ابل السقي
"قضاء مرجعيون"
بلدة اول شهيد مقاوم على ارض فلسطين
البلاد العدد 410
التسمية والموقع
"ابل السقي" وردت في التاريخ القديم تحت اسم آبل الهواء او المياه او الكروم وربما آبل الزيت. ومفردة "آبل" تعني الروض او الحرج او البستان وقيل المناحة او الكآبة، وفي معجم اللغة تعني الجمال.
اما "السقي" فهي ما يسقى من الزرع او الارض.
تقع بلدة "ابل السقي" في القطاع الشرقي من المنطقة المحتلة، على تلة مرتفعة متجهة الى الغرب تخيل اليك كظهر حصان تظهر منها بحيرة الحولة في فلسطين المحتلة. تشكل مع تلتي جديدة مرجعيون والخيام مثلثا بارزا على خريطة لبنان. تحد ابل السقي من الغرب جديدة مرجعيون ومن الجنوب الخيام، اما من الشمال بلدة كوكبا (حاصبيا)، ويفصلها من الشرق وادي الحاصباني عن بلدة راشيا الفخار حيث تبرز التكوينات والفرشات البازلتية النيوجينية البلايوسينية.
تصل الى البلدة من بيروت عن طريق: صيدا - النبطية- معبر كفرتبنيت - مرجعيون - ابل السقي (110 كلم)، ومن المصنع عبر طريق حاصبيا - ابل السقي.
تبعد عن صيدا 70 كلم وعن جديدة مرجعيون حوالي 8 كلم، وترتفع عن سطح البحر حوالي 760 م.
سكانها
يبلغ العدد الاجمالي لابناء البلدة حوالي 5000 نسمة ويشكل مغتربوها ما نسبته 60 %، هذا بالإضافة الى الباقين الذين لم يشملهم الاحصاء. يقطن فيها حوالي 1000 نسمة ويتوزع الآخرون على مختلف المناطق اللبنانية. ينتمي ابناؤها الى طوائف ومذاهب عدة منها الروم الارثوذكس والدروز والموارنة و "البروتستانت" والكاثوليك، ويتوزعون على 41 عائلة اقدمها ابو سمرا.
ومن ابرز عائلاتها : فرحات - سعادة - الراسي - غطاس - الطيار - حداد - نهرا - غازي - بقاعي - غبار ومنذر. تتبع ايل ابسقي اداريا وقضائيا وامنيا لقضاء ومحكمة ومخفر درك جديدة مرجعيون.
ابل السقي في التاريخ
يعود تاريخ ابل السقي لعهود قديمة، فاسماؤها المتعددة لها حكايات وردت في كتب التاريخ القديم والحديث.
فعن اسم "ابل الزيت" روى ابن عساكر في تاريخ دمشق ان رسول الله (ص) لما رجع من حجة الوداع امر اسامة بن زيد ان يوطئ خيله "آبل الزيت".. وهي قرية "آبل القمح" في شمال فلسطين (القرى السبع). ومن المرجح ان المؤرخ قد وقع في خطأ لعدم تمييزه ما بين "آبل الزيت" وهي ابل السقي التي اشتهرت بالزيت والزيتون، و "آبل القمح" التي لا يوجد فيها الا زراعة القمح.
حدثت في البلدة احداث تاريخية كثيرة، منها ان سلالة امراء ال معن انتهت فيها. فقبيل منتصف القرن 17 وبعد معركة سوق الخان التي انتصر فيها الاتراك، نجا من ال معن علم الدين الذي لجأ الى البلدة وترك لقب الامارة، وعمد الى تبديل اسمه بعلم الدين الخلوي وذلك لئلا يلاحقه العثمانيون، ثم بنى منزلا معزولا وعاش فيه، ولكن المكان المعزول اضحى حيا عامرا بعدما اخذ ابناء العائلة بتوسيعه وبناء منازل قربه، واخر احفاد علم الدين هو سليم المعني الذي استعاد لقب الامارة ومات في الارجنتين، وبموته تكون سلالة ال معن قد انقرضت.
عانت ابل السقي من القهر والظلم ابان الحكم العثماني، والذي تمثل بمأمور مخفر المنطقة ويدعى رجب وكان يسوق الناس ويضربهم بسوطه بطريقة قاسية جدا.
وعلى الرغم من معاناتها فقد استطاعت البلدة الصمود والوقوف الى جانب الثورة العربية الرافضة للاستعمار الفرنسي آنذاك.
وبالنسبة للاقطاع المحلي، فقد عرفت به عائلة ابو سمرا قبل القرن الثامن عشر حيث كانت تمتلك معظم الاراضي وعمل عندها ابناء الطوائف الاخرى، وكان على رأس هؤلاء الاقطاعيين الياس ابو سمرا. وبرز على زمانه من الدروز ال غزام، واشتهر منهم بيتر عزام من شعراء الزجل، واستطاع ابو سمرا الاستيلاء على مساحات كبيرة من الاراضي بالاضافة الى سيطرته على قسم من اراضي "الحولة" و "المطلة" و "ابل القمح"، المحتلة حاليا من العدو الصهيوني داخل فلسطين، وبرز حينها الاديب سلام الراسي الذي كان يقوم بحملة تعبوية لشباب البلدة ضد الممارسات الاقطاعية، وقد استطاع التيار التحرري هدم الروح الاقطاعية والسيطرة على القرار الداخلي من خلال التوعية الثقافية والسياسية. وكان سلام الراسي اول من اسس الحزب "الاشتراكي" في ابل السقي وسعى الى دمجه بالحزب "الشيوعي".
الحالة الدينية
تنقسم ابل السقي الى حارتين: واحدة شمالية يسكنها المسيحيون حيث يوجد فيها 3 كنائس للروم الارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، والاخرى جنوبية يقطنها الدروز ولهم خلوة واحدة جاء ذكرها في التاريخ ولهذا فان حالة التعايش مميزة في البلدة التي لا تنسى كلمة الشيخ حسن غبار في حوادث 1860 والتي ابعدت ابل السقي عن الفتن الداخلية عندما قال: "اما نحيا معا او نموت معا".
اول هاتف وجد في البلدة كان في دكان فيليب نهرا عام 1952. ويوجد حاليا "سنترال" خاص خطه من جديدة مرجعيون حيث الموزع الهاتفي ومكتب البريد.
اقتصادها
الزراعة
قديما، ذاع صيت ابل السقي بسبب زيتونها الروماني القديم والحديث واشجار الجوز والتوت والسنديان وكروم العنب وزراعة البصل ومختلف انواع الحبوب.
وحاليا تكثر زراعة الزيتون والعنب والتين، لكن الزراعة تتعرض لازمة كبيرة نظرا لنزوح الايدي العاملة وخصوصا الشبان من البلدة، وبسبب تلغيم معظم الاراضي المجاورة من قبل العدو وفرض حظر التجول في البساتين، بالاضافة الى احراقها.
ونظرا لسعة اراضي البلدة وبعد المناطق الزراعية، اقام ابناؤها مزارع صغيرة يأوي اليها الفلاحون والمزارعون، ولكن هذه المزارع تحولت في ما بعد الى قرى صغيرة تابعة لها، الى جانب البلدة يقع جبل يدعى "جبل الحمى" وتبلغ مساحته تقريبا 4000 دونم وقد كان في السابق عبارة عن حرش تكسوه غابات السنديان والملول والخرنوب والعرعر. وقامت مصلحة الاحراج في وزارة الزراعة بتحريج قسم منه وشق طريق زراعية في وسطه. وتبلغ المساحات المحرجة حوالي 100 دونم، اما المساحة الباقية فهي موضوعة تحت الحماية القانونية ويوجد فيها اشجار برية.
واقيمت في البلدة جمعية تعاونية تضم 66 فلاحا ومن نشاطاتها استصلاح اراض صحراوية ولكنها توقفت عام 1978 اثر الاجتياح "الاسرائيلي". وبالنسبة للثروة الحيوانية، فهي قائمة على المواشي من اغنام وابقار وعلى دود القز لصناعة الحرير وعلى النحل لانتاج العسل.
الصناعة والتجارة
وضع الصناعة سيء للغاية. ويقال بانه كان فيها مكبسان حديثان لتقطير الزيت، واقيم فيها مشغل "ارتيزانا" لبناني وبعض الاشغال الريفية.
اما وضع التجارة فهو افضل بسبب اقدام الشباب على العمل فيها، وكانت العلاقات التجارية قائمة بين ابناء البلدة وقوات الامم المتحدة المتمركزة فيها منذ العام 1978، وتشمل مختلف المنتوجات والمواد.
السياحة
صنفت ابل السقي في الستينات من القرى النموذجية الفلكلورية لجمال بيوتها المسقوفة بالقرميد الارجواني حيث وسعت طرقاتها وشجرت، واعتمدت احدى بيوتها القديمة متحفا يعبر عن التراث القروي الذي يعيشه الفلاح الجنوبي، فكان يحتوي على "السكة، النير، العرزال، المساس".
ومن الفنادق التراثية دار في الحي الجنوبي يدعى "دار امنزول" حيث كان الفلاح حينها يقدم بيته يوما واحدا لصالح الضيف (الافندي آنذاك).
وهناك منطقة في ابل السقي تدعى القبية تقع جنوب البلدة على بعد 800 م وارتفاع يزيد على 300 م كثرت فيها الخبريات الغيبية والمغاور العتيقة والحفريات والمنازل القديمة والمعابد والكنائس بالإضافة الى معاصر العنب والزيتون، ويقال بان ابناء البلدة وجدوا مغارة من الذهب على شكل دجاجة وصيصانها، وقصدها العديد من المكاريين المغاربة للبحث عن كنوز مدفونة فيها. ويوجد ايضا مزارع صغيرة تشبه المغاور كمزرعة "القنبرة" المتاخمة لجسر ابو زبلة الذي يفصل اراضي البلدة عن شمال فلسطين ومنطقة المشحدية، واخرى لا تزال اقبيتها عامرة، يوجد قربها حفريات تدل على مغاور ومعاصر عنب ومآوي للفلاحين ومواشيهم. وكان البلدة اشبه بالمصيف خصوصا لاهالي الحولة نظرا لطبيعتها المنعشة فكانوا يلجأون اليها هربا من الحر في فصل الصيف.
خدمات عامة
المياه
نظرا لعذوبة مائها وهوائها العليل سميت البلدة "ابل العذبة" حيث ينابيع عديدة كنبع ابل السقي، عين الوادي وعين المهرا. وفي خراج البلدة ينابيع تستخدم لسقاية الماشية كنبع العتيقة ونبع مار جرجس، وفيها ايضا ابار ارتوازية تستفيد منها القرى المجاورة. وقام ابناؤها بوضع سدود على نهر الحاصباني لجر المياه الى المزارع والسهول لري البساتين. وتصل المياه من نبع شبعا الى منازل البلدة. والجدير ذكره ان العدو الصهيوني قام بسرقة مياهها عبر شبكات ومضخات.
الكهرباء
في الستينات انيرت البلدة. بعد اكتمال مشروع القرية النموذجية وهو يوم مشهود في تاريخها.
الوضع الصحي
بالنسبة للوضع الصحي، عرف في السابق يعقوب الحكيم حيث كان يداوي الناس بالطرق القديمة القائمة على بعض الحشائش والحبوب كالخردل وبزر الكتان والعسل ايضا، ويضاف اليها علاج الكي الشائع آنذاك. وهناك ايضا خليط من الاوهام والحقائق المرتكزة على فك السحر حيث بلغت حكمة يعقوب الحكيم مسمع الدكتور "طمسن" وهو اول مرسل اميركي الى بلادنا وكان مركزه في حاصبيا عام 1845 وقد اعجب بيعقوب الحكيم وقيل انه لقنه بعض قواعد الطب الحديث وزوده بالادوية المعروفة.
الوضع التربوي
بالنسبة الى الوضع التربوي فقد نشطت الارساليات في ابل السقي في الوقت الذي اعتمد فيه القرى المجاورة على الكتاتيب.
وعرفت من الارساليات المدرسة الارثوذكسية وكان يديرها المعلم يواكيم الراسي وهو احد مؤسسي "مدرسة الفنون الانجيلية" في صيدا عام 1881م ولا تزال تحمل هذا الاسم حتى الان، والمدرسة الثانية هي "المدرسة البروتستانتية" وكان يديرها يعقوب الحكيم. وهاتان المدرستان اقفلتا مع انشاء المدرسة الرسمية في اواخر الاربعينات التي بدأت في مبنى مدرسة الروم، ودرس فيها فؤاد الراسي وفؤاد داغر حوالي 100 تلميذ وكانت تدرس حتى نهاية المرحلة المتوسطة.
عرفت ابل السقي وجوها ادبية وعلمية عدة، ابرزها سلام الراسي صاحب المدرسة التجديدية في ادب العامة، ولقب بشيخ الادب الشعبي وله مؤلفات عدة منها : لئلا تضيع - في الزوايا خبايا - حكي مرايا وحكي سرايا - حيص بيص - الجبل على الجرار - من كل وادي عصا..
واشتهر ايضا انيس الراسي وهو استاذ الادب العربي وكان من مؤسسي "رواق المعري" وهي جمعية ادبية واخوه سامي الذي كان رساما وفنانا وصحافيا.
وعرف ايضا من شعراء البلدة الشاعر جميل منصور الحداد، نجيب حداد واخوه توفيق، اسعد الراسي وشاهين مكاريوس.
ومن الأدباء عرفت اميلي غطاس، سعدى الخوري، د. شهينة الراسي، سعيد فرحات، د. شفيق البقاعي، د. اميل غطاس، د. جان الراسي. اما اطباؤها فهم د. الياس الطيار، د. الياس الحداد ود. مخول سعادة.
واعتبرت البلدة مركزا ثقافيا مهما لبلدتي مرجعيون وحاصبيا، واقيمت فيها مشاريع انمائية عدة مولت من متبرعين ومهتمين.
مراحل الاسر
عرفت ابل السقي المقاومة منذ الثلاثينات، وقاد عساف الصباغ ثورة عسكرية ضد اليهود وقد شكل النواة الثورية بعد سيطرة الاستعمار الانكليزي والفرنسي في ميسلون ودمشق. وكانت ابل السقي مركز الثوار الذين عملوا على مهاجمة المستعمرين في الجديدة. ويذكر ان اول شهيد سقط هو فايز علي ملحم في معركة الحولة عام 1932.
وعرف الصباغ بقيادته الجناح العسكري في المقاومة الوطنية التي كانت تضرب المتعاملين مع اليهود والمستخدمين في عمليات شراء الاراضي.
وحدثت مرة ان قتل يهودي على يد المقاومين في الاراضي الفلسطينية فرفع اليهود دعوة على عساف ورفاقه في لبنان فاعتقل هو ورفيقه موسى عاصي في مغارة تقع جنوب البلدة على يد قائد موقع مرجعيون "القومندان" الفرنسي "جيريه" واستخدم مع المعتقلين ابشع وسائل التعذيب وحكم عليهم بالاعدام رميا بالرصاص ونفذ الحكم عام 1940.
وفي عام 1948، ابان الحكم الفرنسي تعرض الفلاحون للسلب من قبل الاقطاعيين والفرنسيين. فقام نديم فرحات وواجه 60 جنديا بكل ذكاء فادب عسكر المستشار الفرنسي وذهب ضحية المواجهة مرقص الذي دعي بشهيد الفقراء، ولم يستطع المستشار ملاحقة نديم.
ويخبرنا الاستاذ سلام الراسي انه في 13 ايار (مايو) 1948 عسكر "جيش الانقاذ العربي" بقيادة فوزي القاوقجي في نبع الحمام قرب مرجعيون وقال: غدا يبدأ الزحف جنوبا لتطهير الارض المقدسة من شذاذ اليهود. الا ان الراسي اكد في خطبته ان ما سيحصل هو العكس أي ان العرب سيذهبون لطرد الفلسطينيين مما ادى الى اعتقاله 6 اشهر في معتقل بعلبك.
وفي عام 1976، توجه الفلسطينيون الى ابل السقي باعتبار انها خط الدفاع الامامي، فيما رحل الدروز الى حاصبيا وجمع المسيحيون شملهم ورحلوا ولم يبق سوى العجز فزحفت الدبابات الصهيونية وقصفت البيوت ذات القرميد فدمر تراث البلدة وقصف زيتونها.
وبعد مرور الوقت، عاد الى البلدة من عاد وانجرف بعضهم في تيار العمالة.
ومن شهداء البلدة جورج نصر الله الذي استشهد عام 1986 في عملية جبل الشيخ وقد عرف بتضحياته ووطنيته وقد خاض عمليات نضالية اهمها محاولة تفجير اذاعة العملاء.