الآثار الاجتماعية والاقتصادية للاعتداءات "الاسرائيلية" على جنوب لبنان :بلدة الخيام مثالاً

د. علي فاعور

استاذ جامعي - لبنان


مقدمة

يشهد الجنوب اللبناني ومنذ زمن بعيد، نزوحا سكانيا كثيفا تحول اليوم الى هجرة جماعية داخلية وخارجية، فمنذ عدة سنوات تتدفق افواج النازحين من القرى والمدن الجنوبية باتجاه العاصمة بيروت والمدن الكبرى. هذا بالاضافة لاعداد المهاجرين الجنوبيين الذين فضلوا الهجرة خارج الوطن بعد ان دمرت بيوتهم وقراهم وفقدوا اعمالهم ومصادر رزقهم، بفعل الاعتداءات "الاسرائيلية".

واذا كان تيار الهجرة الخارجية قد بدأ بالركود في السنوات الماضية الاخيرة، فالجنوب اليوم يواجه هجرة متزايدة ومخيفة، ذلك ان معظم المهاجرين هم من البالغين الذين يمثلون القوة العاملة والذين نحن بامس الحاجة اليهم، اما الهجرة الداخلية فهي تؤدي الى استنزاف القدرات الفاعلة في المناطق الريفية من الجنوب، وتهدد امنه ومستقبله. فراغ هائل في الريف يقابله زيادة مفرطة وتضخم سكاني في المدن الكبرى، وبخاصة مدينة بيروت وضواحيها الجنوبية الغربية.

ان دراسة التحركات السكانية هي من اصعب الدراسات العملية لما تتطلبه من بيانات احصائية دقيقة ومفصلة توفر المعلومات الاساسية للبحث. لهذا فقد اعتمدنا اساسا في هذا البحث على البيانات السكانية المتوفرة وبخاصة على دراسة ميدانية نموذجية للمهجرين من بلدة الخيام (1) قمنا بها في نهاية سنة 1978، بالاضافة للتقديرات الصادرة عن هيئات الاغاثة واللجان المختصة باوضاع المهجرين.

لقد اثرت موجات التهجير المستمرة على الوضع السكاني في الجنوب، بالإضافة لتأثيرها البالغ على حياة السكان الجنوبيين ومعيشتهم، لهذا اصبح من الضروري التعرف على احوال السكان المهجرين في اماكن اقامتهم الجديدة ودراسة اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، مع التركيز على اهمية المتغيرات الديموغرافية والحيوية في رسم صورة المستقبل، والتخطيط لمواجهة اخطر الأزمات التي يعيشها جنوبي لبنان اليوم، والتي سوف يزداد خطرها في المستقبل.

لذلك يتضمن هذا البحث النقاط الرئيسية الآتية:

اولا: افراغ الجنوب من سكانه.

ثانيا: تأثير الهجرة على التركيب السكاني (التركيب العمري والنوعي).

ثالثا: تأثير الهجرة على المتغيرات الديموغرافية والحيوية للسكان.

رابعا: الوضع السكني والبيئة السكنية.

خامسا: المستوى التعليمي للسكان.

سادسا: النشاط الاقتصادي وانتشار البطالة.

سابعا: الاستنتاجات العامة.

ان اخطر ما يواجهه الجنوب امام الاعتداءات "الاسرائيلية" والاحداث المستمرة على ارضه هو ازاحة سكانه وتهجيرهم بنتيجة عدم استقرار الاوضاع الامنية. لقد عرفت المناطق الجنوبية ومنذ سنوات عدة موجات نزوح كثيفة اتجهت نحو العاصمة بيروت والمدن الكبرى، حتى ان نسبة السكان الجنوبيين المقيمين في ضواحي بيروت بلغت قبل الاحداث حوالي 27 % من مجمل السكان المقيمين في ضواحي العاصمة (حوالي 150 الف نسمة تقريبا). ويمكن ان نستنتج وبنتيجة الاحداث المستمرة في الجنوب وموجات الهجرة المتلاحقة ان نسبة السكان الجنوبيين المقيمين في احياء الضاحية الجنوبية الغربية تبلغ حوالي ثلثي مجموع السكان المقيمين في هذه الاحياء.

 

1-حجم سكان الجنوب قبل عدوان 1978:

ان اول مشكلة تعترض الباحث في دراسة الوضع السكاني في لبنان تتمثل في عدم توفر الاحصاءات، فلبنان هو البلد الوحيد في منطقة الشرق الاوسط الذي لم يقم بتعداد لسكانه من حوالي نصف قرن تقريبا، اذ يعود تاريخ التعداد السكاني الاول الى سنة 1932، اما الاحصاءات المتوفرة فهي قليلة وغير كافية واهمها تحقيق احصائي بالعينة للقوة العاملة في لبنان، تشرين الثاني سنة 1970، (2)، ثم احصاء يتناول حركات الهجرة في لبنان سنة 1972(3)، بالاضافة لاحصاء بالعينة ايضا قامت به مصلحة النشاطات الاقليمية في وزارة التصميم العام لتقدير عدد السكان المقيمين في لبنان حتى نهاية سنة 1964.

وهنا نود ان نثبت حقيقة هامة، وهي ان دراسة الوضع السكاني في الجنوب، لا يمكن ان تعتمد فقط على بيانات السكان المسجلين، فالمناطق الجنوبية تمثل ومنذ عدة سنوات، مناطق طاردة للسكان حيث تنطلق منها موجات النزوح الكثيف، هذا بالاضافة لموجات الهجرة الخارجية، لهذا سنحاول في هذا البحث اعتماد التقديرات الاقرب للدقة والتي تساعدنا في دراسة الواقع السكاني الحالي.

بلغ عدد السكان المسجلين في محافظة لبناني الجنوبيين حتى نهاية سنة 1964، حوالي 458959 نسمة، ويمثل هذا العدد حوالي 20 % من مجمل السكان المسجلين في لبنان. وبزيادة سكانية تبلغ حوالي 3.5 بالمئة سنويا، يصبح عدد السكان المسجلين بعد مضي 15 سنة وفي بداية سنة 1980 حوالي 768915 نسمة، اما عدد السكان المقيمين في محافظة لبنان الجنوبي، فقد بلغ حسب تحقيق بالعينة اجرته مصلحة النشاطات الاقليمية سنة 1964 حوالي 288600 نسمة (4)، او ما يعادل 13.24 % من مجمل سكان لبنان، وحسب هذه التقديرات يتوزع السكان المقيمون في محافظة لبنان الجنوبي كما يظهر من الاتي:

قضاء صيدا: تبلغ مساحته 369.90 كلم مربع، تعداد السكان 82830 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 3.80 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 307 نسمة.

قضاء النبطية: تبلغ مساحته 310.00 كلم مربع، تعداد السكان 38638 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 1.76 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 123 نسمة.

قضاء جزين: تبلغ مساحته 240.00 كلم مربع، تعداد السكان 18400 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 0.84 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 76 نسمة.

قضاء صور: تبلغ مساحته 218.80 كلم مربع، تعداد السكان 51930 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 2.38 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 237 نسمة.

قضاء مرجعيون: تبلغ مساحته 407.50 كلم مربع، تعداد السكان 40020 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 1.84 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 98 نسمة.

قضاء بنت جبيل: تبلغ مساحته 255.58 كلم مربع، تعداد السكان 41030 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 1.88 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 160 نسمة.

قضاء حاصبيا: تبلغ مساحته 309.00 كلم مربع، تعداد السكان 16030 نسمة، والمقيمون فيها سنة 1964 نسبة الى مجموع سكان لبنان يبلغ 0.74 %، والكثافة في الكلم المربع الواحد 52 نسمة.

يتبين من ذلك ان مساحة محافظة لبنان الجنوبي تبلغ 2010.78 كلم مربع او ما يعادل حوالي 20 % من مساحة لبنان. اما نسبة السكان المقيمين فتزيد على 13 % من مجمل السكان المقيمين في لبنان، ويشير تحقيق احصائي اخر بالعينة للقوة العاملة في لبنان تشرين الثاني 1970، ان عدد السكان المقيمين في محافظة لبنان الجنوبي هو 249945 نسمة او ما يعادل حوالي 12 % من مجمل سكان لبنان. وبمقارنة هذه الارقام مع بحث اخر بالعينة اجرته منظمة الاغذية الدولية (الفاو) بالتعاون مع مصلحة الليطاني سنة 1972، يظهر ان عدد المقيمين يزيد عن تقديرات دراسة القوى العاملة السابقة، اذ تبين ان عدد المقيمين في خمسة اقضية جنوبية فقط (صيدا، صور، بنت جبيل، النبطية، مرجعيون) يبلغ حوالي 372.36 نسمة.

بناء على هذا يمكن الاستنتاج ان تقديرات مصلحة النشاطات الاقليمية للسكان المقيمين في جنوبي لبنان حتى نهاية سنة 1964، هي تقديرات واقعية (288600 نسمة في 1-1-1965) يمكن اعتمادها لمعرفة تطور عدد السكان وتقدير حجمهم قبل الاحداث وبعدها، وذلك كما يظهر من التقديرات التي اعتمدت في حساب نمو قاعدة الفائدة المركبة، مع زيادة سكانية متفاوتة لكنها تمثل الحد الادنى وقد اخذ بالاعتبار، انخفاض مستوى الخصوبة الحاصل وحركة النزوح الريفي نحو المدن والهجرة الخارجية:

فتطور عدد السكان المقيمين في جنوبي لبنان حسب نسبة زيادة سنوية كحد ادنى تقدر 2.5 بالمئة هو 343055 نسمة في عام 1972، 378669 نسمة في عام 1976، 417979 نسمة في عام 1980.

وحسب نسبة زيادة متوسطة تقدر بـ3 بالمئة: فان التقدير هو 354940 نسمة في عام 1972، و 399488 نسمة في عام 1976، و 449630 نسمة في عام 1980.

اما حسب زيادة سنوية عادية تقدر بـ 3.5 بالمئة، فان التقدير هو 367180 نسمة عام 1972، و 421347 نسمة عام 1976، و 483506 نسمة عام 1980.

يتبين اننا لو اعتمدنا الحد الادنى للزيادة السكانية السنوية، مع حساب معدل النزوح وانخفاض مستوى الانجاب، فان عدد السكان في جنوبي لبنان سيزداد بنسبة تبلغ حوالي 145 بالمئة خلال مدة 15 سنة (على اساس ان عدد السكان المقيمين 288600 يساوي 100 %)، بينما لو اعتمدنا النسبة العادية لزيادة السكان في جنوبي لبنان والبالغة 3.5 % تصبح نسبة الزيادة السكانية حوالي 168 % وهي زيادة معقولة ومقبولة خاصة في المناطق الريفية التي يعيش فيها حوالي 71 % من مجمل السكان المقيمين في محافظة لبنان الجنوبي، يبقى ان 29 % (6) من السكان الجنوبيين يسكنون المدن. بل ان بعض الدراسات الميدانية في الجنوب قد بينت ان نسبة الزيادة السكانية اكثر من 3.5 % سنويا، وهذا معناه ان سكان الجنوب سوف يتضاعف عددهم في مدة تبلغ حوالي 20 سنة. وبالتالي فاننا لو اعتمدنا عدد السكان المسجلين سنة 1964 والبالغ عددهم 458959 نسمة فان عدد السكان سيرتفع سنة 1984 الى حوالي 917918 نسمة (او مليون نسمة تقريبا)، وان هذا العدد سوف يمثل حوالي 30 % من مجمل سكان لبنان ذلك ان الزيادة السنوية للسكان في الجنوب تزيد عن مثيلتها بالنسبة لمعظم المناطق اللبنانية (يبلغ معدل الزيادة السكانية في لبنان حوالي 2.5 % سنويا).

نستنتج من حساب الزيادة السكانية ومقارنة الارقام، ان عدد السكان المقيمين في جنوبي لبنان قبل الاحداث كان حوالي 400 الف نسمة، وهذا الرقم يشمل الاقضية السبعة التي تتألف منها محافظة لبنان الجنوبي، لكن ما يهمنا في دراسة موضوع الهجرة هو الاقضية التي تعرضت للاحداث وتتعرض اكثر من غيرها للتهجير والقصف المستمر، وهي اقضية: مرجعيون، حاصبيا، بنت جبيل، صور والنبطية.

وبنتيجة الدراسة التي اجرتها منظمة الاغذية الدولية (الفاو) بالتعاون مع مصلحة الليطاني سنة 1972 تبين ان عدد السكان المقيمين في خمسة اقضية جنوبية (جدول رقم 3) قد بلغ حوالي 372.36 نسمة او ما معدله 65% من مجمل السكان المسجلين، أي ان حركة النزوح الريفي من هذه الاقضية قد شغلت حوالي 35% من سكانها، وتتفاوت نسبة السكان المقيمين في هذه الاقضية كما يظهر التالي:

فعدد السكان المسجلين عام 1972 في قضاء النبطية هو 111327 نسمة، في قضاء مرجعيون فهو 96126 نسمة، في قضاء بنت جبيل 102170 نسمة، في قضاء صيدا 142843 نسمة، اما في قضاء صور 119803 نسمة، أي ما مجموعه 572249 نسمة.

بالنسبة للسكان المقيمين سنة 1972 فبلغ في قضاء النبطية 74083 نسمة، قضاء مرجعيون 58414 نسمة، قضاء بنت جبيل 56246 نسمة، قضاء صيدا 107096 نسمة، اما قضاء صور فبلغ 76197 نسمة أي ما مجموعه 372036 نسمة،

النسبة المئوية للمقيمين الى مجموع السكان فهي، في قضاء النبطية 66.5%، في قضاء مرجعيون 60.7% في قضاء بنت جبيل 55%، في قضاء صيدا 75%، اما في قضاء صور 64.6%، وفي نسبة اجمالية هي 65%.

يظهر من مقارنة الارقام ان نسبة النزوح السكاني تبلغ حوالي نصف السكان في قضاء بنت جبيل، وحوالي 40% من السكان في قضاء مرجعيون، ثم ثلث السكان تقريبا في قضائي صور والنبطية، هذه الاقضية بالإضافة لقضاء حاصبيا تتعرض استمرار للنزوح والهجرة وذلك بحكم امتدادها الجغرافي قرب الاراضي المحتلة وعدم استقرار الاوضاع الامنية فيها.

يبقى انه رغم اشتداد حركة النزوح الريفي هذه، فقد حافظت الارياف الجنوبية على تطورها وشهدت حركة عمرانية واسعة، ذلك ان معظم النازحين داخل لبنان والمهاجرين الى الخارج يرتبطون بعلاقات وثيقة مع قراهم ومدنهم، فالمدن والارياف الجنوبية كانت تزدحم بسكانها في مواسم الاصطياف وذلك لعودة النازحين والمهاجرين الجنوبيين، هؤلاء هم الذين عمروا الارياف الجنوبية واسهموا في تطورها، فالجنوبي اينما حل لا ينفصل عن مسقط رأسه، بل بالعكس فهو يسعى الى مدينته وقريته مهما طالت المسافات. والخطر الذي يتمثل في حركة النزوح ويهدد مستقبل الجنوب ان تهجره القوى البشرية وتتحول اريافه الجميلة الى مصايف ومنتجعات للمسنين، ولمواجهة هذا الوضع يتوجب على الدولة اعتماد التخطيط الاقليمي عبر سياسة انمائية شاملة تشجع الانسان على الاستمرار بارضه وتعتمد التوازن بين مختلف المناطق والمدن اللبنانية.

2-     حكم السكان بعد عدوان 1978:

تأثرت بالاحداث مناطق واسعة في جنوبي لبنان، شملت اكثر من 200 مدينة وبلدة وقرية، وبخاصة الواقعة منها في الاقضية الجنوبية الخمسة وهي: مرجعيون، حاصبيا، بنت جبيل، صور والنبطية. لقد خسرت هذه الاقضية بنتيجة النزوح والتهجير حوالي ¾ سكانها، بالاضافة لخسائرها الجسيمة في الارواح والعمران والاقتصاد، اذ تبلغ نسبة السكان المقيمين فيها حوالي 28 % من مجمل سكانها، على الشكل التالي:

ففي قضاء صور وعدد قراه 67 قرية، تبلغ نسبة السكان المقيمين فيه سنة 1978 12.5 بالمئة والسكان المهجرين 87.5 بالمئة، قضاء بنت جبيل وعدد قراه 40 قرية، نسبة السكان المقيمين فيه لذات السنة 44% اما المهجرين فنسبتهم 56%، قضاء مرجعيون وعدد قراه 31 قرية، نسبة السكان المقيمين 38% والمهجرين 62 %، اما قضاء حاصبيا وعدد قراه 18 قرية فالمقيمين 18% والمهجرين 87%. أي انه في مجموع 156 قرية نسبة السكان المقيمين هم 28% والمهجرين 72%.

في هذا الاحصاء وبالنسبة لعدد المدن والقرى في كل قضاء، اعتمد المجموعة الاحصائية اللبنانية العدد 9 سنة 1973. اما في حساب النسب المئوية للسكان فقد اعتمد على تقديرات صادرة عن الهيئة العليا للاغاثة ومجلس الجنوب في لبنان سنة 1979.

لا توجد ارقام بالنسبة لقضاء النبطية الذي يضم 61 قرية ومدينة، ويزيد عدد سكانه على 120 الف نسمة، لكن القصف المستمر لمدينة النبطية والهجرة الكثيفة من اقليمها تجعلنا نقدر نسبة المقيمين الان بحوالي نصف عدد السكان.

تصور الارقام الواردة اعلاه وبوضوح حجم المأساة التي تشهدها المناطق الجنوبية ويعيشها سكان الجنوب، لقد افرغت بعض القرى والمدن من سكانها، نذكر منها مدينة الخيام وقرى مروحين ويارين وحانين التي تهجرت بكامل سكانها، كذلك يلاحظ انخفاض نسبة المقيمين بشكل خاص في الاقضية الممتدة الى الجنوب والشرق من نهر الليطاني وهي اقضية صور وحاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل، وتبلغ مساحتها مجتمعة حوالي 1190.8 كلم مربع او اكثر من نصف مساحة محافظة لبنان الجنوبي وحوالي 11.5 بالمئة من مجمل مساحة لبنان، وهي تشمل اراضي واسعة غنية بتربتها وينابيعها وسهولها الخصبة، لكنها مناطق محرومة ومعرضة للاهمال من قبل الدولة وبسبب عدم استقرار الاوضاع الامنية فيها والاعتداءات "الاسرائيلية" المتكررة عليها.

 

ثانيا: تأثير الهجرة على التركيب السكاني:

تهدف دراسة التركيب السكاني الى معرفة الخصائص التي يتكون منها مجتمع السكان المهجرين، ثم مقارنة هذه الخصائص مع البناء السكاني للمجتمع قبل الاحداث، وهذا كله يسهل تحديد اتجاهات التغيرات السكانية المنتظرة وانعكاسات الاحداث عليها. وسوف يتضمن هذا البحث مسألتين رئيسيتين وهما:

1-     التوزيع لعمري لمجتمع السكان المهجرين (أي نسبة مساهمة كل فئة عمرية من مجموع فئات السن للسكان).

2-      والتوزيع النوعي (أي حساب عدد الذكور المقابل لكل مئة من الاناث).

ان دراسة هاتين المسألتين فتمكننا من تحديد المعالم الرئيسية لمجتمع المهجرين، والتعرف الى مشكلاته التنموية المختلفة الاقتصادية والاجتماعية.

1-التركيب العمري للسكان:

يتضح من تحليل التركيب العمري للسكان المهجرين ان نسبة الفئة العمرية الاولى (اقل من 15 سنة' او فئة صغار السن قد بلغت 41.7% من مجمل السكان، اما الفئة العمرية الوسطى (15-64 سنة) فقد بلغت نسبتها 52.3 %، يبقى ان نسبة الفئة العمرية الثالثة او فئة كبار السن (65 سنة واكثر) فقد بلغت حوالي 6% وبمقارنة هذه المعدلات مع المناطق الريفية والمدن في جنوبي لبنان قبل الاحداث يظهر التوزيع الاتي:

في بلدة الخيام للفئة العمرية الاولى 41.7%، للفئة العمرية الثانية 52.3% وللفئة العمرية الثالثة فبلغت 6%.

اما في المناطق الريفية من لبنان الجنوبي: فللفئة الاولى 48.9%، للفئة الثانية 44.1%، و 6.8% للفئة الثالثة.

في المدن الجنوبية: للفئة الاولى 44.4%، للفئة الثانية 50.5 % وللفئة الثالثة 4.8%.

على صعيد المحافظة ككل، فبلغت نسبة الفئة الاولى 47.6% والفئة الثانية 46% والفئة الثالثة 6.2%.

اعتمد في البيانات بالنسبة الى بلدة الخيام على نتائج تحقيق احصائي بالعينة للسكان المهجرين من الخيام في تشرين الثاني سنة 1978 (دراسة قيد الاعداد)، اما في حساب النسب لبقية المناطق في لبنان الجنوبي فقد اعتمدنا نتائج دراسة القوى العاملة في لبنان).

يظهر من دراسة التوزيع العمري حسب فئات السن الكبرى ان فئة صغار السن قد انخفضت بعد الاحداث وذلك بالمقارنة مع المدن والمناطق الريفية في لبنان الجنوبي. وهذا يعود لانخفاض معدل الولادات طيلة سنوات الاحداث الاخيرة بنتيجة حالة عدم الاستقرار الناجمة عن وضع التهجير والتنقل المستمر للسكان المهجرين وتغيير المسكن.. وهي عوامل لا تشجع نفسيا على الانجاب.

اما الفئة العمرية الوسطى (15 - 64) فهي تتأثر اكثر من غيرها بعامل الهجرة السكانية وهي تقد ازدادت (بلغت نسبتها 52.2%) بالنسبة للمناطق الريفية والمدن الجنوبية، خاصة في الفئة العمرية 15 - 44 سنة، ذلك ان الدراسة الميدانية لسكان الخيام (7) قد شملت بالاضافة للسكان المهجرين الجدد، السكان النازحين كقبل الاحداث والمقيمين اقامة دائمة في الضاحية الجنوبية من بيروت وفي منطقة البقاع، كما يلاحظ ان معدل هذه الفئة قد ازداد بنتيجة انخفاض نسبة الولادات الحاصل، حيث تدنت نسبة صغار السن وارتفعت نسبة المسنين الكبار (65 سنة وما فوق) فبلغت حوالي 6% (أي ان شخصا واحدا من كل 17 شخصا يبلغ حد القصر لدى سكان الخيام)، بينما بلغت نسبة المسنين الكبار في لبنان 5% (أي ان شخصا واحدا من كل 20 شخصا يبلغ حد العمر في لبنان، أي مرحلة ما فوق الرابعة والستين من العمر ) (8).

نستنتج ان الاحداث قد اثرت في البنيان السكاني لمجتمع لمهجرين، فقد بلغت نسبة من هم في عمر الانتاج الفعلي حوالي 31.7% (على اعتبار ان الانتاج الفعلي في مناطق جنوبي لبنان يتراوح بين 20 - 50 سنة) وهذا يعني ان حوالي 68% من سكان الخيام بعد الهجرة الجماعية (اكثر من لثلثين) هم من غير المنتجين، وهذه نسبة مرتفعة ومخيفة اذ يعتمد هؤلاء في معيشتهم على انتاج الـ31.7% (أي اقل من ثلث السكان). ويمكن تعميم هذه النتيجة، مع بعض الفروقات البسيطة، في معظم المناطق التي تأثرت بالاحداث (المناطق الريفية والمدن ) في جنوبي لبنان.

كذلك يستنتج من الدراسة الميدانية ان العمر الوسيط لسكان الخيام بعد الاحداث قد بلغ حوالي 18 سنة (9)، أي ان نصف السكان هم دون سن 18 سنة. ويظهر ارتفاع العمر الوسيط بالمقارنة مع المناطق الريفية في لبنان الجنوبي (15.4 سنة)، وكذلك في محافظة لبنان الجنوبي (16.5 سنة) (10)، وهذا عائد ايضا لانخفاض معدل الولادات بين سكان الخيام بنتيجة الاحداث المستمرة ثم اثر الهجرة الخارجية.

2-التركيب النوعي للسكان:

من ملاحظة التركيب النوعي يتضح ان نسبة الذكور لكل مئة من الاناث قد بلغت بعد الاحداث 97.5 %، وهي نسبة اقل من النسبة العامة في لبنان قبل الاحداث والبالغة 103.2 % (11). وتظهر اهمية التركيب النوعي في دراسة مجتمع السكان المهجرين الذي يتعرض لهجرة العناصر الشابة، خاصة من الذكور الذين هاجروا الى خارج البلاد، لهذا فقد انخفض معدل الجنس الى اقل من 70% في الفئات العمرية 20 - 24 و 25 - 29 سنة، وهي تمثل فئة الشباب الذين يتميزون بالحركة الدائمة.

كذلك فان التوازن النظري الحاصل في المعدل النوعي العام، يبرز مشكلة مهمة لو تذكرنا ضآلة نسبة مساهمة الاناث من اجمالي القوى العاملة، خاصة بالنسبة لمجتمع السكان المهجرين، وهذا يعني ان اعباء الحياة لعملية لعموم المجتمع تقع فقط على عاتق الذكور ممن هم في سن العمل (الفئة العمرية الوسطى).. وبنتيجة التوزيع الحاصل ترتفع معدلات الاعالة السكانية (12).

3-الهرم العمري النوعي للسكان:

يمثل الهرم السكاني صورة ديموغرافية لمجتمع السكان المهجرين في فترة زمنية معينة بعد الاحداث، وهو يتميز بالخصائص الآتية:

1-     انخفاض سريع في معدلات المواليد حيث يلاحظ قلة نسبة السكان في الفئة العمرية دون خمس سنوات، فهي تمثل حوالي 10% فقط من مجموع السكان، وسبب ذلك تأثير الحرب المستمرة والمأساة التي شهدها جنوبي لبنان ثم الحالة النفسية القلقة لدى سكان الخيام المهجرين، هذه العوامل تؤثر على مستوى الخصوبة ولهذا فقد استمر الانخفاض في معدلات المواليد طيلة الاعوام السابقة التي شهدت حركة تهجير واسعة شملت اكثر من ثلثي السكان الجنوبيين، ويمكن تعميم هذه النتيجة على معظم المناطق في جنوب لبنان.

2-     ظهور فجوة عميقة في وسط الهرم سببها انخفاض نسبة السكان خاصة في الفئة العمرية 25 - 29 سنة، هذه الفئة تمثل العناصر الشابة من الذكور الذين هاجروا خارج البلاد طلبا للعمل ولتأمين موارد العيش لاهلهم وذويهم الذين فقدوا ارضهم وانقطعت موارد رزقهم. كذلك شملت الهجرة الخارجية عددا كبيرا من الاسر التي هاجرت بكامل افرادها هربا من الحرب المستمرة في جنوبي لبنان.

3-     ارتفاع نسبة كبار السن (60 سنة واكثر ) وهذه ظاهرة بارزة في قمة الهرم السكاني، وتعيش هذه الفئات السكانية على المساعدات التي تقدم اليها من ابنائها خاصة المهاجرين خارج لبنان.

نخلص من ذلك الى القول ان القاعدة العريضة في الهرم السكاني، قد بدأت تقلص وتضيق تدريجيا، وان الفترة الزمنية 1963 - 1973 قد شهدت تزايدا في اعداد السكان سببها ارتفاع معدل المواليد وانخفاض معدل الوفيات بنتيجة التقدم الصحي وتطور وسائل العلاج الذي شمل مناطق واسعة من البلاد، بينما يلاحظ ان معدلات المواليد قد انخفضت منذ سنة 1973 (حيث انتشرت وسائل تنظيم الاسرة)، وبلغت ادنى حد لها خلال الاحداث التي شهدها لبنان والتي لا تزال مستمرة في مناطقه الجنوبية.

اما في السنتين الاخيرتين 1978 و 1979 فان نسبة الولادات لدى سكان الخيام قد عادت تدريجيا الى الارتفاع (بلغت نسبة الولادات سنة 1978 حوالي 27.5 بالالف)، حيث انه قد مضى على الهجرة الجماعية ما يزيد على ثلاث سنوات، بدأ السكان خلالها بالتكيف مع المجتمعات الجديدة التي اقاموا فيها، كذلك يلاحظ في المدة الاخيرة ارتفاع نسبة الوفيات لدى كبار السن الذين فقدوا كل امانيهم وتحولوا الى مهجرين مشردين، عجزوا عن تحمل قساوة الحياة الجديدة.

 

ثالثا: اثر الهجرة على المتغيرات الديموغرافية والحيوية:

1-     الولادات والخصوبة:

تظهر اهمية الخصوبة في دراسة التركيب السكاني، ذلك ان ارتفاع معدل الخصوبة يؤدي الى اتساع قاعدة الهرم السكاني ثم انخفاض نسبة كبار السن، وينجم عن هذا الوضع نتائج اجتماعية واقتصادية متنوعة. لقد اظهرت الدراسة الميدانية تفاوت معدلات المواليد الخام بالنسبة لسكان الخيام المهجرين المقيمين في منطقة البقاع والضاحية الجنوبية من مدينة بيروت، ففي حين بلغ المعدل العام للمواليد الخام 27.5 بالالف، حسب دراسة ميدانية لسكان الخيام.

وقد تبين من هذه الدراسة انخفاض معدل المواليد الخام لدى سكان الخيام المهجرين، فهو اقل من معدل المواليد الخام بالنسبة لمجمل لبنان والبالغ 33 بالالف سنة 1975، والسبب في ذلك يعود للظروف الصعبة التي رافقت التهجير ثم استمرار الاحداث في جنوبي لبنان والحالة النفسية القلقة للسكان، وسيكون لهذه الحالة تأثيرها البالغ على مستوى الخصوبة العام في المستقبل.

اما معدل الخصوبة العام فهو عبارة عن معدل الاطفال الى النساء في سن الحمل (15 - 44 سنة)، وقد بلغ هذا المعدل بالنسبة لسكان الخيام المهجرين حوالي 472 بالالف، أي ان كل الف انثى في سن الحمل يقابلها 472 طفلا اقل من 4 سنوات، ويلاحظ ان هذا المعدل منخفض جدا اذا ما قيس بالمعدل العام في لبنان (قبل الاحداث) والبالغ 705.5، كما ان هذا المعدل يبلغ حوالي نصف مثيله في محافظة لبنان الجنوبي.

فحسب معدل الاطفال (صفر - 4 سنوات) الى النساء في سن الحمل (15 - 44 سنة) واعتماد جداول الدراسة الميدانية في حساب معدل الخصوبة العام للسكان المهجرين من الخيام والارقام التي وردت في جداول دراسة القوى العاملة في لبنان للعام 1970، يتبين لنا:

ان منطقة الدراسة (سكان الخيام ) يبلغ معدل الخصوبة العام فيها 471.8 بالالف، اما في لبنان الجنوبي (المناطق الريفية) 964.3 بالالف، المدن الجنوبية 755.3 بالالف، وعلى صعيد المحافظة (محافظة لبنان الجنوبي) 900.2 بالالف.

من مقارنة الارقام، يستنتج اختلاف مستويات الانجاب حسب المناطق، ويلاحظ ان انخفاض معدل الخصوبة العام الى 471.8 في منطقة الدراسة قد تأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن التهجير، ويمكن تعميم هذه النتائج مع بعض التفاوت على مختلف المناطق اللبنانية التي شهدت احداثا دامية، خاصة مناطق جنوبي لبنان الممتدة نتيجة عدم استقرار الاوضاع الامنية والاعتداءات "الاسرائيلية" المتكررة، كذلك سوف يكون للحرب اللبنانية اثارها البارزة على انخفاض مستوى الخصوبة العام في لبنان.

2-معدل الوفيات:

تمثل الوفيات ايضا احدى المتغيرات الديموغرافية البارزة والمؤثرة في نمو السكان وتركيبهم العمري والنوعي، وقد اصبح لهذه الظاهرة اهميتها في دراسة التركيب السكاني وذلك بعد الاحداث التي شهدتها معظم المناطق اللبنانية وبخاصة في جنوب لبنان، فقد تبين من الدراسة الميدانية ان معدل الوفيات الخام لسكان الخيام سنة 1978 قد بلغ (10.1 بالالف)، وقد ظهر تفاوت معدل الوفيات بين بيروت والبقاع كما يوضح من التوزيع الاتي:

منطقة البقاع 11.6 بالالف، منطقة بيروت (الغبيري) 11.5 بالالف، منطقة بيروت (شياح، برج البراجنة والاوزاعي) 8.3 بالالف، أي ما معدله 10.1 بالالف.

يلاحظ ان المعدلات الواردة اعلاه لا تعبر عن الواقع السائد في جنوبي لبنان، حيث ارتفع معدل الوفاة اثناء الاحداث (13).

 

3      - النمو السكاني:

يرتبط نمو السكان بالزيادة الطبيعية، وهي حاصل الفرق بين المواليد والوفيات، ويلاحظ ان الاحداث المستمرة في جنوبي لبنان تمثل تحديا هاما للسكان حيث ينخفض معدل الزيادة الطبيعية ليكون هوة عميقة سوف تظهر بارزة في صورة الهرم السكاني للمستقبل. ولقد بلغ معدل الزيادة الطبيعية ليكون هوة عميقة سوف تظهر بارزة في صورة الهرم السكاني للمستقبل. لقد بلغ معدل الزيادة الطبيعية لدى السكان حوالي 17.4 بالالف. بينما كان هذا المعدل حوالي 35 بالالف قبل الاحداث، وسبب هذا الانخفاض يعود لتدهور الاوضاع الامنية في الجنوب والهجرة الجماعية لسكان الخيام، وعدم استقرارهم في اماكن اقامتهم الجديدة.

يضاف الى هذا تأثر النمو السكاني بعامل الهجرة الخارجية التي يتطلع اليها اليوم كل جنوبي فقد عمله وارضه وبيته ومصدر رزقه.. وما تدفق المهاجرين الجنوبيين على منطقة الخليج العربي وبلدان اميركا وافريقيا، الا تعبيرا عن الواقع الاليم الذي يعيشه البلاد ويدفع ثمنه جنوبي لبنان.

4-     الهجرة الخارجية للسكان:

تمثل الهجرة ظاهرة جغرافية تميز بها الجنوبي منذ بداية هذا القرن حيث كان السفر خارج البلاد مغامرة تراود احلام السكان وآمالهم. وحيث كانت الهجرة تمثل باب الخلاص من الاستبداد والظلم خاصة في العهد التركي. ويشهد الجنوب اليوم هجرة جديدة من نوعها لم يعرفها في تاريخه الطويل. وهي التهجير الاجباري الواسع الذي تمثل بازاحة السكان من قراهم ومدنهم، جراء الاعتداءات "الاسرائيلية" المتكررة.

بلغ عدد المهاجرين الذي شملتهم الدراسة الميدانية حوالي 974 نسمة (الذكور 66.5 %، الاناث 33.5%)، ومعظم هؤلاء المهاجرين يرتبطون بعلاقات عائلية مع الاسر التي تضمنتها الدراسة العينية (الزوج، الابن، واحيانا الزوج وبعض افراد الاسرة).

اما بالنسبة لاتجاهات الهجرة والدول المستقبلة، فمعظم المهاجرين (81.2%) قد اتجهوا نحو البلاد العربية، فقد بلغ عدد المهاجرين في دولة الكويت 427 أي ما نسبته 43.8% من المجموع، السعودية 145 مهاجر ما نسبته 14.9%، دولة الامارات العربية المتحدة 116 مهاجر ما نسبته 11.9%، ليبيا 86% ما نسبته 8.8%، بلدان عربية اخرى 17 مهاجر ما نسبته 1.7 %، اما بلدان غير عربية فبلغ العدد 183 مهاجر، ما نسبته 18.8%.

يتبين مما ذكر ان نسبة المهاجرين الى الدول العربية مرتفعة جدا، وتأتي في مقدمة الدول المستقبلة الكويت ثم تليها السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة. ويلاحظ ان نسبة المهاجرين الى هذه الدول الثلاث تزيد على 70% من مجموع المهاجرين، اما حركة الهجرة نحو ليبيا فقد ازدادت بعد الاحداث وبخاصة بعد الهجرة الجماعية لسكان الخيام، وقد تبين ان معظم المهاجرين هم من الزارعين والعمال الزراعيين الذين توقفت اعمالهم وانقطعت مصادر عيشهم، وقد شملت لهجرة نحو ليبيا اسرا بكاملها (الزوج مع افراد الاسرة).

اما الهجرة اثناء الاحداث فقد ضمت حوالي ثلثي المهاجرين من الخيام خارج لبنان، وبينهم بعض الاسر التي هاجرت بكاملها او التحقت برب الاسرة (غالبا الزوج او الابن الاكبر) المهاجر والمقيم سابقا في الخارج، ولا شك، ان هذه الهجرة قد خففت الكثير من عبء الاعالة على السكان، وهي تسهم اليوم بحل الكثير من مشاكل المهجرين الاجتماعية الاقتصادية، وذلك عن طريق المساعدات والاموال التي يرسلها المهاجرون الى ذويهم المقيمين في مناطق البقاع وضواحي مدينة بيروت، هذه النتيجة يمكن تعميمها مع بعض الفروقات على معظم المناطق الجنوبية، لكن المخيف مع استمرار الاحداث في الجنوب وتدهور الاوضاع الامنية والتهجير الواسع ان تستمر هجرة العناصر الشابة التي بدأت تستقر في بلدان المهجر، فيفقد الجنوب طاقته المنتجة التي يعتمد عليها.

رابعا: الوضع السكني:

تعتبر المشكلة السكنية من اخطر المشاكل الاجتماعية التي واجهت السكان المهجرين، وبخاصة في ضواحي بيروت التي تشهد منذ عدة سنوات ازمة سكنية حادة، فالمسكن يمثل العقبة الاولى التي تعترض الاسرة المهجرة من الجنوب، وبخاصة الاسر التي لا تستطيع العودة الى قراها ومدنها.

ان تأمين المسكن يأتي في مذمة الضروريات التي تؤمن للانسان استقراره النفسي والفكري، فكيف الحال بالنسبة للانسان المهجرة الذي فقد بيته وارضه ومصدر رزقه؟

بلغ عدد المساكن التي تناولها التحقيق الاحصائي لسكان الخيام المهجرين 910 مساكن، يعيش فيها 973 اسرة، كما بلغ عدد السكان المقيمين فيها 5411 نسمة.

وحسب دراسة ميدانية لسكان الخيام بعد الهجرة الجماعية في تشرين الثاني 1978، تبين انه في منطقة البقاع بلغ عدد المساكن 276 مسكنا يأوي 290 اسرة، وعدد الأفراد المقيمين فيها 1540، عدد مهاجريها 373. اما في بيروت (الغبيري) عدد المساكن 240 مسكنا، يشكل 290 اسرة، و 1471 مقيما و 65 مهاجرا الى الخارج.

في منطقة برج البراجنة و الشياح وحارة حريك والاوزاعي من بيروت، بلغت المساكن 394، تأوي 431 اسرة و 3871 مقيما، مع 536 مهاجرا.

يتبين من مقارنة الارقام ان عدد الاسر يزيد على عدد المساكن، وهذا يدل على وجود بعض المساكن المشتركة وان اكثر من اسرة تقيم في مسكن واحد، اذ يوجد حوالي 6.5% من جملة الاسر (63 اسرة) التي شمللتها الدراسة تقيم في مساكن مشتركة، بل لقد اصبح من الشائع ان تشارك اسرتان او اكثر في مسكن واحد، خاصة الاسر التي تجمعها روابط عائلية، والسبب في ذلك يعود لعدم توفر المساكن، وعدم قدرة بعض الاسر على دفع بدلات الايجار المرتفعة.

كما يظهر ان متوسط عدد افراد الاسرة قد بلغ (5.5) وان متوسط عدد المقيمين في المسكن قد بلغ حوالي 6 افراد، وان متوسط عدد افراد الغرفة، الواحدة قد بلغ 2.5.

اما بالنسبة لتوزيع المساكن حسب حجم الاسرة فيظهر في التوزيع التالي:

32% من المساكن يقيم في كل منها 4 افراد واقل.

38% من المساكن يقيم في كل منها 5 - 7 افراد.

30% من المساكن يقيم فيها 8 افراد واكثر.

وتبرز اهمية هذا التوزيع بالمقارنة مع عدد الغرف في كل مسكن، فالمساكن المكونة من غرفة واحدة تبلغ نسبتها حوالي 18%، اما عدد المساكن المكونة من اكثر من 4 غرف فلا تمثل سوى 2% فقط من مجموع المساكن، اما توزيع المساكن حسب المساحة فيظهر ان ما مساحته اقل من 50 متر مربع، عدد المساكن فيها 433 مسكنا ما نسبته 47.6%، اما المساحة بين 50 و 100 متر مربع فعدد المساكن فيها 351 مسكنا، ما نسبته 38.6%، والمساحة بين 100 و 150 مترا مربعا، فعدد المساكن فيها 114 مسكنا، ما نسبته 12.5 بالمئة، والمساحة التي تبلغ اكثر من 150 مترا مربعا فعدد المساكن فيها 12 مسكنا ونسبتها 1.3 بالمئة.

تبقى مسألة مهمة في دراسة الوضع السكني وهي توزيع المساكن حسب الحالة الداخلية للمسكن، اذ تبين ان حوالي نصف المساكن لا تتوفر فيها الشروط الضرورية للسكن، وبخاصة المساكن لتي شملتها الدراسة في منطقة البقاع، حيث تبين ان حوالي 60% من المساكن غير مجهزة بحمام، و 24% غير مجهزة بمطبخ، و 7% غير مجهزة بمنتفعات، و 3% غير مجهزة بمياه.

اما توزيع المساكن حسب نوع السكن فيظهر ايضا ان المساكن المحتلة (والتي لا يدفع سكانها بدلات الايجار) قد بلغت نسبتها حوالي 30% من جملة المساكن (معظمها في مدينة بيروت)، وذلك كما يتبين من التوزيع الاتي:

مساكن بالايجار 63%، مساكن محتلة 30%، مساكن مجانا 3.5%، مساكن ملك 3.5%.

هذا العرض الموجز للوضع السكني (14) يوضح ابعاد المشكلة السكنية التي يحياها المهجرون، وما ينجم من مشاكل اجتماعية واقتصادية تتطلب حلولا سريعة من جانب الدولة تضمن عودة السكان المهجرين الى قراهم ومدنهم، ومساعدتهم على استئناف اعمالهم، وتأمين الحياة الكريمة لهم.

خامسا: المستوى التعليمي للسكان:

يمثل التركيب التعليمي احدى الخصائص البارزة في التركيب السكاني. ذلك ان مشكلة الامية تعد من اعقد المشاكل التي تواجهها الدول النامية اليوم، وعليها يتوقف التطور الاجتماعي والاقتصادي، ولا شك ان الوضع التعليمي في الجنوب قد تأثر بالاحداث المستمرة على ارضه فمعظم المدارس متوقف عن التدريس، والمدارس العاملة قد فقدت طلابها وخسرت اساتذتها الذين انتقلوا الى اماكن اخرى آمنة.

وسوف نميز في دراسة الوضع التعليمي بين الذين يتابعون الدراسة والذين انقطعوا عنها، كما يوضح التوزيع الاتي حسب الجنس:

الذكور: دون سن الدراسة النسبة 7.7% لـ207 منهم، و 48.3% لـ1291 لمن يتابعون الدارسة، و 44% لـ1173 لمن انقطعوا عن الدراسة.

الاناث: دون سن الدراسة لـ222 منهم 8.1%، بينما 1180 ممن يتابعن الدراسة فالنسبة هي 43%، و1338 ممن انقطعن عن الدراسة فالنسبة هي 48.9%.

وعلى ذلك فالمجموع هو لمن انقطعوا عن الدراسة (429) فهي 7.9%، بينما من يتابعون الدراسة (2471) فهي 45.6%، و ممن انقطعوا عن الدارسة (2511) فهي 46.4%.

يلاحظ ان نسبة الذين يتابعون دراستهم قد بلغت حوالي 45.6 % من مجموع السكان، هذه النسبة لا زالت مرتفعة رغم انقطاع بعض الطلاب عن الدراسة لعدم توفر المدارس وعدم قدرتهم على دفع اقساط المدارس الخاصة، واضطرار البعض الاخر للعمل والمشاركة في الاعباء الاجتماعية والمشاكل الاقتصادية الناجمة عن التهجير.

وقد تبين من نتائج الدراسة الميدانية لسكان الخيام سنة 1978 ان الذين يتابعون دراستهم من الذكور والاناث قد توزعوا على المراحل التعليمية كما يوضح التوزيع التالي حسب الجنس والمستوى التعليمي:

ففي مستوى الحضانة، نسبة الذكور 11%، ونسبة الاناث 10%، والمتوسط هو 10.5%.

في المستوى الابتدائي: نسبة الذكور 50.5%، ونسبة الاناث 48.5%، والمتوسط هو 49.5%.

في المستوى المتوسط: نسبة الذكور هي 23%، ونسبة الاناث 28.8%، والمتوسط هو 25.7%.

في المستوى الثانوي: نسبة الذكور 10.5% ونسبة الاناث هي 10.5% والمتوسط هو 10.5%.

في المستوى المهني: نسبة الذكور 1.3% ونسبة الاناث 0.08%، والمتوسط هو 0.7%.

في المستوى الجامعي: نسبة الذكور 3.5% ونسبة الاناث 2.1% والمتوسط هو 2.9%.

يظهر من التوزيع حسب المراحل التعليمية، انخفاض نسبة الذين يتابعون الدارسة للمرحلة الثانوية (10.5%) وكذلك للمرحلة الجامعية (2.1%)، وهذا يوضح ارتفاع معدل التسرب (15) بعد المرحلة الابتدائية وبخاصة بعد المرحلة المتوسطة، وذلك بنتيجة الاحداث المستمرة التي اجبرت بعض الطلاب على ترك الدراسة والمشاركة في العمل.

اما عدم اختيار الطلاب للفروع المهنية رغم اهميتها اليوم، فسببه عدم انتشار التعليم المهني في مناطق جنوبي لبنان، وعدم توفر مدارس مهنية تستقبل الطلاب ا(المهجرين) الراغبين في متابعة التعليم المهني.

كذلك يهمنا في دراسة التركيب التعليمي التعرف الى المؤهلات العلمية للسكان الذين انقطعوا عن الدراسة، وبخاصة افراد القوى العاملة (15 سنة واكثر)، وذلك ان التعليم يعتبر هدفا اجتماعيا ووسيلة اقتصادية تسهم في التخطيط لبناء المجتمع وتطوره.

ويوزع السكان الذين لا يتابعون الدراسة (15 سنة واكثر) حسب الجنس والمستوى التعليمي على الشكل التالي:

 

 المستوى الابتدائي: نسبة الذكور هي 35.3 %، ونسبة الاناث هي 25.9% أي ما متوسطه 30.3%.

المستوى المتوسط: نسبة الذكور هي 19%، ونسبة الاناث هي 16.6% أي ما متوسطه 17.7%.

المستوى الثانوي: نسبة الذكور هي 5.2%، ونسبة الاناث هي 3.1% أي ما متوسطه 4.1%.

المستوى المهني: نسبة الذكور هي 0.7%، ونسبة الاناث هي 0.7% أي ما متوسطه 0.35%.

المستوى الجامعي: نسبة الذكور هي 5.6%، ونسبة الاناث 0.9% أي ما متوسطه 3.2%.

الالمام بالقراءة: نسبة الذكور هي 14.6%، ونسبة الاناث هي 3.2% أي ما متوسطه 8.5%.

الامية: نسبة الذكور هي 19.5%، ونسبة الاناث هي 50% أي ما متوسطه 35.8%.

نستنتج من الارقام الواردة في التوزيع اعلاه ان نسبة الامية عند الاناث مرتفعة 50%. اما عند الذكور فهي اقل من 20% لكنها تبلغ حوالي 35% لو اضفنا نسبة الملمين بالقراءة والذين هم في عداد الاميين. اما توزيع اراب الاسر حسب المستوى التعليمي فقد تبين ان نسبة الامية تبلغ حوالي 24% عند الذكور (كما تبلغ نسبة الملمين بالقراءة 19.5%)، وحوالي 64% عند الاناث، هذا التوزيع له انعكاساته على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاسرة الجنوبية وسوف تكون له آثاره في المستقبل.

سادسا: النشاط الاقتصادي للسكان:

يبلغ الحجم الاجمالي للقوى العاملة من السكان (15 - 64 سنة) الذين بامكانهم المساهمة في النشاط الاقتصادي حسب نتائج الدراسة الميدانية لسكان الخيام حوالي 2830 نسمة (16). أي ان نسبة القوة العاملة الى مجموع السكان تبلغ حوالي 52.3 % (منهم الذكور 50.6 % والاناث 53.9%).

ومن المفيد ان نميز في دراسة القوة العاملة بين قسمين: الاول. المشتغلون، وهم الذين يمارسون العمل فلا. والثاني: المتعطلون وهم القادرون على العمل والباحثون عنه، وبخاصة الذين تعطلوا بنتيجة الاحداث ولم يجدوا عمالا جديدة، كذلك سوف نميز في دراستنا للقوى العاملة بين الذكور والاناث وذك وذلك لانخفاض نسبة مساهمة الاناث في القوة العاملة بصورة عامة. ويوضح التوزيع الاتي توزيع القوى العاملة من الذكور (بين 15 - 64 سنة) وحسب نوع العمل والحالة الصحية.

713 ممن يمارسون العمل فعلا نسبتهم 52.7%، و 332 ممن يتابعون دراستهم ومن دون عمل نسبتهم 24.5%، اما من هم عاطلون عن العمل (258) فنسبتهم المئوية هي 19%.

المتقاعدون عن العمل (40) فنسبتهم 2.9% ومن هم دون عمل لاسباب صحية (9) فنسبتهم 0.6%.

يلاحظ من التوزيع اعلاه ان نسبة الذين يمارسون العمل فعلا تبلغ حوالي 52.7% من مجمل القوى العاملة (الذكور فقط)ن بينما كلا يزال حوالي 25% من القوى العاملة يتابعون دراستهم، اما نسبة العاطلين عن العمل فقد بلغت حوالي 19% ومعظم هؤلاء من الذين فقدوا اعمالهم بنتيجة الاحداث، وبخاصة العمال الزراعيين، وبعض الحرفيين التجار.

ان دراسة التركيب الاقتصادي لعدد العاملين، مسألة مهمة بالنسبة للسكان المهجرين منذ حوالي ثلاث سنوات، ويلاحظ ان نسبة العاملين لمجموع السكان (ذكور واناث ممن تبلغ اعمارهم 15 سنة واكثر)، لا تتجاوز 26%، وهي نسبة منخفضة كما يظهر، والسبب هو انخفاض نسبة الاناث في القوة العاملة الى حوالي 4.3% فقط. اما توزيع العاملين من الذكور (الذين يمارسون العمل فعلا) حسب نوع العمل والمهنة الرئيسية فيظهر من التوزيع للذكور (15 سنة وما فوق) حسب المهن الرئيسية:

فالعاملون في قوة الامن والجيش 23.3%، العمال والفعلة 16.6%، موظفون في القطاعين العام والخاص 15.7%، العاملون في النقل والمواصلات 11.7%، اصحاب مهن حرة 7.9%، عاملون في التعليم 7.7%، عاملون في التجارة 7.1%، عاملون في قطاع البناء 4.6%، عاملون باعمال البيع المؤقتة (باعة متجولون) 2.5% والعاملون في الزراعة 2.5%.

يوضح التوزيع اهمية حجم العاملين في قوة الامن والجيش وقطاع الوظيفية العام والخاص، وهذا يعود لضيق مجالات العمل في المناطق الريفية الجنوبية، حيث يفضل السكان العمل المستقر والدخل الثابت الذي يؤمنه قطاع الوظيفة المضمون من قبل الدولة، اما ارتفاع نسبة العمال والفعلة: 16.6% من جملة العاملين، فهذا يعود لانقطاع السكان عن اعمالهم الاساسية بعد الهجرة، وبخاصة العمال الزراعيين الذين لم يجدوا اعمالا جديدة في مدينة بيروت. كذلك يلاحظ ارتفاع نسبة العاملين في قطاع النقل والمواصلات (11.7%)، فالخيام كانت تمثل مركزا هاما في قضاء مرجعيون، وهذا يعود لخبرة الخياميين بهذه المهنة منذ القديم، واضطرار السكان النازحين (قبل الاحداث ) للتنقل الدائم بين الخيام ومدينة بيروت. ونتيجة الاحداث ايضا ارتفع عدد العاملين على سيارات النقل، اذ تحول الى هذا القطاع ايضا بعض المتقاعدين من الخدمة العسكرية والمزارعين الذين توقفت اعمالهم وانقطعت موارد عيشهم.

اما فيما يتعلق بالتركيب المهني للاناث فيظهر التوزيع الانسب الاتي حسب المهن الرئيسية:

عاملات في قطاع الوظيفة العام والخاص 41 %، عاملات في التعليم (مدرسات) 28%، عاملات في الخدمة الاجتماعية (ممرضات) 17%، عاملات في المهن الحرة (خياطة، مزينة.. الخ) 14%، عاملات في مختلف… 8.5%، عاملات في التجارة… 1.5%.

يظهر من هذا التوزيع اتجاه الاناث لاختيار مهن مستقرة تتناسب مع الاوضاع الاجتماعية للسكان، لكن مشاركة الاناث في النشاط الاقتصادي لا زالت محدودة جدا، كما ان معدلات المساهمة بالنشاط الاقتصادي بين الذكور قد انخفضت بنتيجة الاعتداءات، وحسب تحقيق احصائي تم بالعينة يتبين ان معدل النشاط الاقتصادي للسكان الذكور يبلغ اعلاه 91.3% في مرحلة العمر 30 - 34 سنة، بينما بلغ معدل النشاط الاقتصادي عند الاناث في هذه المرحلة (8.4%) وهو اعلى معدل بالنسبة للاناث. اما معدل النشاط الاقتصادي العام للسكان (15 سنة واكثر ) فقد بلغ عند الذكور حوالي 50%، بينما انخفض هذا المعدل عند الاناث الى 4.3% فقط وهذا بدوره ادى الى انخفاض المعدل العام (للذكور والاناث) الى حوالي 26% فقط.

سابعا: الاستنتاجات العامة:

1- يتزايد سكان الجنوب بنسبة مرتفعة تفوق طاقة الارياف والمدن (الجنوبية) على استيعاب العناصر الشابة الجديدة وتوظيفها، وهكذا تضيق مجالات العمل ويتدفق السكان نحو المدن لتحسين ظروفهم الاقتصادية، فالمدن الكبرى في لبنان (وبخاصة مدينة بيروت) تشكل قوة جذب لسكان الارياف، وذلك للتفاوت الاقتصادي الحاصل بين الريف والمدينة، ثم هيمنة مدينة بيروت الصناعي (17). هذا الوضع يتطلب من الدولة اعتماد خطة شاملة متكاملة للنهوض بالريف ورفع مستوى الحياة في القرية الجنوبية. وتزداد مخاطر هذه الحركة اليوم اثر موجات الهجرة القسرية التي بدأت تمهد لافراغ الجنوب من سكانه مما يشكل خطرا على امنه ومستقبله، ويلاحظ ان نسبة المقيمين اليوم في مناطق جنوب الليطاني وقضاء حاصبيا تقل عن ربع السكان.

2- نستنتج ايضا ان الاعتداءات "الاسرائيلية" قد اثرت في البنيان السكاني لمجتمع الجنوبيين (التركيب العمري والنوعي)، اذ تبين ان اكثر من ثلثي السكان هم من غير المنتجين، وهذا يفسر ارتفاع معدلات الاعالة في المجتمع الذي تقع اعباؤه الكبيرة على الفئة العمرية الوسطى، والتي تمثل حوالي ثلث اجمالي السكان تقريبا، فاذا اضفنا نسبة البطالة المرتفعة بنتيجة الاحداث (حوالي 20% من القوة العاملة)، يتبين لنا حجم المشكلة التي يعيشها السكان والمصاعب التي تواجههم.. أي ان هناك فئة قليلة من المجتمع هي التي تتحمل بحكم الاوضاع الحالية اعباء الحياة لعموم المجتمع وهذه الفئة تمثل اقل من سدس السكان (حوالي 16%).

3- ان المآسي الاجتماعية والمشاكل الاقتصادية المتولدة بعد الاعتداءات "الاسرائيلية" لا تحتاج الى عناء يذكر لتأكيد مخاطر استمرارها وانتشارها، لهذا يتحتم ايجاد الغذاء والمسكن، وتأمين التعليم والوقاية الصحية والعمل للذين فقدوا كل شيء.. وبنتيجة هذا الوضع بدأت تبرز مشاكل انتشار البطالة، انتشار الامية وانقطاع نسبة كبيرة من الطلاب الجنوبيين عن التعليم في اماكن اقامتهم الجديدة.. مساكن رديئة نقصان في التغذية، تفسخ في العائلة، تواجد توترات اجتماعية ونفسية.. (18).

4- لهذا يواجه الجنوب اخطر الازمات التي عرفها في تاريخه، والمطلوب بإلحاح تأمين الخدمات الاجتماعية ا والاقتصادية التي يحتاجها السكان، لكن حل الازمة يتمثل بوقف التهجير وازالة اسبابه لتأمين عودة السكان الى قراهم ومدنهم ومساعدتهم لاستئناف الحياة فيها.

 

هوامش:

1- تقع الخيام في قضاء مرجعيون، فوق هضبة ترتفع حوالي 700 متر عن سطح البحر، وهي تبعد حوالي 100 كلم عن مدينة بيروت و 5 كلم عن جديدة مرجعيون، مركز القضاء. بلغ عدد السكان المقيمين في بلدة الخيام سنة 1976 (قبل الاحداث التي ادت الى التهجير) حوالي 18 الف نسمة، وقد تم اختيارها كنموذج للدراسة الميدانية، فهي البلدة الجنوبية التي تعرضت لهجرة الجماعية، ويعيش سكانها اليوم في مناطق متفرقة من لبنان وخراجه وبخاصة في منطقة البقاع ومدينة بيروت.

2- مديرية الاحصاء المركزي، وزارة التصميم العام سنة 1972، مجلد عدد (2).

3- مديرية الاحصاء المركزي "حركات الهجرة في لبنان" سنة 1974.

4- قدرت مصلحة النشاطات الاقليمية، وزارة التصميم العام عدد السكان المقيمين في لبنان سنة 1964 بحوالي 2.179.700 نسمة.

5- المصدر: تحقيق بالعينة للسكان المقيمين في لبنان، مصلحة النشاطات الاقليمية، وزارة التصميم العام سنة 1964. صفحة 14 (تقرير مطبوع على الآلة الكاتبة).

6- اعتمدنا في حساب النسب على نتائج تقريرات تحقيق بالعينة للقوة العاملة في لبنان. مصدر سابق.

7- الارقام الواردة في هذا البحث هي حصيلة تحقيق بالعينة قمنا به في نهاية سنة 1978. وقد شمل المهجرين من بلدة الخيام والمقيمين في منطقة البقاع والضاحية الجنوبية الغربية من بيروت، وقد بلغ عدد الاسر التي شملها التحقيق 973 اسرة منها 290 اسرة مقيمة في قرى ومدن البقاع، و 683 اسرة مقيمة في الضاحية الجنوبية الغربية من بيروت، وقد بلغ مجمل الافراد المقيمين مع هذه الاسر 5411 نسمة.

8- يلاحظ ان نسبة كبار السن ترتفع في الدول المتطورة فتصل الى 13.5 % بالنسبة للسويد، بينما تنخفض في الدول النامية وهي تبلغ حوالي 3% في مصر، ويستنتج من المقارنة ان لبنان يسير في مرحلة النضج حيث تبلغ النسبة العامة للمسنين الكبار 5%.

9- اعتمد الباحث في حساب العمر الوسيط لسكان الخيام على جداول الدراسة الميدانية (مصدر سابق).

10- تم حساب العمر الوسيط للسكان في محافظة لبنان الجنوبي وفي المناطق الريفية بناء على البيانات الاحصائية المأخوذة من دراسة القوة العاملة في لبنان 1970، مصدر سابق، صفحة 42 و 432، المجلد الثاني.

11- مصدر سابق صفحة 43.

12- معدل الاعالة السكانية هو متوسط عدد الافراد الغير منتجين والذين يقع عبء اعالتهم على القوة العاملة من السكان. ويختلف معدل الاعالة حسب نسبة الافراد المنتجين او القادرين على الانتاج، كما يختلف حسب نسبة الافراد المعولين (او المفترض اعالتهم) وهم فئة المعولين الصغار وفئة المعولين الكبار او المسنين.

13- بلغ عدد وفيات الاحداث في بلدة الخيام سنة 1978، 320 شخصا، حوالي 82% منهم بلغ اعمارهم 70 سنة واكثر، ويشمل هذا العدد افراد الاسر التي بقيت في بلدة الخيام (معظمها مكون من الزوج والزوجة) هذه الاسر لم تشملها الدراسة الميدانية.. ولو اضيف هذا العدد الى عدد الوفيات الذي تضمنته الدراسة الميدانية لارتفع معدل الوفيات من 10 بالالف الى 16 بالالف، وبالنتيجة تنخفض الزيادة الطبيعية للسكان الى حوالي 9 بالالف (اقل من واحد بالمئة) وهي نسبة متدنية جدا.

14- يمكن الاطلاع على تفاصيل اكثر في دراسة للباحث سوف تصدر قريبا (الهجرة من الخيام )

15- التسرب: هو انقطاع نسبة معينة من الطلاب عن الدراسة.

16- نتائج تحقيق بالعينة للسكان المهجرين من الخيام، مصدر سابق.

17- علي فاعور، التضخم السكاني في بيروت ومستقبل المدينة بحث قدم في المؤتمر الجغرافي الاعلامي الاول في الرياض، كانون الثاني 1979.

18- لمزيد من التفاصيل يمكن الاطلاع على دارسة للباحث سوف تصدر قريبا بعنوان "الهجرة من الخيام. دراسة اجتماعية اقتصادية وديموغرافية".