احتفال الكتيبة الهندية في نقار كوكبا : وجوه حزينة وحياة رتيبة تنتظر فرح التحرير    

رضوان عقيل

النهار 22/4/2000


استضافت الكتيبة الهندية العاملة في اطار القوة الدولية في مركزها الرئيسي في نقار كوكبا في الشريط المحتل مجموعة من الصحافيين اللبنانيين والأجانب. ونظم الهنود احتفالاً اول من امس في حضور قائد القوة الدولية سيث كوفي اوبنج وسفير الهند اجاي شودري وقائمقام حاصبيا بالوكالة وليد الغفير.

وفي الطريق الى مكان الاحتفال اجتاز الصحافيون البلدات المحتلة دير سريان والطيبة والعديسة وكفركلا ومرجعيون المتاخمة للمستوطنات الاسرائيلية التي سلخت مساحات كبيرة، من الاراضي اللبنانية.

الصحافي اللبناني الذي يزور هذه المنطقة يحزن مرتين: اولاً لأن اسرائيل سرقت تراب ارض الوطن وثانياً لأن اللبنانيين، وحتى سكانها الاصليين لا يستطيعون المجيء اليها.

لم يسمح الهنود بالتحدث الى الاهالي، واكتفينا بمشاهدة المنطقة فقط، لكن وجوههم كانت تنبئ بالمصير الذي ينتظرهم قبل حلول تموز المقبل الموعد الذي اعلن فيه الاسرائيليون سحب جيشهم من الارض التي اشتاقت الى العلم اللبناني فوق مبانيها والشرعية التي افتقدتها طوال 22 عاماً.

انطلقنا من مقر الكتيبة الفنلندية في بلدة برج قلاوية في ناقلة هندية، وطلب منا احد الضباط ارتداء الدروع تحسباً لأي طارئ. ودخلنا الشريط عبر طريق خاصة تسلكها القوة الدولية. قطعنا برج قلاوية في اتجاه منطقة وادي السلوقي التي كثيراً ما يتردد اسمها في وسائل الاعلام لأنها تحولت مكاناً للعمليات العسكرية المتبادلة بين رجال المقاومة ومواقع الاسرائيليين و"جيش لبنان الجنوبي" المنتشرة فوق هضابها الغنية بأشجار السنديان، لكن نيران المدافع والرصاص نالت منها.

طريق الوادي مليئة بالحفر وقد نخرتها آلاف القذائف والقنابل منذ عام .1978 وتقع في اسفلها بساتين الليمون واشجار الفاكهة الاخرى. وحدها الطيور تقطن المحلة لأن الناس لا يصلون الى ارضهم بسبب الوضع الامني. وثمة ثلاثة حواجز غير ثابتة للطوارئ.

السائق الهندي تعوّد القيادة على طريق الوادي ولم يعبأ بالحفر وقلة الزفت، فبادره احد الزملاء ضاحكاً: "نحن في لبنان ولسنا في جبال كشمير. نطلب منك السير على مهل حتى نصل بسلام الى الشريط". فرد عليه بالانكليزية، "لا تخف".

في تلك الاثناء كنا نستمع عبر اللاسلكي المثبت في الناقلة الى اتصالات القوة الدولية وكانت تشوش عليها في كثير من الاوقات اجهزة الارسال الاسرائيلية المنتشرة في المنطقة.

ولم يعكّر سكون الوادي الا صوت اجراس قطيع ماعز يقوده رجل في العقد الرابع حاملاً في يمينه عصاه الطويلة وزوادته. وما ان اقتربنا منه حتى خاطب السائق: "غود مورننغ وهالو".

دير سريان المهجورة

محطتنا الاولى في الشريط كانت بلدة دير سريان التي تحولت منازلها مساكن للطيور، ونبتت الاشواك والحشائش على مداخلها وغطى الشحتار جدرانها. ولم نشاهد هناك امرأة او طفلاً واحداً، باستثناء مجموعة من كبار السن كانوا يحرثون حقولهم ويحضرون الجلول لزراعة التبغ.

وثمة مساحة واسعة بين وادي السلوقي ودير سريان مليئة بالاشجار التي تحولت مخابئ للمقاومين لأن موقع بلدة الطيبة يتمركز فيه الاسرائيليون ويطل على هذه المحلة.

من دير سريان الي الطيبة ثمة طريق خاصة تسلكها سيارات القوة الدولية ومن هناك تطل بلدات اقليم التفاح من جهة اليسار ومجموعة من بلدات قضاء بنت جبيل المحررة والمحتلة. ولوحظت على الجلول المجاورة للطريق آثار سلاسل الناقلات الاسرائيلية التي خربت حقول القمح.

دخلنا الطيبة قبل العاشرة صباحاً. الاهالي منتشرون في حقولهم وبعضهم يقلّم اشجار الزيتون. على المدخل دكّان صغير يلهو امامه الاطفال.

وبرزت في البلدة، لافتات منصوبة في الازقة تحيي ثورة الامام الحسين وذكرى عاشوراء.

من الطيبة الى العديسة، شعرنا بحركة الاهالي اكثر حيث هناك محال وحوانيت تلبّي حاجات السكان القلائل.

اما مسجدها العتيق فبدا حزيناً، احجاره القديمة مهددة بالانهيار. وثمة لافتة في الساحة تحمل توقيع وزارة الشؤون الاجتماعية وتشير الى مركز صحي، لكن لا نعرف اذا كان يقدم الخدمات للاهالي المنسيين.

في العديسة تفاجئك المستوطنات الاسرائيلية المنتشرة كأسنان المشط. وقد مررنا على بعد خمسة امتار من الاسلاك والحواجز الكهربائية الممتدة على طول الطريق. وبدت مئات الحدائق المزروعة باشجار الفاكهة، واكثرها من المشمس والكرز، وفي بساتينها مشاريع الري الحديثة التي تفتقدها البلدات اللبنانية المتاخمة.

على تلال المستعمرات ظهرت احراج الصنوبر والشربين وفي داخلها مواقع اسرائيلية تطل منها اعمدة الارسال والرادارات واجهزة المراقبة. ونصبت على آخر طريق العديسة لافتة مكتوب عليها بالعربية: "الدخول فقط لجيش (الدفاع ) الاسرائيلي".

في كفركلا المشاهد هي هي. وتنتاب زائر المنطقة مشاعر الاسى على الارض التي سلخها الاسرائيليون وحوّلوها منازل ومزارع ليهود روسيا وبلدان اوروبا الشرقية والفلاشا الاثيوبيين.

وثمة بوابة مغلقة بين كفركلا و"اسرائيل " على مدخلها حواجز مدعمة بالباطون. والتقينا مجموعة من العمال اللبنانيين كانوا يحصّنون جدران الطريق الرئيسية في البلدة.

الحركة العمرانية مزدهرة في كفركلا ، وهذا ما تدل عليه معامل احجار الباطون.

وفي ساحتها نصب كبير يرمز الى ذكرى عاشوراء وصورتان للامام علي ونجله الحسين كما تصوّرهما الرسام، وزنّرت النادي الحسيني اللافتات السوداء.

ومن كفركلا ايضاً بدت المستوطنات وجزء من مستعمرة المطلة، لونها ابيض ومسقوفة بالقرميد الاحمر وقد اقتطعت مساحات من سهل الدردارة.

على مقربة من حافلتنا، مرّ جيب اسرائيلي على طريق عسكرية خاصة، ينقل خمسة جنود كانوا يصوبون فوهات بنادقهم في اتجاه كفركلا.

في آخر البلدة حاجز لـميليشيا العملاء وشابان باللباس المدني احدهما مسلح. لكن السائق لم يكترث فقطع الحاجز وكأنه لم يشاهده .

بعد مغادرة كفركلا تمتد امام ناظريك حقول سهل مرجعيون ، اشبه بجنة خضراء، ولا تزال سنابل قمحه في طور النمو. وكان الصيادون يصطادون طيور الفري ومعهم كلابهم.

وتقع اراضي هذا السهل بين بلدتي الخيام ومرجعيون. وتمكن اثنان من المصورين من خطف صور لمعتقل الخيام الواقع على احدى التلال، والى جانبه عشرات المنازل.

على طريق سهل مرجعيون حاجز لـلميليشيا العميلة  وعلى مدخله لافتة كتب عليها: "توقف، كل مخالفة تعرض صاحبها لاطلاق النار". وكان رجل في العقد الخامس يدخن سيجارة ويعطي الاشارة للسيارات بالمرور حاملاً بندقية من نوع كلاشنيكوف.

ومن الطريق الرئيسية في مرجعيون اتجهت بنا الحافلة نحو مقر الكتيبة الهندية في تلال الهرماس في محلة نقار كوكبا للاحتفال بتوزيع الميداليات على مجموعة من ضباطها. واقيم الاحتفال في باحة كبيرة زنرتها اعلام البلدان المشاركة في القوة الدولية والعلم اللبناني.

وحضر الى جانب سفير الهند وقائد القوة وقائمقام حاصبيا حشد من فاعليات البلدات المجاورة تقدمهم رؤساء بلديات ومخاتير كوكبا والهبارية وابل السقي وبلاط وكفرشوبا وكفرحمام وراشيا الفخار وحاصبيا وممثلون لقوى الامن الداخلي والامن العام.

وتحدث المسؤول الاعلامي في الكتيبة عن دور جنودها في القطاع الشرقي وتضحياتهم لابناء المنطقة، وعرض المشاريع التي نفذتها. ويوفر الهنود في هذه المنطقة خدمات طبية للاهالي.

نودع البلدات المحتلة على الطريق التي سلكناها في الصباح ونجتاز ثانية سهل مرجعيون الحزينة اوراق اشجاره بفعل كابوس الاحتلال. ونقطع كفركلا والعديسة والطيبة حيث اوى المزارعون الى منازلهم ليناموا على حلم التحرير من قبضة الاسر بعد طول معاناة.

وفي نهاية الرحلة في وادي السلوقي خلعنا الدروع، وعلى اول منزل من برج قلاوية المحررة اطل العلم اللبناني. ويسألني زميل بريطاني: "هل نشاهد علم بلادكم يرفرف فوق مرجعيون والخيام في تموز المقبل"؟