الانسحاب من حاصبيا - الريحان : سقوط اهداف الاحتلال واقرار بالهزيمة الكاملة

امير قانصوه

العهد 22/10/1999


قبل عام تماما (تشرين الاول 1998) كانت قافلة صهيونية كبيرة تعبر وسط طرقات حاصبيا المحتلة حين انفجرت بها عبوات ناسفة متتالية احرقت الآليات وقتلت وجرحت تسعة جنود بداخلها.

وبعد اشهر قليلة من تلك العملية كانت قافلة تضم قائد قوات الاحتلال في جنوب لبنان ايرز غيرشتاين خارجة من حاصبيا باتجاه مرجعيون حين انفجرت بها عبوة ناسفة كبيرة، فقتل غيرشتاين وعدد من مرافقيه.

لم تكن هاتان العمليتان الوحيدتين في المنطقة، الا ان ظروفهما والنتائج التي تحققت بفعلهما، جعلت الاحتلال امام مفترق كبير في منطقة ظن انه آمن فيها..

وقد ترافق ذلك مع حملة فرار واسعة شهدها الفوج الثلاثون التابع للميليشيا اللحدية والذي يتولى المسؤولية الامنية، وعزز ذلك تجديد مشايخ البياضة لحرم التعامل مع الاحتلال..

كل ذلك جعل هذه المنطقة هشة ولا يقوى الاحتلال على حماية مواقعه فيها.. فكان خياره الانسحاب منها.

على تماس من ذلك كانت منطقة جزين تشهد الهزيمة الكبرى للاحتلال والميليشيا اللحدية التي اخلتها الى حدود كفرحونة جبل الريحان.. وهناك توالت الهزائم للاحتلال واحدة تلو الاخرى، حتى بدا ان الانسحاب منها سيكون موازيا لما سيجري في حاصبيا.

وعلى الرغم من نفي قيادة الاحتلال أي اتجاه لتنفيذ انسحابات جزئية في المرحلة الراهنة..فان الواقع يبدو مغايرا كما تؤكد معلومات واردة من المنطقة المحتلة، حيث ان الاحتلال يستعد لذلك، وهو ما اشارت اليه مصادر ديبلوماسية في بيروت.

"العهد" قرأت خيارات الاحتلال تنفيذ انسحابات من حاصبيا من زاوية استراتيجية، وذلك في رؤيتين استراتيجيتين للواء المتقاعد ياسين سويد، والباحث الاستاذ محمد عطوي.

 

كتب الصحافي الصهيوني ناحوم بارنيع في "يديعوت احرونوت" (10/9/1999) "ان سنة طيبة لم تأت على لبنان، او على لبنان الموجود تحت ايدينا، ولكن سنة اخيرة آتية عليه (…)، افراد الجنوبي الجالسون في موقع الدمشقية على مفترق طرق العيشية- جزين يتحدثون كثيرا عن باراك … بانه سيخرج الجيش من لبنان خلال سنة".

يبدو ان هذا هو الهم الذي يشغل عناصر الميليشيا اللحدية الذين يبحثون عن مصيرهم بعد الهزيمة الكبرى.. وايضا جنود الاحتلال الذين ينتظرون بفارغ الصبر لحظة بدء الانسحاب حتى يستطيعوا القول اننا نجونا.

يعتبر اللواء ياسين سويد "ان مثل هذا الانسحاب ربما تفرضه حالتان:

الاولى: ضغط المقاومة التي تكره العدو الصهيوني على التراجع.

والثانية: خلخلة النظام الميليشياوي الذي يقوده العميل انطوان لحد، خصوصا ان تصريح باراك بانه سوف ينسحب قبل تموز العام 2000 جعل عناصر هذه الميليشيا في وضع غير مستقر بالاضافة الى ما تتعرض له من ضربات المقاومة.

ويرى سويد ان انسحاب العدو الى الداخل، هو لتقليص الجبهة التي يتوقف عندها "لان عديد ميليشيا لحد اخذ في التناقص ولم يعد لديها المعنويات الكافية للدفاع. بالاضافة الى ذلك تحتل القوات "الاسرائيلية"، اذا ما تم الانسحاب، مواقع تستطيع من خلالها السيطرة على الارض الممتدة شمال تلك المواقع.

يعني اذا انسحبت من شبعا وحاصبيا والهبارية وكفرحمام، تبقى في جبل الشيخ وابل السقي ومرجعيون، فتستطيع بذلك ان تراقب كل الارض الممتدة في تلك المنطقة".

يضيف سويد: "الانسحاب من منطقة الى منطقة اخرى داخل المنطقة المحتلة، لا يعتبر بنظري عملا مهما، المهم بنظري هو الانسحاب الكامل".

ويسأل سويد "هل ينسحب العدو من لبنان انسحابا كاملا دون قيد ولا شرط كما وعد باراك؟ ويجيب: في نظري هذا امر صعب المنال، وعد باراك غامض، باراك يقول سوف ننسحب اذا ما ضمنت سوريا هذا الانسحاب، وسوريا لن تضمن هذا الانسحاب الا اذا ضمنت ان العدو الصهيوني سينسحب حتى حدود الرابع من حزيران.

 بالاضافة الى ذلك، ظهرت حديثا نغمة جديدة وهي ان الكيان الصهيوني يريد ان يحتفظ ببعض الاراضي من لبنان، هذه قضية اعتقد ان من المهم جدا التوقف عندها، فاذا انسحبت "اسرائيل" من المنطقة المحتلة وظلت محتفظة باراض لبنانية فكأنها لم تنسحب".

وينطلق سويد من ذلك ليؤكد ان امام الانسحاب "الاسرائيلي" عقبات وعقبات، ولذلك علينا ان لا نتفاءل بان العدو الصهيوني سوف ينسحب بكل بساطة.

انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من حاصبيا، الريحان، حتى شبعا، يعني العودة الى حدود اجتياح العام 1978، فهل يعني هذا سقوط مفاعيل اجتياح 1982 بكاملها.

يقول سويد ان نظرية اجتياح 82 سقطت عندما انسحب العدو من بيروت، فلاجتياح 82 هدفان، الاول: اخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان وقد تحقق هذا الهدف.

الثاني: اقامة حكم موال "لاسرائيل" في لبنان، وقد سقط هذا الهدف.

ويؤكد ايضا ان نظرية الحزام الامني التي اراد منها الاحتلال حماية مستوطناته منذ زمن، قبل 78، قد سقطت ايضا.

يضيف: اذكر اني كنت قبل الاجتياح في لجنة الهدنة لمرتين وعرض ضابط صهيوني هذه النظرية، ولكنه كان يطمح اكثر من ذلك، كان يطمح بان تكون هذه المنطقة، حتى حدود الليطاني، منطقة خالية من المقاومة ويحتلها الجيش اللبناني في مواقع محددة دون الدخول الى القرى المسيحية، وعندها اصطدمت معه وقلت له: انتم لا دخل لكم بالقرى المسيحية التي هي قرى لبنانية ونحن اولى بحمايتها.

وكانوا يطرحون تصورا مفاده ان تقوم دوريات لبنانية-"اسرائيلية" بمراقبة هذه المنطقة والتفتيش عن عناصر المقاومة، وسقطت هذه النظرية كذلك. وقامت "اسرائيل" باحتلال المنطقة عام 78 التي سمتها "الحزام الامني" وسقطت هذه لان المقاومة اسقطت هذا الحزام من خلال عملياتها في العمق.

ويعتبر سويد ان الاسباب المباشرة لاي انسحاب قد ينفذه العدو هي في تفكك هيكلية الميليشيا والخسارة الكبرى التي توقعها المقاومة بالجيش "الاسرائيلي"، "فاسرائيل" لا يهمهما ان قتل 100 لبناني لكن اذا قتل عشرة يهود فهذه فاجعة، يعني بقدر ما تدخل الى فلسطين المحتلة "توابيت" تحمل جثث جنود يهود تتحرك "اسرائيل" باتجاه الخروج من لبنان وهي وفق المعادلة: عدد قتلى اكثر من الجنود اليهود، نسبة المطالبين بالانسحاب من لبنان ترتفع.

ويعتبر ان قوات الاحتلال قبل ان تفكر بتنفيذ أي انسحابات لجأت الى عدد من الوسائل العسكرية للتخفيف من خسائرها واخرها كانت الضربات الجوية على غرار ما قامت به اميركا في يوغوسلافيا، وحاليا روسيا في الشيشان، "فاسرائيل" تتصور انه اذا اقدمت على قصف المناطق الحيوية في لبنان تستطيع ان توقف عمليات المقاومة، ولكن المقاومة ردت على هذه العملية بضربات اكثر ايلاما للعدو الصهيوني عندما طالت عناصره في مواقعه، ولم يعد الامر مقتصرا على ميليشيا لحد، بل اصبحت العناصر "الاسرائيلية" هي التي تواجه الخطر رغم الضربات الجوية، لان هذه الضربات لا تستطيع ان تمنع عمل المقاومة.

عطوي

ينظر الباحث في الشؤون العسكرية الصهيونية الاستاذ محمد عطوي الى الحديث عن انسحابات صهيونية قريبة من منطقة حاصبيا والريحان من زاوية الحديث عن انسحاب كلي لقوات الاحتلال من الجنوب. فيرى ان هناك جملة اعتبارات جعلت حكومة العدو تشعر بان عليها ان تنسحب:

اولا، رجال المقاومة يدافعون عن ارضهم بينما العدو الصهيوني لا يدافع عن ارضه، وجيشه عبارة عن جنود مرتزقة قادمين من بروكلين او روسيا او اوروبا الشرقية.

ثانيا، ان أي قتال غير نظامي (حرب العصابات) ضد قتال نظامي سينجح، ويمكن اخذ الحرب في فيتنام مثالا حيث قهرت المقاومة الفيتنامية الجيش النظامي الاميركي.

ثالثا، هناك معارضة داخل النظام الصهيوني للبقاء في جنوب لبنان.

يضيف من هنا فان حكومة العدو شعرت بانها امام مأساة دائمة كما قال باراك "انني اريد ان انهي مأساة عمرها 17 عاما". ورئيس اركان جيش الاحتلال شاؤول موفاز قال مؤخرا: "ليس هناك جيش في العالم يستطيع ان يهزم حزب الله"، ويعتبر انه اضافة الى ذلك فان "اسرائيل" تشعر بعقدة وهي عقدة الامن.

ويعتبر ان في ذلك تلازما مع الرأي العام الذي يطالب بالانسحاب نتيجة للخسائر الفادحة بالارواح في صفوف الجنود الصهاينة. ويلفت الى ان هذه العوامل هي التي املت على باراك ان يعلن انه سيحسب جيشه كليا من لبنان، ولكن كمرحلة اولى فان الخيار يبدو ان الانسحاب سيكون الى حدود دويلة العميل سعد حداد بين العامين 1978 و 1984.

ويعتبر ان منطقة حاصبيا غير مهمة بالنسبة للعدو الصهيوني لسبب رئيسي وهو انها تشكل نتوءا بارزا داخل المناطق المحررة، وهي نتيجة لذلك معرضة لعمليات المقاومة اكثر من خط الجبهة المستقيم.

ويشير الى ان العدو يهدف من هذا الانسحاب الى تحقيق امور اخرى:

- الانسحاب من الناحية الدبلوماسية يشكل ضغطا على دمشق للتعجيل في معاودة المفاوضات على المسارين اللبناني والسوري.

- امتصاص المعارضة الصهيونية داخل الكيان الصهيوني المطالبة بالانسحاب من جنوب لبنان.

- ايهام العالم بان "اسرائيل" تريد الانسحاب من الاراضي المحتلة.

وفي قراءته العسكرية للحرب الدائرة بين المقاومة والاحتلال يعتبر عطوي ان باراك انتهج استراتيجية عسكرية تختلف عن إستراتيجية نتنياهو الذي كان يستخدم القوات البرية الصهيونية والقوات الجوية، وقد اقام سرية للتدرب على حرب العصابات بالإضافة الى استخدام الكومبيوتر، وهو كان يعتقد ان بامكانه اذا ما حارب المقاومة الاسلامية بالتكتيك العسكري الذي تعتمده ان يتغلب عليها لافتا الى ان باراك بعد فشل استراتيجية نتنياهو، استخدم استراتيجية جديدة "العقاب يلاحق الأفعى": التي تقوم على استخدام الطيران كما فعلت قوات الحلف الأطلسي في كوسوفو، واستخدام التقنيات العسكرية الاميركية نفسها التي استخدمت في العمليات هناك.

ويتوقف عطوي عند التسمية لهدا التكتيك، فيعتبر ان كلمة العقاب لها معنيين: اولا، طائر العقاب، وثانيا العقاب، وبمعنى المعاقبة، اما الافعى وهو يعني بها المقاومة، فهي الارض، وثانيا وردت الافعى في التوراة كشر تاريخي ومتأصل في البشرية. ويؤكد ان كل هذه التكتيكات العسكرية ستفشل حتما امام ارادة المقاومة.

اضاف: اللبنانيون يقرأون هذا الانسحاب بانه تقهقر للعدو الصهيونية , ويثبت فشله في الجنوب وهذا ما اقر به قادة العدو الصهيوني حيث ان جميع الاعمال العسكرية فشلت في تحقيق اهدافها.

ويعتبر ان العدو الصهيوني لا يوجد في استراتيجياته أي حديث عن الانسحاب يعني فشله. لكن باراك اجرك مؤخرا ان ايقاف الخسائر هو ربح لكيانه.