الاقتصاد "الإسرائيلي" في الشريط المحتل:

خيارات الاستقلال

 مصلحة التوثيق في مجلس النواب اللبناني


رافق الغزو "الإسرائيلي" للبنان في العام 1978، عملية غزو اقتصادي كبيرة للاسواق اللبنانية، بحيث كانت "إسرائيل" تعمل على اغراق هذه الأسواق بالمنتوجات "الإسرائيلية" المختلفة.

وقد سعت عملية الغزو الاقتصادي يعد الاجتياح الكبير للأراضي اللبنانية في العام 1982، وحيث شكلت وزارة الدفاع "الإسرائيلية" فرقا اقتصادية للدراسة كيفية ترويج السلع المصنعة في الدولة العبرية .

وفي الواقع، زرت عمليات الغزو الاقتصادي تلك إلى ضرب الاقتصاد اللبناني واصابته بخسائر فادحة، وبعد الانسحاب "الإسرائيلي" من جزء كبير من الأراضي اللبنانية بفعل ضربات المقاومة، استمرت "إسرائيل" في الاحتلال جزء من الاراضي اللبنانية في منطقة الجنوب، وعملت على منع السلع اللبنانية من الدخول لها وفرضت على اللبنانيين الواقعين في المناطق المحتلة التعاطي مع منتوجاتها فقط .

هذه الدراسة الصادرة في العام 1995، تسلط الضوء على استغلال "إسرائيل" لقوتها العسكرية من أجل ترويج بضائعها، وتغطي الدراسة الفترة العسكرية الممتدة من العام 1978 إلى العام 1995 .

الاقتصاد "الإسرائيلي" في " الشريط الحدودي " المحتل :

خيارات الاستغلال

مصلحة التوثيق

مجلس النواب

مجلة الحياة النيابية ـ خريف 1995

أعادت "إسرائيل" المنطقة المحتلة من جنوب لبنان إلى مواصفات السوق الضيقة والمغلفة التي كانت تحياها منذ مئات السنين، وتحديدا ـ أعادته ـ إلى تلك الفترة التي أعقبت انهيار طرق المواصلات الساحلية التقليدية التي كانت مطروقة قبل الغزو الصليبي لبلاد الشام .

لقد مارس الافرنج، الذين احتلوا المدن الساحلية على البحر الأبيض الموسط، قرصنة نشطة ضد القوافل التجارية السالكة خط المواصلات الساحلي . وكنتيجة لذلك، ازدهرت المناطق الداخلية في الشام التي أصبحت مركزا آمنا لتجميع الجيوش وخط مواصلات داخلي بديل للخط الساحلي، تسلكه القوافل الهاربة من قرصنة الافرنج .

وادى ذلك كله إلى نمو أسواق المدن والحواضر الداخلية في المنطقة .

واتسمت معظم أسواق المناطق الداخلية في بلاد الشام، في مرحلة ازدهار طرق مواصلاتها، بصفة الاقتصاد الضيق والمغلق . فكانت هذه الأسواق تكتفي بأخذ حاجاتها الزهيدة من القوافل لدى مرورها بها، وذلك عن طريق المقايضة، لأن النقد لم يكن متداولا على نحو واسع .

ومع ذلك، فانهيار الطرق الساحلية التقليدية، أوجد ما يمكن تسميته بـ "اقتصاديات الكفاف الضيق المستقل" المعتمد في حركته الاقتصادية، على أسواق أسبوعية اساسا، أخذت تزدهر في العديد من المناطق الداخلية لبلاد الشام، وضمنها أيضا، المنطقة التي اقتطعتها "إسرائيل" وتسميتها راهنا من جانب واحد بـ " الشريط الحدودي " . وكان عدد السواق في هذه الأخيرة غير قليل، وأغلبيتها كانت أسبوعية ( أي انها تقام ليوم واحد كل أسبوع ) : سوق الخيام ( يوم الخميس )، سوق بنت جبيل ( يوم الخميس )، وسوق العديسة ( يوم الأربعاء ) . وفي فلسطين كان هناك سوق الخالصة يوم الأربعاء، وسوق في عنجر في الشمال، وسوق آخر في القاع، الخ .....

أيام الانتداب الفرنسي في لبنان والانكليزي في فلسطين ( قبل العام 1948 ) تحولت هذه المنطقة إلى منطقة تهريب نشطة عبر الوديان والجبال المتصلة بين حدود البلدين .

وظلت بالمقابل قوافل قادمة من فلسطين تقصدها . لكن هذه المنطقة خسرت منفذها الجنوبي الأساسي بعد احتلال "إسرائيل" فلسطين المتاخمة . ولم يعوضها عن مدينة حيفا الفلسطينية التي كانت تستوعب ثلث اليد العاملة من أبنائها، الا انفتاح المنطقة من جديد على المدن الساحلية باتجاه عمق لبنان الكبير ( من صور  إلى بيروت ) . وأحدث لاحقا، تعاطي سكان المنطقة زراعة التبغ تطورا مهما تمثل بتوافر قدر من السيولة بين لأيدي المزارعين الذين يشكلون نسبة عالية من مجموع السكان، حيث اختفت المقايضة بعدما وجد بائعو مواسم التبغ في نهاية العام مرجعا، هو الدولة، قادرا على دفع مقابل نقدي لمحاصيلهم.

وفي هذا العهد الجديد من عودة الأمان إلى الطرق الساحلية، وتوافر شيء من السيولة، وامتلاك المنطقة عمقا اقتصاديا باتجاه الشمال، شهدت الأسواق الداخلية فيها من جديد ازدهارا قام هذه المرة على حركة اقتصادية غير ضيقة وان تكن غير واسعة أيضا، لأن توزع الحصص الاقتصادية في لبنان لم يخصص للأطراف في عهد الاستقلال الأول نصيبا عادلا .


أولا : بدايات التطبيع والتهديد

مع حلول السبعينات كانت بعض بلدات " المنطقة الحدودية " التي ظلت أسواقها تلعب دور الركيزة في اقتصادياتها، رغم تنوع سلة مداخيلها ـ كانت بدأت تنجز مواصفات تحولها من قرى كبيرة نسبيا إلى مدن صغيرة أو إلى بلدات كبرى ان صح التعبير . وكانت بلدة بنت جبيل، كبرى بلدات " الشريط "، وسوقها الزاهرة، أهم نموذج على هذا الصعيد، إذ قارب عدد سكانها في العام 1975 الـ45 ألف نسمة ( 70 في المائة منهم كانوا موجودين في البلدة ) . وصار سوقها يجذب إليها سكان نحو ماية قرية "حدودية" وتلبي جزءا كبيرا من سلتهم الاستهلاكية المتنوعة .

أما الآن، وعلى اقتطاع "إسرائيل" المنطقة الحدودية من جنوب لبنان، عادت سوق بنت جبيل لتعتاش على الدورة الاقتصادية الضيقة والمغلقة، بشكل يعيد إلى الأذهان، ظروف الحصار الذي كان مضروبا على المناطق الداخلية لبلاد الشام عقب قطع الافرنج أي صلة اقتصادية بين هذه المناطق والمدن الساحلية . كما لم يبق في بنت جبيل، وهي كبرى بلدات " الحزام "، سوى 1700 نسمة . هذا في حين أن نحو 30 ألف نسمة من أبناء بنت جبيل يقطنون حاليا مدينة ديترويت الأميركية في ولاية ميتشيغن التي هاجروا إليها بخاصة في خلال العقدين الماضيين .

  وما حصل لبنت جبيل، هو صورة مكبرة يصح تعميمها على معظم بلدات الشريط وقراه، التي أدى الاحتلال "الإسرائيلي" المستمر لها إلى حصول عملية نفي ديموغرافية كبرى بحقها . وتفيد احصائيات تقريبية حديثة أنه من أصل 400 ألف نسمة من سكان " الشريط " لم يبق الآن فيه سوى 150 ألف نسمة . وبغياب الأرقام الدقيقة، فان دلالات هذه الكارثة الديموغرافية، يمكن تلمسها من خلال أرقام ديموغرافية تقريبية عن أوضاع واحد من القطاعات الجغرافية الثلاثة في الشريط، أي القطاع الأوسط الذي فقدت قرى فيه مثل عيناتا وكونين ومارون الرأس والعديسة، نحو 65 في المائة من سكانها ونحو 80 في المائة من مجموع سكانها الذين ضمن الفئة العمرية من 17 إلى 45 سنة .   

كما ان بلدة مثل حانين من القطاع نفسه أزيلت ديموغرافيا بالكامل عن خارطة الوجود .

وتبين هذه المعطيات ان القرى والبلدات المعتمدة على الزراعة ( ونسبتها عالية في الشريط )، أو على أسواقها الأسبوعية، وهذه الأخيرة تشكل الحواضر شبه المدينية للمنطقة الحدودية ( بنت جبيل، عديسة، الخ .. )، قد تلقت ضربة اقتصادية وديموغرافية قاصمة.

وبموازاة تحويل البلدات والقرى، التي كانت تاريخيا ذات حيوية زراعية أو اقتصادية ومدينية، إلى مساحات من الركام الديموغرافي والاقتصادي، فان "إسرائيل" خلقت في الشريط بالمقابل نقاط اقتصادية حية ولكنها معزولة، زودتها ببنى تجارية واقتصادية خدماتية، وذلك بغية تمكنها من لعب دور تصريف الأمور الاقتصادية في الشريط الناتجة عن حركة الاحتلال هناك .

وحرصت "إسرائيل" على إقامة هذه النقاط، حصرا، عند بوابات العبور القائمة على الحدود بين المنطقة الحدودية و"اسرائيل"، وهي نقاط كانت افتتحت بعضها منذ عشية احتلالها للمنطقة ( 1978 ) . واستطرادا، جهدت "إسرائيل" لتحويل كل بلدة أو قرية لبنانية تمتاز بانها الأقرب لهذه النقاط ( بوابات العبور ) إلى ساحة اقتصادية خلفية نشطة قادرة على ردف نقطة العبور المحاذية لها بالخدمات التجارية المطلوب توافرها على الجانب اللبناني من الحدود . كما شجعت "إسرائيل"، بشكل متزامن، كل واحدة من هذه القرى أو البلدات الأقرب لنقاط العبور، على التحول إلى بلدات وقرى تعيش اقتصاديا ونفسيا، ذات مواصفات مناطق الترانزيت الحدودية في العالم، التي تحفل عادة بازدهار استهلاكي وبحركة عائدات تحصلها من كونها نقطة التقاء حدودية نشطة لتفاعلين اقتصاديين .

 وبالمقابل، ساهمت "إسرائيل" في تعزيز المظاهر النفسية والاجتماعية والأخلاقية التي تصاب بها مجتمعات قرى وبلدات الترانزيت الحدودية في العالم، حيث يعم الفساد ويصبح الانتماء للجغرافيا الاقتصادية ولفوارق سعر العملة ولتوقيتات حركة المسافرين، له الأولوية على أي انتماء آخر .  

ولا شك ان "إسرائيل" تعمدت على مدار سنوات الاحتلال الماضية، العمل على خط تكوين نقاط حدودية لها هذه المواصفات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، كونها تعتبرها بمثابة معابر مصلحية تقع على الجانب الآخر من حدودها، تمارس أيضا لحساب "إسرائيل" بعد انسحابها دور الخفر الاجتماعي والاقتصادي الايجابي، حسب تعبيرين ـ اليسار الذي اشتغل سفيرا "لاسرائيل" في مصر بعد كمب ديفيد . وكان بن ـ اليسار طالب آنذاك بخلق علاقات مصلحية "اسرائيلية" مع شرائح اجتماعية في داخل مصر ومع "خوافر" تعيش نفسيات مجتمعات الترانزيت على الحدود مع مصر .

أما بوابات العبور ـ وبالتالي القرى والبلدات في الشريط التي سخرتها "إسرائيل" للعب دور الظهير لها، والتي تأهلها "إسرائيل" اقتصاديا ونفسيا، مستغلة غياب الدولة والأوضاع الصعبة  في" الشريط"، لتكون " خوافر " اقتصادية ـ فهي :

ـ بوابة بيرانيت : أقامت "إسرائيل" عندها فرع لبنك لئومي . البلدة الأقرب لهذه البوابة هي رميش التي جعلتها "إسرائيل" إحدى المحطات التجارية الكبرى ـ ان جاز التعبير ـ في داخل " الشريط " .

كما ان عددا لا بأس به من وكالات البضائع "الإسرائيلية"، مثل البيض والبطيخ وحفاضات الأطفال والزهور، تتركز في داخل بلدة رميش، ومنها يتم تسويقها إلى بلدات الشريط وقراه، وربما إلى خارجه .

تنشط في رميش تجارة الصيرفة ( تبديل العملة ) . والكمية الرئيسية من العملة التي تدخل البلدة هي العملة "الإسرائيلية" ( الشيكل ) التي يتم تبديلها بالليرة اللبنانية والدولارات خصيصا . وأيضا من خلال تبديل ( الشيكل ) بالليرات اللبنانية التي يقوم بها بشكل دوري بعض التجار من ضامني الوكالات التجارية "الإسرائيلية" .

ولفترة غير قصيرة، تورط اسم البلدة بموضوع تهريب المخدرات والاتجار بها وانغمس بعض سكانها بهذه العمليات . وكان اقتصاد بلدة رميش يعتمد، قبل الاحتلال، على الزراعة بشكل خصوصي، بالاضافة إلى الخدمة في مؤسسة الجيش اللبناني . كما كان لتحولات أبنائها المهاجرين قسط في تحصيل عيشها .

وبكل المقاييس تعتبر رميش نموذجا للتحول الاقتصادي الذي تعيشه القرى والبلدات الأقرب لنقاط المعابر "الإسرائيلية"، والتي عملت "إسرائيل" على تحويلها إلى ساحات اقتصادية خلفية تلعب دور الظهير الخدماتي للمعابر وتؤهلها لتكون مستقبلا ترجمه عملية لمبدأ بن ـ اليسار الذي أشرنا إليه آنفا . أما بقية بوابات العبور الأخرى والبلدات الظهيرة لها، فهي باختصار تتدرج على هذا النحو :

بوابة الناقورة : أقامت "إسرائيل" عندها " مكتب الخدمات الاجتماعية "، وفرعا لبنك لئومي أكبر البنوك "الإسرائيلية" .

 والواقع ان الناقورة شهدت إلى حد ما التحول نفسه الذي شهدته رميش على المستوى الاقتصادي . يضاف إلى ذلك النشاط الاقتصادي المضاعف كمنطقة ترانزيت الذي لعبته بفعل خاصتين، الأولى وجود ميناء بحري فيها استغلته "إسرائيل" لتهريب بضائعها نحو الأسواق العربية . والثانية تتأتى نظرا لأن جنود ا لأمم المتحدة في الجنوب يستخدمون الناقورة كسوق لهم .

بوابة كفركلا ـ المطلة : وهي أهم البوابات . وأقامت "إسرائيل" عندها فرعا لشركة الغاز "الإسرائيلية" وبئرا ارتوازيا وفرعا لبنك لئومي وفروعا لشركات سياحية ومصرفية.

والبلدة التي تلعب دور الظهير الخدماتي والاقتصادي للبوابة، هي بلدة كفركلا.

وهناك بوابتان اثنتان، لهما أدوار أخرى :

الأولى بوابة باب الثنية المخصصة لعبور القوافل العسكرية .

الثانية بوابة بليدا، وتنظر "إسرائيل" إلى هذه البوابة على انها لها الدور نفسه والأبعاد المختلفة الذي لحاجز أو معبر " أرتز " في قطاع غزة . فهذا الأخير يعتبر بمثابة ورقة ضغط اقتصادية على الفلسطينيين سواء في زمن الاحتلال أو الآن في زمن السلطة الوطنية الفلسطينية . إذ ان إقفال هذا الحاجز في وجه حركة العبور اليومية للعمال الفلسطينيين من غزة إلى داخل "إسرائيل"، يؤدي إلى اختلال في يوميات الإيقاع الاقتصادي الشعبي في القطاع .


ثانيا : خيارات التطبيع الاقتصادي

تضم " المنطقة الحدودية " المحتلة اكثر من 160 قرية وبلدة ومزرعة . وتتصف بتنوعها الاجتماعي الديموغرافي، الأمر الذي يجعلها صورة مصغرة عن مجمل واقع لبنان على هذا الصعيد .

اجتماعيا، تقطن المنطقة، منذ مئات السنين، أغلبية العائلات الطائفية الموجودة في لبنان من شيعة، سنة، دروز، روم أرثوذكس، روم كاثوليك، البروتستانت والموارنة .

جغرافيا، تزدحم فوق مساحة المنطقة كل مواصفات التنوع الجيولوجي الذي يحفل به لبنان . فقسم منها جبلي ( قمم وهضاب جبل حرمون) في القطاع الشرقي وقسم آخر أوسطي ذو مناخ ناسف يتكون من مسطحات ومرتفعات في آن معا ( بنت جبيل ومرجعيون) في القطاع الأوسط، وقسم أخير ساحلي حيث بلدة الناقورة وميناؤها على شاطئ البحر المتوسط .

وتدير "إسرائيل" سياستها الاقتصادية في هذه المنطقة من خلال جملة مؤسسات . والرسم البياني لماهية هذه المؤسسات ولطريقة عملها يتمظهر كالتالي : رأس هذه المؤسسات هي " وحدة الارتباط "الإسرائيلي" " المرؤوسة من ضابط "إسرائيلي" ومقرها ثكنة بلدة مرجعيون . وينبثق من هذه الوحدة ـ التي تلعب دور صلة الوصل الفوقية مع المراتب القيادية العليا في "إسرائيل" ـ ينبثق منها أداة تنفيذية لها شكل هيئة تتحرك وتتابع على الأرض في الشريط المحتل تسمى " الإدارة المدنية " . وهذه الاخيرة مسؤولة عن وضع تصورات حول احتياجات المشروع المدني والاقتصادي للاحتلال في الشريط، ورفعها إلى وحدة الارتباط التي تدرسه وتسوقه لدى القيادة "الإسرائيلية"، ثم تقوم بالتالي بتنفيذه من خلال ميزانية خاصة ملحوظة لها في موازنة وزارة الدفاع.

وتستوحي الإدارة المدنية تصوراتها ومشاريعها في الشريط عن طريقين، الأول ابتداع تصورات لمشاريع اقتصادية ومدنية في الشريط تخدم الأهداف "الإسرائيلية" العليا . والثاني عن طريق تلقي المشورة في هذا المجال من لجان محلية .

وفي مبادرة مستقلة، كان منسق نشاطات الاحتلال "الإسرائيلي" في لبنان أوري لوبراني قدم خطة عمل شاملة تتضمن مقترحات محددة من شأن تنفيذها ـ في نظر لوبراني ـ تطبيع الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمني في " الشريط "، وفق البرامج "الإسرائيلية" . والواقع ان خطة لوبراني هي جزء مقتبس من خطة كان أعدها لتنفذ في الضفة الغربية الكولونيل أفرايم سنيه .

لم يتم تطبيق خطة لوبراني بالكامل، لعدة أسباب، أهمها كلفتها الضخمة التي تبلغ في الشهر الواحد فقط نصف مليون دولار . لكن وزارة الدفاع نفذت بعض أجزائها التي تتصل بقطاعات اقتصادية واجتماعية في الشريط تعتبرها "إسرائيل" حساسة جدا .

وهذه القطاعات هي بالتحديد : التربية والاستشفاء والعمالة .

1 ـ التربية : في سياق تفحص الأرض واعداد التصور النظري التفصيلي لوقائع القطاع التربوي في الشريط، كمقدمة للنظر في إمكانيات تطبيق مقترحات لوبراني بخصوصه، هذا السياق النظري الاولي لعبت الدور الرئيسي في اتجاه هيئة المجلس الأعلى للجليل التي تتولى، عادة، اعداد تقارير واحصاءات في المدارس الرسمية والخاصة والمؤسسات الصحية.

من دراسة الاستمارات التي وزعتها الهيئة على طلاب مدارس الشريط الحدودي لتعبئتها انها رمت للحصول، بالاساس، على معلومات شاملة وواسعة عن الطلاب وذويهم. ويعني هذا الأمر ان الهيئة زودت الدوائر المختصة في "إسرائيل"، وضمنها وزارة الدفاع والأمن، بمعلومات عن نحو 90 في المائة من ابناء الشريط الحدودي، اضافة إلى نسبة عالية من القاطنين خارج الشريط، كون الطالب، حسب أسئلة الاستمارة، كان عليه ان يعطي معلومات عن عائلته وأقربائه بالتفصيل واينما كانت اقامتهم . وفي خطوة أخرى، أشرفت الهيئة المذكورة على إجراء تعديلات في المناهج التربوية التي تدرس في مدارس الشريط، وذلك عبر حذف كل ما يمت بصلة إلى القضية الفلسطينية أو العداء "لاسرائيل" واستبداله بما يؤكد " حق "إسرائيل" " كجار طيب في الحياة في المنطقة .

وفي مجال رصد ايقاعات التطبيع "الإسرائيلي" في هذا القطاع، معلوم ان عدد المدارس الرسمية اللبنانية في الشريط للمراحل الثلاث، ابتدائية ومتوسطة وثانوية، تبلغ 104 مدارس . وتنظر "إسرائيل" إلى هذا القطاع، الذي  يضم بين ظهرانية نسبة عالية من السكان، على انه المكان الانسب لاطلاق عملية التطبيع فيه، وعلى أنه المكان الأفضل لكسر " الموروث " الثقافي السائد الداعي للمقاطعة التجارية والاقتصادية مع "إسرائيل" .

 لذلك، فان "إسرائيل" لم تتردد في صرف بعض الأموال لتطبيق مقترحات لوبراني وغيره بصدده، وذلك على طريقة أن هذه الاموال المصروفة هي استثمار غير مباشر تدفع في سبيل انضاج أسواق جديدة للمنتوجات "الإسرائيلية" .وفي هذا الاتجاه أعلنت الإدارة المدنية عن استعدادها لزيارة رواتب الأساتذة بمعدل 40 دولارا  للأستاذ شهريا و 50 دولارا للمدير . ولم تتأخر الإدارة المدنية في إعلان الثمن الذي تريده، وهو موافقة مدراء المدارس في الشريط على تخصيص حصص أسبوعية لتعليم اللغة العبرية في المدارس، الأمر الذي رفضه المدراء والأساتذة والطلاب .

   2 ـ الاستشفاء : فتحت "إسرائيل"، منذ وقت مبكر، مستوصفين على الحدود، الأول عند بوابة كفركلا عام 1976 والثاني عند بوابة بيرانيت قرب رميش في أعقاب اجتياح 1978 . ولكنها مع بدء العام 1984 أقفلت هذين المستوصفين وغيرهما ومنعت اللبنانيين من العلاج في مستشفياتها مجانا .

 ثم أقدمت الإدارة المدنية أيضا، انسياقا مع توصيات خطة لوبراني على ما يبدو، على مصادرة المؤسسات الصحية في الشريط العائدة لوزارة الصحة اللبنانية، وأخذت تديرها بشكل مباشر . ويبلغ عدد هذه المؤسسات 28 مستوصفا ومركزا صحيا ومركز اسعاف موزعة على 25 قرية، بالإضافة إلى ثلاث مستشفيات رئيسية : مستشفى مرجعيون ومستشفى بنت جبيل ومستشفى جزين . وتهتم "إسرائيل" أيضا بهذه المستشفيات لكونها ذات مراديد تطبيعية هامة في الشريط، ولكونها أيضا أنها تكسبها مساعدات من الجمعيات والهيئات العالمية تفوق بما لا يقاس حجم ما تقدمه في هذه المستشفيات من خدمات للمرضى اللبنانيين .

ويقول شهود عيان ان المريض اللبناني الذي يدخل واحدة من هذه المستشفيات يقوم بتعبئة ثلاثة مستندات يعلن في كل واحدة منها أنه تلقى مساعدة طبية من "إسرائيل" . ويشير هذا الأجراء إلى ان "إسرائيل" تحصل على تعويض عن مساعدتها لكل مريض لبناني، ثلاث مرات . وصادرت "إسرائيل" مستشفى مرجعيون، ووضعته تحت سلطة الإدارة المدنية التابعة لها . ووضعت أطباء "اسرائيليين" في ادارته وفي جهازه الطبي . ويوجد في المستشفى أجهزة أشعة وغسل الكلى وغسل الدم . ويرأسه طبيب من الجيش "الإسرائيلي" برتبة نقيب.

 ويضم هذا المستشفى 55  سريرا و  15 سريرا زيادة لحالات الطوارئ، ويوجد فيه أيضا نحو 18 طبيبا لبنانيا متعاقدا مع وزارة الصحة اللبنانية . كما وضعت الإدارة المدنية يدها على مركز طبيا في بنت جبيل وحولته إلى مستشفى يحتوي على 40 سريرا ويعمل فيه 14طبيبا برئاسة طبيب من الجيش "الإسرائيلي"  برتبة نقيب .

ثالثا : عناوين التجربة الاقتصادية

.. في موازاة الاهتمام بموضوع التطبيع، سعت "إسرائيل" لخلق ظروف منفعية لاقتصادها في " الشريط ". وعملية تطبيق هذا التوجه مرت بمراحل وتطورات عديدة، في ما يلي مفاصل سياقها.

لم يمض وقت طويل على اقتطاع "إسرائيل" للشريط الحدودي، حتى أخذت تحرك -باتجاه أسواقه أنواعا محددة من سلعها الكمالية والاستهلاكية .

في البداية أرسلت موادا خاصة بالتداول اليومي الشخصي. أهمها:

أدوية للغسيل ومرطبات وأشربة العصير وبعض أنواع المعلبات والمحارم والبطيخ والبندورة والموز والدخان والبيرة "الاسرائيلية" من نوع " مكابي " والبسكويت . وفي  مرحلة لاحقة قريبة أدخلت "إسرائيل" إلى سوق الشريط المحتل أنواعا جديدة من منتوجاتها تصنف تحت خانة "الصناعات الخفيفة"، كالكراسي والطاولات البلاستيكية خصوصا، وغير ذلك

. وكان واضحا ان "إسرائيل" تريد التدرج في ارسال صادراتها دفعة اثر دفعة، ابتداء بالمواد البسيطة ( الغذائية ) وصولا إلى المصنوعات الخفيفة على أمل اغراق السوق بمنتوجات صناعية أخرى .

    لكن هذه الرزنامة النفسية الزمنية والاستهلاكية المركبة لغزو سوق " الشريط " وجعل المستهلك اللبناني فيه يعتاد نفسيا وتجاريا على شراء المنتوجات "الاسرائيلية"، لم يكن بالإمكان الاستمرار فيها حتى النهاية، نتيجة لعدة أسباب متداخلة. نعرض منها هنا فقط، ذاك السبب ذا المضمون الاقتصادي، وقوامه أن تسويق المنتوجات "الاسرائيلية" في سوق الشريط بدأ ينحسر تدريجيا، ويوما بعد يوم وبشكل تلقائي، نظرا لأن معظم أنواع المنتوجات "الاسرائيلية" لم تستطع منافسة المنتوجات اللبنانية المماثلة لها، من حيث النوعية. علما أن أسعار المنتوجات "الاسرائيلية" كانت أرخص سعرا من نظيراتها اللبنانية.

 وكان الحل المطروح بالنسبة "لاسرائيل" واحدا من خيارين اثنين : اما منع المنتوجات اللبنانية المنافسة من الدخول إلى سوق الشريط، أو فرض ضرائب عليها عند المعابر، مما يجعل أسعارها غالية إلى أقصى حد ممكن . لكن هذا النوع من الاجراءات بدا مكلفا سياسيا واعلاميا، اضافة إلى أن العديد من كبار الرموز الأمنيين في "الشريط" "الإسرائيليين" واللبنانيين على السواء، كانت لديهم مصلحة في عدم المس بأوضاع "الاستيراد" و "التصدير" عبر المعابر مع المناطق المحررة، لأنهم منخرطون في تحقيق الافادة التجارية من هذه الحركة ( سنأتي على تفصيلات هذا الموضوع لاحقا ) .

  ... ولا شك ان هذه التجربة الاقتصادية "الاسرائيلية" التي استمرت خمس سنوات (1978 ـ 1982) والتي وضعت، لأول مرة، السلعة "الاسرائيلية" الأكثر شعبية (لجهة أنها الأرخص والضرورية للاستهلاك) وجها لوجه مع المستهلك اللبناني في الشريط، أسفرت عن نتائج غير مشجعة للجانب "الإسرائيلي"، لكونها أثبتت ان المستهلك اللبناني في "الشريط" بالرغم من كل ظروفه الصعبة وبالرغم من كونه كان بعيدا عن التأثيرات السياسية المباشرة الخاصة بمقاطعة السلعة "الاسرائيلية"، الا انه أثبت ميله للبحث عن الجودة التي تتناسب كلفتها مع قدراته الشرائية، في حين أعرض عن السلعة "الاسرائيلية" التي اتسمت بميزتين لا تتناسبان مع المستهلك اللبناني :

الأولى قلة الجودة التي لم يشفع لها في مجال تسويقها سعرها الرخيص، والثانية الجودة القصوى المستوردة التي عاق تسويقها سعرها الباهظ قياسيا بمستوى دخل المستهلك اللبناني .

والواقع ان تجربة الاقتصاد "الإسرائيلي" مع سوق الشريط المحتل، أفسحت في المجال على قصرها، لاجراء مقاربة سريعة بين السوقين "الاسرائيلية" واللبنانية، الأمر الذي يظهر على هذا الصعيد ما يأتي :

أولا: ثقافات الاستهلاك مختلفة تماما بين المستهلك "الإسرائيلي" والمستهلك اللبناني. ففي حين ان الأول يضع السعر في رأس أولويات اعتباراته عندما يتسوق، فان الثاني يحاول لدى تسوقه إيجاد معادلة بين النوعية والسعر.

ثانيا: ان الفارق الشاسع بين القدرة الشرائية للمستهلك "الإسرائيلي" ( 13 ألف دولار سنويا) والقدرة الشرائية للمستهلك اللبناني ( 1200 دولار سنويا )، يجعل من الصعب على الشركات "الاسرائيلية" إيجاد سياسات تصدير إلى السوق اللبناني الا من خلال تجارات غير نظيفة، كتقليد وتزوير مواد استهلاكية وكمالية أجنبية مشهورة، أو استخدام السوق اللبناني كسوق وسيط ومنطلق للتهريب إلى الأسواق العربية الخليجية تحديدا، كون مستوى المستهلك فيها وقدراته الشرائية تتقارب إلى حد ما مع مستوى دخل المستهلك في السوق "الاسرائيلية" .

على ان التجربة الاقتصادية في لبنان في الفترة ما بين 1982 ـ 1984، مرحلة جديدة . ففي هذه المرحلة أدت النتائج العسكرية لغزو صيف 1982 إلى توسيع الغزو الاقتصادي أيضا.

واهم البضائع والمنتوجات التي صدرتها "إسرائيل" في تلك الفترة إلى السوق اللبنانية، ومنها إلى السوق العربية، كانت التالية:

الخضار والفواكهة.

المواد الغذائية واخرى خاصة بالاستهلاك المنزلي والشخصي وصادرات خفيفة التصنيع. ومعظم أنواع هذه المواد هي نفسها التي كانت "إسرائيل" حاولت تسويقها في الشريط بعد فترة قصيرة من احتلاله. لكن معظم هذه السلع عادت وفشلت في امتحان ترويجها عند المستهلك اللبناني نظرا للاسباب الانفة عينها. وذلك باستثناء أنواع قليلة من هذه السلع.

ركزت "إسرائيل" في مرحلة غزوها العسكري على جملة أنواع من صادراتها، اهمها:

-     محارم الورق من نوع ريم والحفاضات والبطيخ والبصل.

-     الزهور، معروف في هذا المجال ان "إسرائيل" هي اهم دولة مصدرة للزهور في العالم بعد هولندا. وهي تملك خبرات كبرى في هذا المجال، وبالتالي فان اسعار الزهور لديها رخيصة قياسا بالسعر الدولي.

-     العطورات وماركات التجميل الدولية المشهورة المزورة التي كان يتم تقليدها في "إسرائيل" وارسالها إلى السوق اللبنانية على انها صنع ماركتها الاجنبية.

والواقع ان فترة انتشار السلع "الإسرائيلية" في السوق اللبنانية وعبرها في الاسواق العربية، انتهت مع عودة الاحتلال "الإسرائيلي" إلى "الشريط الحدودي" . وساهم في وقف غزو السلع "الإسرائيلية" عدة عوامل منها:

1-     انحسار حجم المنطقة المحتلة.

2-     المكافحة اللبنانية الهادفة إلى منع وصول البضائع "الإسرائيلية" المهربة إلى المناطق المحررة.

على ان هذه التطورات اسست لمرحلة ثالثة في تعاطي الاقتصاد "الإسرائيلي" مع الشريط المحتل، وانطلاقا منه مع السوق اللبنانية. وقوام هذه المرحلة تأتي من تضافر عاملين اثنين:

الأول: مع عودة الانتشار العسكري والاقتصادي "الإسرائيلي" لينحصر في داخل الشريط، عاد معه مجموعة من التجار. وتمركز معظم هؤلاء في المدن الشمالية "الإسرائيلية"، وافتتحوا هناك مكاتب تجارية وضمنوا وكالات "إسرائيلية" يعملون على تسويق مننتوجاتها في الشريط المحتل وفي السوق اللبنانية بعامة ان امكنهم ذلك. وهكذا، فان هؤلاء التجار التقت مصلحتهم مع عدد من اصحاب الشركات "الإسرائيلية"، ليشكلوا معا جهدا اقتصاديا يشكل الان معظم عملية العلاقة التجارية بين "إسرائيل" والشريط المحتل.

الثاني: إلى جانب النوع الاول من المنتفعين، فقد ضمت وزارة الدفاع وبخاصة قسم المشتريات فيها، إلى ساحة المنتفعين فئة أخرى، قوامها بعض كبار ضباط الجيش "الإسرائيلي" المتقاعدين. وهؤلاء رغبت وزارة الدفاع بمكافأتهم عن طريق اعطائهم امتيازات او ترضيات تجارية في الشريط، تتمثل بمنحهم وكالات لتسويق منتوجات شركات "إسرائيلية" فيه.

والواقع ان كلا هذين العاملين، اسفرا على ارض الواقع عما يمكن تسميته مجازا بمجلس وكلاء تسويق المنتوجات "الإسرائيلية" في لبنان المؤلف من ضباط متقاعدين يدعمهم قسم المشتريات في وزارة الدفاع ورموز متعاونة مع الاحتلال .

 ولقد سمحت وزارة الدفاع لكل واحد من هؤلاء بان يمثل شركة "إسرائيلية" في السوق اللبنانية، وان يكون بالتالي همزة الوصل التجارية بين هذه الشركة "الإسرائيلية" او تلك . واهم هؤلاء الوكلاء هم:

تجارة تهريب الدخان والويسكي إلى السوق اللبنانية، وهي التجارة الاوسع انتشارا والاكثر قدرة على جني الارباح قياسا على البضائع "الإسرائيلية" او المستوردة عن طريق "إسرائيل"، التي يتم ترويجها في الشريط وعبره في لبنان . وكيل هذه التجارة حنا ضاهر ومركزه مرجعيون وهو شريك انطوان لحد قائد الميليشيات العميلة "لإسرائيل".

تجارة تسويق منتجات الموبيليا "الإسرائيلية" او المستوردة عن طريق "إسرائيل" من ميناء حيفا بخاصة، وكان وكيل هذه التجارة منير حداد وهو أيضا كان مسؤول الإدارة المدنية في الشريط، وهي تابعة مباشرة للاحتلال.

ايلي شاهين، يهودي من اصل لبناني، وكيل المنتوجات "الإسرائيلية" البلاستيكية. وكان برز في خلال فترة ازدهار حركة الاقتصاد "الإسرائيلي" في لبنان 82-84 يدير اعماله من منطقة الحازمية القريبة من بيروت.

تجارة الحديد والترابة "الإسرائيلية" ووكيل تسويقها في الشريط وتهريبا في السوق اللبنانية، هو عقل هاشم الذي صفته المقاومة مؤخرا، والذي كان يشغل في الوقت عينه مهمة قيادية في ميليشيا لحد (قائد اللواء الغربي). وعلى الرغم من عدم جودة منتوجات الترابة والحديد "الإسرائيلية" نظرا لكونها غير مضغوطة جيدا، الا انها تفرض على العديد من الورش في الشريط،كما يتم التخطيط باستمرار لادخالها إلى السوق اللبنانية تحت اسماء منشأ مزورة، ويستفاد من محاولات ترويج الترابة "الإسرائيلية" إلى داخل لبنان، من كون اسعارها ارخص من اسعار الترابة اللبنانية.

والامر نفسه ينطبق على الحديد "الإسرائيلي" المستورد بالاخص من روسيا واوكرانيا. ومعروف ان اهم تجار الحديد في اوكرانيا هم يهود، ويتمركز هؤلاء بخاصة في مدينة اوديسا الواقعة على البحر الأسود، حيث تتركز هناك المرافئ الاوكرانية الأساسية الصالحة للتصدير.

تجارة الاتصالات الهاتفية والسواتل، وكيلها في كل انحاء الشريط الحدودي مارون خريش والذي هو في الوقت عينه رئيس لجنة عين ابل المدنية. والواقع ان تجارة السواتل، كانت بدأت في الشريط المحتل منذ ما يقارب الثلاث سنوات. وهذا النوع من التجارة يتم تحت اشراف مكتب المشتريات في وزارة الدافع التي تمنح شخصا معينا في كل بلدة وقريبة داخل الشريط الحق في تركيب الساتل (الدش)، في حين ان جميع هؤلاء يرتبطون تجاريا بالوكيل الاساسي عن هذه التجارة مارون خريش.

ويتم تركيب السواتل في قرى وبلدات الشريط بواسطة مهندسين "اسرائيليين" يأتون خصيصا لهذه الغاية ويدفع المواطن ثمن المعدات واجهزة اللقط الف دولار وعشرة دولارات كاشتراك.

... اما اهم الوكالات الاقتصادية "الإسرائيلية" التي يمنحها مكتب المشتريات في وزارة الدفاع "الإسرائيلية" لضباط متقاعدين في الجيش لكي يعملوا بها في الشريط كنوع من الترضية لهم، فهي الزفت السائل (المادة الاولى المستعملة) وكيل هذه المادة في الشريط هو الضابط المتقاعد عانه حاييم عريف الرئيس السابق للادارة المدنية في الشريط، وهو يعمل حاليا في قطاع السياحة في "إسرائيل".

من ضمن عمل عريف في قطاع السياحة في "إسرائيل"، فان له دورا في تنظيم حاجات مواطني الشريط الخاصة بالسفر وذلك مع مكاتب شركات السفر في "إسرائيل".

هناك أيضا ضباط متقاعدون لديهم يقومون بخدمات تجارية في المدن "الإسرائيلية"، وهؤلاء يشكلون مراجع استشارية (سماسرة).

رابعا: المنطقة المحتلة في جنوب لبنان "سوبر ماركت" "إسرائيلي"

تحت هذا العنوان اوردت وكالة الصحافة الفرنسية في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 التقرير الاتي:

تعج المنطقة البالغة مساحتها 850 كيلومترا مربعا التي تحتلها "إسرائيل" في جنوب لبنان بالمنتجات المصنعة في الدولة العبرية.

وعلى رفوف الكثير من المحلات التجارية في مرجعيون، البلدة الرئيسية في المنطقة المحتلة، يمكن العثور على منتجات مختلفة لا مجال للشك في مصدرها: احذية من طرازي "تراك" و"ايليفانتين"  لاو بيرة "مكابي" او عصير البرتقال "سبرينغ" إضافة إلى السجائر الاميركية والكوكاكولا.

وفي أثناء التنقل في المنطقة المحتلة يشاهد اسمنت من صنع "إسرائيلي" في وراشات البناء وخضار معروضة في صناديق تحمل اسم المصدر بكل وضوح وحتى نظام متطور للري في احدى الحدائق وكذلك بنزين وغاز من الدولة العبرية التي تزود سكان الشريط المحتل بهاتين المادتين منذ 12 عاما.