دراسة عن الجنوب

مقدمة

أولاً : لمحة عامة عن جنوب لبنان

ثانياً : أطماع تاريخية

ثالثاً : بدايات الاحتكاك وتطور الصراع

رابعاً: واقع المنطقة المحتلة

خلاصة


 

مقدمة:
يرزح الجنوب اللبناني منذ العام 1948 , تاريخ إنشاء دولة "إسرائيل, تحت وطأة سلسلة لا تنتهي من الاعتداءات تستهدف بشره أرضه ومياهه ولا تَسلم منها بقية الأراضي اللبنانية وعلى رغم تدخل المجتمع الدولي مرات عديدة مطالباً باحترام سيادة لبنان على أراضيه وأمنه واستقراره, فان "إسرائيل تصرُّ على استخدام وسائل القوة الضخمة التي لديها لفرض نموذج "الحل" الذي تراه, ولا يخلو بالطبع من انتقاص من أمن لبنان وسيادته ومطالب توسعية تردُ فقط من خلف الكواليس والتلميحات دون التجرؤ على تحديدها.

ولقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من أمنهم وناسهم واقتصادهم, ولا يزالون بصورة يومية, وكان اكبر المغامرات العسكرية "الإسرائيلية" الهادفة لإخضاعهم في الأعوام 1978 و 1982 و1993 و 1996, ولكن العدوان الاكبر القائم الآن هو استمرار "إسرائيل في احتلال عشر مساحة لبنان أي حوالى 1250 كلم2 مصرة على اعتبارها "حزاماً أمنياً" خلافاً لمنطوق القرار 425 الذي يدعوها للإنسحاب من كل الأراضي اللبنانية المحتلة وتحولت هذه المنطقة الى مسرح مواجهة بين رجال المقاومة اللبنانية وقات الاحتلال يشهد العالم بعض تفاصيلها, غير أن ما هو خافِ (يخفى) غالباً محاولة "إسرائيل" تهويد هذه المنطقة بأساليب ملتوية كثيرة.

تعالج هذه الدراسة التوثيقية الأطماع "الإسرائيلية التاريخية في لبنان والمعاناة المستمرة من جراء التدخل العسكري الإسرائيلي المباشر في هذا البلد ثم المساعي الحثيثة القائمة لتغيير طبيعة المنطقة الجنوبية المحتلة واستنفاد خيراتها, تمهيداً لإلحاقها "بإسرائيل" بطريقة أو بأخرى.

أولاً - لمحة عامة عن جنوب لبنان:
تزيد مساحة الجنوب اللبناني على خُمُس مساحة لبنان العامة (2011 كلم2 من اصل 10452 كلم2), وعدد سكانه حوالى ثمانمائة ألف نسمة, حسب بعض التقديرات, أي ربع عدد السكان الإجمالي في لبنان (3.6 مليون الى 4 ملايين نسمة). تنتشر في ربوع الجنوب 456 مدينة وقرية ومزرعة تنتظم في محافظتي الجنوب والنبطية. أهملت هذه المنطقة بدرجة كبيرة في العهود الماضية بداعي عدم استقرار الأوضاع الأمنية فيها, وخصوصاً بسبب الإعتداءات "الإسرائيلية" القائمة منذ عام 1948.

إشتهر الجنوب, برغم ذلك, بقوة عنفوان أبنائه وسعة طموحهم وتمسكهم بأرضهم, وحتى عندما هاجر الكثير منهم طلباً للرزق في أرجاء المعمورة وكان منهم رجال أعمال وتجار كبار عادوا الى أرضهم للإستثمار فيه, كما كان منهم المتعلمون بنسبة كبيرة وأصحاب المهن الحرة والحرف المتنوعة. وصدر مزارعو هذه المنطقة - ولا يزالون - الحبوب والحمضيات والتبغ والموز والخضار والزيت والتين والزيتون.

وبفعل التغيرات الإجتماعية والإقتصادية, تحول الجنوب الى تصدير جزء وافر من قواه البشرية الى الداخل والخارج, وبلغ معدّل حركة النزوح في السبعينات 40 الى 45 %, وزاد العامل الأمني المشكلة تفاقماً.

ومنذ العام 1985 , تكرس "إسرائيل" احتلالها فوق نصف مساحة الجنوب (850 كيلومتراً مربعاً تضاف اليها منطقة جزين التي تسيطر عليها ميليشيا تابعة للإحتلال "الإسرائيلي" وتأتمر بأوامره ليصبح المجموع 1250 كلم2). وتتحكم قوات الاحتلال بمعظم المواقع الاستراتيجية المطلة على شرقي صيدا والنبطية وحوض الليطاني والحاصباني والبقاع الغربي, وتمتد مواقع هذه القوات من سفوح جبل حرمون التي تطل على هضبة الجولان السورية الى قلعة ارنون الشقيف المشرفة على النبطية, حتى مرتفعات جزين التي تكشف صيدا والطريق الساحلي من جهة والبقاع الغربي وإقليم التفاح الملاصق للنبطية من جهة أخرى ولذلك تبدو العديد من المحاور الرئيسية والطرقات في الجنوب عموماً مقطعة الأوصال مشلولة الحركة الى حد ما على الصعيد الاقتصادي الأمر الذي يحدّ من الطاقة الإنتاجية للمنطقة.

وتبين عام 1989 , ان عدد المقيمين في المنطقة المحتلة التي تدعوها "إسرائيل" "بالحزام الأمني يبلغ 78455 يمثلون 38,3 % من المسجلين رسمياً (204445), ومعظم المهاجرين من فئة الشباب الذين تأثرت أحوالهم بشدة بواقع الإحتلال على الصعيدين الأمني والاقتصادي, فنزح العديد منهم الى المناطق اللبنانية المحررة, وهاجر آخرون الى الخارج, ويشكل أبناء هذه المنطقة نسبة كبيرة من المقاومين اللبنانيين الذين يواجهون الاحتلال "الإسرائيلي.

ثانياً - أطماع تاريخية :
لا يفتأ المتحدثون الرسميون "الإسرائيليون ينفون بين الآونة والأخرى أطماع لهم في الأراضي اللبنانية. غير ان هذه ثابتة بالوقائع التاريخية وتفسر الى حد بعيد الإصرار "الإسرائيلي على الاحتفاظ بأجزاء من هذه الأراضي او بسط الهيمنة غير المباشرة عليها.

أ - قبل قيام "اسرائيل":
ركزت أدبيات زعماء الحركة الصهيونية, الذين أسسوا ابتداءاً من مطلع القرن الحالي اللبنات الأولى لدولة "إسرائيل, على جنوب لبنان وجبل الشيخ (شرقي لبنان) نظراً لأهميتها الاقتصادية والعسكرية ولاحتوائهما على مصادر المياه "الضرورية" لتطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين (قبل ان يطلق الإسرائيليون عليها اسم "إسرائيل), وذلك استناداً الى ما جاء في مذكرات تيودور هرتزل أول زعيم للحركة الصهيونية (1).

 وقبيل صدور وعد بلفور البريطاني عام 1917 بإقامة دولة يهودية في فلسطين, أصدر اثنان من زعماء الحركة : ديفيد بن غوريون وبن زفي كتاباً تحت عنوان "أرض إسرائيل" اعتبرا فيه متصرفية جبل لبنان (التي لم تكن تضمن بعد الجنوب اللبناني وأجزاء أخرى من لبنان) الحدود الشمالية للدولة اليهودية (2). وحددت مذكرة الحركة الصهيونية الى المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح في أوروبا في 3 شباط 1919 حدود الدولة اليهودية بالآتي: "تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطىء البحر الأبيض المتوسط بجوار مدينة صيدا, وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل الى جسر القرعون (شرقي لبنان), فتتجه منه الى البيرة (بلدة في البقاع الغربي) متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم (في منطقة حاصبيا), ثم تسير في خط جنوبي متبعة الخط الفارق بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ (حرمون) حتى جوار بيت جن…".

 واعتبرت المذكرة التي كانت بعنوان "تصريح المنظمة الصهيونية بصدد فلسطين" ان جبل الشيخ (حرمون) هو "أب المياه" الحقيقي لفلسطين, ودعت الى "اتفاق دولي تحمى بموجبه حقوق المياه للشعب القاطن جنوب نهر الليطاني (اي اليهود في فلسطين الكبرى) حماية تامة, اذ ان منابع المياه هذه, فيما لو حظيت بالعناية اللازمة, تستطيع ان تخدم تنمية لبنان مثلما تخدم تنمية فلسطين". (3)

 في مؤتمر سان ريمو الذي عقد في نيسان 1920 , تم إقرار انتداب فرنسا على سوريا (ولبنان), وبريطانيا على فلسطين والعراق, وبقيت مسألة الحدود دون حل نهائي. وفي العام نفسه, فصلت فرنسا لبنان عن سوريا ووسعت دويلة متصرفية جبل لبنان لتشمل أجزاء أخرى واسعة منها جنوب لبنان والبقاع والشمال, بعدما كان البلدان دولة واحدة. وجاءت هذه الخطوة لمساندة هيمنة أقلية لبنانية موالية لفرنسا وتنشد رعايتها, ولقيت اعتراضات من شرائح لبنانية واسعة. غير ان الحركة الصهيونية لم ترتح للقرار الفرنسي إنما من زاويتها الخاصة, فهي كانت تطمح لضمّ جنوب لبنان او أجزاء منه (فيها منابع مياه غزيرة) الى الانتداب البريطاني وتالياً الى الدولة اليهودية الموعودة, وحال تجاذب المستعمرين الفرنسي والبريطاني دون تحقيق الطموح الصهيوني. وعبر حاييم وايزمان عن ذلك برسائل عدة الى الدول الأوروبية جاء في واحدة منها موجهة الى عضو في الوفد الإيطالي الى مؤتمر سان ريمو: يعتقد الفرنسيون انه إذا أصررنا بشدة على اعتبار الليطاني وجبل الشيخ حدودنا الشمالية فليس هذا إلا لكوننا أبواق دعاية للاستعمار البريطاني, وهذا طبعاً خطأ كبيرا"… (نشرت هذه الرسائل في صحيفة "يديعوت احرونوت" الإسرائيلية تاريخ 21/3/1978). (4)

 وفي الفترة ذاتها, طلبت الحركة الصهيونية من المفوض السامي الفرنسي في بيروت السماح للمستوطنين اليهود بالإستقرار في جنوبي لبنان, وقد نقل وايزمان عن لبنان المفوض الفرنسي قوله بعد ان رفض الطلب: "…. بعد ان تحصلوا على صور وصيدا ستطلبون تغيير الحدود من جديد". وتكررت المطالبة مع المفوض الفرنسي الجنرال ويغان Weygand في تموز 1924 , فكان رده التحفظ . (5)

 اما القنصل الفرنسي في القدس "غاستون موغراس" فقد كتب عام 1925 تقريراً الى رئيس الوزراء الفرنسي جاء فيه تحذير من سياسة التوسع التي يتبعها الصهاينة للوصول الى أحلامهم, فقال: "ان لدى الصهاينة في أعماق قلوبهم إرادة عميقة للمطالبة بصور وضواحيها. ثم انهم ولا شك طامعون بمياه الليطاني التي توفر لهم طاقة هيدروليكية وهم بحاجة ماسة اليها لتحقيق مشاريعهم الكهربائية. ليس من شك في ان لليهود م صور وصيدا صراعا قديماً, وخراب هاتين المدينتين الملعونتين (في رأيهم) يجب ان تطابق نبوءات حزقيال. لكن الحاجة او الضغينة لا تمنحان حقوقاً لليهود في صور وصيدا.." (6)

 وكانت نشرة Palestine      التي تصدرها الحركة الصهيونية - آنئذٍ - تركز افتتاحيتها في الغالب على ضرورة إلحاق الليطاني بفلسطين, بعد ضمانهم الاستيلاء على فلسطين نفسها بواسطة الانتداب البريطاني. وذهبت النشرة في إعدادها لشهر تشرين الثاني 1920 الى ان "الليطاني يؤمن الري والكهرباء لفلسطين", واذا كانت هناك صعوبات تحول آنياً دون ضمه مباشرة, فعلى الأقل ثمة إصرار على استفادة فلسطين من مياهه" .

 "  By access the waters of the Leontes (Litani) is not meant territorial possession, but only the right of storing and using its waters.. "

 ( Palestine Vol 3 n 8, October 1920, P.59).

 عام 1934, تعاونت سلطات الانتداب البريطاني مع المنظمات الصهيونية للحصول على امتياز تجفيف بحيرة الحولة واستثمار أراضيها من اللبنانيين الذين تخلوا عن المشروع وباعوا حقوقهم الى جهات يهودية . (8)

وعام 1943, أدت دراسة مشتركة أجرتها, شركة ألفرد نقاش للهندسة ومهندسون يهود الى الاستنتاج بأنه يمكن لبنان ان يستفيد من تدفق نهر الليطاني بنسبة واحد على تسعة فقط, واوصت الدراسة لذلك بان يتم تحويل معظم مياه هذا النهر عند نقطة تقع قرب ساقية ابل السقي (في منطقة حاصبيا اللبنانية) بحيث تصب المياه ضمن نفق في فلسطين, ويستفيد لبنان في المقابل من كل الطاقة الكهربائية المنتجة بفعل انحدار المياه من المناطق الجبلية اللبنانية في اتجاه وادي نهر الأردن, او من جزء منها . (9)

ب - بعد إنشاء الدولة العبرية:
بعد قيام "إسرائيل عام 1948, وضعت مشاريع عدة تناولت ضم مياه الليطاني (مشروع بنجر, مشروع باكر - هرزا ومشروع كوتون) . وذهب ديفيد بين غوريون, وكان رئيساً للوزراء, في 14 أيار 195 : "ان اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه, وعلى نتائج هذه المعركة يتوقف كيان فلسطين". (10)

وقال رداً على رسالة بعث بها اليه الرئيس الفرنسي شارل ديغول عام 1967 : "ان أمنيتي في المستقبل جعل الليطاني حدود إسرائيل الشمالية". (11)

وعام 1964 , قال اول رئيس اركان للجيش الاسرائيلي إيغال ألون الذي قاد الحرب ضد العرب عام 1948 رداً على كلام لـ بن غوريون: "لو لم يطلب بن غوريون إيقاف اطلاق النار بصفته رئيساً للوزارة ووزيراً للدفاع, لكانت قواتنا أكملت زحفها لتحقيق النصر باحتلال نهر الليطاني في الشمال وصحراء سيناء في الجنوب الغربي ولاستطعنا بعد أيام قليلة من متابعة القتال لتحرير ارض وطننا بأكملها". (12)

وفي كل حال كان بن غوريون قد أكد عام 1948 ان "دولة إسرائيل قامت فوق جزء من ارض إسرائيل فقط". (13)

( Ben Gurion, Revirthand desting of Israel, new-york, 1954, p.466 )

 ونجد بن غوريون يقول استناداً للكتاب الانف الذكر ص 419 , "ليست المسألة مسألة احتفاظ بالوضع الراهن, فعلينا ان نقيم دولة غير متجمدة, دولة ديناميكية تتجه الى التوسع". (14)

 اما شيمون بيريز فيقول في حديث نقلته وكالة رويتر في 27/2/1971 انه يعارض تقديمة خاريطة حدود لاسرائيل, "فان اسرائيل ليست في عجلة من امرها كي تصنع مثل هذه الخريطة التي اذا قدمناها لتمثل الحد الادنى فلسوف نتهم بالرغم من ذلك بالتوسع, ولكن يجب تقديم هذه الخريطة عندما يوافق العرب على التفاوض معنا مباشرة". (15) وكان رأي مناحيم بيغن مماثلاً في 10/3/1971 : "لا يجب على اسرائيل ان تقدم خريطة حدود, فالخريطة التي ستقدم كحد ادنى ستتحول في المفاوضات الى حد اقصى نطالب بالتراجع عنه, وبالتالي, فتقديم هذه الخريطة سيعود في كل حال بشرٍّ كبير". (16)


(*) اعتمدنا في هذا الفصل على مرجع زاخر بالوثائق التاريخية:
"لبنان المياه والحدود (1916 - 1975)", د. عصام خليفة دار نشر بيروت 1996, وجاء ترتيب الفقرات المقتبسة منه:
1 - ص (35)
2 - ص (37)
3 - ص (38)
4 - ص (42-43)
5 - ص (61)
6 - ص (62)
7 - ص (44-45)
8 - ص (66)
9 - ص (67)
10 - ص (49)
11 - ص (49)
12 - ص (70)
13 - ص (70)
14 - ص (141)
15 - ص (143)
16 - ص (143)


 

ثالثاً - بدايات الاحتكاك وتطور الصراع:

أ - استنـزاف لبنان والعمل لاخضاعه:
أدى اعلان دولة "اسرائيل" في 14 ايار 1948 الى قيام معارك على طول الحدود العربية مع فلسطين, بعدما قرر العرب نجدة اخوانهم الفلسطينيين الذين هجروا من ارضهم او اصبح حقهم فيها رهن ارادة المستوطنين "الاسرائيليين". خلال هذه المعارك, احتل "الاسرائيليون" في 30 تشرين الاول من العام نفسه بين اثنتي عشر وتسع عشرة قرية لبنانية منها: ميس الجبل, بليدا, محيبيب, مركبا, الطيبة, دير سريان, كفركلا, يارون, كما اقامت قواتهم مستعمرات على انقاض قرى اخرى دمرت, ومنها "الناعمة" التي انشئت محلها مزرعة "نعماه" اليهودية, و"الخالصة" التي صارت "كريات شمونة" كما اقامت مستعمرة "مسكاف عام" في مرتفعات العديسة, فضلاً عن الاستيلاء على قرى ومزارع الدوار, الزوق الفوقاني, الزوق التحتاني, المنصورة, الزوية, لزازة, الصالحية, خان الدبر, شوكة, اقرت, وكفربرعم. (1)

إقتطاع اراضٍ:
وعلى رغم اعلان انسحاب القوات الاسرائيلية من القرى اللبنانية المحتلة بعد توقيع لبنان الهدى في آذار 1949, احتفظ الاسرائيليون بمساحات واسعة من الاراضي التابعة لعدد من القوى الحدودية . (2) وعانى لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية في الاعوام التالية ومنها على سبيل المثال: اسقاط طارة مدنية لبنانية فوق الاراضي اللبنانية بواسطة طائرة حربية "اسرائيلية" في 24 تموز 1950, والحصيلة قتيلان وثمانية جرحى, اجبار ثلاث طائرات لبنانية على الهبوط في "اسرائيل" في 18 و 27 ايار و19 تشرين الثاني 1959 , مقتل امرأة وتدمير منزلين وثلاثة جسور عندما اقتحمت قوات اسرائيلية الاراضي اللبنانية الجنوبية في 27 آب 1965 . وتلا ذلك هجمات "اسرائيلية" جوية وبحرية وبرية في الاعوام التالية:

ابرزها: في 26 كانون الاول 1968 , هاجمت قوة كوماندوس "اسرائيلية" مطار بيروت ودمرت ثلاث عشرة طائرة مدنية على ارضه وتذرعت "اسرائيل" بمقتل راكب اسرائيلي وجرح مضيف في طائرة "العال" الاسرائيلية خلال هجوم نفذه فدائيان فلسطينيان في اثينا.

وفي 2 كانون الاول 1975, قتل 75 شخصاً وجرح حوالى 150 آخرين في غارة "اسرائيلية" على مخيمي البداوي والبارد للاجئين الفلسطينيين في شمالي لبنان. (3)

إنشاء ميليشيا متعاملة.. ودويلة حدودية:
ابتداءاً من العام 1976, وجدت "اسرائيل" ذريعة اضافية للتدخل , غير مهاجمة الفلسطينيين الذين اعطوا حق حمل السلاح في لبنان وفق اتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة اللبنانية وقع في القاهرة عام 1968, فبحجة تقديم مساعدات تموينية الى سكان قرى لبنانية حدودية حوصروا في اشتباكات غذتها "اسرائيل", ومن ثم من خلال اعلان الحماية الامنية "الاسرائيلية" لهؤلاء السكان, فتحت اولى بوابات العبور بين لبنان و"اسرائيل" وسميت بـ"الجدار الطيب" وكانت بداية لاقامة معسكرات تدريب لاولئك اللبنانيين الذين مالوا للتعامل مع الجيش "الاسرائيلي" وعرفوا في ما بعد بـ"جيش لبنان الحر" بقيادة الرائد في الجيش اللبناني المنشق سعد حداد وبتسعير النفس الطائفي الذي كان يجري جنباً الى جنب مع الحرب الاهلية في بيروت ومناطق اخرى من لبنان, بلغ عديد هذه الميليشيات عدة مئات من لون طائفي محدد (4), ثم برعاية "اسرائيلية" كاملة اعلنت عام 1979 "دولة لبنان الحر" على حوالى ثمانمائة كيلومتر مربع من جنوب لبنان كانت في الحقيقة تحت الاحتلال الاسرائيلي. (5)

ولا بد من الاشارة الى ان بعض السلاح الفلسطيني "الضائع" (غير المنضبط) قد يكون لعب دوراً في توفير ذرائع كانت "اسرائيل" تحتاجها للتدخل في شؤون لبنان وبسط نفوذها وسيطرتها على جزء من اراضيه, ومع ذلك حين تم في شتورة (لبنان) في 21 تموز 1977 التوقيع على اتفق بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير نص على فك اشتباك في الجنوب وانسحاب القوات الفلسطينية وانتشار الجيش اللبناني محلها لنزع اي امكانية للتدخل الاسرائيلي رفض الرائد سعد حداد انتشار الجيش اللبناني وذلك في مؤتمر صحفي عقده في مستعمرة المطلة الاسرائيلية الحدودية في 2 آب من ذلك العام.

وبعد بضعة اشهر, في  9 تشرين الثاني 1977, دمر الطيران الاسرائيلي قرية العزية قرب مدينة صور حيث قتل 65 شخصاً وسقط 68 جريحاً. (6)

لغة القوة تجابه القرارات الدولية:
لكن العدوان الاكبر على لبنان على الاطلاق حدث في 14 آذار 1978 , حين هاجم نحو ثلاثون الفاً من الجنود الاسرائيليين مدعومين بالدبابات والطائرات والبوارج الحربية قطاعات واسعة من الجنوب, ووصلوا الى مشارف مدينتي صور والنبطية, برغم تأكيد وزير الحرب الاسرائيلي عازر وايزمن ان قواته لن تذهب ابعد من "الحزام الامني" بعمق عشرة كيلومترات. بلغت مساحة الاراضي المحتلة حوالى الف ومئة كلم, وقدرت الخسائر بألف ومئة وثمانية وتسين قتيلاً وجريحاً وتضرر 80 % من القرى والمدن الجنوبية (358 قرية ومدينة) بحسب اللجنة الدولية للصليب الاحمر, كان منها تدمير شبه تام لسبع قرى منها الخيام والعباسية والغندورية, ودمرت خمسون مدرسة وخربت عشر مراكز صحية وشبكات مياه وكهرباء وهاتف ومزروعات واماكن عبادة.

انعقد مجلس الامن الدولي, بناء على طلب لبنان, فأصدر القرار رقم 425 الذي تجنب ادانة "اسرائيل" وطلب ان تحترم الحدود اللبنانية بكاملها والسيادة والاستقلال السياسي لهذا البلد داخل الحدود المعترف بها دولياً, كما طلب من "اسرائيل" وقف اعمالها العسكرية وسحب قواتها كلها من الاراضي اللبنانية كافة, بيد ان "اسرائيل" اعتبرت القرار الدولي غير وافٍ لانه لا يدين ما اسمته "الارهاب" (7). وقد احتفظت بعد انسحاب قواتها من بعض الاراضي بحوالى ثمانمائة كيلومتر مربع اعلنت عليها عام 1979 - كما اسلفنا - "دولة لبنان الحر" بزعامة المنشق سعد حداد, وانتشرت وحدات دولية من جنسيات مختلفة في مناطق محررة ومحتلة على السواء بناء على القرار 426 للاشراف على انسحاب اسرائيلي كامل ومساعدة الجيش اللبناني على استلام الامن, لكن ذلك لم يحصل, فيما يجري التجديد لهذه الوحدات روتينياً كل ستة اشهر وبقي دورها ضعيفاً, ولم تسلم القوات الدولية في جميع الاحوال من اعتداءات القوات الاسرائيلية والمتعاملة فسقط منها قتلى وجرحى.

اشارة هنا الى قرارات عديدة صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي منذ العام 1953 الى العام 1982 تشجب اعتداءات "اسرائيل" على لبنان, ومن هذه القرارات:
رقم 270 (تاريخ 26/8/1969), رقم 280 (19/5/1970), 313 (28/2/1972), 316 (26/6/1972), 332 (21/4/1973), 337 (15/8/1983), 347 (24/4/1974), 3331 (17/12/1974), 425 (20/3/1978) , 426 (20/3/78), 508 (20/6/1982, 509 (20/6/1982), 524 (12/7/1982), 512 (9/6/1982) , 513 (4/7/1982), 516 (11/8/1982), 520 (17/9/1982), 521 (19/9/1982), 515 (29/9/1982), 517 (4/8/1982).

ونلاحظ انه خلال فترة قياسية العام 1982 صدرت عشرة قرارات متلاحقة عن مجلس الامن الدولي (8), وجميعها لم تردع "اسرائيل" عن القيام بأبشع غزو للبنان عام 1982 وصل فيه عسكرها الى بيروت وجبل لبنان بعد الجنوب واجزاء من البقاع وسقط خلاله 17825 قتيلاً, وثمة من قدر عدد المصابين الكلي بـ 73 الفاً واعتقل ستة آلاف غالبيتهم من المدنيين, كما هجر نصف مليون شخص من اماكن سكنهم تحت ضغط القصف الجوي والبري والبحري الذي الحق اضراراً هائلة بالبنى السكنية والتحتية (طال الدمار 2258 منزلاً بصورة كاملة و9168 بصورة جزئية, فضلاً عن عدد كبير من المدارس والمستشفيات وخسائر على المستوى الصناعي قدرت بنحو 700 مليون دولار, وقدرت الاضرار المادية بـ 1,9 مليار دولار وفق دراسة لمجلس الانماء والاعمار).

لقد حوصرت بيروت 83 يوماً دكت خلالها بعشرات الالاف من القذائف وتساقطت ابنية على رؤوس ساكنيها, وختم الاجتياح بمجزرة فظيعة ذهب ضحيتها في مخيمي صبرا وشاتيلا نحو الف وخمسمائة قتيل من الرجال والنساء والاطفال , وألقى المدعي العام العسكري اللبناني اسعد جرمانوس بالمسؤولية الكاملة على قوات "اسرائيل" لانها كانت تسيطر بشكل تام على المخيمات في داخلها وحدودها, على رغم إلقاء قوات الغزو المسؤولية على عاتق ميليشيا محلية متحالفة معها. (9)

ب - إخفاق وانكفاء نحو "الحزام الامني":
وظفت "اسرائيل" تقدم آلتها العسكرية الساحقة على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

فقد تضرر لبنان اقتصادياً من جراء الاجتياح الاسرائيلي الى درجة اثرت على انتاجه الزراعي والصناعي وحركة المبادلات التجارية الداخلية ومع الخارج. وبذريعة تفادي كمائن المقاومة التي نشأت على اثر الاجتياح, دمر المحتلون شبكات الري ومساحات من الاراضي المزروعة بالحمضيات والموز وسواها وحولوها الى طرقات عسكرية. وفي ظل هذا الوضع, ضخ الاسرائيليون كميات كبيرة من بضائعهم في السوق اللبنانية وقضوا على تسويق ما تبقى من الانتاج المحلي بفعل الاسعار الرخيصة نسبياً التي قدموها.

- اتفاق 17 أيار:
وبسبب من الوجود العسكري الاسرائيلي المباشر, أرغمت "اسرائيل" الحكومة اللبنانية في عهد الرئيس امين الجميل على توقيع اتفاقية شاملة في 17 أيار 1983, وهذه الاتفاقية حملت مزايا عدة للمحتل الاسرائيلي منها: ربط تنفيذ الاتفاقية (بما فيها الانسحاب من لبنان) بخروج القوات السورية وغيرها من لبنان, علماً ان سوريا دخلت لبنان عام 1976 بطلب لبناني رسمي لوقف الصدامات الداخلية, دمج العناصر المحلية المتعاملة مع الاحتلال بالجيش اللبناني, ومن ثم انشاء لواء مؤلف من عناصر جنوبية في الجيش مقربة من الاحتلال وعناصر متعاملة وتكليف هذا اللواء الامن في المنطقة الجنوبية, تخفيض عديد الجيش في الجنوب ومنعه من حيازة اسلحة ثقيلة وصواريخ بر-جو او سلاح جوي في المنطقة, تطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين بدون ملاحظة مقدرة لبنان على ايجاد شروط تكافؤ مع "اسرائيل" (10).

وطبيعي ان هذه المزايا كانت تعني عملياً إفقاد لبنان سيادته الفعلية على جزء واسع من اراضيه والحاقها امنياً "بإسرائيل" التي يمكنها, بموجب الاتفاق, القيام بدوريات مشتركة مع الجيش اللبناني في هذه المطقة لمتابعة تنفيذ بنوده. كما ان الاتفاق من شأنه سلخ لبنان عن محيطه العربي بحرمانه من التحالف او التكتل مع اي بلد عربي آخر لا يزال في حال حرب مع الدولة العبرية.

لكن الاتفاق لم يدخل الحيز العملي بفعل تصرف "اسرائيل" على هواها من جهة, وتنامي المقاومة اللبنانية من جهة اخرى. واعلن عن إلغاء الاتفاق من جانب لبنان عام 1984 في خطوه من الحكومة لإرضاء المعارضة وكذلك سوريا التي رفضت الاتفاق.

- المقاومة تفرض الانسحاب الجزئي:
ولم تتحمل "اسرائيل" الخسائر التي كانت تتكبدها يومياً في لبنان وكان اشدها على الاطلاق يوم 11 تشرين الاول 1982 حين فجر استشهادي لبنان يدعى احمد قصير (18 عاماً) مقر الحاكم العسكري الاسرائيلي في صور المكون من ثماني طبقات, فقتل بحسب البلاغ الرسمي الاسرائيلي 75 جندياً واعلن الحداد العام في الدولة العبرية لثلاثة ايام, وتكررت العملية في مقر الاستخبارات الاسرائيلية في صور بعد نحو عام فسقط 29 عسكرياً اسرائيلياً, بحسب البلاغ الرسمي, وهكذا تصيد المقاومون جنود ودوريات الاحتلال بالعبوات الناسفة والاسلحة الرشاشة والصاروخية والهاون, فقررت حكومة "اسرائيل" تقليص مساحة الاحتلال بحلول العام 1985 , لكنها احتفظت بـ 1250 كيلومتراً مربعاً من جنوب لبنان واقامت بوابات عبور محددة تربط المناطق المحررة والمحتلة, وتقيد حركة المرور من خلالها وهي: بيت ياحون (قضاء بنت جبيل), البياضة (قضاء صور), كفرتبنيت (قضائي النبطية ومرجعيون), زمريا (حاصبيا) وباتر (جزين - الشوف), وفي المقابل فتحت "اسرائيل" عدداً من البوابات الحدودية لتوسيع علاقات التطبيع مع اهالي المنطقة المحتلة, وفضلاً عن ذلك, انشأ الاحتلال سلسلة مواقع عسكرية على المرتفعات تتحكم بمساحات وطرقات مهمة في المناطق المحررة.

ودفعت "اسرائيل" في هذه الآونة اللواء المتقاعد انطوان لحد الى الواجهة بعد موت الرائد سعد حداد, وعززت تسليح وعديد الميليشيات التي صارت تدعى "جيش لبنان الجنوبي" بدل "جيش لبنان الحر" (11) . وفي هذه التسمية اشارة الى تراجع نفود الاحتلال في لبنان مكن جهة, واتجاهه من جانب واحد الى تبني شروطه الواردة في اتفاق 17 ايار 1983 ببسط سيطرته على جنوبه خاصة, من جهة اخرى.


- المراجع:
1 - لبنان المياه والحدود (1916 - 1975) د. عصام خليفة, مرجع سابق ص (69).
2 - م. س. ن ص (70)
3 - اعتمدنا في سرد هذه الوقائع على كتاب "الجنوبي اللبناني 1948 - 1968 حقائق وارقام", وزارة الاعلام اللبنانية, بيروت 1986.
4 - مجلة "بيروت المساء", مقالة خليل حسين, العدد (35) تاريخ 29/10/1983 .
ايضاً ملحق جريدة النهار 11 - كانون اول 1993 ص (4).
5 - "السفير" 6-1-1994 , ص (5).
6 - الجنوب اللبناني 1948 - 1968 حقائق وارقام.
7 - المرجع السابق نفسه.
8 - راجع "قرارات ومقررات مجلس الامن الدولي حول لبنان 1946 - 1990", دار الخلود بيروت, 1991 .
9 - راجع "الجنوب اللبناني 1948 - 1968, حقائق وارقام", م. س.
10 - راجع بنود الاتفاقية في : أ - الاتفاقية اللبنانية - الاسرائيلية وخطرها على الاقتصادي الوطني, محمد زكريا عيتاني, دار المسيرة - بيروت 1984 .
ب - الاتفاق المأزق, الياس سابا, 1983, بدون دار نشر.
ج - أبعاد الاتفاق اللبناني - الاسرائيلي, سليم حداد, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر, بيروت 1984 .
11 - ملحق جريدة "النهار" 11 كانون الاول 1993 ص 5 .


 رابعاً: واقع المنطقة المحتلة:

أ - اساليب الاخضاع والتطويع
تضم المنطقة المحتلة في جنوبي لبنان 19 قرية في قضاء صور, و23 قرية و7 مزارع في قضاء مرجعيون و18 قرية واربع مزارع في بنت جبيل و13 قرية وسبع مزارع في حاصبيا واكثر قرى ومزارع قضاء جزين (1). والمقصود بالمزرعة منطقة تضم بيوتاً عدة ولا يتجاوز عدد سكانها العشرات.

ويبلغ عدد سكان المنطقة المحتلة المسجلين حوالى مائتي الف نسمة اغلبهم من المسلمين الشيعة ويأتي المسيحيون في المرتبة الثانية, ثم الدروز ثم السنة, وفعلياً, هناك قرى شبه خالية بفعل ممارسات الارهاب التي تتبعها قوات الاحتلال وكذلك الظروف الاقتصادية الصعبة .

وقد لجأت قوات الاحتلال الاسرائيلي الى اساليب شتى لتطويع ابناء المنطقة الجنوبية المحتلة. وبعد الانسحاب الجزئي العام 1985, كتب مراسل وكالة رويتر ديفيد روجرز من مرجعيون المحتلة : "تشن "اسرائيل" حملة ترهيب وترغيب في قطاع حدودي في جنوب لبنان لكسب تعاون القرويين المحليين معها… , وقال ضابط اسرائيلي برتبة كولونيل: ان سياستنا هي اللجوء الى التهديد وعرض المساعدة , ويجب على السكان المحليين المساعدة في منع الارهاب والا فسنلجأ الى الانتقام. وصرح مسؤول كبير على علاقة وثيقة بالحملة الاسرائيلية لرويتر : ان هدفنا ترسيخ انطباع لدى السكان بان "اسرائيل" موجودة دائماً في الصورة, وعندما لا نكون في القطاع فعلياً بالجسد فسنكون هناك بالروح", وقال وزير الحرب الاسرائيلي آنئذٍ اسحاق رابين: "ان الجيش الاسرائيلي في المستقبل لن يدافع الا عن "اسرائيل" ولن يخاطر بحياة ولو جندي واحد لمساعدة حلفائه السابقين المسيحيين". (2)

تحت وطأة الشعور بفداحة كلفة احتلالها في لبنان, انسحبت "اسرائيل" اذن من مناطق واسعة وقررت نبذ علاقاتها المعقدة مع بعض الميليشيات المسيحية في شرقي بيروت, واقتطعت جزءاً من الارض اللبنانية وجعلت عليها حراساً محليين تنادي بالتحالف معهم وحفظ مصالحهم, لكنها في الحقيقة لا تبحث الا عن مصالحها خاصة مسخِّرة امكانيات الاخرين بالدرجة الاولى صيانة لعسكرها واستراتيجيتها.

اتبعت قوات الاحتلال الاسرائيلي الاساليب التالية لفرض شبكة علاقات مع الاهالي في المنطقة المحتلة او "الحزام الامني":

أ - الإرهاب والبطش:
تم ذلك بذريعة الحفاظ على "امن شمالي اسرائيل" وكذلك "الحزام الامني" من العمليات التي يقوم بها "المخربون", الوصف الذي تطلقه سلطات الاحتلال على رجال المقاومة ومن المعلوم ان المنطقة المحتلة تعتمد في اقتصادياتها في شكل كبير على القطاع الزراعي, لكن الاخير تضرر بفعل الاجراءات العسكرية التي يتخذها الجيش الاسرائيلي عقب كل عملية, اذ يعمد الى حرق المحاصيل الزراعية او اتلافها بواسطة رصاص التمشيط والقذائف المدفعية واثناء تسيير الدوريات العسكرية, وكذلك بداعي الحاجة الى اقامة المواقع وشق طرق اليها (عبر الاراضي الزراعية), ويمنع المزارعين من الاقتراب من حقولهم المحاذية لهذه المواقع, فضلاً عن عمليات الاقتطاع والضمّ لآلاف الدونمات.

ومن اشكال الارهاب, اعمال الاعتقال اليومية بحق الشباب والرجال والنساء وسوقهم الى معتقل "الخيام" وغيره من السجون التي تعجّ بحوالى 250 - 300 معتقل يخضعون للتعذيب الجسدي والنفسي لمجرد رفضهم للاحتلال او للإنخراط في صفوف الميليشيات الموالية له, ومنها ايضاً إبعاد عشرات المواطنين واحياناً عائلات بكاملها من المنطقة المحتلة الى المناطق المحررة, والعقاب الجماعي لاهالي القرى عبر فرض حصار محكم عليها ومنع الماء والكهرباء والمواد الغذائية عنها ومنع التجول ساعات طويلة خلال الليل بداخلها, الى قطع الطرقات واقامة الحواجز الطيارة للاستجواب. (3)

وقد اثبتت السلطات اللبنانية الرسمية بعض وقائع القمع في مذكرة بعثت بها وزارة الخارجية عام 1988 الى رئيس بعثة لبنان لدى منظمة الأونيسكو عادل اسماعيل ضمنتها شكوى من قيام "اسرائيل" بممارسات تتعارض مع الهوية الذاتية الثقافية للبنانية, اذ ابعدت بعض المعلمين لرفضهم إنشاء ادارات مدنية كما يندرج في اطار انتهاكها القيم الروحية إبعاد إمام بلدة شبعا وستة عشر آخرين من ابناء البلدة فضلاً عن ثلاثة مسؤولين في مجلسها البلدي ومدير المدرسة الرسمية ومدرس ومديري مدرستين خاصتين, وان "اسرائيل" أرغمت الاهالي على التعاطي معها بفرض مبادىء تتنافى مع مبادئهم الاصلية. وعلم - بحسب السلطات اللبنانية - ان "اسرائيل" تسعى الى تطبيع الاهالي بالاغراءات المادية او الارهاب المعنوي وهي خصصت للمتعاملين معها من المعلمين 25 دولاراً في الشهر و40 دولاراً للمتزوجين, كذلك وضعت لائحة اسمية لرافضي التعامل وراحت تستدعيهم وتحقق معهم. وهي ايضاً زودت المدارس المتعاونة معها بالمازوت وسائر المحروقات, اما المدارس غير المتعاونة فقد حرمتها من ذلك, وهذا ارهاب مرفوض (4), وفقاً للرسالة نفسها.

امام هذا الواقع, هاجر عدد كبير من الطلاب والاساتذة وتراجعت خدمات المؤسسات الوطنية (5). ولا بد من القول ان الاضرار الهائلة في البنية التحتية الناجمة عن الاعتداءات المتكررة وخاصة في عامي 1978 و 1982 , تركت فراغاً تنموياً كبيراً عملت سلطات الاحتلال لاحقاً على استغلاله بمشاريع لكسب تعاون الاهالي في اطار سياسة "العصا والجزرة".

- تقديم مساعدات!

ب - بعد فتح بوابات العبور الحدودية (الجدار الطيب) عام 1976 , شكلت "اسرائيل" لجاناص في جيشها تحت اسم "لجنة المساعدات الانسانية في الجيش الاسرائيلي", وظهرت بعيد الغزو الكبير عام 1982 "الإدارة المدنية" للعناية بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية, ترافقت مع تسهيلات عدة في مجالات التجارة والسياحة داخل "اسرائيل" ومع حملة تضييق على الادارات الرسمية اللبنانية على قلتها. (6)

وخصصت "اسرائيل" بعد آخر انسحاب عام 1985 ميزانية سنوية بملايين عدة من الدولارات لصرفها على مشاريع طرقات وكهرباء ومياه وهاتف وانارة وسواها, وجزء كبر من هذه الميزانية كان يجبى من عائدات الضرائب والرسوم التي تفرض على السيارات والشاحنات العابرة من والى المنطقة المحتلة وعلى الحركة السياحية والتجارية فيها وفي مرفأ الناقورة خاصة.

ج - منافسة البضائع الاسرائيلية للمنتوجات اللبنانية شكلت عاملاً آخر لضرب خصوصية الهوية اللبنانية للمنطقة المحتلة, معتمدة في ذلك على انخفاض اسعار البضائع الاسرائيلية نسبياً وعلى نفوذ الاحتلال في المنطقة. ومنذ منتصف حزيران 1982 , اي في الاسبوع الثاني من الغزو الكبير, بدأ تدفق البضائع الاسرائيلية عبر بوابات "الجدار الطيب", وساعد شلّ المرافىء اللبنانية بسبب العمليات العسكرية على تسويق هذه المنتوجات. (7)

واكدت الخارجية اللبنانية في برقية الى رئيس بعثتها لدى الأونيسكو ان "الاعمال الحرفية ذات الطابع الوطني تعاني, هي الاخرى المشاكل بسبب المنافسة الاسرائيلية لها, ما جعل الكثير من العمال المنخرطين في هذه الاعمال يبتعدون عنها ويضطرون الى العمل خارج الشريط الحدودي او في المعامل الاسرائيلية". (8)

د - تعطيل وامتصاص الايدي العاملة اللبنانية عبر:
1 - تفريغ المنطقة المحتلة من الشباب بشكل خاص من خلال تقديم تسهيلات اليه للهجرة الى امريكا وبعض الدول الافريقية والاوروبية, مع استغلال الضائقة الاقتصادية في لبنان عموماً. (9) يضاف الى ذلك الضغوط على رافضي الوجود الاسرائيلي في المنطقة والتي دفعتهم الى ترك ارضهم, طلباً للأمن الشخصي.

2 - تشغيل عدد كبير من أبناء المنطقة المحتلة في المصانع والمعامل الاسرائيلية, خاصة بعد حدوث نقص في الايدي العاملة الفلسطينية بسبب الانتفاضة. واستفادت "اسرائيل" من الاحوال المعيشية الصعبة لاستخدام حوالى 2500 لبناني في القطاعات الاسرائيلية, ولكنها ربطت ذلك بشرط انتساب احد افراد عائلة كل عامل الى ميليشيات "جيش لبنان الجنوبي" لدفعهم للإنتساب الى صفوفها (10). وفي وقت ما, قدرت مصادر مطلعة الدخل الاجمالي للعاملين اللبنانيين في "اسرائيل" بأكثر من مليون و150 الف دولار امريكي شهرياً, وهذا المبلغ يشكل دورة اقتصادية كاملة في البلدات المحتلة, الامر الذي يعني ارتباطاً كلياً "بإسرائيل" من خلال "الادارة المدنية" التي تظم ذلك بشكل منهجي خطير (11).

3 - تجنيد الشبان في صفوف المليشيات المتعاونة مع الاحتلال, اعتماداً على الضغوط المباشرة والظروف الاقتصادية السيئة, وبلغ عديد هذه الميليشيات في بعض الاوقات 3000 مسلح (12).

ب - أدوات التطويع ومجالاته:

 

- مفهوم الأمن الإسرائيلي:
يركز المسؤولون الاسرائيليون في تصريحاتهم على مفهومي "الأمن" و"السلام" في تشخيصهم لمستقبل العلاقات مع لبنان. وخلال زيارة له الى المنطقة المحتلة من جنوبي لبنان في التاسع من آذار 1984, دعا رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحاق رابين الى سلام يقوم على علاقات ديبلوماسية متبادلة وفتح الحدود المشتركة . (13)

وبينما يركز المتحدثون الاسرائيليون على وجوب توفير ضمانات أمنية قبل الانسحاب, اعطى القائد السابق للجبهة الشمالية في الجيش الاسرائيلي يوسي ساريد أبعاداً واسعة لمفهوم الأمن معتبراً انه يعني تأمين المقومات الحياتية "للحزام الامني" وليس الضمانات الامنية والعسكرية فقط" (14). ومن هنا ينشأ الإعتقاد بان مراد "اسرائيل" في النهاية هو إلحاق هذه المنطقة "بإسرائيل" أمنياً وعسكرياً واقتصادياً بحيث تشكل بوابة للعبور الى سائر انحاء لبنان ومدخلاً للتدخل في شؤون كلما دعت الحاجة, مع الافادة من خيرات هذه المنطقة على صعيدي المياه والارض .

- احتلال دور المؤسسات الرسمية اللبنانية:
وانطلاقاً  من ذلك, انشأت سلطات الاحتلال "الإدارة المدنية" لتكون الجهاز الذي يكلف تطبيع العلاقات بين أهالي المنطقة المحتلة والسلطات الاسرائيلية وبالتالي الإشراف على الشؤون التنموية والخدماتية في المنطقة, وانبثقت عن "الإدارة" لجان محلية في القرى بديلاً عن المجالس البلدية القائمة, واولتها مسؤولية متابعة الشؤون الاقتصادية والحياتية والاجتماعية, مع تخصيص ميزانيات لها من قبل الاحتلال (15).

تتألف "الإدارة المدنية" من عدد من الضباط الاسرائيليين والمتعاملين معهم, يرأسها ضابط ويساعده ضابطان "اسرائيليان" يتوليان الإشراف الإنمائي المباشر على القطاعين الشرقي والغربي.

وتتوزع مراكز الادارة الرئيسية في مراكز الأقضية المحتلة: مرجعيون, بنت جبيل وحاصبيا (المركز الرئيسي يقع في ثكنة مرجعيون التي كانت للجيش اللبناني قبل ان تصبح مقراً للجيش الاسرائيلي والميليشيات الموالية). ويشرف ضباطها على أعمال "اللجان المحلية" التي تتمتع بصلاحيات التصرف كما تشاء لمعالجة شؤون المواطنين والاضطاع بمهام تسهيل امورهم وتوفير احتياجاتهم المعيشية بشرط التنسيق المطلق مع "الادارة المدنية" في كل قضاء.

وتختار "الإدارة" أعضاء اللجان من المتعاملين المشهود لهم بالعمل الاجتماعي, وعادة ما تعمد الى توريط وجهاء القرى في أعمالها من خلال التهديد والإبتزاز, وتركزت جهود "الإدارة" على سلخ القرى الحدودية عن دوائر الدولة المركزية ودمجها بالتركيبة الإقتصادية والإنمائية الإسرائيلية.

وتروج "الإدارة المدنية" السلع الاسرائيلية من خلال فرض ضرائب مرتفعة على السلع والمنتوجات الواردة من المناطق اللبنانية المحررة بينما تخضع السلع الاسرائيلية لضرائب منخفضة نسبياً, ومن مهمات "الادارة" الاساسية جباية الرسوم المفروضة على السلع والمنتوجات الواردة من المناطق المحررة عبر غرف خاصة مقامة على المعابر الفاصلة (وهي بمثابة نقاط جمركية), تحصيل ضريبة شهرية على المنازل والمحلات التجارية والمؤسسة الانتاجية, ضريبة على تسجيل السيارات والشاحنات والآليات (وبالمناسبة على كل سيارة او شاحنة ان تحمل لوحتين (!) في المنطقة المحتلة: واحدة مصدقة من "الادارة المدنية" والثانية من الادارة اللبنانية الرسمية), رسوم على طلبات تصريح انتقال من المناطق المحتلة واليها, عائدات مرفأ الناقورة, عائدات المستشفيات الحكومية في بنت جبيل ومرجعيون وجزين التي تشرف عليها "الادارة" حالياً , وبدل تجنيد إجباري من الاهالي الذين يفضلون دفع المبالغ الطائلة مقابل إعفاء أبنائهم من التجنيد في صفوف الميليشيات. ويتم انفاق جزء من هذه الموارد في بعض المشاريع الانمائية وجزء آخر في دفع رواتب الميليشيات . (16)

وهناك عدة اشكال من هذه المشاريع:
1 - تطبيع خدماتي: يتعلق بشؤون المياه والكهرباء والطرقات. وفي هذا المجال ذكر ان "الادارة المدنية" نصبت اجهزة لتوليد الكهرباء في 22 قرية في المنطقة المحتلة موصولة بشبكة الكهرباء في الاراضي الفلسطينية. وبررت الاذاعة الاسرائيلية ذات مرة هذا الإجراء بانه ناجم عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بشبكات الكهرباء اللبنانية . (17)

وعندما حذر المسؤولون اللبنانيون من إقدام سلطات الاحتلال على تركيب عدادات كهربائية في بلدات قضاء مرجعيون والقيام بجباية الإشتراكات (18), اكد قائد الميليشيا الموالية للإحتلال انطوان لحد الخبر ضمناً, وقال ان استيفاء رسوم الكهرباء يتولاه أعضاء اللجان (المحلية) في كل من بلدات مرجعيون. (19)

في ما خص المياه, وضعت "اسرائيل" يدها على شبكة مصلحة مياه جبل عامل (خط الطيبة - برعشيت - بنت جبيل) وحولتها الى محطة ضخ قرب كازينو بلدة عين ابل ومن هناك اوصلتها الى خزانات مستوطنة شتولا الاسرائيلية قرب عيتا الشعب, حيث مدت شركة المياه الاسرائيلية (ميكوروت) شبكة انابيب اوصلتها بشبكات مياه 24 قرية وبلدة في قضائي صور وبنت جبيل.

اما عن الاتصالات الهاتفية الخارجية فهي تتم عبر سنترالات اسرائيلية . (20)

وشقت قوات الاحتلال شبكة طرقات واسعة في المنطقة المحتلة لأغراض عسكرية ومدنية, وقدرت بأكثر من 320 كيلومتراً. (21)

2 - تطبيع صحي: توجد في المنطقة المحتلة ثلاث مستشفيات حكومية : في بينت جبيل ومرجعيون وجزين, ومع ذلك تشرف عليها "الادارة المدنية" التابعة للإحتلال الاسرائيلي التي تقدم للأطباء العاملين رواتب بمئات الدولارات للطبيب الواحد بحسب طبيعة الإختصاص, هذا غير الرواتب التي يتقاضونها من وزارة الصحة اللبنانية, علماً ان المدراء اللبنانيين في هذه المستشفيات هم على اتصال بالوزارة. (22)

وهناك مستوصفات ومراكز صحية تابعة للقوات الدولية العاملة في الجنوب واخرى للصليب الأحمر وجمعيات محلية عديدة والحقت المراكز الصحية المحلية باللجان التي شكلها الاحتلال لتعزيز دور المتعاملين معه , واضافة الى ذلك, ابتكرت "الادارة المدنية" نظام التأمين الصحي في المنطقة المحتلة مقابل اشتراك شهري قيمته 4 دولارات عن الفرد الواحد.(24)

3 - تطبيع تعليمي: في هذا الجانب نلمس وقائع خطيرة لان السيطرة على القطاع التعليمي والتربوي مقدمة اساسية لإحكام عملية التطبيع وذكر في هذا المجال ان "المجلس الاعلى للجليل" (وهو مؤسسة اسرائيلية تربوية) قام بالإشراف على احداث تعديلات في المناهج التربوية في المنطقة المحلية وحذف كل ما يمت بصلة الى القضية الفلسطينية واستبدال فلسطين "بإسرائيل" في التعابير والخرائط المتداولة (25), مع الاشارة الى ان لبنان لم يعترف رسمياً "بإسرائيل" بعد.

ولم تكتفِ سلطات الاحتلال بهذا المقدار بل فتحت الحدود ورتبت لقاءات بين التلامذة اللبنانيين والتلامذة الاسرائيليين في مناطق عدة من فلسطين في اجواء من إضعاف الهوية الوطنية للبنانيين, واخضعت عدداً من المعلمين اللبنانيين لدورات تعلم للغة العبرية (26).

وطلبت وزارة الدفاع اللبنانية من النيابة العامة التمييزية عام 1993 فتح تحقيق في هكذا حالات حصلت - كما قيل - في مستعمرة نهاريا وفي تل ابيب (27).

وفي العام 1985, أنبأت "وحدة الارتباط الاسرائيلية" (المسؤولة عن تنظيم العلاقة بين الجيش الاسرائيلي والجهات المحلية) طلاب المرحلة الثانوية الاخيرة ان في إمكانهم الانتساب الى الجامعات العبرية في حيفا وتل أبيب والقدس وبئر السبع بالشروط نفسها المتوافرة للطلاب الاسرائيليين (28).

والى جانب ذلك, أنشأ الاحتلال اندية ثقافية ومشاريع مدارس جاهزة في المنطقة الحدودية المحتلة تكفل تطوير مناخ التطبيع (29).

4 - تطبيع اجتماعي: يشمل جميع فئات المجتمع وخاصة الاطفال , فركزت سلطات الاحتلال على تنظيم رحلات سياحية ومدرسية بين الجانبين من الحدود, وبالخصوص من الجنوب الى فلسطين.

وابتدأت هذه الرحلات من العام 1984 وشملت آلاف الاطفال والفتيان اللبنانيين الذين خضعوا لعملية قولبة وتأطير ضمن شروط غير متكافئة من النواحي كافة (30), وسبق ان اعلن عام 1982 عن تشكيل جمعية "شعب لشعب, إسرائيل - لبنان" واحدى مهماتها توطيد العلاقات السياحية بين جانبي الحدود وقدمت تسهيلات مختلفة في التصاريح (الاذونات) والاقامة واستخدمت المغريات والبواعث الدينية والسياحية والتجارية (31).

ويحرص القادة "الاسرائيليون) على ان يفوتوا اي مناسبة محلية للقيام بزيارات "تهنئة" الى بعض الوجهاء المتنفذين في المنطقة.

5 - تطبيع اعلامي: يقوم التطبيع في هذا الجانب على ما تبثه الاذاعة الاسرائيلية الناطقة بالعربية ومحطتا اذاعة وتلفزيون تابعتان لميليشيا لحد وهما "صوت الامل" (صارت صوت الجنوب لاحقا) "وتلفزيون الشرق الاوسط" وتبثان من المنطقة المحتلة. وكان الفضل في تأسيسهما لاعضاء في الكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة الامريكية مثل القس جورج اوتيس الذي تؤمن مجموعته "رعوية المغامرة الكبرى" بمبدأ عصمة التوراة وبدور "اسرائيل" في تقريب موعد "العودة الثانية للمسيح" ويلتزم الدفاع عن سياساتها في شكل اعمى, وقال اوتيس بعد انشاء اذاعة "صوت الامل": " ان مساندة "اسرائيل" لنا كانت معجزة فهل تصورتهم انه سيأتي يوم يدفعنا فيه اليهود لاقامة محطة مسيحية" (32).

6 - تطبيع اقتصادي: يرتكز على اغراق السوق اللبنانية بالمنتجات الاسرائيلية المخفضة الاسعار واستخدام لبنان نقطة عبور للبضائع الاسرائيلية الى الدول العربية بعد تزوير اوراق المنشأ في مرفأ الناقورة الحدودي (33).

وكلا الامرين سببا مشكلة للاقتصاد اللبناني, فالاول نجم عنه مزاحمة غير مشروعة للانتاج المحلي, والثاني استدعى حظراً عربياً في بعض الاوقات على استيراد البضائع اللبنانية اعتقاداً بانها اسرائيلية المنشأ, علماً ان الاسواق العربية تستقطب 90 % من صادرات لبنان الزراعية والصناعية (34).

وقد ابتدأ التطبيع الاقتصادي عام 1982 حين عين وزير الاقتصاد الاسرائيلي يعقوب مريدور مسؤولا عن "التنسيق الاقتصادي" مع لبنان (35).

ج - مصادر الاراضي والمياه:
"لإسرائيل" سجل حافل في مجال مصادرة الاراضي والمياه اللبنانية على السواء, وقد قال وزير حربها الاسبق موشي دايان بعد حرب عام 1967 التي استولت فيها قواته على الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان سيناء ان "اسرائيل" قد عدلت حدودها مع الجوار باستثناء ما اسماه "ضرورة تعديل حدودنا الشمالية مع لبنان". (36)

- مصادرة الاراضي:
وهكذا تحت لافتة "تعديل الحدود", جرى اقتطاع مئات الدونمات الزراعية المتاخمة لخط الهدنة بين عامي 1948 و 1967 (37). علماً انه في العام 1923 اقتطع الانتداب البريطاني 17 قرية ونزع ملكية اللبنانيين في سهل الحولة وحولها - بالتوافق مع الانتداب الفرنسي - للحركة الصهيونية, ففقد لبنان 23 الف دونم (38).

وبالرغم من عدم اشتراك لبنان في حرب 1967 بين العرب و"اسرائل", اقدمت الاخيرة اثناءها على مصادرة مساحات شاسعة من هضاب جبل الشيخ الغربية واستولت على اثنتي عشرة مزرعة في مزرعة في منطقة شبعا تبلغ مساحتها الاجمالية 25 كلم2 بعدما طردت اهلها وفجرت منازلهم وزرائب مواشيهم (39).

وابلغت وزارة الخارجية اللبنانية مندوبها لدى الأمم المتحدة في 20/4/1989 ان "اسرائيل" تمارس ضغوطاً على ملاكي اراضي مزارع شبعا الممتدة على مساحة 15 الف دونم لبيع اراضيهم لها, طالبة رفع شكوى شديدة اللهجة الى المنظمة الدولية في هذا الصدد (40).

وفي العام 1973 , ضمت "اسرائيل" اليها اكثر من ثلاثمائة دونم من اراضي بلدات عيترون وبليدا وعيتا الشعب وعلما الشعب وبعض الاراضي المحيطة بنبع الوزاني وسهل الخيام, وثمة من قدر الاراضي المقتطعة في المنطقة اللبنانية المحتلة بحوالى 64 مزرعة وقرية و130 كيلومتراً مربعاً.

واكد المتحدث باسم القوات الدولية في الجنوب اللبناني تيمور غوكسيل ان  الاسرائيليين يعمدون منذ فترة طويلة الى اقتطاع مساحات من الاراضي المتاخمة لحدودهم الشمالية ويسيجونها بالاسلاك الشائكة ويمدونها بشبكات الطرق والماء والكهرباء ويمنعون اياً كان من الاقتراب منها, وحجتهم في ذلك باستمرار حماية امن حدودهم ومستعمراتهم الشمالية" (42).

.. ومصادرة المياه:
على صعيد المياه, اكد تقرير عرض في الاجتماع الوزاري السنوي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا) التابعة للأمم المتحدي في عمان اواخر ايار 1994 ان "اسرائيل" استخدمت 2150 مليون متر مكعب من المياه عام 1991 من انهار الاردن واليرموك والليطاني والوزاني, واشار التقرير الى نفق بطول 18 كلم شقته "اسرائيل" لربط الليطاني بأراضيها (43).

واكد الخبير "ستورك" في مقال كتبه في نشرة "ميريب ريبورت" صيف 1983 ان "اسرائيل" بدأت الضخ من مياه الليطاني نحو مشاريعها ابتداءاً من العام 1978 .

ويعلل بعض المحللين هذه السرقة المنظمة للمياه اللبنانية بحاجات "اسرائيل" المائية المتزايدة والتي قد يصل النقص فيها الى 950 مليون م3 في العام الفين (44), مع العلم ان الطاقة الاستيعابية لنهري الليطاني والوزاني تقدر بنحو 6 - 7 مليارات قدم كعب سنوياً.

ويعتقد على نطاق واسع ان عمليات جر المياه عبر انشاءات تحت الارض تجنباً للفت الانظار. في 10 حزيران 1983 , سربت المخابرات الامريكية معلومات لصحيفة "هيرالد تريبيون" حول "مشروع نفق تنفذه القوات الاسرائيلية قرب جسر الخردلي في منطقة تعلو عن سطح البحر 240 متراً, ويبلغ طول النفق حوالى عشرة كيلومترات, وفي حال تم استعمال هذا النفق فان المنطقة التي تستفيد من مياه الليطاني سوف تصاب بكارثة, حيث انه سوف يتم تحويل نهائي لجرعة النهر". (45)

تأكيدات رسمية:
وقد نقل رئيس المجلس النيابي نبيه بري في 15/12/1993 معلومات تؤكد انه "تحت جسر الخردلي حصل مدّ قساطل تحت الارض من قبل سلطات الاحتلال". (46)

واعلن المتحدث باسم القوات الدولية في الجنوب تيمور غوكسيل من جهته, ان هذه القوات لم تلاحظ اي انشاءات على نهري الليطاني والحاصباني, ولكنه قال : "قد تكون هناك عمليات جر وسرقة للمياه تحت الارض لكننا لا نستطيع ان نؤكد ونجزم في ذلك" (47).

والجدير بالذكر, ان الحكومة اللبنانية طلبت عام 1990 من فريق مراقبي الهدنة التابع للأمم المتحدة التحقق من إقدام الاحتلال الاسرائيلي على سرقة مياه نبع الوزاني الا ان قوات الاحتلال اطلقت النار على الفريق من موقع قريب من الوزاني ومنعته من اجراء التحقيق. (48)

ويبدو موضوع المياه اساسياً في الاستراتيجية الاسرائيلية في المستقبل, فشيمون بيريز رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق قال بعد اجتماعه مع ولي عهد الاردن الامير حسن والمستشار الالماني هيلموت كول في بون ي 15/3/1995 : "لقد احتجنا الى اسلحة للحرب, ونحن للسلم بحاجة الى مياه". (49)

ويذكر ان رئيس حكومة اسرائيل اسحاق شامير اطلق في 8/2/1991 ومن على صفحات جريدة "وول ستريت جورنال" الامريكية دعوة الى العرب للتفاوض من اجل "ابرام اتفاقات محدودة" واعتبر ان مثل هذه الاتفاقات التي تتعلق مثلاً بتوزيع المياه في الشرق الاوسط قد تساعد على ايجاد الثقة تدريجياً بين دول المنطقة (50) , واعلنت "اسرائيل" في 11 ايار 1991 انها لن تنسحب من لبنان من دون تعهدات بالحصول على حصتها من مياه نهر الليطاني. (51)

وفي 25/3/1991 اوردت جريدة الحياة الصادرة في لندن تصريحاً لمسؤول اردني قال فيه ان واشنطن تحاول اقناع عمان بانه في الوقت الذي يمكن فيه الغاء الاعذار الامنية لعدم انسحاب اسرائيلي من الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان, فان تذرع اسرائيل بحاجتها الى المياه لا يمكن تجاهله… وعلى هذا الاساس فان علينا حل مشكلة المياه اولاً مما يعزز الثقة بإمكان انسحاب "اسرائيل" وحل القضية الفلسطينية. (52)

ويرى الباحث الامريكي توماس ناف انه من غير المتوقع ان تتخلى "اسرائيل" عن الحزام الامني في جنوب لبنان من دون الحصول على حصة كبيرة من مياهه .

في المقابل, اكد ناف امام لجنة في الكونغرس الامريكي ان "اسرائيل" تسرق مياهاً من الليطاني. (53)


المراجع:
1 - ملحق النهار 11/12/1993 ص 6 .
2 - جريدة اللواء البيروتية 13 ايار 1985 .
3 - ملحق النهار 11/12/1993 ص 6 .
4 - النهار 30/5/1988 ص 2 .
5 - مجلة البناء البيروتية العدد 597 تاريخ 12/9/1987 .
6 - مجلة بيروت المساء العدد 35 تاريخ 29/1/1983 , مقالة خليل حسين.
7 - بيروت المساء , العدد 35 .
8 - النهار 30/5/1988 .
9 - مجلة الاسبوع العربي الباريسية العدد 1602 تاريخ 25/6/1990 ص 2 .
10 - النهار 23/1/1992, والعهد البيروتية العدد 175 تاريخ 30/10/1987 .
11 - العهد (408) تاريخ 17/4/1992 .
12 - را. حرب الايام السبعة على لبنان, محمود سويد, مركز الدراسات الفلسطينية - بيروت 1993 .
13 - النهار 10/3/1994 .
14 - العهد (408) 17/4/1992 .
15 - الحياة 18/12/1991 .
16 - العهد (408) 17/4/1992 , والسفير 15/12/1993 ص 9 .
17 - الحياة 18/8/1991 ص 2 .
18 - د. حسن يوسف رئيس مجلس الجنوب (السفير 16/1/1993).
19 - النهار 19/1/1993 .
20 - الحياة 18/12/1991 .
21 - الاتحاد الاسبوعي الظبيانية تاريخ 3/1/1992 .
22 - العهد (408) 17/4/1992 , والبناء (597) 12/9/1987 .
23 - الحياة 21/10/1990 ص 5 .
24 - العهد (408) 17/4/1992 .
25 - الحياة 31/12/1990 ص 5 .
26 - السفير 4/10/1984 .
27 - النهار 22/4/1993 .
28 - النهار 11/9/1985 .
29 - ملحق النهار 11/12/1993 ص 6 .
30 - راجع على سبيل المثال: النهار 20/8/1984 و 30/12/1984 و 8/12/1993 .
31 - بيروت المساء (35) 19/1/1983, خليل حسين.
32 - را. "البعد الديني في السياسة الامريكية تجاه الصراع العربي-الصهيوني", د. يوسف الحسن, ص 119 - 120 - 121 .
33 - الحياة 9/8/1991 ص 11 .
34 - النداء البيروتية, عدد خاص, 22/9/1985 .
35 - النداء 9/6/1985 .
36 - السفير 7/7/1989 , مقالة عمر زين امين سر نقابة المحامين في بيروت.
37 - ملحق النهار 11/12/1993 ص 5 .
38 - را. "الجنوب اللبناني 1948 - 1968 حقائق وارقام", م. س. و"لبنان المياه والحدود (1916 - 1975) ص 60..
40 - را. صباح الخير البيروتية تاريخ 29/4/1989 .
41 - را. السفير 10/12/1993 ص 9 , وملحق النهار 11/12/1993 ص 5 و 6 .
42 - الاسبوع العربي (1607) 30/7/1990 ص 16 , مقابلة.
43 - را. كذلك "لبنان المياه والحدود (1916 - 1975)" م.س . ص 152 .
44 - "لبنان المياه والحدود", م. س. ن, ص 49 .
45 - صباح الخير (573) 4/4/1987 .
46 - السفير 16/12/1993 .
47 - الاسبوع العربي (1607), ص 16, مقابلة.
48 - السفير 13/5/1992 .
49 - "لبنان المياه والحدود", م. س. , ص 191 .
50 - م. س. ن. ص 155 .
51 - م. س. ن. ص 152 .
52 - م. س. ن. ص 157 .
53 - م. س. ن. ص 150 - 151 و 153 .


 

خلاصة:

مما سبق يتضح الآتي:
- ان "لاسرائيل" ومن قبلها الحركة الصهيونية اطاماعاً في جنوب لبنان ارضاً ومياهاً, مرة بداعي وجود نصوص توراتية تتحدث عن وعد الهي بمنح الاسرائيليين هذه الارض (برغم ان هذه النصوص المتداولة تشير الى الارض (بين دان وبئر السبع) وبالتالي يخرج منها جنوب لبنان), ومرة اخرى بداعي وجود حاجة اقتصادية للارض الخصبة والمياه الغزيرة ومرة ثالثة بداعي الضرورات الامنية..

- تعاطفت بريطانيا في العشرينات مع مطالب الحركة الصهيونية في لبنان بصورة شبه مطلقة, غير ان الانتداب الفرنسي لم يتح تحقيقها آنئذٍ لاهتمامه بالحفاظ على لبنان في شكله الحالي كمرتكز لسياسة فرنسا في الشرق الاوسط.

- عانى لبنان الأمرين من الاعتداءات الاسرائيلية منذ قيام "اسرائيل" عام 1948 , ولم تنفع الهدنة ولا القرارات الدولية المتتالية في وقف تجاوزاتها, واذا كان لبنان قد سمح بدءاً من العام 1968 بالكفاح المسلح الفلسطيني المشروعة, فان "اسرائيل" لم تراعِ حرمه للاهداف المدنية اللبنانية ومارست عمليات تدمير وحشية بداعي الانتقام من عمليات صغيرة ضدها قد لا يكون لبنان بالضرورة منطلقها. فضلاً عن ان لبنان بادر في العام 1977 وما بعده الى اتخاذ خطوات في اتجاه وقف الاشتباكات في المنطقة الحدودية الجنوبية, لنزع ذرائع "اسرائيل" في التدخل وعلى اساس سحب قواتها من الاراضي اللبنانية, غير ان الاخيرة رفضت مستخدمة الميليشيات الموالية لها كعقبة امام انتشار الجيش اللبناني, في انتظار تحقيق مكاسب خاصة.

- انشأت "اسرائيل" ما أسمته "الحزام الامني" العام 1985 بعد ثلاثة اعوام من اجتياحها الكبير للبنان, وقد اضطرت لإخلاء قسم واسع من الاراضي المحتلة بضغط من المقاومة اللبنانية التي لا تزال مستمرة.

- في "الحزام الامني" تقوم "اسرائيل" بعملية مسخ لهوية هذه المنطقة على الصعد كافة, وعبر الامين العام السابق للأمم المتحدة خافييه بيريز ديكويلار عن هذا الواقع في تقرير قدمه الى مجلس الامن الدولي العام 1991 وجاء فيه: "ان اسرائيل" تكثف برامج شق الطرق في الاراضي الواقعة تحت سيطرتها في الفترة الاخيرة, وتقوم بربط شبكات المياه والهاتف لبعض القرى اللبنانية بإسرائيل نفسها, وزيادة المكاتب الادارية داخل منطقة الحزام الامني, كما انها تفرض العبارات العبرية على ارقام السيارات وتعطي الاهالي جوازات مرور داخلية للتجول داخل المنطقة, كذلك هي تربط منطقة الحزام اقتصادياً وادارياً بـ"إسرائيل" مباشرة او من خلال قوات لحد".

- تطالب الحكومة اللبنانية بانسحاب كل القوات الاسرائيلية من لبنان من دون قيد او شرط وفق قرار مجلس الامن 425, على ان ينتشر الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية ويترك مصير المتعاونين مع "اسرائيل" للقضاء اللبناني, لكن "اسرائل" تريد دمج هؤلاء في الجيش اللبناني, وبالاساس الإبقاء على هيمنتها الامنية والمعنوية على المنطقة المحتلة الآن, وفتح اوسع العلاقات (غير المتكافئة) مع لبنان, وانهاء اي معارضة لها فيه ولو اعلاميا, واخيراً تقاسم مياهه معها.

ويؤكد لبنان من جهته ان مياهه ليست محلاً للتقاسم, وهي بالكاد تكفي حاجاته المستقبلية.

علي عبادي