واقع الفلسطينيين تحت الاحتلال
مقدمة:
صدر عن دار "ستوك" في باريس كتاب: مذكراتي في فلسطين المحتلة: غزة والضفة الغربية نوفمبر ـ تشرين الثاني، 1997، للكاتبة الفرنسية دانيال سالناف.
دونت الكاتبة ما رأته كشهادة تخاطب بها الضمير الغربي، الذي يرفض ان يرى ويقرأ الواقع الفلسطيني، قراءة موضوعية، خالية من الاقصاء والمسبقات. والكاتبة معروفة بمؤلفاتها المختلفة حول الادب الفرنسي، والعالمي، وترجمت بعض اعمالها إلى عدة لغات… يقع الكتاب في 246 صفحة من الحجم المتوسط، مزودا بأربع خرائط عبارة عن ملاحق: الاولى تبين التقسيم الذي وافقت عليه الامم المتحدة سنة 1947، والثانية خريطة بالمستعمرات اليهودية المنتشرة في القدس مع خريطة ثالثة للحدود بعد الحرب "الاسرائيلية" العربية سنة 1949، ورابعة بتحديد المناطق المتفق عنها في "سلام اوسلو" (أ.ب.ج: A.B.C) أي (أ) التي يمكن للفلسطينيين ان يعيشوا ويتحركوا فيها، و(ب) هي التي تتواجد فيها الشرطة الفلسطينية، و(ج) التي يسيطر عليها "الاسرائيليون". والجدير بالعلم ان الفلسطيني الذي يسكن في رام الله مثلا، لا يستطيع ان يذهب إلى بيت لحم او الخليل او غزة او اريحا. دون ان تكون لديه تأشيرة تطلب من البوليس الفلسطيني الذي يطلبها بدوره من الجيش "الاسرائيلي"… تقول الكاتبة: "ان ما رأيته تركني ادلي بهذه الشهادة،لان العنف وازدواجية الخطاب "الاسرائيلي"، وتحقيرهم لكل كائن آخر، يترك الانسان يتساءل، ان كان هؤلاء فعلا يبحثون عن سلام آمن وحقيقي…
الكاتبة معروفة بكتاباتها المستمرة في جريدة "لوموند" الفرنسية الذائعة الصيت، والتي كانت مثل اغلب الكتاب الفرنسيين خاصة والغربيين عامة، تأخذ ما تكتبه وما تقوله وسائل الاعلام الغربية (فيما يخص القضية) الفلسطينية كحقيقة لا يعلى عنها، وان الشعب الفلسطيني دخيل على ارضه الحقيقية، وذات يوم من ايام نوفمبرـ تشرين الثاني سنة 1997، تقرر الكاتبة زيارة فلسطين، وتجد نفسها كما تقول في عالم "لا تصدقه الاعين، وفي واقع لا انساني، واقعاً كنت دائما اريد غض النظر عنه، لكني فهمت انه يجب وضع حد لهذا التجاهل المركز".
هكذا اصطدمت بالواقع الذي يقول عنه اصحابه او الموالون له، وما اكثرهم، بأنه اهم فضاء (تمارس) فيه الديمقراطية في المشرق العربي، ويعطى كمثال، لكن السيدة سالناف رأت بأم عينيها بأنه واقع لا يختلف عن بعض الانظمة الدكتاتورية ويعشعش فيه التحجر والتعصب الديني.
شدت الكاتبة الرحال لتزور الاماكن (المحررة)، التي كانت تفكر قبل الذهاب اليها بأنها تمثل دولة فلسطينية مستقلة "تلم اشلاءها المتفرقة لتصبح ذات سيادة"، غير انها رأت "الاسرائيليين" متواجدين في كل مكان، وانهم هم الذين يحكمون ويتدخلون في شؤون الفلسطينيين. وانهم يعملون ما يريدون دون أي مراعاة لما جاء في اتفاقيات "اوسلو" او قرارات الامم المتحدة.
تستهل السيدة دانيال سالناف الكتاب بمقدمة تتسائل فيه عن البلد التي هي ذاهبة اليه:
"عندما اخذت مكاني في طائرة الخطوط الجوية الفرنسية، تلبية لدعوة كتاب ومثقفين فلسطينيين، كنت في حيرة من امري، ما هي فلسطين؟ هل هي الاسم القديم للاراضي التي تتواجد فيها "اسرائيل"، وما هي الضفة الغربية والاراضي المحتلة؟ واين تقع المدن المحررة منذ اتفاقيات اوسلو؟ ان العالم يظن بان هناك دولة فلسطينية ذات اراضي ومؤسسات… كنت افكر بأن محتوى هذه التساؤلات قد ولى ظهره، وحل محله السلام والوئام".
لكن السيدة سالناف تجد نفسها امام واقع ملموس آخر، غير الذي تتكلم عنه الصحافة اذ: "رأيت ان الاراضي والمدن "الاسرائيلية" متطورة ومزروعة، اما الاراضي العربية فتكاد تكون صحاري او قفار ومدن وقرى فقيرة، فقبل رحلتي قرأت بعض الكتب ومن ضمنها اطلس جغرافيا اصدرته جريدة لوموند فبحثت عن فلسطين ونظرت الخرائط، فاذ بي ارى نقاطا سوداء صغيرة مع تعليق يشير إلى ان هذه هي المدة الفلسطينية (المحررة). كم كانت صغيرة، وعبارة عن لا شيء بالنسبة للفضاءات الاخرى. مدن (محررة) موضوعة تحت القيادة الفلسطينية. لقد احترت وتساءلت: انني لم افهم بشكل جيد محتوى ومضمون اتفاقيات "اوسلو" في الواقع العملي الموضوعي، لانني كنت اتصور ان هناك اراض شاسعة ومدنا فلسطينية متصلة ببعضها البعض، واذا بهذه الفضاءات (المحررة) منفصلة عن بعضها ومقسمة إلى مناطق، منها المنطقة التي يسمح للفلسطينيين ان يتجولوا فيها غير انها محاطة بمناطق يحرسها "الاسرائيليون"… ثم رحت ابحث عن القدس واتساءل في أي منطقة يوجد الفندق الذي انزل فيه، افي القدس الشرقية ام في القدس الغربية؟
ووجدتني وكأنني اتكلم عن حائط برلين قبل سنة 1989. كلمني احد اصدقائي وهو يهودي محذرا من الاختلاط بالعرب، ووصف المرأة وموقف الاسلام منها… تساءلت عن جدوى هذه "النصيحة" التي تعتبر لغزا بالنسبة لي، خاصة عندما واصل قائلا: بانه لن يزور القدس ما دام العرب فيها.
وبعد هذا التقديم تواصل الكاتبة الحديث عن رحلتها يوما بعد يوم، اذا استقلت الطائرة يوم الجمعة 14 نوفمبر 1997:
"انها حراسة مشددة في مطار رواسي الدولي. ومما لفت انتباهي اننا لم نستقل الطائرة من المكان المعتاد، بل من مكان مخصص، وذلك خوفا من الاعتداءات واختطاف الطائرات، او بعض المفاجآت الاخرى.. انني افهم هذه الاحتياطات، لكن لم هذه المبالغات كلها".
نزلت الكاتبة يوم 15 نوفمبر بفندق في القدس الشرقية:
"نهضت في الصباح، وانا بخير، فرحت بوجودي في العالم الثالث وببعدي عن الحداثة ومشاكلها العميقة، اما في العالم الثالث فكل العوالم تتعايش مع بعضها..لا اعتقد ان المشاكل هي نوع من الحكمة او شيء محتوم على الانسان.. لكني اعرف ان هناك ازمات ومشاكل مؤلمة تطحن بلدان العالم الثالث"
فبعد ان تزور مدينة القدس وتتكلم عن اماكن العبادات الثلاث وتتجول في اروقتها واسواقها، فاجأها الواقع المعاش يوميا:
"رأيت جنودا "اسرائيليين" يعاملون الناس معاملة لا اخلاقية، ويتصرفون كما يشاؤون، مدججين بالاسلحة وغير مبالين بوجود الناس".
ثم تتكلم عن جولتها بعد الظهر في بيت لحم وهناك تبدي ملاحظات حول "وعد بلفور" وما ترتب عنه من حروب وازمات، وكيف استطاع "الاسرائيليون" ان يستعمروا الاراضي الخصبة وطردوا اهلها ودفعوا بهم إلى المخيمات:
"على مسمع ومرأى من العالم…ان ذلك تراجيديا كبيرة، خاصة بعد نكسة يونيوـ حزيران 1967، اذ احتلت "اسرائيل" جزءا من سورية وآخر من مصر… واستولت على غزة وتوسعت بشكل مثير، فزاد بطشها، وجاءت الحركة الوطنية الفلسطينية التي يرجع تاريخا إلى سنوات طويلة، واخذت هذه الحركة تقوم بعمليات متفرقة معلنة عزمها على تحرير فلسطين بالسلاح وبكل الوسائل التي تلفت انظار العالم إلى ما يحدث في هذه المنطقة من جور وعدوان…كنت احدى ضحايا هذا الصمت. كنت ارفض ان تطرح قضية فلسطين امامي، ذلك انه كانت لدي فكرة مسبقة، وهي ان المظلوم هو "الاسرائيلي"، وبالتالي مساعدته من طرف الغرب شيء ضروري".
بعد اتفاقيات "اوسلو" بدأت الكاتبة تهتم بالقضية الفلسطينية ومن ذلك قولها:
"رغم اتفاقيات "اوسلو" و(تحرير) سبع بلديات فلسطينية فان اجزاءا مهمة من الاراضي حتى (المحررة) لا زالت محتلة، بل مستعمرة، عن طريق ضمها، وذلك برغم قرارات الامم المتحدة.
ان الاراضي المحتلة في المفهوم "الاسرائيلي" ووظيفة الاراضي الملحقة، هي الحد من "العدو العربي" بينما "الاسرائيليون" في الحقيقة يعملون على تحقيق ""اسرائيل" الكبرى"، والتمهيد لجعل القدس عاصمة ابدية، فراحوا يطردون سكانها الحقيقيين، أي العرب، ويتوسعون اكثر فاكثر، ونلاحظ تواجد الاعلام "الاسرائيلية" في الاحياء العربية القريبة من الاماكن المقدسة.. انها رحلة عذاب حقيقية بالنسبة للفلسطينيين، خاصة سكان الضفة الغربية الذين يرون اراضيهم تغتصب يوميا بشكل او بآخر..".
يوم الاحد 16 نوفمبر، تقول عن مدينة نابلس: "ان الجو حار جدا، لكن بالنسبة لي، لست مبالية بذلك، بل اني مشدودة إلى هذا الواقع والى قراءتي حول المدينة التي تبعد خمسين كيلو مترا شمال القدس". تلتقي مع سكانها وتلاحظ المعاناة هي نفسها، ويدور بينها وبين شاب حوار طويل، ويقول لها: "هل تعلمين ان القانون "الاسرائيلي" لا يحاكم أي مستوطن يقتل فلسطينيا، وحتى العسكري "الاسرائيلي" لا يتدخل عندما يرى مستوطنا يهوديا يعتدي على فلسطيني". ثم تواصل الكاتبة الحديث عن نابلس وعراقتها ودورها التاريخي الحضاري، لكنها تعود إلى الواقع:
"ان الامور تختلط علي وتنعكس في كتاباتي، انني في مدينة محررة (منذ 11 ديسمبر 1996) ولكن ايضا ضمن الاراضي المحتلة، ارض بدون اسم مملوءة بثغرات يزعم انها محررة، لكنها مخترقة من كل الجهات، نتيجة لعدم وجود حرية تنقل بين الاماكن.. لقد نزل مستوى المعيشة باربعين في المئة..".
لكن ما يفاجئ الكاتبة ايضا من الجانب الفلسطيني، هو انتشار المحسوبية والفساد الاداري اللذين انتشروا بعد مجيء السلطة الفلسطينية حتى اصبح سكان غزة والاراضي المحتلة يفكرون بان الفساد اصبح مشكلا خطيرا في عملية بناء الدولة الفلسطينية.
تقول: "انها معاملات غير ديمقراطية، والسلطة الفلسطينية لم تقم بوضع حد لها".
ثم تواصل التكلم عن جمال مدينة نابلس ودور جامعتها "النجاح" وعندما تعود إلى القدس ترى: "اشياء لا يصدقها العقل، ما هذه الحواجز المبنية او المثبتة هنا وهناك، في كل مرة تدخل او تخرج من مدينة، والى متى تبقى مستمرة؟
غير ان ما يفاجئ الانسان اكثر هو تخصيص طرق سير للمستوطنين حتى لا يمروا بقرب المدن والقرى الفلسطينية.. هذا اضافة إلى الاعتداءات التي يذهب ضحيتها الشباب الفلسطيني".
"كلمني احد الشباب في مدينة رام الله قائلا: "بانه وفي عز الليل او النهار، يقطع "الاسرائيليون" الكهرباء عنا، وتصبح المنطقة كلها في الظلام، ما عدا المستوطنات وحتى الكائنة في الجبال، فالكهرباء لا تنقطع عنهم ابدا، انها علاقة مستعمر بمستعمر، اذ تنعدم المساواة.. وعندما عدت إلى الفندق، لاحظت انتشار العسكر، بسبب او بدون سبب، انه منظر لم اره ابدا في حياتي، انهم مدججون باسلحة حديثة.. انه باستطاعة "اسرائيل" ان تعطي "دروسا في الديمقراطية" لكن اين هذه الديمقراطية التي تنادي بها من المعاملات اليومية ومن تجاهل السلطة "الاسرائيلية" لها..
الم يعش اليهود فترات صعبة في حياتهم؟ الم يكونوا ضحايا الغرب والنازية؟ الم يدفعوا الثمن غاليا تحت الحكم الفاشيستي؟ لا اريد ان يمارس اليهود القساوة نفسها على الفلسطينيين، لكن لسوء الحظ هذا ما يقومون به يوميا، يعاملون مثلما عوملوا، وربما اسوأ، مع شعب لم يكن له يد في ذلك لا من بعيد ولا من قريب، يكفي ان نتذكر مجزرة "دير ياسين"، التي بنيت على اطلالها عمارات للسكن… والواقعة في الحي الغربي من القدس..انها تجاوزات محيرة…".
وعن مدينة رام الله زارت جامعة "بيرزيت" وكان يومها الطلبة مضربين كما في جامعة نابلس.. وقد التقت باساتذة، وتحدثت مع بعض النساء النشطات في مركز المرأة بالجامعة.
صباح يوم 18 نوفمبر ـ تشرين الثاني وفي القدس جلست الكاتبة في حديقة الفندق وهي تقول:
"كل ما اكتبه وما اشاهده ليس من السهل تدوينه.. انه يتطلب الكثير من الصبر، انه يهمني شخصيا..".
"لماذا نستمر في تجاهلنا للشعب الفلسطيني، نحن الذين ساندنا (ونساند) حق الشعوب في تقرير مصيرها. اننا نواصل التجاهل، وبوعي بائس عدم الخوض في هذا الموضوع بصدق، وكأن حقوق "اسرائيل" هي فوق حقوق الآخرين، وكأنه اعتراف لا بد منه، وبقوة.. إلى متى وهذا التجاهل والكذب والنفاق وعدم الوعي يغزو عقول الناس في كل مكان؟ ان الصمت الذي يواري الحقائق الموضوعية هو لعبة الكبار الذين يقتسمون هذا العالم، ويتصرفون فيه بما يوافق اغراضهم. ان هذه الحقائق لا تهمني انا فقط، بل هناك الكثير من اقتسموا هذه القناعات التاريخية الساطعة، هذه القناعات الارادية هي التي تتحكم فينا، ان الحقيقة ثمينة والاعتراف بها صعب، فاذا كان الشعب اليهودي ضحية (على ايدي النازية) وهذا امر واقع، فماذا نقول عن الشعب الفلسطيني المغدور؟.
لفهم هذه القناعات، يجب ان نعود إلى الوراء، ونحلل علاقات القوى، والمصالح الكبيرة التي تربط بين الدول الكبيرة، واجبرتنا على تقبل "المقولات "الاسرائيلية"". بما ان مصائب الحرب العالمية الثانية كانت مهولة، خاصة بعد كوارث النازية، فان السؤال هو: من كان يستعمر الاراضي الفلسطينية، خاصة في سنة 1947؟ ولماذا توافق ذلك مع نهاية الحرب العالمية الثانية بالذات؟
ان للاوروبيين اياد طويلة في الموضوع، هذا ناهيك عن المصائب التي لحقت وتعرض لها الشعب الفلسطيني فيما بعد، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مذابح "صبرا وشاتيلا" سنة 1982 بتواطىء مع "الاسرائيليين"..لقد بدأت تتغير مقولة: "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" وصارت "شعبان لارض واحدة" ككارثة بدون حل. وتخيل البعض انه لو قبل الفلسطينيون والسوريون والمصريون بفكرة التقسيم التي اقرتها الامم المتحدة، لتجنبت المنطقة خمسة حروب، ولما كانت "اسرائيل" على ما هي عليه اليوم..ولكن اقول واكرر بان سنة 1947 تطرح اسئلة كثيرة، واذا نحن لم نجب بشكل موضوعي على ما حدث خلالها بالضبط، سنبقى بدون اجوبة مقبولة وواضحة.
يوم الاثنين 18 نوفمبر ـ تشرين الثاني زارت الكاتبة مدينة رام الله والتقت بمجموعة من المثقفين في "مركز السكاكيني" ولاحظت ان سؤالا يأتي دائما على السنة المثقفين وهو: لماذا اصبح سارتر صديقا ودودا لـ"اسرائيل"، احاول شرح موقف سارتر انطلاقا من المقال الذي كتبه حول الصراع "الاسرائيلي" الفلسطيني في مجلته "الازمنة الحديثة" سنة 1967، وبدون شك ان بعض المثقفين لم يفهموا هذا الصراع بشكل واضح وارتكبوا اخطاء…".
يوم الاربعاء 19 نوفمبر ـ تشرين الثاني، تتوجه الكاتبة إلى قطاع غزة:
"انني والسيارة تسير، اشاهد اراض خصبة وسيارات جديدة وحدائق خضراء، عرفت انني في "اسرائيل" حيث الطرق الحديثة، فعلا لقد تغيرت امامي المناظر، مقارنة بما رايته في رام الله، وما لمسته بعد ذلك في قطاع غزة لقد حدثوني عن حاجز "ايريز" الذي يمثل فعلا خطا حدوديا بين الفضاءين: العربي والاسرائيلي.
ان أي مسافر اجنبي يجب ان يمشي كيلو مترا على الاقل، يدخل في عالم اسمنتي، ويسلم جواز سفره إلى عسكري في مدخل المعبر ثم يشير اليه هذا العسكري بان يعبر، وبعد مسافة يدخل إلى مكاتب حديدية. سلمت جواز سفري واستُنطقت.. ثم سجلوا معلومات جواز سفري على الكمبيوتر، وبعد لذلك سلموني ورقة مع جواز سفري، سلمت الورقة إلى عسكري اخر يوجد بعد خطوات من مكاتب "الاستنطاق والتفتيش…"، وبعد ذلك مشيت خطوات ووجدت نفسي في الجانب الفلسطيني، حواجز، حواجز، حواجز.. كان علي ان اترك سياراتي قبل دخولي المعبر، واخذها لدى عودتي من غزة.. ان ايريز يمثل حدودا حقيقية بمثيلتها التي كانت تفصل تشيكوسلوفاكيا مع النمسا ومع المانيا قبل سنة 1989، انني وانا اعبر "الحدود" ماشية على الاقدام، رأيت العمال الفلسطينيين يركضون، لان المطلوب منهم ان يكونوا متواجدين في الصباح الباكر، بين الساعة الثالثة والرابعة، يمرون في ممر خاص بهم، حيث الحراسة المشددة، والمعاملة اللاانسانية..وعندما دخلت "غزة" رأيت ملامح المدينة التي ذكرتني "بكالكوتا" في الهند او في بعض البلدان الاخرى المكتظة بالسكان، وبعد جولة قصيرة على شاطئ البحر الذي كان ممنوعا على الفلسطينيين حتى سنة 1993، والذي لم يكن لاطفال غزة الحق في السباحة فيه، رأيت عمارات المسؤولين الفلسطينيين تزدهر هنا وهناك، بنايات حديثة عليها حراسة مشددة، ثم عدت وذهبت إلى مخيم جباليا من هنا انطلقت الانتفاضة، التي غيرت المعطيات السياسية، الداخلية والخارجية، والتقيت بعد ذلك في المركز الثقافي الفرنسي، بالكاتب الفلسطيني، غريب عسقلاني، وهو من ضمن المهجرين، الذين احل "الاسرائيليون" ارضهم…وطردوهم وهو من مدينة يطلق عليها "الاسرائيليون" "اشكلون" واسمها الحقيقي "عسقلان" وراح العسقلاني يشرح لي التراجيديا الفلسطينية بكثير من الثقة الموضوعية، ثم اخذني إلى المخيمات لارى بنفسي الحياة القاسية التي يعيشها الاطفال والنساء، انها مناظر جد دراماتيكية ومهولة، لقد فتح الاطفال اعينهم في مخيمات لا توجد فيها ادنى وسائل الراحة، ماذا سيقولون غدا؟ انها مناظر جد مؤلمة، ورغم انهم يعرفون بانهم ولدوا في مخيمات غزة (او في أي مخيمات اخرى) لكن اصولهم من فلسطين، حيث كانت لهم اراضي واهل…انهم يعيشون معاناة حقيقية يومية يصعب على الانسان وصفها..حاولت السلطة الفلسطينية تحسين بعض الامور، لكن الواقع يفرض نفسه بهمومه وتعاسته، انهم يتقاسمون فضاءات ضيقة، ويعيشون يوميا على نفس المنوال منذ خمسين سنة… وقد امطرني الفلسطينيون باسئلة كثيرة من ضمنها "اين ولدت؟ في فرنسا، لو ولد اطفالك في امريكا، هل تقولين بانهم ليسوا بفرنسيين؟.
طبعا، لا نحن كذلك اطفالنا يعرفون بانهم ولدوا هنا، لكنهم من عسقلان وحيفا ويافا..احسست بان اسئلتهم نابعة من عذاب الواقع المنطقي، ولا يجب ان نغطي الحقائق، خاصة لما كلمتني سيدة تسكن في غرفة من ستة عشر مترا مربعا مع زوجها واولادها الستة. ثم تجولنا قليلا، واتجهنا نحو مبنى وزارة الثقافة حيث استقبلنا الشاعر احمد دحبور الذي ولد في مخيم بسورية اذ حدثنا عن (المنجزات) التي تحققت، لكنه لا يخفي المه الدفين وخوفه مما ينتظره الشعب الفلسطيني، ثم زرنا اتحاد الكتاب الفلسطينيين حيث وجدنا في استقبالنا الكاتب الفلسطيني زكي العيلة، حبيب هناء، محمد ناصر… لاحظت ان المبنى في حالة يرثى له ويذكرني بمباني اوروبا الشرقية قبل خمسة عشرة سنة. اغلب الكتاب مهجرين، فزكي العيلة مثلا ولد في مخيم "جباليا" في غزة سنة 1975، وهجر من بلده، وواصل دراسته في غزة ثم الخليل وهو الان استاذ في احدى ثانويات غزة. اما حبيب هناء فقد بقي اثنتي عشرة سنة في السجون "الاسرائيلية". انهم من المخيمات يريدون ان يتحدوا قدرهم. انهم ممنوعين حتى من السفر للمساهمة في فعاليات اتحادات الكتاب العرب الاخرى بل انهم لا يستطيعون حتى الاجتماع مع زملائهم في بيت لحم.. ان المسافات هنا سياسية وعسكرية: يقسمون العوالم كما كان الامر في برلين.
توجهت إلى القدس عبورا بايريز وكان علي ان اعطيهم جواز سفري مرة اخرى (في مكتب الاستنطاق والاستقبال) ومرة الامور على ما يرام، لكني كنت متعبة ومنفعلة، وبعد ان سلموني جواز سفري، وعوض ان اواصل طريقي باتجاه القدس، اخذت الاتجاه المعاكس، فأوقفني العسكري، قائلا لي: لقد مريت من هنا منذ ربع ساعة، إلى اين انت ذاهبة، فاحترت في امري، وقلت: إلى القدس.. فاجابني انت عائدة إلى غزة، وعدت بسرعة.. عندما عبرت الممر وجدت كمال ينتظرني حيث اشار الي بيده، لكني لما اخذت مكاني في السيارة احسست بنوع من الغثيان، نتيجة الاشياء التي رأيتها، واذ بي مرة اخرى اصادف الوقت الذي يعود فيه العمال الفلسطينيون. لا يوجد بينهم أي شاب، كلهم اباء وامهات، من البديهي انهم لا يغارون قطاع غزة لالقاء قنابل او القيام باعمال عنف في "اسرائيل" وفضلا عن ذلك فانهم يستقلون شاحنات او حافلات عسكرية "اسرائيلية"…
تخصص الكاتبة بعد ذلك فصلا عن العلاقات العربية ـ العربية، والعلاقات الاوروبية العربية، وقضية فلسطين، ترى بان معظمهم مخطئ في حق الفلسطينيين ومن واجبهم الان ان يصححوا مواقفهم:
"الكل اتفق بشكل او بآخر على ان تكون فلسطين على الحالة البائسة التي تعيشها الان، ولكن إلى متى؟ انها حياة قاسية، خاصة في عصرنا هذا..".
تتوجه الكاتبة بعد ذلك إلى بيت لحم، لحضور افتتاح معرض الكتاب، ونراها تتكلم عن دور هذه المدينة التاريخي والمعنوي، لا في فلسطين فقط، بل في العالم كله. عن تعاقب الانبياء في هذا المكان المقدس:
"لقد وضعت بيت لحم منذ سنتين تحت الحكم الفلسطيني مع جنين، نابلس، رام الله، اريحا والخليل., وتحتل موقعا استراتيجيا في حرة ما يسميه "الاسرائيليون" بالاسترداد، وبيت لحم تقع على بعد ثمانية كيلومترات من القدس الجنوبية، والفلسطينيون يطالبون بضم الجهة الغربية من بيت لحم، لكن هذا القسم موجود في المنطقة (ب) و(ج) ويكاد يكون حكرا على المستوطنات اليهودية، وهو مهدد كباقي بلديات الضفة الغربية بالاغتصاب "الاسرائيلي" والاستيطان".
"ان الحكم "الاسرائيلي" السياسي والايديولوجي يشبه الى حد كبير ذلك الذي كان مستعملا في جنوب افريقيا قبل سنة 1992. بل معاملات "الاسرائيليين" بعد مجيء السلطة الفلسطينية للسكان العرب ازدادت سوءا، خاصة في المناطق (المحررة) والكائنة سواء في الضفة الغربة او في غزة. ولست الوحيدة التي لاحظت ذلك.. بل ان بعض الشخصيات اليهودية المعروفة في اوساط الجالية اليهودية الفرنسية تحتج على ذلك".
"وفي طريقنا إلى اريحا رأيت المستوطنات "العلمانية" او"الدينية" محمية بجدران من الاسلاك الشائكة. لقد اصبحت هذه الصورة عادية بالنسبة لي، لقد تعودت على رؤيتها، لقد عرفت اريحا بديكورها المميز وهي دافئة في الشتاء وحارة في الصيف، وهي من اقدم مدن العالم.. لقد رأيت الكثير من السواح الاجانب يتجولون في المدينة.. ثم ذهبنا إلى البحر الميت… ان مشكلة المياه من اخطر المشاكل التي تواجه المنطقة في السنوات القادمة.. لكن ما معنى ان تتكلم "اسرائيل" عن اقتسام المياه وهي تستغل اكثر من تسعين في المئة سنويا من المياه الصالحة للشرب؟ لقد اصبح الماء سلاحا آخر في يد "اسرائيل"، حيث سكان غزة مجبرين على شرب مياه لم يتم تصفيتها ومن شانها ان تترك اثارا سلبية كبيرة على صحة الناس.. ان "الاسرائيليون" وبدون شك يفاخرون "باخضرار الصحراء"، لكن كل ذلك على حساب الفلسطينيين ، هل هناك قراءة حقيقية للتاريخ، ان 90% من المياه الصالحة للشرب تستغلها "اسرائيل"، ومن الجدير بالذكر ان بيع المياه في زجاجات تجارية هو حكرا على "اسرائيل"..
"في طريقنا إلى رام الله، ورغم ان المسافة صغيرة بينها وبين اريحا.. عبرنا اماكن مشبعة بالتاريخ والثورة والمحن. ان المستعمر لا زال يعيث في الارض فسادا، كما ان الشعب الفلسطيني يغزوه الفقر والجوع وعدم الاطمئنان.
يوم 22 نوفمبر، توجهت إلى معرض الكتاب حيث التقيت بمجموعة من الكتاب الفلسطينيين الذين كنت رأيت بعضهم في الفيلم الوثائقي الذي خصص لهم بمناسبة معرض الربيع الفلسطيني في فرنسا، كما حضرت بعض الندوات، وكان لقاءا رائعا، وتقريبا الاسئلة كانت تتكرر: لماذا لم يكن الكتاب الفرنسيون في مستوى جان جينيه، وكان فهمهم لنا غلطا؟ حاولت الاجابة، ولكن معهم الحق، فهناك جهل مركب للقضية الفلسطينية. سيدة اخرى طرحت سؤالا: ما هو دور الادب في بلد يكافح من اجل استقلاله، وشعبه يريد ان يعيش ويحيا… اسئلة تدل على المعاناة… لكن هناك بعض الوعي من الجانب اليهودي، حيث كلمني احدهم: اننا نعاني من غطرسة الحاخامات وتدخلهم في كل ميادين حياتنا. اننا الدولة الوحيدة التي تفرض عليك ان تكوني يهودية حتى تصيري مواطنة، هذه الغطرسة ستؤدي بنا إلى العنصرية والفاشية. ان واجب الذاكرة، هذا ان كانت هناك ذاكرة، هو ان لا تخفي الحقيقة.
"صباح الاحد، توجهت إلى المطار، وكنت اتوقع انهم سيجرون معي تحقيقا، بل استنطاقا طويلا في المطار، وهو شيء معمول به، خاصة، مع اولئك الذين زاروا قطاع غزة، او المدن (المحررة)، ومن الاسئلة التي طرحت علي ما هو موضوع زيارتك إلى غزة، فاجبتهم ذهبت لالقاء محاضرات، ثم توالت الاسئلة، هل احتفظت بملاحظاتك كتابيا؟ اجبت لا، لكنهم واصلوا بطرح اسئلة اخرى من بينها في أي ساعة دخلت غزة، ومتى خرجت منها؟ وهل التقيت باناس وما هي اسماؤهم؟ هل اعطوك رسائل؟ وماذا قالوا لك؟…
استجمعت قواي لاجيب: لقد حاضرت في الادب الفرنسي الكلاسيكي، فسألني حول أي اديب؟ فقلت، حول موضوع فيكتور هيغو ثم سؤال آخر، في الفندق الذي كنت فيه، هل قمت بتحضير حقيبتك انت شخصيا، ام اشخاص اخرين؟ سلمته جواز سفري، وقال لي انه يجب ان يرى ذلك مع المسؤول الاكبر. بعد ربع ساعة، جائتني شابة متغطرسة وقالت لي: ما اسمك، ولقبك، ومع من التقيت في غزة، هل تتذكرين اسماء الناس الذين التقيتهم؟ قلت لها: لا اتذكر اسماء من التقيت، وتذهب هي بدورها لتتشاور مع فريق… بعد ذلك جاؤوا مجتمعين، ليطرح علي كل منهم سؤالا او اسئلة، وهي الاسئلة نفسها وكأنني اعيش او امثل فيلما بوليسيا. وبعد خمسين دقيقة من البحث والاسئلة، اشاروا الي بان التحق بقاعة التسجيل، كنت في حالة عصبية، لماذا كل هذه التحقيقات؟ ان كانت من اجل امور امنية، فهل يعقل ان تكون تصرفاتي تشكل تهديدا امنيا؟ وما معنى هذه التساؤلات كلها حول غزة، او ماذا عساهم يحققون من وراء ذلك؟ ان كنت التقيت بفلان او علان؟ ان كانت رحلتي عبارة عن تجاوزات ضد امن "اسرائيل" لماذا؟ هل من اجل ما نرى او مع من نلتقي؟ تساؤلات كثيرة، حتى انني قلت لنفسي: كل ما رأيته حاولي نسيانه وانتهى. ارجعي إلى الواقع. والى العالم الطبيعي، إلى عالمنا حيث يوجد محيط انساني عادي، معظم الناس العائدين من "اسرائيل" والاراضي الفلسطينية راحوا يتذكرون ما عاشوه من غضب ومن كثرة المشاكل التي واجهوها في المطار. ويطرحون التساؤلات نفسها التي دفعت بي شخصيا إلى اكثر من الانفعالات.
ثم تقول الكاتبة في خاتمة الكتاب:
يجب ان نصلي من اجل فلسطين، ومن اجل الا تكبر خلافاتهم، حتى لا يزداد عمق جراحهم، لكي يواصلوا المسيرة لبناء دولة ديمقراطية حقيقية، ان المنطقة تعيش ظروفا غير عادية رغم (سلام) اوسلو. كثيرا ما كانت القضية الفلسطينية ذريعة لعودة العنصرية ضد اليهود، لكن هل ينبغي ان تستعمل كارثة المحرقة التي ذهب ضحيتها اليهود، اداة لتغطية الآلام والمحن التي عانى ويعاني منها الشعب الفلسطيني وتبرير السياسة "الاسرائيلية".