الجنوب اللبناني في خمسين عاما:

صمود ومقاومة وسلام لا ياتي.

محمود سويد

مجلة الدراسات الفلسطينية -رقم 35 صيف 1998 ص.76-85


ثلاثون عاما من الاحتلال والمقاومة .

ان عمر معاناة الجنوب مع جاره اللدود هو من عمر الحرب العربية "الاسرائيلية" سنة 1948التي شارك فيها لبنان بجيشه الناشئ ولم يشكل اتفاق الهدنة الذي وقع في 23/3/1949 سوى محطة لم تكفي حتى لالتقاط الانفاس. فقد استمرت الحدود اللبنانية "الاسرائيلية" عرضة للعمليات المتقطعة حتى صيف سنة 1968 عندما بدا الفدائيون الفلسطينيون يؤسسون الخلايا الاولى في الجنوب اللبناني قبل الانتشار الكثيف سنتي 1970 و1971 بسبب تصفية محطتها الاردنية . ومنذ ذلك الوقت صار الجنوب اكثر الجبهات العربية اشتعالا وتحول في العقود الثلاثة الماضية بين سنتي 1968 و1998 الى ميدان عسكري وحيد للصراع اليومي والمستمر من دون انقطاع بين جبهات الدول العربية مع "اسرائيل"  فشهد لبنان اربعة اجتياحات كبيرة :سنة 1978 وسنة 1982 وسنة 1993 وسنة 1996 فضلا عن الاجتياحات الصغيرة وغارات الطيران الحربي الروتيني التي تدمر وتقتل وتهجر ومحاصرة المرافئ البحرية والحملات البرية التي من نتائجها نسف البيوت والاعتقال والنفي .وعقد الكثير من الاتفاقات :اتفاق الهدنة سنة 1949 واتفاق القاهرة سنة 1969 واتفاق 17/ايار 1983 وتفاهم تموز 1993 وتفاهم نيسان 1996 وحلت على ارضه جيوش عربية وقوات متعددة الجنسيات وقواه الامم المتحدة التي لا تزال ترابط على تخوم حزام الامن . وعرفت هضاب الجنوب واوديته ومسالكه الوعرة كل انواع المقاومين من لبنانيين وفلسطينيين وعرب وامميين حالمين بالثورة علمانيين ومتدينين اولا ثم اسلاميين.

   وفي هذه العقود الثلاثة تمادت "اسرائيل" في طموحاتها الى اقصى مدى يمكن ان تبلغه :

احتلت بيروت ومعظم لبنان وطردت رجال المقاومة الفلسطينية  واوصلت مرشحها

بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية ثم تراجعت تحت ضربات المقاومة الى حزام امن يشكل 10% من مساحة لبنان لا تكاد تصمد فيه امام حرب الاستنزاف التي نجحت المقاومة الاسلامية في فرضها على الجيش "الاسرائيلي" داخل الاراضي اللبنانية . ومهما يكن الجدل بشان التقويم الراهن للوضع الجنوبي :هل الجنوب رهينة لدى "اسرائيل" الى ان تفرض سلمها على لبنان وسوريا ام ان القوات "الاسرائيلية" في الجنوب صارت رهينة المقاومة الاسلامية؟ هل يزال حزام الامن خطا اماميا ودرعا يمتص الضربات قبل ان تصيب "اسرائيل" ام تحول الى بطن رخو يضحي الجنود الاسرائيليون بحياتهم لحمايته ؟هل لا يزال جنود جيش لبنان الجنوبي اكياس رمل صالحة للاستعمال ام صاروا عبئا على الجيش "الاسرائيلي" وصيدا سهلا للفخوخ التي يتفنن رجال المقاومة في نصبها ؟ ومهما تتباين الاجابات عن هذه الاسئلة وهي على اهميتها نوع من التحليل البارد لحالة عسكرية وانسانية ساخنة فالثابت ان الجنوب مستمر ساحة قتال وارضا محروقة وان قدر الجنوبيين المعاناة الدائمة الى اجل لا يملك احد الان تحديده . هذه المعاناة التي تمتد من دائرة ضيقة :

حزام الامن بعدد سكانه الذي تقلص الى حدود الستين الف نسمة او السبعين الف بعد موجات النزوح المتتالية الى دائرة اوسع تشمل القرى المحيطة بالحزام التي تتلقى يوميا قذائف مدافع الجيش "الاسرائيلي" وقذائف طائراته الحربية ثم تمتد لتشمل كل الذين تغيرت اوضاع حياتهم نتيجة النزوح والاستقرار او عدم الاستقرار باماكن اخرى في لبنان وخارجه .

   لكن المعاناة لا تتوقف هنا بل تمس حياة كل الشعب اللبناني والوطن اللبناني الذي لا يمكن ان يقوم فيه عمران وازدهار ولا يمكن ان تكون فيه حياة طبيعية كغيره من الشعوب والدول ما دام الاحتلال قائما ومخاطر الاجتياحات والتهجير مستمرة والارادة الشعبية مكبلة بالاعتبارات المتضاربة .

   وعلى هذا فالسؤال الجنوبي صار سؤالا لبنانيا منذ تفجره على الساحة اللبنانية كلها

ولا سيما في اجتياح 1982 وما تلاه من احداث . وهو لا يزال يطرق اذنا عربية صماء

فمهما يكن التقدير العربي لتضحيات اهالي الجنوب وللدور الذي تضطلع به المقاومة

ولنجاحها في تكبير المأزق "الاسرائيلي" فان النموذج والبؤرة والطليعة لا يمكن ان تظل حالة شاذة في بحر عربي راكد وخصوصا عندما تتداخل العوامل المتعددة وتتفاعل لتولد خطرا يهدد وحدة لبنان ارضا وشعبا.

 

مشاريع الانسحاب "الاسرائيلية"

اطلقت حكومة بنيامين نتنياهو حملة دبلوماسية عنوانها : تنفيذ القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي لمعالجة اثار الاجتياح "الاسرائيلي" الذي بدأ في 14-15 من الشهر نفسه وعرف باسم عملية الليطاني ولم تكن "اسرائيل" تعترف بهذا القرار الذي طالما دعا المسؤولون اللبنانيون الى تنفيذه ، وفي السنوات الاخيرة تحول يوم 14 آذار من كل سنة    الى يوم اعلامي يذكر فيه اللبنانيون انفسهم والعالم بهذا القرار وضرورة تنفيذه عبر الحشود والاحتفالات والتظاهرات الاعلامية والكثير الكثير من التصريحات والخطب.

   وقد سبق ان اعلنت حكومة يتسحاق رابين بعد اجتياح 1993 مشروعا يقوم على اختبار قدرة الجيش اللبناني على حفظ الامن في الجنوب مدة ستة اشهر ثم ينسحب الجيش الاسرائيلي خلال ثلاثة اشهر يتم بعدها توقيع معاهدة سلام مع لبنان .

   وطرحت حكومة شمعون بيرس في ابان عملية عناقيد الغضب سنة 1996 مشروعا مماثلا اسقطت منه عقد معاهدة سلام وابقت على الشروط الاخرى التي تشمل :

   ازالة تهديدات الارهاب وتفكيك البنية العسكرية ل "حزب الله " وسائر المنظمات الارهابية وضمان سلامة جنود جيش لبنان الجنوبي على ان يتم ذلك كله بموافقة سورية ودعمها .

وعرضت حكومة نتنياهو بعد تأليفها في اوساط سنة 1996 مشروع لبنان اولا الذي يطالب ايضا بحل حزب الله وتجريده من السلاح وباستيعاب جيش لبنان الجنوبي في الجيش اللبناني على ان تعهد اليهم كجزء من الجيش النظامي مهمة امنية في الجنوب . ولا يتحدث المشروع عن معاهدة سلام مع لبنان ويكتفي بان تضمن سوريا ترتيبات الامن على الحدود اللبنانية .

   كان وزير الحرب "الاسرائيلي" السابق يتسحاق موردخاي اول من طرح امكان الانسحاب على اساس تنفيذ القرار 425 لكنه كبل مشروعه بشروط لم تقبلها الحكومتان اللبنانية والسورية

   وينص القرار 425 على :

1- الاحترام الصارم لوحدة اراضي لبنان ولسيادته ولاستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليا.

   2- الوقف الفوري للعمل العسكري "الاسرائيلي" والانسحاب الفوري للقوات "الاسرائيلية" من الاراضي اللبنانية كافة.

   3- انشاء قوة دولية موقتة في الجنوب اللبناني بطلب من الحكومة اللبنانية مهمتها:

أ-التثبت من انسحاب القوات "الاسرائيلية" .

ب- اعادة السلام والامن الدوليين في المنطقة المعينة الى سابق عهدهما.

ج - مساعدة حكومة لبنان في توفير الامن وعودة سلطتها الفعالة في المنطقة .

يكمل القرار 425 القرار426 الذي يوافق على تقرير الامين العام للامم المتحدة المتعلق باجراءات تنفيذ القرار الاول.

   وينص تقرير الامين العام على تنفيذ مهمة القوة الدولية على مرحلتين: تتأكد القوة في المرحلة الاولى من انسحاب القوات "الاسرائيلية" من الاراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية وتنشئ بعد ذلك منطقة عمليات دولية تمارس منها مسؤولياتها وتتخذ كل ما تعتقده ضروريا للتأكد من عودة السيادة اللبنانية بفعالية . ومن اجل تسهيل مهمة القوة الدولية وخصوصا الاجراءات لانهاء الانسحاب السريع للقوات "الاسرائيلية" والمسائل المتعلقة بذلك قد يتطلب الامر وضع ترتيبات مع "اسرائيل" ولبنان كتدابير تمهيدية لتطبيق قرار مجلس الامن … كما ينص التقرير على ان مهمة القوة الدولية موقتة في انتظار ان تضطلع الحكومة اللبنانية بمسؤولياتها في الجنوب على ان تعود لجنة الهدنة اللبنانية "الاسرائيلية" الى استئناف عملها بعد انتهاء مهمة القوات الدولية.

   ومن اجل تنفيذ الانسحاب يعطي الامين العام قائد القوة الدولية تعليمات كي يجري

اتصالات فورية بالحكومتين "الاسرائيلية" واللبنانية ويتداول مع ممثليها للاتفاق على كيفية انسحاب القوات "الاسرائيلية" واقامة منطقة عمليات الامم المتحدة.

   يستخلص من القرارين 425 و426 وغيرهما من القرارات اللاحقة التي كانت الولايات المتحدة بين الاعضاء المبادرين اليها او الموافقين عليها ومن تقرير الامين العام للامم المتحدة المذكور اعلاه ما يلي:

1-ان حدود لبنان المعترف بها دوليا ليست موضوع بحث في اية مفاوضات.

2-ان مهمة القوة الدولية بناء على طلب لبنان هي : التثبت من انسحاب القوات الاسرائيلية الكامل , اعادة السلام والامن الدوليين الى المنطقة المعنية بالقرار , مساعدة الحكومة اللبنانية في اعادة سلطتها الفعالة الى المنطقة وتوفير الامن.

3-على القوات الإسرائيلية ان تنسحب من دون قيد او شرط من جميع الاراضي اللبنانية الى الحدود المعترف بها دوليا.

4-ان تنسيق عملية الانسحاب "الاسرائيلي" يتم عبر ممثلي الأمم المتحدة.

5-ان اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل هو الذي ينظم العلاقات بينهما بعد انتهاء مهمة القوة الدولية.

   ويتضمن اقتراح يتسحاق موردخاي شروطا تمس حق لبنان في السيادة على ارضه وادارة شؤون مواطنيه ولا علاقة لها بالقرار 425 مثل : تفكيك البنية العسكرية ل "حزب الله" وتجريده من السلاح وادخال جنود جيش لبنان الجنوبي في الأجهزة العسكرية اللبنانية وهذه من الشؤون الداخلية للدول ولا تقبل باملائها اية دولة ذات سيادة . كما ان تنفيذ القرار الدولي لا يستدعي مفاوضات لبنانية  "اسرائيلية" مباشرة ولا يمكن مطالبة سورية بضمان اتفاق في الجنوب من دون بحث في مصير الجولان المحتل .اما التنسيق بين الجيشين اللبناني والاسرائيلي لضمان الأمن على جانبي الحدود فينظمه اتفاق الهدنة بين البلدين الموقع سنة 1949.

   وبعد اطلاق تصريحات صحفية تعكس مواقف قوى "اسرائيلية" كثيرة موضوع الانسحاب

من الجنوب انحصر التداول في ثلاثة مشاريع : مشروع موردخاي ومشروع اريئيل شارون ومشروع يوسي بيلين ثم استقر على مشروع موردخاي الذي تحول الى مشروع رسمي بعد ان وجه ممثل "اسرائيل" لدى المم المتحدة دوري غولد رسالة / وثيقة الى الامانة العامة للامم المتحدة مؤرخة في 27 كانون الثاني /1998 تتبنى موقف وزير الدفاع وشروطه للانسحاب من الجنوب . وفي الاول من نيسان الماضي صدر عن مجلس الوزراء "الاسرائيلي" المصغر بيان يعلن قبول الحكومة القرار425 والموافقة على انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان مع ترتيبات امنية مناسبة يتم التوصل اليها عبر مفاوضات بين الحكومتين "الاسرائيلية" واللبنانية . وبينما يهمل البيان الحديث عن تفكيك البنية التحتية لحزب الله يؤكد ان امن سكان الحزام المني في الجنوب وجنود جيش لبنان الجنوبي وسلامتهم يشكلان جزءا لا يتجزأ من تطبيق القرار 425…