وهذا امر فيه استحالة نظرا للعمق الشعبي والجو المقاوم الذي يسود اماكن وجود ابناء المقاومة الاسلامية..
هذه القناعة الصهيونية باستحالة تحقيق اى نصر في المواجهات المباشرة مع ابناء المقاومة الاسلامية ترجمت عمليا في حرب تصفية الحساب تموز 1993 وحرب عناقيد الغضب في نيسان 1996 باعتماد "اسرائيل" سياسة تدمير القرى والبلدات وتهجير الآمنين من منازلهم وعدم الاقدام على اى مواجهة برية مع ابناء المقاومة الاسلامية لان هؤلاء المقاومين بقوا داخل هذه القرى المدمرة ولم يغادر اى منهم موقعه داخل القرى وعلى تخومها وفق طرق ومناهج عسكرية مدروسة حيث استطاعت المقاومة الاسلامية اجتياح مواقع العدو والعملاء بشكل شبه يومي ودون ان يتمكن العدو رغم آلته العسكرية المتطورة من تحقيق اى ضربة كبيرة للمقاومة خلال هجمات الطيران وعمليات المقاومين.
هذا اكبر نصر حققته المقاومة الاسلامية خلال حربي تموز 1993 ونيسان 1996 واجبر الصهاينة على الطلب من اسيادهم الاميركيين التوسط لوقف الحرب على اساس ما يسمى بتفاهم تموز ومن ثم بتفاهم نيسان اللذين سمحا للمقاومة الاستمرار بالعمليات ضد قوات الاحتلال ومنع "اسرائيل" من قصف المدنيين مما جعلها اسيرة هذا التفاهم الذي تحاول بكل قوتها الغاءه او تعديله على الاقل دون نتيجة.
ومن الاستراتيجية التي اتبعتها المقاومة الاسلامية في تغييرها المستمر في عملياتها ضد العدو والعملاء كان قيامها بعمليات متعددة في وقت واحد مع التركيز على هدف واحد مع الاخذ بعين الاعتبار الدخول من الاماكن التي لا يتوقعها العدو بخاصة الاماكن الصعبة منها ونخص بالذكر تلك العمليات التي حصلت في عمق الشريط المحتل وخصوصا عملية شيحين التي حصلت بعد حرب تموز 1993 وعملية حولا وعملية الدبشة وطلوسة وغيرها الكثير من العمليات التي استطاعت تطهير مواقع العدو واسقاط هيبة جيشه وميليشياته العميلة، ويكفي ان نذكر ان المقاومة الاسلامية استطاعت في عملية الدبشة التي حصلت في 29/10/94 تحرير هذا الموقع ورفع راية حزب الله عليه بعد قتل عدد من الضباط وجنود الموقع وفرار البعض الاخر في اتجاهات مختلفة، وكذلك السيطرة على موقع سجد بنفس الطريقة وبنفس الروحية والمعنويات.
وبقى الشريط المحتل
وقد ادت المقاومة المسلحة والشعبية الى احراج العدو الصهيوني واضطراره مهزوما للانسحاب في شباط من العام 1985 لحدود الشريط الحدودي المحتل الذي تتراوح مساحته ما بين 850 و 1000 كلم مربع بعد ان كانت حدوده حوالي 800 كلم مربع بعد اجتياح 16/2/1978 والتي عرفت بعملية الليطاني ويمتد من منطقة الناقورة على ساحل البحر الابيض المتوسط الى بلدة حاصبيا ومحيطها في القطاع الشرقي وعدد من سفوح وقمم جبل حرمون مرورا بالقطاع الاوسط المتمثل بقضاء بنت جبيل وامتدادا حتى مرجعيون وصولا حتى مدينة جزين والقرى المحيطة بها انتهاء الى مرتفعات كفرشوبا وشبعا في الشمال الشرقي.
يعود تشكل الشريط الحدودي المحتل او ما يسميه قادة الكيان "الاسرائيلي"بـ "المنطقة الامنية" الى عدة مراحل الاولى منها في بدايات الحرب الاهلية اللبنانية العام 1975 حيث كان الجنوب اللبناني هدفا دائما للاعتداءات الصهيونية جوا وبرا وبحرا يصل سبقها الى تاريخ تأسيس الدولة الصهيونية المحتلة عام 1948 والتي اسفرت عن عدد كبير من القتلى والجرحى والمخطوفين من اللبنانيين والفلسطينيين اضافة الى تهجير عدد من السكان من منازلهم وقراهم التي وقعت تحت سيطرة العصابات الصهيونية وابتداء من العام 1976 وجدت قوات الاحتلال الصهيوني المعتدية على اراضي وشعب لبنان وفلسطين منذ العام 1948 ذريعة للتدخل وبشكل علني في شؤون مناطق وقرى الجنوب اللبناني نتيجة لتقصير السلطة اللبنانية عن القيام بواجباتها اتجاه هذه القرى المحرومة فكانت حجتها وذريعتها تقديم المساعدات التموينية الى سكان بعض القرى الجنوبية الحدودية وبخاصة المسيحية منها وتطور هذا الامر فكانت حجة "اسرائيل" للتدخل في شؤون القرى المسيحية الجنوبية تقديم الحماية الامنية لهذه القرى من خطر الاحزاب والتنظيمات اليسارية والفلسطينية فكان ان فتحت اولى بوابات العبور الذي سمته "اسرائيل" بالجدار الطيب بين لبنان والكيان الصهيوني ولقد مهد لهذه التحركات الصهيونية الضابط المنشق عن الجيش اللبناني الرائد سعد حداد الذي كلفته "اسرائيل" بتشكيل ميليشيات موالية لها..
بعد ذلك اخذت معابر الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة تتوسع فكانت بوابات القليعة في القطاع الشرقي ورميش في القطاع الاوسط.. عبر هذه البوابات العلنية وغيرها بدأ التدخل والاختراق "الاسرائيلي"المباشر للجسم الشعبي الماروني اللبناني عبر قيادات وضباط موارنة داخل الشريط المحتل وخارجه من سكان بيروت الشرقية في ميليشيا القوات اللبنانية بزعامة بشير الجميل ومن بعده الياس حبيقة وسمير جعجع.
هذا التنسيق العلني بين ميليشيا العميل سعد حداد وميليشيا القوات اللبنانية مع "اسرائيل" عبر بوابات بين لبنان وفلسطين المحتلة تطور على كل المستويات وخاصة على المستوى العسكري حيث اخذت "اسرائيل" تدعم القوى الموالية لها ضد الاحزاب اليسارية والفلسطينية فكان ان استطاعت "اسرائيل" ان تضع هذه الميليشيات العميلة بزعامة الرائد سعد حداد في مواجهة عسكرية مع الميليشيات اليسارية والفلسطينية التي تعيش حالة من الانقسام والتنازع المسلح كانت نتيجتها سيطرة الميليشيات والتجمعات العميلة "لاسرائيل" في نيسان من العام 1977 حتى سيطرت على عدد من قرى الشريط الحدودي وبقيت فيها…
وفي 16/2/1978 قام الجيش الصهيوني باوسع غزو للاراضي اللبنانية حتى ذلك التاريخ في عملية اطلق عليها اسم " عملية الليطاني " وبعد انتهاء هذا الاجتياح الذي وصل الى مشارف صور والنبطية احتفظت "اسرائيل" بنحو 800 كلم مربع من اصل مساحة لبنان البالغة 10452 كلم مربع.
وعلى اثر الاجتياح والاحتلال اصدر مجلس الامن الدولي قرارا يحمل الرقم 425 ادان فيه عملية الاجتياح "الاسرائيلية"ودعا "اسرائيل" الى الانسحاب فورا الى ما وراء الحدود الدولية واحترام وحدة لبنان وسيادته على اراضيه كما قرر المجلس ارسال قوة دولية لتطبيق القرار 425 وبالفعل انتشرت وحدات من قوات الطوارئ الدولية من جنسيات مختلفة على اجزاء واسعة من الجنوب دون ان تستطيع تطبيق القرار وحتى اليوم ، لا تزال هذه القوات تتواجد على الاراضي اللبنانية ويجدد لها تلقائيا من قبل قيادتها وفي المقابل فان "اسرائيل" ومن ورائها اميركا يرفضوهن هذا القرار الدولي جملة وتفصيلا..
وفي نيسان 1979 عمد الرائد سعد حداد الى اعلان لبنان الحر على رأس أربعمائة عسكري نظامي كانوا تابعين للجيش اللبناني وثلاثمائة عنصر من الميليشيات التابعة للجبهة اللبنانية - القوات اللبنانية في بيروت الشرقية - وحوالي 200 عنصر من الحرس المحلي وذلك على منطقة تمتد ثمانين كيلومترا من الناقورة غربا الى كفرشوبا شرقا ويتراوح عمقه ما بين خمسة الى اثني عشر كيلومترا بمساحة تصل الى ثمانمائة كيلومتر مربع .. كما اقدم الرائد حداد وبدعم "اسرائيلي" على انشاء جيش لبنان الحر في 17 ايار 1980
ثم حصل الاجتياح الثاني عام 1982 فتخطى العاصمة بيروت الى اجزاء من جبل لبنان والبقاع فضلا عن الجنوب برمته وحصل انكفاء يهودي عن هذه المناطق بحلول العام 1985 بفعل من عمليات المقاومة لكن "اسرائيل" احتفظت بنسخة معدلة من الشريط الحدودي واضافت اليها جزين فاصبح الجزء المحتل يشكل مساحة 1250 كيلومترا مربعا وبعمق 8 الى 20 كلم داخل الجنوب حتى جزين وصولا الى مشارف جبل لبنان وهذا الشريط المحتل يرتبط بالداخل اللبناني عبر بوابات محددة هي بيت ياحون في قضاء بنت جبيل ، البياضة ، الحمرا في قضاء صور، كفر تبنيت في قضاء النبطية ، زمريا ، حاصبيا ، وباتر في جزين- الشوف ، اضافة الى معابر جرى اقفالها في ما بعد.
ولكي يتم لها تنفيذ اهدافها وسياساتها في التطبيع فتحت "اسرائيل" عددا من بوابات في الجدار الطيب على الحدود مع لبنان هي بوابات: رميش ( بيرانيت ) عيترون ( المالكية ) يارون ( افيغيم ) الناقورة ( هانيكرا روش ) علما الشعب ( حانوتا) المطلة تل النحاس وبوابة بيب مستبي بيئير ) قرب ميس الجبل.
واحتفظت "اسرائيل" بسلسلة من التلال المشرفة على المناطق الجنوبية غير المحتلة بغرض التحكم العسكري والامني اضافة الى تجمعات ومواقع عسكرية داخل الشريط المحتل.
وجعلت قوات الاحتلال الصهيوني من الميليشيات التابعة لها خط دفاع اول عن المنطقة المحتلة بعد ان تولى اللواء المتقاعد في الجيش اللبناني انطوان لحد مهمة قيادة هذه الميليشيات بعد موت سعد حداد والتي صارت تدعى جيش لبنان الجنوبي واصبح هذا الجيش اقرب الى الجيش النظامي بعدما سلحته "اسرائيل" تسليحا جيدا وضاعفت عدد افراده وتسلم عددا من التلال الاستراتيجية من الناقورة الى كفرشوبا.
التحرك السياسي الموازي
دخول المجلس النيابي
نسج شبكة علاقات واسعة
الحوار مع بكركي
مشروع عمل حزبي جبهوي
المشاركة في المقاومة - السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال "الاسرائيلي"-
المشاركة في المعارضة السياسية والعمل النقابي
التصدي للقضايا المطلبية المتعلقة بهموم الناس
تحقيق وحدة صف وطني الى جانب المقاومة
النتائج
1- احياء الروح المقاومة والحفاظ على نهج الجهاد في مواجهة الاحتلال
2- اسقاط الوهم السائد بان "اسرائيل" قوة لا تقهر وذلك باعتراف قادة العدو انفسهم
3- تحرير الجزء الاكبر من الاراضي المحتلة
4- المساهمة في تفجير الانتفاضة في فلسطين المحتلة ومن ثم انتقال العمليات الاستشهادية الى داخل فلسطين.
5- اثبات ان النهج الجهادي المقاوم هو السبيل الوحيد لمواجهة الصهاينة بدلا من نهج الاستسلام والتفاوض الذليل الذي اثبت فشله.
6- اسقاط اتفاق 17 ايار والمشروع السياسي "الاسرائيلي"في لبنان الهادف الى الامساك بالسلطة وفرض سلطة تابعة له والتطبيع مع المحيط واستغلال الخيرات اللبنانية.
7- عدم بناء اي مستوطنة "اسرائيلية"في الاراضي اللبنانية المحتلة
8- توحيد الصف الداخلي خلف المقاومة خصوصا بعد المواقف المترددة في البدايات ثم حسم الموقف الوطني العام بالاجماع الى جانب المقاومة في قضية وطنية رغم اختلاف اللبنانيين في الامور الاخرى
9- زعزعة جيش العميل لحد تمهيدا للقضاء عليه حتى تصبح المواجهة مباشرة مع "الاسرائيليين".
01- دعم الموقف اللبناني الرسمي الرافض للتفاوض الذليل مع العدو وتحقيق الانسجام بين الموقف الرسمي وموقف المقاومة
11- بث الامل والرجاء في العالم الاسلامي والعربي حول امكانية الانتصار في مواجهة العدو "الاسرائيلي"وتقوية بعض المواقف السياسية للانظمة العربية في مواجهة السياسة "الاسرائيلية"في المنطقة . - الاستمرار بالمقاطعة العربية الاقتصادية ، مقاطعة مؤتمر الدوحة ، افشال مهمة اولبرايت في المنطقة -
21- زرع الاحباط والفشل والخوف في الجيش "الاسرائيلي"وارباك الوضع الداخلي في "اسرائيل" حيث بدأت الصيحات للانسحاب الفوري دون قيد او شرط
31- تحطيم الشبكات الامنية العميلة في الداخل اللبناني وتحويلها الى اولاد تائهين هاربين لا يلوون على شيء.
41- كسب التأييد الدولي والاعتراف بحق المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن عمليات المقاومة كحق مشروع في لجنة المراقبة الدولية المنبثقة عن تفاهم نيسان.
51- تحول حزب الله والمقاومة الاسلامية الى جهة سياسية معترف بها محليا- اقليميا -ودوليا ومد روابط العلاقة السياسية معه.
61- توسيع مشروع المقاومة ليطال كل الانتماءات السياسية والدينية عبر مشروع السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال "الاسرائيلي"ومشروع الاحزاب - لقاء البريستول -
71- تحول المقاومة الى الرقم الصعب في المعادلة الدولية والاقليمية لمشروع التسوية المفروض على منطقة الشرق الاوسط وتسلح الدول الرافضة للتفاوض اصلا ( الجمهورية الاسلامية ) ، والرافضة للتفاوض الذليل بالشروط "الاسرائيلية"( سوريا ولبنان ) بالمقاومة للصمود في وجه السياسة "الاسرائيلية"المدعومة من الولايات المتحدة الاميركية.
81- حماية المدنيين اللبنانيين من القصف "الاسرائيلي"وفرض احترام الدم اللبناني على العالم من خلال معادلة الكاتيوشا على المستوطنين عند تعرض المواطنين اللبنانيين للاعتداء.
91- فضح الوجه "الاسرائيلي"البشع للعالم من خلال ابراز جرائمه ومجازره وقصفه للابرياء خصوصا في تموز 1993 ونيسان 1996 وبعدها ( مجزرة قانا، المنصوري ، النبطية.. صفد البطيخ )
02- تحويل مشروع التطبيع مع العدو الصهيوني الى سراب وتعميق حالة العداء ضده لدى الاوساط الشعبية العربية والاسلامية
المصداقية هي السبب:
اما عن السبب في نجاح المقاومة الاسلامية وتميزها عن كل الجهات الاخرى فهو يكمن في المصداقية التي جسدتها هذه المقاومة عبر الاعداد الكبيرة للشهداء والجرحى والمعاقين والاسرى وعوائلهم، حتى وصل الامر الى استشهاد الامين العام السابق السيد الشهيد عباس الموسوي مع زوجته وطفله اضافة لاستشهاد نجل الامين العام الحالي السيد حسن نصر الله ، مما اعطى للمقاومة اعلى مراتب المصداقية والصدقية لتلقي كل هذا التأييد والدعم…
اضافة الى ذلك فقد نجح حزب الله في حركته السياسية المنفتحة والثابتة في آن لتحصين مقاومته داخليا وخارجيا على المستوى الاقليمي، واثبت ان مشروع المقاومة ليس مشروع استثمار سياسي يتغير بتغير الاحداث والتطورات السياسية وانما هو قضية جهاد، ونهج ثابت ، وعمل دؤوب وتكليف شرعي قبل كل شيء اخر..
من هنا كان لهذه المقاومة هذا الدور الهام والفاعل في حياة الشعب اللبناني خصوصا وحياة الشعوب العربية والاسلامية قاطبة بل في حياة الأمة.