تقرير منظمة " هيومان رايتس واتش " الأميركية حول إبعاد المواطنين اللبنانيين من المناطق المحتلة
أصدرت منظمة " هيومان رايتس واتش " الأميركية لحقوق الإنسان تقريراً موسعاً حول عمليات الإبعاد التي تنفذهاقوات الإحتلال الصهيونية وعملاؤها بحق المدنيين الآمنين في القرى المحتلة .
ويتضمن التقري ملخصاً وتوصيات موجهة الى الأطراف المعنية وسشهادات حول عمليات الإبعاد إضافة الى معلومات حول الإحتلال الصهيوني للبنان . وفيما يلي نص التقرير كما ورد على موقع المنظمة على شبكة الأنترنت وهو يحمل العنوان : www.hrw.org
ما سمحوا لنا ناخد أي شي ، وكان لازم نترك فورا ، وخلال خمس دقايق كنا بره البيت
ابتسام غياد أُبعدت من قرية شِبْعا مع زوجها وابنها البالغ من العمر 13 عاماً، وتسعة آخرين من أقاربها في ديسمبر/كانون الأول 1998. في أول يوليو/تموز 1999، أُبعد ثلاثة من سكان المنطقة التي تحتلها "إسرائيل" في جنوب لبنان. وكان بينهم اثنان من الكهول، وهما حسن محمد سعيد، البالغ من العمر 72عاماً، وخليل ديب صعب ، البالغ من العمر 65 عاماً. وقد أوردت الصحف اليومية اللبنانية نبأ عملية الإبعاد في اليوم التالي، بينما لم تُشرْ إليها الصحف اليومية الإسرائيلية مثل ها آرتس وجيروزاليم بوست.وقد انضم هذان الكهلان إلى مئات لا حصر لها، وربما أكثر، من النساء والأطفال والرجال اللبنانيين من سكان المنطقة المحتلة، والذين لاقوا مصيراً مماثلاً منذ عام 1985 على الأقل. ويتناول هذا التقرير ما يتعرض له المدنيون اللبنانيون من الإبعاد وغيره من أشكال النقل القسري، من الأراضي اللبنانية التي تحتلها إسرائيل، وهي الممارسات التي تمثل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي وخرقاً جسيماً لاتفاقيات جنيف. وقد تولت تنفيذ هذه الإجراءات في الأراضي اللبنانية المحتلة قوات الميليشيا المعاونة التابعة لإسرائيل في المنطقة، والمعروفة باسم "جيش لبنان الجنوبي". والملاحظ أن استخدام الإبعاد كسلاحٍ لمعاقبة السكان المدنيين في المنطقة المحتلة لم يحظ باهتمام يُذكر في إسرائيل والعالم خلال العقدين الماضيين، رغم أنه قلب رأساً على عقب حياة الرجال والنساء والأطفال الذين أُجبروا على الرحيل عن ديارهم ومجتمعاتهم. وقد وثَّقت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" حالات أفراد وعائلات بأكملها أُبعدوا على سبيل العقاب الجماعي بسبب أفعال قام بها أقارب لهم أو للاشتباه في قيام هؤلاء الأقارب بأنشطة ما. ومن ذلك الإقرار بالاشتراك في هجمات على عناصر أو منشآت عسكرية إسرائيلية في المنطقة، أو الاشتباه في ذلك، والانضمام إلى الأجنحة العسكرية لتنظيمات سياسية لبنانية مثل "حزب الله" وحركة"أمل"، ورفض التعاون مع الأجهزة الأمنية لقوات الاحتلال، والفرار من "جيش لبنان الجنوبي" أو رفض الخدمة في صفوفه.
وتأتي عمليات الإبعاد في سياق الاحتلال الإسرائيلي الطويل الأمد لجزء من جنوب لبنان، والمواجهةالمستمرة بين القوات العسكرية لإسرائيل و"جيش لبنان الجنوبي" من جهة، والمقاتلين اللبنانيين الذين يقاتلون لإجلاء المحتلين من جهة أخرى. ومن الناحية التاريخية، كانت الأراضي اللبنانية هي الميدان الرئيسي لهذا الصراع العسكري، ووقع القسم الأعظم من الأنشطة العسكرية والإصابات في صفوف المدنيين على أرض لبنان.
وليست عمليات إبعاد المدنيين اللبنانيين من المنطقة المحتلة، وغيرها من أشكال النقل القسري، سوى واحدة من الوسائل التي تستخدمها سلطات الاحتلال لإحكام السيطرة على السكان المدنيين في المنطقة،وإخماد أنشطة قوات المقاتلين اللبنانيين المناهضة للاحتلال إلا إن إبعاد المدنيين من ديارهم وقراهم في المنطقة، شأنه شأن الهجمات العشوائية ، لا يمكن تبريره استناداً إلى التهديدات الأمنية. فالقانون الإنساني الدولي يحرّم بشكل قاطع عمليات النقل والترحيل القسرية، التي تمثل انتهاكاً جسيماً لاتفاقيات جنيف، ومن ثم فهي تُعد من جرائم الحرب
ولم يكن هناك اهتمام يُذكر، على الصعيد الإسرائيلي المحلي وعلى المستوى الدولي، بهذه الانتهاكات لقوانين الحرب التي تُرتكب في جنوب لبنان. فكثيراً ما تُبرَّر محاولات السيطرة على السكان المدنيين، من خلال استخدام التعذيب والترويع والنقل والإبعاد القسري، باعتبارها إجراءات للدفاع عن النفس من جانب سلطة الاحتلال، بالرغم من أنها محظورة بشكل مطلق في القانون الدولي. وليس هذا الأمر مقصوراً على النزاع بين إسرائيل ولبنان؛ فالواقع أن تفشي هذه الأعمال في النزاعات العسكرية هو الذي أدى تحديداً إلى وضع نصوص في القانون الإنساني الدولي تحظر صراحةً مثل هذه الأفعال وتفرض عقوبات على مرتكبيها.
التوصيات
إلى حكومة إسرائيل
_ إصدار تعليمات صريحة إلى جميع أفراد القوات العسكرية وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية العاملة في المنطقة المحتلة في جنوب لبنان، بما في ذلك ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" التابعة لإسرائيل، بالامتناع فوراً عن اتخاذ أية إجراءات من شأنها أن تؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تنفيذ أو إجازة أو تسهيل عمليات إبعاد السكان المدنيين من المنطقة، وهي الإجراءات التي تشكل خرقاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة .
_ الإعلان صراحة عن أنه لن يتم مستقبلاً إبعاد مدنيين لبنانيين من قرى وبلدات المنطقة، وأن بوسع أولئك الذين أُبعدوا أن يعودوا ويستردوا ممتلكاتهم في ظروف آمنة، ودون التعرض لأي شكل من أشكال الإكراه أو الترهيب من جانب الأجهزة الأمنية لسلطات الاحتلال.
_ السماح لمراقبين دوليين مستقلين بمرافقة العائلات والأفراد المبعدين من المعابر الخاضعة لسيطرة "جيش لبنان الجنوبي" وحتى وصولهم إلى ديارهم.
_ السماح لمراقبين دوليين مستقلين بزيارة جميع السكان الذين يعودون، وذلك بصفة مستمرة ودون أية عراقيل، لضمان توثيق أي من حالات الإكراه أو الترهيب وإبلاغها إلى سلطات الاحتلال والمجتمع الدولي في وقت ملائم وعلى نحو فعال.
_ السماح لممثلي منظمات حقوق الإنسان القائمة في إسرائيل وخارجها بزيارة المنطقة المحتلة لتقصي حالات انتهاكات القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان.
_ الالتزام علناً بمحاسبة أي شخص، لبناني أو إسرائيلي، يستخدم السلطة القائمة بموجب الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان في إكراه أو ترهيب أي من السكان المدنيين في المنطقة المحتلة أو في اعتقاله بصورة تعسفية، أو في فرض عقاب جماعي على أيةعائلة.
_إعادة النظر في القيود المفروضة على حرية سكان المنطقة المحتلة في التنقل، بما يكفل عدم منع أي شخص بصورة تعسفية من دخول المنطقة أو الخروج منها.
_وضع آليات إدارية تتسم بالعلنية والشفافية، لتمكين جميع السكان من الطعن في أي قرار يؤثر على حريتهم في التنقل.
_ التحقيق في قيام "جيش لبنان الجنوبي" بتجنيد شبان وأطفال لبنانيين قسراً في صفوفه، ووضع حد لهذه الممارسات على وجه السرعة.
_ اتخاذ كل الإجراءات الملائمة للحيلولة دون تجنيد الأطفال، الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، في صفوف "جيش لبناني الجنوبي"، والإعلان صراحة عن تأييد الاقتراح الذي يقضي بأن يكون سن الثامنة عشرة هو الحد الأدني للتجنيد في صفوف القوات العسكرية وللمشاركة في الأعمال الحربية، وذلك تمشياً مع الإجماع الدولي الذي بدأ في الظهور بهذا الخصوص.
_ التصديق دون إبطاء على الاتفاقية الجديدة التي وضعتها "منظمة العمل الدولية" بخصوص حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها فوراً، والعمل بما يتمشى مع أحكامها، وتطبيق العقوبات ذات الصلة على أي فرد يقوم بتجنيد أطفال دون سن الثامنة عشرة بشكل قسري لاستخدامهم في النزاع المسلح.
_ الكف فوراً عن تعذيب المعتقلين أو إساءة معاملتهم، سواء على أيدي أفراد من أجهزة الأمن الإسرائيلية أو أفراد "جيش لبنان الجنوبي"؛ والتحقيق في أنباء التعذيب وسوء المعاملة، سواء ما ورد منها في الماضي أو ما يرد حالياً، وتقديم مرتكبيها إلى ساحة العدالة.
_ تعديل القوانين المحلية بحيث تتماشى مع مبدأ الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، بما ينطوي عليه ذلك من تبني تعريف للتعذيب يتفق مع القانون الدولي.
_ ضمان السماح لممثلي منظمات حقوق الإنسان، القائمة في إسرائيل وخارجها، بزيارة جميع السجون والمعتقلات في إسرائيل والأراضي التي تحتلها إسرائيل، حيث يُحتجز مدنيون لبنانيون.
إلى الحكومات المشاركة في "مجموعة المراقبة" المؤلفة من خمس دول للإشراف على تنفيذ اتفاق التفاهم بين إسرائيل ولبنان
_ إدانة أسلوب استهداف المدنيين اللبنانيين لإبعادهم من المنطقة المحتلة، والذي يشكل خرقاً جسيماً لاتفاقيات جنيف.
_ رصد حالات إبعاد المدنيين من المنطقة المحتلة.
_ اتخاذ خطوات للضغط على إسرائيل من أجل الكف عن تجنيد الأطفال في صفوف القوات المحلية المعاونة لقوات الاحتلال.
إلى الأمين العام للأمم المتحدة
_ تقديم معلومات مفصلة عن حالات إبعاد المدنيين اللبنانيين من المنطقة المحتلة، في سياق التقارير التي تُقدم كل ستة أشهر إلى مجلس الأمن الدولي بخصوص "قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان" (يونيفل).
إلى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي
_ التعبير علناً عن إدانتها لعمليات إبعاد المدنيين من الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتبارها انتهاكاً صريحاً للقانون الإنساني الدولي، وجريمة من جرائم الحرب.
_ حث حكومة إسرائيل على الكف عن اتخاذ إجراءات في جنوب لبنان، من شأنها أن تجيز، بشكل مباشر أو غير مباشر، إبعاد أي من السكان المدنيين، وكذلك على اعتماد التوصيات الواردة في هذا التقرير.
_ إصدار تعليمات إلى الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية وسفارات الدول الأوروبية في لبنان، من أجل زيارة الأهالي والأفراد الذين يُبعدون، والتعبير علناً عن القلق بخصوص حالاتهم
_ جعل المساعدات المالية وغيرها من أشكال المعونة المقدمة لإسرائيل مشروطةً بوضع حدٍ لعمليات إبعاد المدنيين من المنطقة المحتلة في جنوب لبنان.
_ إثارة قضية إبعاد المدنيين من المنطقة المحتلة في جنوب لبنان، باعتبارها قضية تبعث على القلق العميق، خلال اللقاءات على مستوى رفيع بين مسؤولين أمريكيين وأوروبيين ونظرائهم الإسرائيليين، من قبيل اللقاءات بين وفود تجارية أو معنية بمسائل الدفاع.
_ حث أعضاء الكونغرس الأمريكي وأعضاء البرلمانات الأوروبية على إثارة مسألة عمليات الإبعاد مع مسؤولي الحكومة الإسرائيلية وأعضاء الكنيست.
إلى الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف
_ تعقّب الأشخاص الذين زُعم أنهم نفذوا، أو أمروا بتنفيذ، عمليات إبعاد سكان لبنانيين من المنطقة المحتلة، وتقديم مثل هؤلاء الأشخاص، بغض النظر عن جنسياتهم، للمحاكمة أمام محاكم تلك الدول الأطراف.
_ اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف أية أعمال أخرى في المنطقة المحتلة بجنوب لبنان تتناقض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة.
إلى حكومة لبنان
_ إعداد سجلات وافية ومفصلة لحالات إبعاد العائلات والأفراد من المنطقة المحتلة، وإتاحة هذه المعلومات للمجتمع الدولي
_ إصدار تعليمات إلى "مجلس الجنوب" من أجل استحداث إجراءات تتسم بالشفافية الكاملة فيما يتعلق بالأساليب التي ينتهجها في توزيع المساعدات الإنسانية على مَنْ أُبعدوا من الأسر والأفراد، ومن أجل ضمان تقديم هذه المساعدات في الوقت الملائم
_ التحقيق في الشكاوى المتعلقـة بأنشطة "مجلس الجنوب"، لضمان حصول جميع الأهالي والأفراد الذين يستحقون المساعدة الإنسانية على مثل هذه المساعدة بالقدر الواجب.
_ إنشاء آلية تتسم بالشفافية في مجلس الوزراء، لضمان وجود إشراف حكومي فعال على أنشطة "مجلس الجنوب شهادات من بعض العائلات اللبنانية المبعدة
شهادات حول عمليات الإبعاد
أُبعد أفراد لبنانيون وعائلات بأكملها بطريقة متعجلة وتعسفية وقاسية في كثير من الأحيان، بل ودون أية مراعاة ولو شكلية للإجراءات القانونية الواجبة. إذ كان الضحايا يُرغمون على الرحيل دون إشعار مسبق، وباستثناء حالات شديدة الندرة لم يكن يُسمح لهم بأن يحملوا معهم أياً من متعلقاتهم الشخصية. وكانت عمليات الإبعاد بمثابة محن مروعة للضحايا، الذين كان بينهم أطفال صغار.
؟ في ديسمبر/كانون الأول 1989، قُبض على كمال عبد الكريم يونس، وهو تاجر يعيش في قرية مركبة، حيث احتُجز بدون تهمة لمدة ثلاثة أيام في مكتب الأمن التابع لقوات "جيش لبنان الجنوبي" في القرية، ثم أُبلغ أنه سيُبعد هو وأسرته، وطبقاً لما ذكره في شهادته، فقد قيل له إنهم لا يمكنهم أن يأخذوا معهم "ولو ملعقة". وأضاف يونس قائلاً إن أحد أفراد ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" صحبه إلى منزل الأسرة، حيث زُج به في سيارة مع زوجته عزيزة واثنين من أطفالهما، ويبلغ أحدهما من العمر ثلاث سنوات ويبلغ الثاني سبع سنوات ووصف يونس لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" حالة الأسرة آنذاك بقوله "ما كان معنا إلا الثياب اللي علينا"
ونُقلت الأسرة، في قافلة من ثلاث سيارات، إلى معبر كفر تبنيت ثم أُبعدوا.
؟ في سبتمبر/أيلول 1996، توجه أحد أفراد ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" إلى منزل عائلة عبدالله في قرية حولة، في الساعة السادسة صباحاً، وأيقظ أفراد العائلة، بينما كان هناك جنود آخرون يحاصرون البيت، ثم أمر أفراد العائلة بالحضور فوراً إلى مركز "جيش لبنان الجنوبي" في قرية مركبة المجاورة، ونقلهم إلى الموقع في سيارة مدنية بدون أرقام. وروت خديجة، ربّة العائلة، ما حدث آنذاك بقولها: "بقينا ساعتين ونصف بدون ما حدا يقلنا شي ، فكرت إنو بّدن يبعتونا عالحبس". وفي نهاية الأمر، أخبر اثنان من أفراد الميليشيا أفراد العائلة أنهم سوف يُبعدون. وطلبت خديجة إحضار بعض المتعلقات من البيت، ولكن طلبها قُوبل بالرفض. ثم نُقلت في سيارة مدنية أخرى بدون أرقام، مع زوجها عبدالله، البالغ من العمر 67 عاماً، وابنتيها مريم وريما إلى معبر بيت ياحون ، وهناك أُبعدت العائلة.
؟ في مايو/أيار 1998، حضر ضابط أمن من "جيش لبنان الجنوبي" في منتصف الليل إلى منزل محمد موسى، البالغ من العمر 64 عاماً، في قرية شِبْعا، وأمر موسى وابنته منى، البالغة من العمر 29 عاماً والتي كانت تعمل مدرِّسة في إحدى مدارس القرية، بأن عليهما الحضور في اليوم التالي إلى مكتب الأمن التابع لميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" في قرية حاصبيّا القريبة. وعندما حضرا إلى المكتب في صباح اليوم التالي وبصحبتهما ابنة منى الرضيعة البالغة من العمر خمسة أشهر، طلب منهما ضابط أمن يرتدي ملابس مدنية إثبات شخصيتهما، ثم أبلغهما أن لديه أوامر بإبعادهما. وقد روت منى لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" ما حدث آنذاك بقولها: "قلتلّو ما معنا حليب للولد ولا معنا هوياتنا ، طلبت مقابلة فارس الحمرا وعلم الدين البدوي لأعرف بشو غلطنا ، قال إنو ما منقدر تشوفن وإنو قرار الإبعاد إتُخذ". وبعدئذ، نُقلت منى ووالدها إلى معبر زُمريا ثم أُبعدا.
؟ في يناير/كانون الثاني 1999، أُبعد 25 شخصاً من أفراد عائلة واحدة من قرية شِبْعا، ومن بينهم ربّة العائلة البالغة من العمر 60 عاماً بالإضافة إلى 16 طفلاً تتراوح أعمارهم بين تسعة شهور و13 عاماً. وقد ذكر قاسم النبعة، ويبلغ من العمر 25 عاماً وهو أب لطفلين، أنه في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر، وبينما كانت العائلات تُعد طعام الإفطار في أحد أيام شهر رمضان المعظَّم، حضرت قوة مشتركة من قوات الأمن الإسرائيلية وميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" إلى منازل العائلة في ثلاث سيارات مدنية بدون أرقام. وأضاف قاسم لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" قائلاً : "قالوا إنو كلنا لازم نروح معن على حاصبيا". وعندئذ نُقلت هذه المجموعة الكبيرة إلى مكتب الأمن التابع لميليشيا "جيش لبنان الجنوبي". وأردف قاسم قائلاً: "بقينا برا بالبرد شي ساعة ،لحوالي الساعة ستة ونص تقريباً ، علم الدين البدوي وفارس الحمرا قالوا لخيي أحمد إنن حيبعدونا . لما سألن أحمد ليش بدن يبعدونا،إنضرب على ضهره بكلشينكوف ، أربعة في الميليشيا ضلوا يضربوا قدامنا شي حوالي خمس دقايق . صار ينزف من راسو". وبعد ذلك، كُدِّس الكبار والأطفال، والبالغ عددهم 25 شخصاً، في سيارتين وحُشر بعضهم في حقيبتي السيارتين، ثم أُبعدوا عند معبر زُمريا.
؟ في يناير/كانون الثاني 1989، أُبعد قاسم علي شحرور وثلاثة من أبنائه من قرية كفر حمام. ويصف قاسم، الذين كانت زوجته يُمنى قد أُبعدت في الشهر السابق، كيف تمت عملية الإبعاد فيقول: "فيقونا الساعة ثلاثة ونص الفجر . كان في دبابات وكذا سيارة . الجنود كانوا على سطح بيت الجيران".
ويمضي قاسم، الذي يبلغ عمره الآن 69 عاماً، قائلاً: " فتشوا البيت وقالو لنا إنو رح نُبعد ، كانت المجموعة مخلطة وكانو عم يحكوا عربي . بس كان في معن إسرائيلي . علم الدين البدوي كان عنا بالبيت عم يحكي مع واحد إسرائيلي بالعبري". وأضاف قاسم قائلاً إن البدوي وأحد الضباط الإسرائيليين كانا على ما يبدو مسؤولين عن العملية. وكان ضمن المبعدين ابنة قاسم شحرور الصغرى، وتُدعى نجلاء وكان عمرها آنذاك 13 عاماً، وقد أُبعدت وهي لا ترتدي سوى رداء النوم.
؟ طالب أحمد سعد، عامل بناء من بلدة الخيام يبلغ من العمر 27 عاماً،؛ بدأ يتعرض لضغوط في عام 1998 لكي يعمل مخبراً لحساب الجهاز الأمني في "جيش لبنان الجنوبي"، حيث عُرض الأمر عليه ثلاث مرات ولكنه كان يرفض دائماً. وفي يوليو/تموز 1998، اعتُقل بدون تهمة في سجن الخيام واحتُجز 42 يوماً. وذكر طالب سعد لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أنه أُطلق سراحه في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 17 أغسطس/آب 1998، ونُقل إلى مكتب الأمن التابع لميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" في الخيام، حيث احتُجز ليلة. وفي صباح اليوم التالي، حضر إليه ضابطا أمن من "جيش لبنان الجنوبي"؛ ويقول طالب سعد "فكرتن أخديني عالبيت". ولكنه نُقل إلى معبر كفر تبنيت حيث أُبعد. وذكر طالب سعد أن الضابطين أخبراه أن قرار الإبعاد قرارٌ إسرائيلي.
وكما تبيّن الشهادات الواردة في هذا التقرير، فقد ترك كثير من الأهالي المبعدين خلفهم أراضيَ زراعية مثمرة وقطعان ماشية ومتاجر صغيرة، بالإضافة إلى البيوت التي يمتلكونها. وكان من شأن تجريد الأهالي المبعدين من أملاكهم بصورة مفاجئة أن يسبب لهم مصاعب اقتصادية دائمة. فقد وجدت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" بعضاً من مُلاَّك البيوت السابقين يعيشون في شقق صغيرة مكتظة بالإيجار في ضواحي بيروت الكبرى وغيرها من المراكز الحضرية. وذكر هؤلاء أن منازلهم في المنطقة المحتلة لا تزال شاغرة، أو شغلها في بعض الحالات أفراد من ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" مجاناً دون دفع أي مقابل للإيجار. وقد فقد هؤلاء الأهالي كل ممتلكاتهم الشخصية، بما في ذلك الملابس وأثاث المنازل والسيارات. كما تعيَّن عليهم أن يتركوا خلفهم قطعان ماشية كانوا يسترزقون منها، وتتكون في معظم الحالات من الأغنام والدواجن والأبقار. وقد أعربت بعض النسوة اللائي كن يعملن بالزراعة عن حزنهن وغضبهن لأنهن لم يفقدن فحسب مصدر الدخل ومؤن العيش التي تحقق لهن قدراً من الاكتفاء الذاتي، بل فقدن كذلك الحقول والبساتين اللائي اعتدن على زراعتها وارتبطت حياتهن بها بأواصر من الحب والألفة. وقد انحدر الحال بكثير من العائلات المبعدة فوقعت في براثن الفقر، بسبب فقدان الدخل من الأراضي الزراعية والأعمال التجارية المحدودة في قراهم. وقد أعرب بعض المزارعين عن قلقهم العميق بشأن تدهور وضع أراضيهم المهملة، ولاسيما البساتين وحقول الزيتون، من جراء عدم العناية بها. أما الرجال والنساء الذين تمكنوا من الحصول على عمل بشكل أو بآخـر في بيروت فيتقاضون أجوراً ضئيلة لا تعادل دخولهم السابقة في المنطقة المحتلة، ومن ثم انحدر مستوى معيشتهم بشكل كبير. وينطبق هذا بوضع خاص على العائلات التي كانت تعمل بالزراعة وتتمتع بالاكتفاء الذاتي إلى حدٍ كبير. وقد كان كل السكان المبعدين الذين التقت بهم منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"، في مارس/آذار وإبريل/نيسان 1999، من أجل إعداد هذا التقرير، يشعرون بمرارة عميقة، وكان الكثيرون يتملكهم السخط نظراً لعدم وجود اهتمـام يُذكر بمحنتهم في لبنان والعالم.
ولا يسعى هذا التقرير إلى تقديم عرض تاريخي شامل لعمليات الإبعاد؛ فقد وقعت حالات الإبعاد وغيرها من أشكال النقل القسري، التي يتناولها التقرير، في قرى وبلدات في شتى أنحاء المنطقة المحتلة من طير حرفا وشيحين في الجنوب الغربي إلى كفر حمام وشِبْعا في الشمال الشرقي، خلال الفترة من عام 1985 إلى 1999. ويستند هذا التقرير أساساً إلى الشهادات الشخصية لمن أُبعدوا من الأفراد والعائلات، والذين التقت بهم منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" في لبنان. كما يشير التقرير إلى عمليات إبعاد أخرى تناقلت أنباءها وسائل الإعلام اللبنانية ووكالات الأنباء العالمية التي لها مقار في بيروت. ولا يُعرف على وجه التحديد العدد الإجمالي للمدنيين اللبنانيين الذين أُبعدوا من المنطقة المحتلة على مر السنين. وقد ذكرت "لجنة أهالي العرقوب"، وهي منظمة لبنانية غير حكومية، أن الفترة من فبراير/شباط 1987 إلى يناير/كانون الثاني 1999 شهدت إبعاد نحو 250 شخصاً من منطقة العرقوب في القطاع الشمالي الغربي من المنطقة المحتلة، والذي يشمل قرى شِبْعا، وكفر حمام، والهبارية، وكفر شوبا، وراشيا الفخار. كما علمت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أن 46 لبنانياً ممن أُبعدوا في عام 1998 قد سجلوا حالاتهم لدى مكاتب "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" في لبنان. وعلى النقيض تماماً من ذلك، لم تشر وزارة الخارجية الأمريكية، في ثنايا تقريرها الصادر عام 1998 عن ممارسات حقوق الإنسان في لبنان، إلا إلى أربع حالات إبعاد، تنطوي على إبعاد 12 ساكناً بينهم خمس سيدات وأربعة أطفال وثلاثة رجال. وفي ثلاث من هذه الحالات الأربع، لم تؤكد وزارة الخارجية حدوث عمليات الإبعاد، واكتفت بالقول بأن "ثمة أنباء" تفيد بأن الضحايا أُبعدوا. وفي إبريل/نيسان 1999، ذكر مسؤول في وزارة الخارجية اللبنانية في بيروت لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أن الحكومة اللبنانية ليس لديها إحصاءات شاملة لعمليات الإبعاد، نظراً لنقص الموارد، ولكنها تأمل أن تفعل ذلك مستقبلاً. وعلمت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"، قبيل إيفاد مندوبيها لزيارة لبنان في مارس/آذار وإبريل/نيسان 1999، أن الحكومة تسعى للحصول على مساعدة عدد من المنظمات اللبنانية غير الحكومية الصغيرة من أجل جمع معلومات عن المبعدين، ولكن هذه المعلومات لم تكن متوفرة أثناء زيارة وفد المنظمة أو لدى مثول هذا التقرير للطباعة. وقد طلبت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" معلومات من "مجلس الجنوب"، وهو هيئة حكومية تقدم مساعدات مالية للعائلات المبعدة منذ عام 1996. ولكن لم تكن هذه المعلومات قد توفرت لدى مثول هذا التقرير للطباعة. وفي مقابلة مع منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" في بيروت في إبريل/نيسان 1999، قال قبلان قبلان، مدير "مجلس الجنوب"، إن المجلس هيئة تابعة للحكومة اللبنانية تأسس عام 1970 لمساعدة أهالي جنوب لبنان وغربي وادي البقاع، ممن تضرروا من الإجراءات الإسرائيلية. ومن خلال استخدام الاعتمادات الحكومية، يقوم المجلس بتنفيذ مشاريع لتطوير البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية، كما يقدم مساعدات مالية مستمرة لأهالي اللبنانيين المحتجزين في سجن الخيام أو في سجون داخل إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، يقدم المجلس منحة مالية قدرها 20 مليون ليرة لبنانية (حوالي 13.300 دولار أمريكي) تُدفع مرة واحدة لأهالي الأطفال الذين قُتلوا خلال عمليات عسكرية، فضلاً عن منح شاملة ومساعدات مالية أخرى للسجناء المفرج عنهم. وقال السيد قبلان إن رئيس الوزراء أصدر في أواخر عام 1996 مرسوماً إدارياً يقضي بتقديم مساعدة مالية قدرها ثلاثة ملايين ليرة لبنانية لكل عائلة من العائلات المبعدة، بالإضافة إلى تأمين صحي شامل طوال فترة الإبعاد. كما أشار إلى أن الاحتياجات الإضافية لهذه العائلات تُدرس حسب كل حالة على حدة، ويلزم لتوفيرها الحصول على موافقة مجلس الوزراء. وقد طلبت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" نسخة من هذا المرسوم الإداري، ولكنها لم تحصل عليه حتى لحظة كتابة هذا التقرير. وقد أعرب بعض الأهالي المبعدين، الذين التقت بهم منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"، عن شكواهم من إجراءات "مجلس الجنوب"، وذكروا أن مبادئه التوجيهية بخصوص تلقي المساعدات المالية غير واضحة. ففي بعض الحالات، لم يكن الأهالي يدرون شيئاً عن قيمة التعويض الذي يحق لهم الحصول عليه، ومن ثم قُدمت إليهم مبالغ أقل، على حد قولهم. وذكر بعض الأهالي أنهم لم يحصلوا على المساعدات المالية إلا بعد أن اشتكوا علناً من خلال وسائل الإعلام اللبنانية. وقد أحجم العديد من اللبنانيين الذين أُبعدوا بين عامي 1997 و1999عن الموافقة على نشر أسمائهم في هذا التقرير، لأن الأمل مازال يراودهم في أن يُسمح لهم بالعودة إلى قراهم. ولم يشأ آخرون أن تُعرف أسماؤهم خشية أن يتعرض أقاربهم المقيمون في المنطقة المحتلة لمضايقات، بينما أعرب آخرون عن خوفهم من أن تُدمر بيوتهم في المنطقة المحتلة إذا ما نُشرت أسماؤهم. وفي سياق هذا التقرير أُوردت الحالات التي تحتفظ منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" بأسماء أصحابها، ولكنهم طلبوا حجبها، وكذلك الحالات التي رفض فيها من أُجريت معهم المقابلات الإدلاء بأسمائهم.
حياة السكان في المنطقة المحتلة
كان من الصعب على الأهالي المعارضين للاحتلال، ممن فضلوا البقاء في المنطقة المحتلة، أن يواصلوا حياتهم بشكل طبيعي أياً كان. وتعرض المعلومات المستقاة من الأهالي الذين أُجريت معهم مقابلات في سياق إعداد هذا التقرير، لمحات عن هذا الواقع القاسي للحياة اليومية في ظل الاحتلال بالنسبة للسكان الذين لم يتعاونوا مع إسرائيل و"جيش لبنان الجنوبي"، أو الذين عارضوا الاحتلال بصورة صريحة أو مستترة. وبالنسبة لهؤلاء اللبنانيين، كان هناك على الدوام ما يذكرهم بوطأة الاحتلال، ويتمثل ذلك في القرى التي خلت من أغلب سكانها، والمضايقات والضغوط من جانب "جيش لبنان الجنوبي" وقوات الأمن الإسرائيلية، والقيود التعسفية المفروضة على حرية التنقل سواء في الخروج من المنطقة أو العودة إليها، والقلق الدائم على الأقارب الذين يُعتقلون تعسفاً بدون تهمة ويتعرضون للتعذيب في سجن الخيام الواقع في المنطقة المحتلة.
ولم يسلم الأطفال أيضاً من الاعتقال في سجن الخيام، حيث قُبض على بعضهم واحتُجزوا شهوراً من أجل الضغط على آبائهم أو أشقائهم الأكبر سناً. كما تعرضت بعض السجينات للتعذيب، حيث كان المحققون يحاولون انتزاع معلومات منهن، أو كانت أجهزة الأمن التابعة لقوات الاحتلال تسعى إلى الضغط على أقاربهن الذكور من أجل الانضمام إلى "جيش لبنان الجنوبي" أو العودة إلى صفوفه، أو لأن هؤلاء الأقارب كانوا ممن عُرف عنهم، أو اشتبه في أنهم من أفراد الجماعات العسكرية اللبنانية المقاومة للاحتلال
وقد تعرض أفراد بعض العائلات، في قرى شتى بمختلف أنحاء المنطقة المحتلة، لملاحقات على مدى شهور أو سنوات لحملهم على العمل كمخبرين لجهاز الأمن المنتشر في كل مكان، والذي تديره سلطات الاحتلال من خلال "جيش لبنان الجنوبي وبمشاركة وإشراف الاستخبارات الإسرائيلية. وبالنسبة لأولئك الرجال والنساء الذين رفضوا الإذعان للضغوط، كان الملجأ الأخير هو إبعادهم على سبيل العقاب. ففي إحدى الحالات التي وردت تفاصيلها في هذا التقرير، رفض أحد الرجال التعاون مع سلطات الاحتلال فكان جزاؤه الإبعاد مع زوجته وطفليه الصغيرين، وبذلك أصبح العقاب جماعياً. وفي كثير من الحالات الأخرى، كان من شأن الضغوط المستمرة التي يمارسها مسؤولو الأمن في سلطات الاحتلال على رجال ونساء بعينهم أن تجبرهم فعلاً على الفرار من قراهم بدافع الخوف، أو بدافع من مبادئهم السياسية، أو بدافع من الأمرين معاً في كثير من الأحيان. ورغم أن معظم هؤلاء الأشخاص قد وصفوا أنفسهم، في مقابلات مع منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"، بأنهم "مبعدون"، فإن المنظمة تميز بين أولئك الذين فروا من المنطقة وأولئك الذين أُبعدوا أو رُحّلوا بأي صورة تعسفية أخرى. كما كان لجوء ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" إلى أسلوب التجنيد القسري للفتيان الذين يعيشون في المنطقة في صفوفه بمثابة كابوس دائم للعائلات التي تعارض الاحتلال وتزدري الميليشيا الموالية لإسرائيل. وقد بادر بعض الأهالي بالرحيل من المنطقة بمحض إرادتهم خشية أن يُجبر أبناؤهم على الخدمة في صفوف "جيش لبنان الجنوبي"، بينما ظل آخرون في قراهم ولكنهم كانوا يرسلون أبناءهم إلى خارج المنطقة لدى بلوغهم سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة. وتفيد الشهادات التي أدلى بها الأهالي بأن الأطفال كانوا يُجنّدون بالإكراه للخدمة في صفوف تلك الميليشيا، حيث "يأخذونهم في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة أو السادسة عشرة"، على حد قول سيدة من قرية مركبة، جُنِّد ابنها قسراً وهو في السادسة عشرة من عمره. وذكرت هذه السيدة لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أن ابن أحد الجيران جُنِّد قسراً وهو في الرابعة عشرة من عمره.
ومن جهة أخرى، تحدث بعض المزارعين وغيرهم من السكان الذين لديهم موارد للرزق في المنطقة المحتل عن تفشي الفساد على نطاق واسع في أوساط كبار مسؤولي الأمن في سلطات الاحتلال، وهو الأمر الذي يتبدى في فرض "ضرائب" تعسفية على المبيعات التجارية والمحاصيل وغيرها من مصادر الدخل. كما ذكر بعض الأهالي أنهم دفعوا أموالاً نقدية بشكل مباشر لبعض مسؤولي الأمن في "جيش لبنان الجنوبي" من أجل تسريح أبنائهم من الميليشيا، أو من أجل إعفاء هؤلاء الشبان والفتيان من التجنيد في الميليشيا. ووفقاً لما ذكره عدَّة شهود، فقد كان بعض أفراد الميليشيا، الذين قاموا بتفتيش منازل السكان، "يصادرون" - أو بالأحرى ينهبون - أموالاً نقدية ومشغولات ذهبية وسيارات، مما كبّد هؤلاء السكان خسائر تُقدر بآلاف الدولارات .
وبالرغم من الضغوط الدائمة، فقد صمم السكان الذين ظلوا في المنطقة على تعليم أبنائهم، وزراعة أراضيهم، والاستمرار في وظائفهم المحلية باعتبارهم موظفين لدى الحكومة اللبنانية، فضلاً عن ممارسة بعض الأعمال التجارية الخاصة والمحدودة في قراهم. واعتاد هؤلاء الرجال والنساء، الذين لم يفروا من المنطقة، على استخدام مدخراتهم والأموال التي يزودهم بها أفراد أسرهم، ممن يعملون في الخارج أو في بيروت أو غيرها من المدن اللبنانية، لاستثمارها في ما لديهم من بيوت وأراضٍ زراعية ومشاريع في المنطقة. وفي هذا الإطار الأعم يتعين النظر إلى العواقب الوخيمة لإبعاد أية عائلة وتجريدها بشكل دائم من ممتلكاتها .
الدور الإسرائيلي في المنطقة المحتلة
تضم المنطقة التي تحتلها إسرائيل، والتي تقع على الحدود مع إسرائيل وتمثل نحو عشرة بالمئة من أراضي لبنان، ما يزيد عن مائة قرية وبلدة في جنوب البلاد. وقد تشكلت الحدود الحالية للمنطقة في عام 1985، عندما انسحب الجيش الإسرائيلي على مراحل من مناطق في لبنان كانت قواته قد احتلتها جهة الشمال، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/حزيران 1982. وكان مجلس الأمن الدولي قد اعتمد القرار رقم 425، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في مارس/آذار 1978، والذي يطالب إسرائيل بأن توقف فوراً عملياتها العسكرية ضد سلامة الأراضي اللبنانية، وأن تسحب قواتها على الفور من جميع الأراضي اللبنانية؛ ولا يزال هذا القرار سارياً ويوجد مقر رئيسي للجيش الإسرائيلي في إحدى الثكنات التي كانت تابعة من قبل للجيش اللبناني، في بلدة مرجعيون الواقعة وسط المنطقة. ويرفرف علم إسرائيلي، بالإضافة إلى أعلام لبنانية على جانبيه، فوق مجموعة المباني التي توجد بها الثكنة. كما ترفرف أعلام إسرائيلية على المراكز العسكرية للجيش الإسرائيلي المحصنة تحصيناً شديداً في مختلف أرجاء المنطقة، والمقامة في مواقع استراتيجية على أعلى قمم التلال، ومن بينها المركز الموجود في قلعة بوفور (الشقيف ) الشاهقة المطلة على قرية أرنون والتي يعود تاريخها إلى فترة الحروب الصليبية. وفي تصريح لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، في مارس/آذار 1999، قال موشي أرينز، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إن "لدينا آلاف الجنود والضباط الذين يقومون بالعمل في لبنان كل يوم، ويخاطرون بأرواحهم".
وتسيطر إسرائيل على المنطقة المحتلة من خلال قواتها العسكرية والأمنية، وكذلك من خلال الميليشيا المعاونة التابعة لها والمعروفة باسم "جيش لبنان الجنوبي". وتتألف هذه الميليشيا من مجندين لبنانيين، غير أن إسرائيل تتولى تسليحها وتمويلها بصفة مباشرة. وقد دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على القول بأن إسرائيل تعمل بالتنسيق مع ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" ولها نفوذ عليها، ولكن هذه الميليشيا ذات إدارة ذاتية مستقلة، ومن ثم فإن إسرائيل ليست مسؤولة عن تصرفات "جيش لبنان الجنوبي" في المنطقة، من قبيل إدارة سجن الخيام ذي السمعة السيئة وتعذيب المعتقلين فيه. إلا إن المجتمع الدولي يتبنى وجهة نظر مغايرة؛ ففي سياق تقاريره التي تُقدم مرتين سنوياً إلى مجلس الأمن الدولي، لم يذكر الأمين العام للأمم المتحدة اسم "جيش لبنان الجنوبي" مطلقاً، بل كانت هذه الميليشيا تُوصف دائماً فـي تلك التقارير بأنها "القوات القائمة بحكم الواقع الفعلي"، ويُشار لها باسم "القوات اللبنانية المحلية المعاونة" التابعة للجيش الإسرائيلي. ويمكن القول بأن استمرار إسرائيل في احتلال المنطقة يرجع، في جانب منه، إلى نشر قوات "جيش لبنان الجنوبي" واستخدامه كوكيل لها. وتفيد الأنباء أن وحدة الاتصال التابعة للجيش الإسرائيلي في لبنان، ويترأسها ضابط من الجيش الإسرائيلي برتبة عميد، هي التي توجه الأنشطة العسكرية للقوات الإسرائيلية وميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" في المنطقة المحتلة.
وفي إبريل/نيسان 1998، اعترفت الحكومة الإسرائيلية، بزعامة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء آنذاك، "بسيطرة الجيش الإسرائيلي" على المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان. ففي أول إبريل/نيسان 1998، أعلنت لجنة الأمن القومي المنبثقة عن مجلس الوزراء الإسرائيلي أن إسرائيل تقبل قرار الأمم المتحدة رقم 425، "ومن ثم فإن الجيش الإسرائيلي سوف يغادر لبنان"، ودعت اللجنة المذكورة الحكومة اللبنانية إلى "بدء مفاوضات... لاستعادة سيطرتها الفعالة على الأراضي التي تخضع حالياً لسيطرة الجيش الإسرائيلي..." (التأكيد مضاعف). ومع ذلك، فما برح المسؤولون الإسرائيليون يتهربون من المسؤولية من ممارسات القوات اللبنانية المعاونة للجيش الإسرائيلي في المنطقة المحتلة، وما زالوا يصرون على القول بأن النفوذ الإسرائيلي لا يرقى إلى مستوى "السيطرة الفعالة". إلا إن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تتفق مع المجتمع الدولي في الرأي القائل بأن إسرائيل تمثل سلطة الاحتلال في الأراضي اللبنانية التي تشير إليها باسم "المنطقة الأمنية"، ومن ثم فهي التي تتحمل المسؤولية النهائية عن أنشطتها وأنشطة القوات اللبنانية المعاونة لها في تلك المنطقة.