جريمة "اسرائيل" المنظمة ضد المواقع التاريخية
ياسمين قطيش / صحافية لبنانية
المستقبل 4/6/2000
مقدمة:
منذ قيامها قبل اثنين وخمسين عاما، دأبت "اسرائيل" على محاولة الغاء التاريخ وايجاد شرخ بين المكان والزمان والفعل الحضاري والغاء حق الانسان في ارضه وتراثه وثقافته، وتدمير آثاره، ضاربة بعرض الحائط الشرعية الدولية لحقوق الانسان وكل المواثيق والمعاهدات والاتفاقات الدولية.
فمن قلعة الشقيف إلى سجد وعلي الطاهر حيث ضربت قوات الاحتلال المقامات الدينية التاريخية إلى قلعة دربية وحفريات حولا وآثارها المنهوبة: ومن كنيسة النبطية التي سرقها العدو ودمر الموزاييك وقبر حيرام وراس العين وقلعة صور، ومن مقام النبي صيدون الذي نهب خلال اجتياح العام 1982 إلى الجسور الاثرية التي دمرت في منطقة الحاصباني والوزاني، ومن احراج علي الطاهر وجبل صافي وجبل الرفيع وخطوط التماس السابقة التي قتل فيها الاحتلال الشجر والبشر والحياة، إلى تراب مرجعيون وكفركلا ورمال المنطقة المحررة الذي سرق ورمال الناقورة التي شفطت من البحر وموال تكاثر الاسماك التي دمرت على طول الساحل الجنوبي، اكدت "اسرائيل" عداءها للبيئة وللانسان وللتراث والحضارة والتاريخ. كما اكدت استخفافها بالمجتمع الدولي واتفاقاته خصوصا شرعة لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية واتفاقية الاونيسكو التي تؤكد حماية الآثار.
"المستقبل" التي شاركت في الامس القريب في حملة انقاذ قلعة الشقيف التي لم تسلم من تدمير واعتداء، تفتح مجددا ملف الاعتداءات "الاسرائيلية"، قديمها والجديد على البيئة وعلى الآثار، آملة القيام بعمل مشترك بين الهيئات الرسمية وهيئات المجتمع المدني والهيئات الدولية المعنية من اجل استعادة الآثار المنهوبة والمحافظة على تلك الباقية واستئناف اعمال التنقيب في جنوب لا تخلو منطقة فيه من آثار بعضها بارز وبعضها مسروق او مخرب وبعضها الاخر ينتظر المنقبين والخبراء والمؤسسات المعنية.
نموذج صور
تؤكد يوميات الحرب "الاسرائيلية" المستمرة، وكذلك الوثائق اللبنانية والدولية، ان جنود الاحتلال ومنقبي الآثار "الاسرائيليين" نهبوا قبر حيرام الفينيقي خلال اجتياح العام 1978. وتؤكد المعلومات والتقارير الدولية والمحلية ان دبابات الاحتلال عاثت خرابا في موزاييك الشارع البيزنطي في صور امام اعين القوات الدولية، وان الجنود اقتلعوا اعمدة الرخام ونهبوا القطع الاثرية والفخاريات من المزار الروماني في المدينة.
ويطالب المعنيون بملف آثار صور بعمل جدي من قبل المديرية العامة للآثار لاعداد قوائم تفصيلية ونشرها تتضمن مسحا شاملا للآثار المدمرة والمنهوبة من قبل "اسرائيل" وتلك المسروقة استكمالا لملف اساس يجب اعداده واثارته في المحافل الدولية لاستعادة حقنا في آثارنا وممتلكاتنا الثقافية.
وينبغي الا يغفل المعنيون مطالبة الاونيسكو التي اطلقت حملة دولية منذ عامين، بالتعاون مع اللجنة الوطنية لحماية آثار صور، ببذل الجهود التي تستحقها المدينة الحضارية التي تعتبر ثروة وطنية ثقافية وارثا انسانيا.
اثارة الملف دوليا
النائب عبدالله قصير قال ان "لدينا معلومات اولية وعامة تؤكد تعرض الآثار في صور للسرقة خلال فترة الاحتلال "الاسرائيلي". ولكن تفاصيل احصاء هذه السرقات وانواعها غير متوافرة لدينا حاليا، ويفترض بالمديرية العامة للآثار ان تتوافر لديها قوائم ومعطيات تفصيلية حول كل ما نهب من قطع اثرية خلال تلك الفترة".
ولفت إلى ان ذلك لا يقتصر على اثار مدينة صور فقط، بل على المنطقة كلها التي سرقت آثارها بطريقتين: اما مباشرة او عبر عملاء الاحتلال وبعض الناس الذين ساعدهم غطاء العمالة على نهب ثروات المنطقة وبيعها إلى جهات اسرائيلية في داخل فلسطين المحتلة، او إلى جهات اجنبية من خارج المنطقة، ودعا إلى ضرورة اجراء التحقيقات التفصيلية لمعرفة الجهة التي استولت على هذه الآثار واسترجاعها.
واعتبر ان هذه مشكلة وطنية، اذ ان الآثار المسروقة تمثل تاريخ البلد وتراثه الوطني ولا يمكن التساهل. فيها او المساومة عليها، ولذلك فاننا نحمل العدو "الاسرائيلي" مسؤولية هذا الامر. ودعا الحكومة إلى ايلاء الموضوع الاهتمام اللازم عبر الايعاز إلى الاجهزة المعنية لاعداد الملف واثارته اعلاميا وسياسيا مع الامم المتحدة والوسطاء الدوليين.
واسف لعدم اخذ هذه المسالة على محمل الجد من قبل الحكومة اللبنانية، آملا معالجتها بجدية. كما اسف لتوقف ملف سرقة الآثار بعد اثارته لدى تشكيل الحكومة واستعادة بعض القطع الاثرية. ورأى ان ذلك يعود إلى عدم وجود قرار واضح لدى الحكومة، وانعدام الجدية في المتابعة، وهذا لا يعفيها من تهمة التقصير في هذا المجال.
وعزا اسباب عدم تنفيذ التوصيات التي وردت في مؤتمر "اللجنة الوطنية لحماية آثار صور" إلى نقص في التمويل، مشيرا إلى ان الامر متروك لهمة الجمعيات واللجان الاهلية والمبادرات التي تتخذها الامم المتحدة. وشدد على ضرورة قيام حملة عالمية للتنديد باعمال العدو واستنكار الاعمال التخريبية، محملا الحكومة المسؤولية الاولى ومن ثم الامم المتحدة واللجان الاهلية التي يجب ان تعلب دورا مميزا في هذا الاتجاه لحماية تراثنا التاريخي والحفاظ عليه.
مسح شامل
من جهته، اوضح رئيس بلدية صور حسن قشور، ان البلدية لا تمل معطيات كافية في هذا الشأن، لان ما ارتكبته "اسرائيل" بقي في اطار السرية.
اضاف: لقد قمنا باعداد الملفات والدراسات التي يتعرض في الوقت المناسب بالتعاون مع اللجنة الوطنية، وهيئات المنطقة وطلبنا من المراجع المعنية ادراج موضوع نهب الآثار على جدول الاعمال في المفاوضات.
وتمنى على هذه المراجع الاسراع في خطواتها التي تزال متواضعة، ومتابعة القضية بالتعاون مع المؤسسات. واكد ان تجار الآثار لا يزالون يسرحون تحت اعين المعنيين، ونحن نعتقد ان الاجهزة الرسمية تملك اسماءهم ولوائح كاملة عن نشاطاتهم، اذ "كلنا يعرف من هرب الآثار إلى خارج لبنان بحجج واهية وادعاءات لا اساس لها من الصحة".
ودعا إلى تضافر الجهود لاجراء عملية مسح شاملة للمسروقات، بالاضافة إلى انه يتوجب على الاونيسكو المساهمة في التنقيب عن الآثار المطمورة واحياء مشروع جمع التبرعات وفق الاعلان الدولي لمدينة صور لاستثمارها في المشاريع المقترحة.
حملة الاونيسكو
في هذا الاطار، اعتبر رئيس الحركة الثقافية في لبنان بلا شرارة ان قصة هدم قلعة الشقيف التي اثيرت اخيرا شغلت الساحة، نظرا إلى موقعها الاستراتيجي المميز واطلالتها المباشرة على مختلف الاراضي الفلسطينية. تعقبها القضية الثانية وهي ارضية موزاييك النبطية التي عثر عليها في العام 1985 اثناء انشاء احدى القواعد العسكرية والي لم يعرف مصيرها بعد، بالاضافة إلى قبر حيرام في بلدة حناويه، وغيرها من آثار الجنوب التي تغتني بها مجموعة موشي ديان والتي تعود إلى فترات مختلفة فينيقية وبيزنطية ورومانية. ولعل الوثيقة التي قدمها عالم الآثار اليهودي فيغو براس تشكل دليلا كافيا على هذه السرقات.
عن دور الحركة الثقافية في هذا المجال قال: "لقد اتصلنا بالافراد او اللصوص غير المحترفين الذين نهبوا الآثار وهددناهم بأننا سنبلغ الاجهزة المتخصصة حال استمروا بهذا العمل، واستنهضنا همة الاهالي ومسؤولي البلديات الذين ابرقوا إلى الامم المتحدة يطالبونها بالعمل لاستعادة ما سرق من حناويه وصور وطيردبا. كذلك اجتمعنا بصيادي صور وحاورناهم بلغتهم البحرية، ورسمنا بناء على رواياتهم ما يشبه الخريطة لمدينة صور تحت الماء التي خسفت نتيجة العوامل الطبيعية والزلازل، ووزعنا صورا عنها إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي والمديرية العامة للآثار.
وبدورها عمدت نقابة الغطاسين في صور إلى توزيع الصور والافلام الوثائقية على المسؤولين، ولم تلق مبادرات في هذا المجال.
واشار إلى ان ارض الجنوب غنية جدا بالمعطيات التاريخية التي نجد بعضها على عمق 50 سنتيمترا. وتشكل الآثار الممتدة من الزهراني إلى الناقورة ثروة انسانية، لو استخرجت ووضعت في تصرف السياح لشكلت مصدرا مهما على صعيد الاقتصاد اللبناني.
واسف لعدم تمكن الحملة الدولية للاونيسكو التي اطلقت منذ نحو عامين بالتعاون مع اللجنة الوطنية لحماية اثار صور، من تحقيق شيء ايجابي حتى اليوم، مشيرا إلى ان هناك تقصيرا من الدولة في عدم تقديم المساعدات لجهلها اهمية هذه الآثار والثروة التي تشكلها.
ولفت إلى ان الآثار الموجودة في الجنوب حاليا ما هي الا القشرة الظاهرة التي تخفي تحتها الكثير. وقد اكتفت المديرية باقامة بعض الحفريات الصغيرة وبادرت وزارة السياحة إلى اضاءة قلعة تبنين التي يقوم الاهالي بتنظيفها كل سنة لتجنب خطر الافاعي والحشرات ووضعت اعتمادا بقيمة 150 الف دولار اميركي لتأهيل مغارة صور لم نر منه شيئا حتى اليوم.
وتساءل عن اهمال مغارة قانا، التي يمكن تحويلها مزارا يدر الاموال ويعود بالافادة على الاهالي؟ واين مخططات موريس شهاب؟ ولماذا لم تنفذ؟
وتساءل عن عدم تنفيذ الدراسات المتعلقة بترميم الجزء المهدم من قلعة ديركيفا على الرغم من ان الخرائط والمخططات البيانية جاهزة؟ وهل يمكن ان تكون منطقة باكملها من دون دليل سياحي؟ ولماذا لم يدربوا جيل الشباب ليحل مكان موظفي المديرية في الجنوب وقد اصبح معظمهم على "حافة قبورهم" وعددهم لا يكفي لصيانة 25 في المئة من الآثار الموجودة؟
واعتبر ان هذه التساؤلات مجتمعة تشكل عائقا وتخلق مشكلات في موضوع مسح الآثار وكيفية صيانتها والحفاظ عليها.