المؤتمر العربي حول مخاطر الالغام والوقاية منها

تعاون وتبادل للمعلومات والخبرات

البلاد العدد 425


     هل هي مصادفة ان يستشهد الطفل محمد مقلد بانفجار قنبلة من اثار العدوان الصهيوني في خراج بلدة "تول" - النبطية في الوقت نفسه الذي كان الجيش اللبناني الذي يواصل حملته لنزع الألغام ينظم مؤتمرا عربيا حول مخاطرها والوقاية منها؟

هل شاءت الصدفة ان يتشظى محمد مقلد لتكون دماه شاهدا حيا امام المؤتمرين على مخاطر الالغام والقنابل والعبوات التي تخطف الأطفال من احضان الامهات؟

تعتبر مشكلة الالغام من ابرز المشاكل العالمية التي يتميز بها العصر الحديث خصوصا في الدول التي شهدت او لم تزل تشهد حروبا على اراضيها..

لقد تجاوز عدد ضحايا الالغام في العالم، الالفين شهريا، من مدنيين وعسكريين. رجالا ونساء واطفالا. ويضاف الى هذه  الكارثة البشرية محن انسانية أخرى ناتجة عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية او الصحية النامة عن مشكلة الآلام والاجسام المشبوهة التي تهدد امن واستقرار المواطنين وتعيق اعمال الاعمار وحركة الاقتصاد في البلاد.

ونصيب لبنان والعالم العربي من هذه المشكلة ليس بالقليل. ان واقع البلادالعربية يشير الى وجود لا بأس به من حقول الالغام المزروعة على مساحات شاسعة من خريطة الوطن العربي، يعود تاريخ بعضها الى فترة الحروب العالمية والبعض الاخر ناتج عن النشاطات الحربية التي عصفت ببعض الدول ان على صعيد الحروب الاهلية داخل الوطن الواحد او على صعيد الجبهات الحربية بين أكثر من دولة.

ولا تزال هذه الالغام والاجسام الغريبة تسبب العدد الكبير من حالات الوفاة والاعاقات والتشوه.

من هنا كان لا بد من الوقوف على واقع مشكلة الالغام في العالم العربي لتحديد حجمها والنظر في الحلول المناسبة لها. فكان "المؤتمر العربي حول مخاطر الألغام والوقاية منها" الذي عقد مؤخرا وعلى مدى يومين في قصر الاونيسكو في بيروت.

 

اهداف المؤتمر

لقد هدف المؤتمر الى جمع الدول العربية، حكومات وجمعيات اهلية، في ورشة عمل تبحث عن مشكلة الالغام واثارها على الوطن العربي ككل بغية تبادل المعلومات وتوضيح الافكار العامة المتعلقة بمشكلة الالغام والنظر في الاجراءات اللازمة خصوصا في ما يتعلق بالمصابين واحوالهم العامة والخاصة.

وتتلخص الاهداف التي سعى المؤتمر الى ترسيخها والعمل على اثارتها بما يلي:

 1. التحاور والتعاون من اجل تبادل المعلومات والخبرات في دراسة الواقع والاحتياجات.

 2. تبادل الخبرات في مجالات حملات التوعية والنشاطات الوقائية.

 3. تبادل المعارف في نشاطات نزع الالغام التي تنفذها الجيوش العربية.

 4. واقع المصابين ومحاولة ايجاد المصادر المساعدة لتلبية احتياجاتهم.

 

محاور المؤتمر

اذا، ان هذه الاهداف كانت دافعا قويا لتحريك الدراسات وتداولها على مدى يومين (11-12 شباط - فبراير 1999) والتي تمحورت في اليوم الاول في جلسات ثلاث وفقا لما يلي:

الجلسة الاولى: مشكلة الالغام في العالم العربي - الواقع العسكري.

الجلسة الثانية: مشكلة الالغام في العالم العربي - واقع الخدمات.

الجلسة الثالثة: مشكلة الالغام في العالم العربي - دور الجمعيات الاهلية.

وكانت هناك جلسات ثلاث أخرى في اليوم الثاني وهي:

- مشكلة الالغام في العالم العربي - حملات التوعية.

- مشكلة الالغام في العالم العربي - معاهدة "اوتاوا".

- مشكلة الالغام في العالم العربي - واقع المصابين والمصادر التمويل.

ثم الجلسة الختامية التي صدرت في اخرها توصيات حثت المجتمع العربي على ان تتضافر كل الجهود المتاحة فيه ووجوب توظيف طاقات هذا المجتمع للوقاية من مخاطر الالغام والحد من أضرارها على الانسان.

 

لبنان خصوصا

ان نصيب لبنان من مشكلة الالغام والاجسام المشبوهة والقنابل غير المنفجرة ليس بالقليل، فقد اشار احصاء للمصابين جرى في العام 1996 الى وجود ما يزيد على 400 ضحية في 52 قرية من قضائي البقاع الغربي وراشيا.. وقد جرى الاحصاء المذكور بالتعاون ما بين جمعية رعاية المعوقين والعجزة في راشيا والبقاع الغربي وجمعية الرؤيا والمكتب الوطني الفني للاطراف الاصطناعية والاجهزة التقويمية التابع لوزارة الصحة العامة بدعم من الصندوق الدولي للتأهيل والوكالة الاميركية للانماء الدولي.

ويعتبر مسح المصابين هذا، وما رافقه من مؤتمرات ومنشورات من اولى الاعمال التي وقفت على حجم مشكلة الالغام في لبنان وبادرت الى تسليط الضوء على خطورة نتائجها على المجتمع الاهلي في لبنان والعالم.

 

حملة مسح وطنية وندوة

ان تعاقب الاعمال العسكرية في معظم المناطق اللبنانية، قد خلف وراءه مشكلة كبيرة تتمثل في وجود حقول الالغام المزروعة عشوائيا في مساحات كبيرة من الاراضي اللبنانية. والتي لا تزال تسبب عددا من الاعاقات الجسدية بين المواطنين وتؤثر بشكل مباشر على النمو الاقتصادي والسكاني في اماكن وجودها.

وانطلاقا من الحاجة الملحة لمعالجة هذه المشكلة والاحاطة بكامل اثارها الصحية والاجتماعية ومن ضرورة العمل على تلافي حصول المزيد من الحوادث الناتجة عن انفجار الالغام، قامت وزارة الصحة العامة بالتنسيق مع الصندوق الدولي للتأهيل بحملة واسعة هدفت الى تسليط الضوء على هذه المشكلة، والسعي الى تقييم حجمها وايجاد الحلول اللازمة لها من خلال التعاون مع الجهات الرسمية والخاصة التي يمكن ان تساهم في هذا الموضوع.

وبما ان منطقة البقاع الغربي وراشيا تحتوي على عدد كبير من حقول الالغام التي لا تزال تسبب اصابات عديدة بين المواطنين، وتؤدي إلى وفيات كثيرة واعاقات مزمنة من فقدان للأطراف أو التشوه أو غيرها. فقد ارتأت الوزارة البدء بمسح شامل لمصابي الالغام والقنابل العنقودية في هذه المنطقة بالتعاون مع القطاع الأهلي فيها.

 وبناء عليه فقد اقام المكتب الوطني الفني لشؤون الاطراف الاصطناعية والاجهزة التقويمية التابع لوزارة الصحة العامة بالتعاون مع جمعية المعاقين والعجزة في راشيا والبقاع الغربي ندوة حول "مصابي الالغام والقنابل العنقودية في راشيا والبقاع الغربي"، في 22 آذار (مارس) 1997، تخلله عرض لمسح ميداني وشامل لجميع مصابي الالغام والقنابل العنقودية في هذه المنطقة. وقد قدمت حينها استمارات خاصة لهذه الحملة وتم استخلاص النتائج بشكل تقرير احصائي مفصل عن المصابين وانواع ظروف اصاباتهم بالإضافة الى الخدمات العلاجية التي قدمت اليهم و او التي يحتاجونها.

هذه النتائج يمكن ان تشكل اساسا صالحا لرسم خطة واضحة لمعالجة المشكلة، ومادة أولية لاثارة الموضوع اعلاميا. والجدير ذكره في هذا المجال انه قد تم اعداد ملصق اعلاني خاص لهذه الحملة، وانتج فيلم خاص عن هذا الموضوع بالتعاون مع تلفزيون لبنان، وقد بثت مقتطفات من الفيلم ( SPOTS) على شاشة التلفزيون في فترة الأسبوع التي رافقت انعقاد تلك الندوة (15،22-3-1997).

وقد تم مسح الاثنين وخمسين قرية المتاخمة لحقول الالغام في البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا وهي موزعة على الشكل التالي:

- البقاع الغربي 35 قرية تم مسح 24 منها.

- راشيا 26 قرية تم مسح 24 منها.

- حاصبيا (خارج المناطق المحتلة) 65 قرية تم مسح 52 منها.

كما تمت مقابلة 212 مصابا نتيجة انفجار لغم او قنبلة عنقودية اضافة الى احصاء ما يقارب مئتي حالة وفاة بسبب الالغام.

 

ايجابيات المؤتمر

لعل ما حدث على مدى يومين خلال هذا الشهر في قصر "الاونيسكو" هو انجاز كبير للحملة العالمية المضادة للألغام والتي أحدثت تغييرات واسعة خلال فترة قصيرة من الزمن..

ففي كانون الأول (ديسمبر) 1997 وقعت 122 دولة في "اوتاوا" على اتفاقية لحظر استعمال وتخزين وانتاج ونقل الالغام المضادة للأفراد وستدخل الاتفاقية حيز التنفيذ وتصبح قانونا دوليا في آذار (مارس) المقبل من هذا العام (1999)، بعد ان وصل عدد البلدان المصادقة عليها الى اربعين بمصادقة "بوركينا فاسو" عليه في ايلول (سبتمبر) 1997.

من هنا.. كان لا بد من ان يكون "المؤتمر العربي حول مخاطر الالغام والوقاية منها" مدخلا لمعالجة مشكلة الالغام في العالم العربي وخصوصا من خلال تضافر كل الجهود التي كانت في حضورها عنوانا لما تزخر به البلاد العربية من خبراء وعلماء مجلين في العالم.. لان الامن الوقائي هو واجب وطني وقومي.. ولا بد من بذل الجهود وتكثيف التعاون للوصول الى وطن عربي خال من الألغام. ومن اجل تقليل عدد المصابين ودرء الخطر عن المواطنين في الاماكن القريبة من الحدود الامنية الساخنة.