الحاج راضي حويلة المبعد وعائلته من شبعا
قلت لهم: اعتقلوني ولا تبعدوني
البلاد العدد 433
"ما يجري في بلدة شبعا ليس حدثا عابرا بل انتفاضة بكل ما للكلمة من معنى: بهذه الكلمات بادرنا الحاج راضي ابو حويلة (70 عاما) الذي ابعدته ميليشيا العملاء من بلدته شبعا مع عائلته المؤلفة من خمسة اشخاص لتبدأ بذلك رحلة التهجير والعذاب، فمنذ 30 عاما لم يغادر ابو حويلة البلدة ويلخص معاناته بامرين: اما ان يؤمنوا لنا العودة الى ارضنا وبيوتنا فلا يمكننا ان نعيش بدونها، واما ان يؤمنوا لنا السكن اللائق.
ولعل معاناة ابو حويلة ليست الوحيدة، فهي واحدة من معاناة العديد من العائلات التي ابعدت مؤخرا من بلدة شبعا اثر الانتفاضة وحركة الاحتجاج الشعبي الذي يقوم به الاهالي ضد قوات الاحتلال والعملاء الذين فرضوا حصارا مطبقا على البلدة، مما دفع الاهالي الى الاعتصام في مسجد البلدة احتجاجا على الممارسات التعسفية ضدهم.
الحاج راضي ابو حويلة (70 عاما) وافراد عائلته الخمسة : زوجته فاطمة (65 عاما) وابنتهما سلمى وزوجة ابنهما لمياء وطفلتاها "وعد (7 سنوات) وولاء (3 سنوات)" واحدة من العائلات التي ابعدت مؤخرا من بلدة شبعا لم تجد سوى منزل صهرها جمال بنوت في مدينة صيدا ملاذا يحفظ كرامتهم ويخفف عنهم مرارة الابعاد، بعدما سدت في وجههم الابواب واخرجوا من ديارهم مرغمين.. لا لشيء، فقط لانهم متمسكون بوطنهم وبهويتهم الوطنية، ولان احد افراد العائلة ترجم هذا الموقف برفضه الالتحاق بصفوف الميليشيات العميلة وتأدية الخدمة الاجبارية فيها، فكان عقابه وعقاب اهله الابعاد من بلدتهم "شبعا" التي ولدوا ونشأوا وترعرعوا وصمدوا فيها على الرغم من مرارة الاحتلال.
العائلة المبعدة التي تقيم حاليا في منزل صهر العائلة جمال بنوت والمؤلف من ثلاث غرف صغيرة ولا تتعدى مساحته الاجمالية المئة وعشرة امتار وصلت الى صيدا بعد مسيرة طويلة من الابعاد التي بدأت فصولا مع استدعاء جهاز امن الميليشيات العميلة لجميع افرادها الى مركز الامن في حاصبيا وابلاغهم قرار الابعاد نتيجة رفض خليل ابو حويلة (25 عاما)، وهو ابن راضي ابو حويلة، الامتثال لاوامر الميليشيات العميلة والالتحاق بالخدمة الاجبارية في صفوفها .
في احدى غرف المنزل الذي ضاق بساكنيه وهم فضلا عن شاغليه الجدد (الحاج راضي ابو حويلة وافراد عائلته الخمسة) توجد عائلتان: عائلة الصهر جمال بنوت وتتألف من : الزوجة والاولاد الاربعة، وعائلة عديله علي زبيب مع زوجته وولديهما، وبذلك اصبح عدد المقيمين في المنزل 16 فردا جلهم من النساء والأطفال. جلس الحاج راضي يداعب احفاده الصغار ممسكا بعصا تعينه على الوقوف والمشي فتحمل بعضا من ثقل الشيخوخة التي دلت عليها تقاسيم وجهه وعيناه الغارقتان في هم عمق أطلت منها دمعات لا تنتظر اذنا بالتعبير عما بداخله.
انتم مبعدون
تقترب من هذا العجوز وتسأله عن حاله وما جرى معه فيقول : جاء احدهم وقال لي: انت مطلوب الى حاصبيا، وكنت اعرف بان اشخاصا كثيرين استدعوا وحقق معهم واعيدوا الى بلدتهم شبعا، اما انا فقد ابلغت بوجوب الذهاب الى مركز امن حاصبيا.
اضاف : تركت عملي وذهبت مع افراد عائلتي كما طلب مني، وعندما وصلنا الى حاصبيا منعونا من الدخول وقالوا لنا : ابقوا في الخارج، ثم اجبرونا على الذهاب الى زمريا والخروج من البلدة دون سابق انذار، عندها انتفضت في وجههم وقلت لهم: خذوني الى الخيام لكني لن اترك بيتي ورزقي، فانا رجل عجوز ولا استطيع العمل سوى في ارضي وكما ترون استعين بهذه العصا على التنقل.
واردف : لكنهم رفضوا الاستماع الى، وقالوا لعائلتي : "انتم مبعدون". واركبونا في سيارة ابني خليل الذي لا اعرف عنه شيئا حتى الان، وقادها سائق منهم ورافقتنا سيارة ثانية من جهاز امن العملاء حتى معبر زمريا، ومن هناك استقلينا سيارة رفض سائقها اخذ الاجرة منا بعدما سمع قصتنا، وقال لنا وعيناه تذرفان الدموع: "ما بدي منكم شيء، المهم انكم توصلوا بالسلامة".
وهكذا اوصلنا هذا الرجل الطيب الى حاجز الجيش الذي استقبلنا ورحب بنا واطعمنا. ومن هناك اقلتنا سيارة تابعة للصليب الاحمر الدولي.. وها نحن اليوم في منزل صهرنا لا نملك من متاعنا وممتلكاتنا شيئا لانهم اخرجونا بشكل مفاجيء ومنعونا من جلب أي اغراض معنا.
ونسأل الحاج راضي عن عمله فيقول: كنت اعمل في "نكش الحواكير" وتحضير مساكب الخضار في شبعا بالاجرة، ولدي حقل صغير ازرعه خضارا واعتاش من بيعها.
جحيم لا يطاق
وتقاطعه الزوجة الباكية فاطمة ابو حويلة قائلة: المشكلة اننا لا نعرف شيئا عن ابننا خليل، اخر مرة رأيناه فيها كان يقول: "انا ما بترك اهلي، بدي امشي قبل ما يمشوا". وها نحن قد ابعدنا ولا نعرف عنه شيئا.
وتضيف وهي تحتضن حفيدتها: نريد ان نعود الى بلدتنا، ففيها نستطيع ان نعيش بكرامة وراضين بما قسم الله لنا، مثلنا مثل الكثير من العائلات الاخرى التي لا تزال تعيش هنا على الرغم من المعاناة.
اما الابنة سلمى فاوضحت وهي تجهش بالبكاء : لا احد يستطيع ان يشعر بما نعانيه بسبب ابعادنا عن المنزل والبيت والارض، هنا على الرغم من كل المحبة والعطف، نعيش في جحيم لا يطاق.
ونترك بيت جمال بنوت المتواضع وهو يستقبل المزيد من الضيوف والصحافيين، وقد ارتسمت في الاذهان مأساة جديدة لعائلة أخرى من هذا الوطن تسبب بها الاحتلال.