"اسرائيل" تسرق الارض والمياه والاثار...


مقدمة

تتناول الصحافة العالمية واللبنانية موضوع السرقات "الاسرائيلية" للبنان وهذه بعض المقالات التي تتحدث عن هذا الموضوع.

اسرائيل اقتطعت 14 قرية ومزرعة وحوالي 130 كيلومترا مربعا من اراضي الجنوب

كتب محمود الزيات في جريدة الديار بتاريخ 6/12/1999

يعود تاريخ الاطماع الاسرائيلية بالثروات الطبيعية للبنان ، كما للدول العربية الواقعة على خط " الحدود" مع فلسطين المحتلة ، التي جعلتها الحركة الصهيونية كيانا لليهود ، الى المرحلة التي بدأت فيها عملية تبلور المشروع الصهيوني في المنطقة .

ولان الايديولوجيا الصهيونية قائمة على بناء وطن قومي لليهود ، كان لبنان وبحدوده الجنوبية ضحية من ضحايا اقتطاع الاراضي لمصلحة هذا " الوطن" الذي لم يالف بعد حدودا مرسومة .

لقد مارست اسرائيل ومنذ نشوئها سياسة قضم تدريجية للاراضي المجاورة لحدودها المصطنعة التي وهبها اياها الانتداب البريطاني وهي اقتطعت حتى اليوم 64 قرية ومزرعة ، وحوالي 130 كيلومترا مربعا من الاراضي الجنوبية .

وفي الوثائق التي تؤكد نوايا اسرائيل التوسعية ، ان المذكرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية الى مؤتمر الصلح المنعقد في فرساي في 3 شباط 1919 ضمنتها الحدود المقترحة للدولة الصهيونية ، بما في ذلك المنطقة الجنوبية من لبنان ، وجاء في المذكرة ان الحدود يجب ان تسير وفق الخطوط التي تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطىء البحر الابيض المتوسط بجوار مدينة صيدا ، وتتبع مصادر المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان ، حتى تصل الى جسر القرعون ، فتتجه الى البيرة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم تسير في خط جنوبي .

في العام 1967 وبعد حرب حزيران اقتطعت اسرائيل ثلاث عشرة مزرعة لبنانية في منطقة العرقوب ، وتعرف بـ " مزارع شبعا " وهي المغر ، فشكول ، زبدين ، افوا ، الربعة ، برتعيا ، بيت البراق ، برختا ، كفردورة ، جورة العليق ، رمتى ، القرن وخلة الغزالة .

والحقت هذه الخطوة باخرى مماثلة حين قامت باحتلال عقارات مجاورة للمزارع منها وادي الخنسا ، الجاصير ، رويسة السماق ، رويسة بيت الداس ، الجل الاحمر.

وفي العام 1973 ، اقتطعت اسرائيل اقساما من جبل الشيخ ، وهي تتبع للبنان ، وهذه الاقسام معروفة بـ بركة النقار والسواقي والشحل ، ثم في العام 1974 اقتطعت اراضي في بلدة عيترون الحدودية وهي بطول 3 كلم طولا وعرض يتراوح ما بين 100 متر و500 متر ، واعقب ذلك اقتطاع اراض متفرقة في بلدات الظهيرة وصولا الى بلدة العديسة الواقعة عند نقطة الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية .

كما احتلت اسرائيل اراضي مجاورة لمزارع شبعا وهي في خارج بلدات العرقوب ، ومعروفة عند اهالي المنطقة باسماء وادي الخنسا ، الجاصير ، رويسة بيت الداس ، رويسة السماق ، الجل الاحمر وحرج مشهد الطير .

وتقدر مساحة هذه المزارع بحوالي 90 الف دونم ، بطول 11 كيلومترا وعرض يصل الى 4 كيلومترات .

في العام 1970 شقت قوات الاحتلا ل الاسرائيلي طرقات وسط مزارع شبعا وعملت على تغيير معالم المنطقة ، وطالت هذه التغييرات مزرعة المجيدية وتلال بلدتي كفرشوبا وكفر حمام ووصلت حتى خراج بلدة شبعا .

وفي خطوة كانت الاخطر منذ وضعت اسرائيل سيطرتها على هذه المنطقة ، حاولت تحويل هذه المنطقة الى مجمع لتوطين افواج اليهود الاثيوبيين " الفالاشا" الذين استقدموا قبل اكثر من سبع سنوات ، لكن الاهالي وقفوا في وجه هذه المخططات الاستيطانية .

ثم في اعقاب حرب تشرين عام 1973 ، حاولت اسرائيل ان تخفف من وطأة الهزيمة العسكرية التي الحقتها بها سوريا ، فقامت باقتطاع مساحات اضافية من الاراضي اللبنانية ، تقع على خط الحدود الدولية اللبنانية ـ الفلسطينية ومنها قريبا من جبل الشيخ وهي الشمل ، بركة النقار ، السواقي ، جورة العليق .

وخلال عامي 1974 و 1975 ، اقتطعت اسرائيل مساحة من بلدة عيترون الحدودية ومنطقة تدعى " جبل الشميس" واتبعتها بعد خمس سنوات (1980) بخطوات اقتطاع جديدة في قرى وبلدات حدودية اخرى ، ومنها في علما الشعب (150 دونم) ، البطيشية ، يارين ، الزلوطية ، مروحين ، رامية (350 دونما) تلال الضهيرة ، رميش ، يارون ، مارون الراس ، بليدا ميس ، ميس الجبل ، حولا ، عديسة وكفركلا ، كما استولت على مناطق غنية بالينابيع الطبيعية في جبل الصوان المطل على بلدة شويا في منطقة حاصبيا ، وضمت الى داخل الشريط الشائك (الحدود) اكثر من الف دونم من اراضي بلدة حولا ، وستة الاف دونم من احراج بلدة مارون الراس .

وفي الفترة ذاتها ، اقدم الاحتلال على تسييج مساحة تفوق الـ 20 الف دونم من سهل الخيام ، وانشأ طرقات في منطقة اخرى ، بهدف قضم اراض جديدة بين بلدتي يارون والناقورة الحدوديتين .

وفي تقارير وضعها مجلس النواب اللبناني عن عمليات قضم للاراضي الجنوبية في العامين 1986 و 1987 استندت معلوماته الى مصادر في قوات الطوارىء الدولية العاملة في الجنوب ومصادر امنية لبنانية وشهود عيان " ان اسرائيل ركزت في اعمال القضم الاخير (1987) على اراضي بلدة علما الشعب ويارون ورميش ومنطقة مرجعيون ، لاكمال شريط من الاراضي المقتطعة في موازاة الحدود الدولية بين الناقورة غربا ومزارع شبعا شرقا .

وفي علما الشعب اقتطع الاحتلال الاسرائيلي (عام 1982) مساحات من الاراضي المزروعة بالزيتون في علما الشعب تقع عند تخوم الحدود الدولية .

وقد ترافقت خطوات القضم والضم الاسرائيلية بحملات احتجاج واسعة من الاهالي اصحاب الاراضي ، لكن حصيلة هذه الخطوات كانت اقتطاع مساحات واسعة من معظم القرى والبلدات الواقعة عند نقطة الحدود الدولية اللبنانية ـ الفلسطينية .

وازاء هذا الواقع قدم لبنان شكوى الى مجلس الامن الدولي اضيفت الى " ارشيف " الشكاوى المقدمة عن الاعتداءات والاطماع الاسرائيلية التي تمارس منذ اكثر من نصف قرن وقد تعززت هذه الشكاوى بالرغم من عدم جدية المجتمع الدولي معها ، بتاكيدات قوات الطوارىء الدولية عن ان اسرائيل تقوم بين فترة واخرى" باجراءات على الحدود ".

وكان الرد الاسرائيلي يحاول ايهام الراي العام الدولي ، زاعما بان هذه الاجراءات تتعلق بقضايا عسكرية وامنية احترازية كاقامة مراكز للمراقبة وانشاء مواقع عسكرية للاليات الكبيرة " لضمان امن حدودها مع لبنان " لكن الحاصل عمليات " تصحيح الحدود " وفق الاطماع الاسرائيلية .

وكشف في تقرير اخر ان وحدة هندسية من قوات الاحتلال نقلت الاسلاك الشائكة عند نقطة الحدود الدولية في القطاعه الغربي الى مسافة 500 متر في داخل المناطق اللبنانية بطول ثلاث كيلومترات وقد ادلى احد ضباط قوات الطوارىء الدولية العاملة في الجنوب بتصريح مستهجن قال فيه " اسرائيل لا يبدو انها تقوم باقتطاع اراض لبنانية ، وانما تعمل على تجميل الحدود مع لبنان " وهي تقوم بالغاء التعرجات والنتوءات الجغرافية القائمة .

مسلسل العدوان الاسرائيلي على لبنان من خلال الحرب المتواصلة ضد ابناء الجنوب ومواصلة سياسة قضم الاراضي وضمها ، تنفيذا لمخططات قديمة لم توقفها " الرعاية " الدولية المباشرة للجنوب ، من خلال انتداب قوات الطوارىء الدولية من العام 1978 ، وانما هي متواصلة ولم تكن سرقة التربة من منطقة حاصبيا ونقلها الى مناطق في الجليل الفلسطيني الاخيرة.

اليوم وبعد اثنين وثلاثين عاما وفي ضوء المزاعم الاسرائيلية عن انسحابات من الجنوب لم يعد مفيدا اغفال قضية ضم مزارع شبعا والاراضي المقتطعة من قرى وبلدات حدودية في الجنوب .

 

اسرائيل تسرق 50 الف متر مكعب من مياه لبنان سنويا

  الاتحاد الاماراتية 12/1999

ـ منذ انطلقت المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي في واشنطن بعد توقف دام اربع سنوات ، والجانب اللبناني يعد العدة للانضمام الى هذه المفاوضات في الجولة الثالثة .

فالديبلوماسية اللبنانية استنفرت كل عناصرها واعدت الملفات للدخول الى "حلبة" التفاوض ، وكلها ملفات ضخمة متكدسة في وثائق واوراق عمر بعضها ربما نصف قرن من الزمن واكثر ، وان كانت المصادر الحكومية المعنية بملف المفاوضات اوضحت انها لن تتجاوز السبعة ملفات ، فان المصادر المراقبة ترى ان اهم هذه الملفات هو ملف المياه الذي سيفتح على مصراعيه ويمكن ان يشكل نقطة تجاذب ساخنة في المفاوضات .

فملف المياه مطروح اسرائيليا منذ ما قبل قيام " الدولة العبرية " وتحديدا كما تضمنه مشروع مؤسس دولة "اسرائيل "حاييم هرتزوغ في العام 1913، في المؤتمر اليهودي العالمي ، وفيه تأكيد على اطماع اسرائيل بمياه المنطقة العربية ، ولاسيما مياه لبنان وسورية والاردن وصولا الى دجلة والفرات والنيل ايضا .

وحتى الامس القريب كان لبنان يعتبر ان موضوع المياه خارج اطار اي تسوية ، الى ان تبلغ تقارير تفيد بان "اسرائيل" عملت على سرقة كميات كبيرة من المياه اللبنانية ، وجرتها بواسطة انابيب الى داخل المستوطنات الشمالية في الجليل الاعلى ، غير ان اسرائيل نفت ذلك ولبنان بالتالي لا يملك اي اثباتات على سرقة المياه من نهري الحاصباني والوزاني ، لانهما يمران عبر الاراضي الاردنية وينطبق عليهما القانون الدولي بالنسبة الى تقاسم المياه الدولية .

وفيما تبرر" اسرائيل" الاستيلاء على المياه العربية بانها مياه مهدورة ، وهي بحاجة ماسة اليها ، يقول لبنان بان الدولة العبرية حفرت ابارا ارتوازية في سهل الخيام ، وعملت على جر مياهها سرا الى داخل الاراضي الاسرائيلية الشمالية بواسطة شبكة انابيب وتستخدمها في الري ، وكمياه للشفة في المستوطنات وتقدر كمية المياه المسروقة بحوالي 50 الف متر مكعب في السنة .

 

 مشكلة المياه من الجذور :

 

يقول الباحث الفلسطيني سلمان ابوسته في احدى دراساته عن المياه ، انه يوم كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وسورية تحت الانتداب الفرنسي نجحت السيطرة الصهيونية على الحكومة البريطانية في الاستحواذ على اكبر قدر من مصادر المياه في المنطقة ، وبعد حوالي السنة او اكثر تم توقيع اتفاق الحدود بين ممثلي فرنسا وبريطانيا في 23 يوليو 1923 لكن هذا التخطيط القسري من دون استشارة اهالي المنطقة ، ادى الى مشاكل كثيرة ، فقد شطر الاتفاق اراضي 22 قرية في قضاء صفد فاصبحت الارض في جانب والقرى في جانب آخر ، وتم فصل الناس من دون مبرر على طرفي الخط ، مثلما حدث لقرى علما الشعب ورامية وعديسة والمطلة في جنوب لبنان .

وهذا الواقع الذي اوجده الانتداب ادى الى توقيع اتفاق جديد بين فلسطين وسورية ولبنان في 2 فبراير 1926 ، حمل توقعي المندوب السامي في فلسطين والمندوبين الساميين في سوريا ولبنان ، يقضي بحماية حقوق السكان على جانبي الحدود ، في استخدام مياه الانهار والبحيرات للري والشرب والملاحة والصيد ، وعبور الحدود من دون جوازات، ونقل محاصيلهم من دون جمارك ، بصرف النظر عما اذا كانوا تابعين لهذه الدولة او تلك ، وفي حال الخلاف يلجأ الطرفان الى لجنة خاصة من الحكومات الثلاث ، ويحال اي نزاع الى محكمة العدل الدولية .

وظل الاتفاق ساري المفعول حتى 20 يوليو 1949 اذ رسم خط حدودي جديد هـــو " خط الهدنة" ومن خلاله بقيت سوريا على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا ، وحول بحيرة الحولة في الاراضي الفلسطينية ، في الوقت الذي اصرت الدولة العبرية على انسحاب سوريا الكامل باعتبار ان المنطقة جزء من الدولة الجديدة بموجب قرار التقسيم .

وكانت اسرائيل بدأت تجفيف مياه بحيرة الحولة مطلع العام 1951 ، وحولت مياهها الى مشروع القناة القطرية التي تنقل المياه الى النقب ، وارسلت الحفارات الى شرق النهر ، فاصدر مجلس الامن قرارا بوقف اعمال تحويل المياه ، ثم بدأت مفاوضات على المياه في العام 1953 لتوزيعها بالتساوي بين دول المنطقة ، لكن "اسرائيل" بدأت في الوقت نفسه بمشروع آخر شمال غربي بحيرة طبريا لنقل المياه الى النقب ، وفي اعقاب حرب العام 1967 تمكنت "اسرائيل "من بسط سيطرتها على المياه العربية في الجولان ونهر الاردن ، وجنوب لبنان ، وطالبت بحصة في مياه نهر الليطاني ، غير ان لبنان رفض بقوة مطلبها ، وانشأ بحيرة على هذا النهر تعرف باسم بحيرة القرعون في البقاع الاوسط .

وخطط فريق لبناني لاستغلال مياه جميع الانهار اللبنانية من خلال اقامة مشاريع ري واستصلاح الاراضي ، برئاسة المهندس ابراهيم عبدالعال الذي عرف المشروع باسمه ، وهو الذي خطط ونفذ الجزء المهم من " سد القرعون" حيث اقيمت البحيرة ، وعندما شعرت "اسرائيل" بان هذا الرجل اي عبد العال يمكن ان يحرمها من امكانية استغلال مياه لبنان ، ليس الليطاني بحسب انما الزهراني والوزاني الحاصباني ، خططت وعملت على اغتياله ، وهناك اتهامات صريحة وواضحة تشير الى مسؤولية " الموساد" "الاسرائيلي" في اغتيال المهندس عبدالعال عندما كان في باريس .

ووفق تقارير غير رسمية ضمها لبنان الى ملف المياه ، هناك  اتهامات ضد "اسرائيل" تفيد بان الدولة العبرية عملت في نقاط معينة يمر فيها نهر الليطاني لاسيما الى الجنوب من قلعة الشقيف ، على اقامة مضخات عملاقة تعمل على سحب مياه النهر الى انابيب اقيمت تحت الا رض بطريقة سرية ، وتصب هذه المياه في المستوطنات الشمالية "الاسرائيلية" ، وقد اقيمت هذه المضخات في مناطق يمنع التجول فيها او الوصول اليها من قبل اي مواطن او مراقب دولي .

يذكر ان الحكومة "الاسرائيلية" كانت ضمنت كتابها العام 1996 حول مستقبل التعاون في الشرق الاوسط 49 مشروعا يتعلق بالمياه ، وكيفية استغلال مصادرها وابرز ما ورد في هذه المشروعات :

انشاء محطة تزلج في جبل الشيخ (حرمون) ، انشاء بحيرات ومصحات وموتيلات في منطقة الحدود الجبلية ، تنظيم رحلات سياحية تبدأ من القدس في اتجاه الناصرة ومن ثم بحيرة طبريا فقيصرية فيلبس فجبل حرمون ومن ثم صور وصيدا وبعدها تتم العودة الى القدس . ويذكر تقرير معهد الدراسات الاسرائيلية (جافي) ان حدود " اسرائيل" مع لبنان تختلف اليوم عما كانت عليه يوم وضعت بالتعاون بين بريطانيا وفرنسا ، واوضح التقرير بان " اسرائيل" تحاول بالقضم التدريجي تعديل حدودها مع لبنان ، او اعادة رسمها على الاقل وفق حاجاتها المائية .

ولكل هذه المحاذير سيحاول لبنان من خلال طرح موقفه المتشدد ازاء ملف المياه ان يثبت انه بحاجة ماسة الى مياهه وليست هناك اي موارد مياه فائضة تذهب هدرا خلافا لما تزعم الدولة العبرية لذلك قد يكون ملف المياه من اصعب الملفات التي ستطرح على طاولة المفاوضات ، وهي قد تشكل اكثر من حرب مستقبلية ، لاسيما وان المناخ الطبيعي يؤشر الى تحول مخيف في الطبيعة التي بدأت تتحول شيئا فشيئا الى التصحر ، ولذلك فان المياه هي مصدر رئيسي ومهم للاستمرار في الحياة .

 

 

النهب الاسرائيلي المنظم للمواقع الاثرية في الجنوب

 

كتبت ثناء عطوي في جريدة السفير بتاريخ 30/12/1999 :

 

لم تكن عمليات النهب "الاسرائيلية" المنظمة للمواقع الاثرية في جنوبي لبنان هي الوحيدة التي تعرضت لها الاثار عام 1983 ابان الاجتياح الاسرائيلي والتي استهدفت قبر حيرام ملك صور، ذلك ان هناك العديد من الشواهد على سرقات مماثلة استبقت هذه العملية منذ العام 1978 ولم تنته فصولا حتى اليوم .

واذا كان الهدف الرئيس "لاسرائيل" من وراء ذلك هو اعادة رسم الحدث التاريخي بابعاده السياسية وفق منظورها الخاص ، فهي لم تسقط من حسابها الجدوى المادية للسياحة التاريخية وما يمكن ان تغدقه هذه الاخيرة على الدولة من اموال تأسيسا على ما تقدم ، فإن نبش قبر حيرام وتمركز الجيوش المحتلة في محيطه عام 1983 بعد اتخاذ قيادة العدو قرارا بتحويل مدافنه الى مقر عسكري ما كان سعيا وراء سراب ، بل ان "الاسرائيلي" الذي لا ينفك يبحث في زوايا المنطقة عن اثر وموطىء قدم ، كان ينقب بين طيات القبور ومفاصل احجارها عن رموز ميثولوجية توراتية تتطابق والمعتقدات اليهودية ، وتحرره من عقد التاريخ والجغرافيا معا ، ولاسيما ان الدلائل المتعلقة بالملك داوود وولده سليمان نادرة وشبه معدومة ، من هنا كان امل "الاسرائيليين" كبيرا بالحصول على طرف خيط في قبر حيرام ، الملك الذي ارتبط بعلاقات صداقة وثقافة مع داوود ومن بعده سليمان الذي تبادل بدوره مع حيرام التجارة والمعارف بحسب المؤرخ اليهودي يوسفينوس .

هذه المعطيات التي تشكل حلقة وصل اساسية بين ماضي اليهود وحاضرهم كانت في الثمانينات المقصد والهدف الى حد تولي ادارة الآثار في "اسرائيل" اعمال التنقيب عن مواقع اثرية في جنوبي لبنان ، وهي اوفدت للغاية نفسها عشرات الاثريين من علماء وتقنيين في رحلات دورية نظمتها الى جنوبي لبنان برا عبر منطقة الناقورة الحدودية ، مما يدلل على اهمية المكتشفات الاثرية .

في تلك السنة تحديدا اي عام 1983 استقرت وحدات عسكرية في الجيش "الاسرائيلي" شرقي الملعب الروماني في مدينة صور ونفذت اعمال جرف واسعة للمدافن والاسواق القديمة استولت بمحصلتها على قطع اثرية تعود للحقبة البيزنطية ، وهذا ما اكدته عقب الانسحاب "الاسرائيلي" مديرية الاثار التي كشفت عن مبان اثرية منكوبة ومفرغة من كنوزها .

وانسحبت اعمال النهب على موقع راس العين جنوب مدينة صور حيث عثرت قوات الاحتلال على توابيت وقبور مدفنية تعود للعصرين الروماني والبيزنطي ، وقامت بنقلها عام 1985 الى داخل فلسطين المحتلة وسبق ذلك اغلاق مقام النبي صيدون قرب ساحة الشهداء وتنفيذ حملة تنقيب واسعة داخله ، علاوة على كنيسة وموزاييك النبطية التي عثرت عليها وحدة من الجيش "الاسرائيلي" عام 1984 ، ووصفها خبير في الاثار بانها كانت في وضع ممتاز تحوي رسوما لاشكال هندسية تجسد رجالا قدماء وحيوانات منوعة مشغولة بمهارة وخفة ومزاج لوني مزدحم .

واذا كان ممكنا احصاء القطع الاثرية المسروقة من اكثر من موقع في المناطق التي تحررت لاحقا ، فإنه من الصعب معرفة ماهية وحجم وعدد القطع المماثلة التي نهبت من المناطق المحتلة وهي لا تزال رهينة العابثين بالحاضر كما بالماضي عبر تاريخه ، ويؤكد مصدر في مديرية الاثار ان اليد الطولى "للاسرائيليين" لم توفر موقعين اثريين فائقي الاهمية الاول يقع في خراج بلدة يارون المحتلة جنوب مدينة صور حيث ركزت ادارة الاثار "الاسرائيلية" حفرياتها ، وتم العثور حينها على مدينة فينيقية تعود للقرن الثاني قبل الميلاد اي للفترة الهيلينية ، اما الموقع الثاني فقد ظهر في بلدة حولا واحيطت مكتشفاته بدرجة عالية من الكتمان كما هو حال معظم الحفريات التي تمت بسرية مطلقة وتغطية عسكرية "اسرائيلية" .

هذا التكتم وما عقبه من شواهد ملموسة على اعمال النهب والتي اثارت شكوكا لدى الاثريين اللبنانيين ، عززها بعض الاثريين الغربيين الذين رجحوا انتقال قطع اثرية تعود الى الحقبات الفينيقية والبيزنطية والرومانية من جنوبي لبنان الى متاحف فلسطين المحتلة بطرق غير شرعية فيها تزوير للتاريخ والمستقبل معا .

هذا الموضوع الحيوي المتعلق بالهوية والجذور لا يقل اهمية بجانب عن الموضوعات المتعلقة بالارض والسيادة ، ولهذه الغاية دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري مؤخرا الوفد اللبناني المقرر ان يفاوض "اسرائيل" للمطالبة بحقوق لبنان الاثرية وممتلكاته التاريخية ، وهي مشروعة ومسبوقة بتجارب مماثلة حصلت في غير دولة من العالم بعد انتهاء الحروب لاسيما منها مصر حيث استعادة سيناء بعد الانسحاب الاسرائيلي القسم الاكبر من القطع الاثرية التي كان نهبها الاسرائيليون ، اضافة الى عمليات التفاوض الجارية الان بين الفلسطينيين و"الاسرائيليين" لاعادة الكنوز الاثرية الى الضفة .

هذا وتدرس الحكومة اللبنانية امكانية تشكيل لجنة خاصة مؤلفة من علماء آثار ومتخصيين ، ستتولى التفاوض مع اللجان "الاسرائيلية" حول آلية استعادة القطع المسروقة والمعروضة في المتاحف "الاسرائيلية" والتي يتجاوز عددها العشرات .