"اسرائيل" وجنوب لبنان : الطرد ـ التهجير ـ الاعتقال

المصدر : صحيفة الاتحاد/ الامارات العربية

التاريخ : 7 آذار 2000م


مقدمة

رغم ما تمارسه "اسرائيل" من انتهاكات لحقوق الانسان وتضييق على حياة الناس في جنوب لبنان ، الا انها دائما ومنذ سنوات طويلة لم تنكر ذلك، وحاولت ان توهم العالم فقط بان وجودها شكلي ومقتصر فقط على محاولة حماية حدودها الشمالية من قذائف الكاتيوشا التي يطلقها حزب الله.

وخلال السنوات الماضية، صدرت عشرات التقارير عن منظمات لحقوق الانسان وشهادات لمعتقلين ظلوا قابعين في سجون الاحتلال لفترات كلها تدين "اسرائيل" وممارساتها ضد المدنيين في منطقة الشريط الحدودي سواء المباشرة منها او التي ينفذها وكيلها المعروف باسم جيش جنوب لبنان بزعامة انطوان لحد.

وآخر هذه التقارير هو التقرير الذي اصدرته منظمة "بيت سليم" اليهودية لحقوق الانسان في الاراضي المحتلة في يناير الماضي والذي فضحت فيه الانتهاكات "الاسرائيلية" لحقوق الانسان في جنوب لبنان وكفت عن الممارسات التي يقوم بها الجيش "الاسرائيلي" ووكيله ميليشيا جيش جنوب لبنان ضد المدنيين من اعتقال، وضرب وتعذيب، وتشريد وممارسة للضغوط على الشباب لاجبارهم على التعاون مع سلطات الاحتلال وغير ذلك من الاساليب القمعية التي تتنافى مع الاعراف والقوانين الدولية وتخالف اتفاقيات جنيف، وبالذات الرابعة منها.

ولاهمية هذا التقرير ورغبة في اطلاع القارئ على المعلومات التي وردت فيه، فقد رأينا تقديم عرض لاهم جوانبه والوقوف عن كثب ما تفعله "اسرائيل" في منطقة جنوب لبنان منذ سنوات طويلة امام اعين الجميع ودون رادع من احد.

 

اعتمد هذا البحث بشكل رئيسي على البحث الشامل الذي نشره مرشد حقوق الانسان اخيرا، بالاضافة الى معلومات من مصادر اخرى. والبحث الذي استند عليه هذا الجزء هو الحالات الموثقة لعائلات طردوا كعقوبة لهم بسبب اعمال ارتكبها اقاربهم او يعتقد انهم ارتكبوها. وهذا البحث يعتمد على عشرات الشهادات لضحايا الرد في لبنان. أن حالات الطرد والنقل القسري المذكورة لاحقا قد وقعت في بلدات وقرى داخل المنطقة المحتلة من طيرحرفا وشحين في الجنوب الغربي الى قرية كفرحمام وشبعا في الشمال الشرقي خلال الفترة من العام 1985 حتى 1999. وقد وقع الحادث الاخير في 25 اكتوبر 1999، عندما طرد لبنانيان اطلق سراحهما من الخيام، زكي عودة (66 عاما) من قرية الخيام ومنيف محمود (35 عاما) من قرية قليلة، شمالا عبر نقطة عبور كفرتبنيت بواسطة ميليشيا " جيش جنوب لبنان".

ولان عملية صنع القرار بشان الطرد غير شفافة، فمن المستحيل تقريبا الاشارة بدقة الى من الذي يامر بالطرد. وطبقا لتلك الشهادات فان جهاز امن "جيش جنوب لبنان" هو الذي ينفذ الاعتقالات والاستجوابات ويضغط على المواطنين للتعاون وينفذ عمليات الطرد.

ان سياسة الطرد ممكنة فقط لان الجيش "الاسرائيلي" و" جيش جنوب لبنان" يتحكمان في دخول وخروج المواطنين من والى " المنطقة الامنية" ويضع الطرفان الكثير من القيود في المنطقة المحتلة، وتراقب الحركة بعناية. ويعمل افراد من "جيش جنوب لبنان " في خمس نقاط عبور على طول الحدود التي تفصل "المنطقة الامنية" عن باقي انحاء لبنان. ان التصاريح ضرورية وان كانت لا تكفي للدخول الى او الخروج من المنطقة. ويطلب من المواطنين غالبا العودة من حيث اتوا بالرغم من التصاريح التي بحوزتهم بسبب القرارات الاعتباطية لميليشيا " جيش جنوب لبنان" المتمركزين في نقاط العبور. وفي بعض الاحالات يتم ابلاغ المواطنين الامنين انهم منحوا فقط تصريحا لاتجاه واحد الامر الذي يعني عدم السماح لهم بالعودة الى بيوتهم في المنطقة المحتلة. وتحدث سكان سابقون من جنوب لبنان الى مرصد حقوق الانسان حول الالغاء الاعتباطي لتصاريح الدخول، التي تستغلها ميليشيا "جيش جنوب لبنان" في الضغط على المواطنين للتعاون او تقديم معلومات محددة، والغاء التصاريح يمنع السكان من زيارة اقاربهم الذين يعيشون خارج المنطقة المحتلة، وكذلك من السفر شمالا لانجاز بعض الاعمال او العلاج الطبي او غير ذلك.

هناك قيد اخر على حرية الحركة هو الاغلاق الجزئي او الكلي الذي يفرض على قرية ما. فعلى النقيض من عمليات الطرد، فان الجنود "الاسرائيليين" يشاركون ايضا في فرض الاغلاقات، فعلى سبيل المثال في فبراير 1999، وضع الجيش "الاسرائيلي" وعناصر من ميليشيا "جيش جنوب لبنان" اسلاكا شائكة لفصل قرية ارنون عن القرى الواقعة الى الشمال من "المنطقة الامنية" لمنع تسلل عناصر حزب الله الى المنطقة، وتقع قرية ارنون على حدود القطاع الشرقي من "المنطقة الامنية" على منطقة ليست تحت سيطرة الجيش اللبناني او أي هيئة اخرى. ونتيجة للاغلاق فان المركبات لا تستطيع الوصول الى القرية. وفي الوقت نفسه فان الطريق المؤدي من قرية ارنون الى النبطية قد اغلق.

وفي حالة اخرى في يوليو 1999، فرض الجيش "الاسرائيلي" وميليشيا "جيش جنوب لبنان" اغلاقا لمدة شهرين على قرية عيتا الشعب في القطاع الغربي من المنطقة المحتلة وقد منع الاغلاق الذي اعقب مقتل رئيس جهاز الامن في "جيش جنوب لبنان" في القرية الافراد من الدخول الى او الخروج من القرية واحدث نقصا في الغذاء والطبابة مما تطلب من اللجنة الدولية للصليب الاحمر توفير السلع الاساسية.

ان العدد الاجمالي للمدنيين اللبنانيين الذين طردوا من المنطقة المحتلة عبر السنين غير معروف. وطبقا "للجنة مواطني العرقوب" وهي منظمة لبنانية غير حكومية فانه خلال الفترة من 1987 حتى يناير 1999، طرد حوالي 250 مواطنا من منطقة العرقوب، والواقعة في الطرف الشمالي من المنطقة المحتلة وتضم قرى شبعا، كفرحمام، الهبرية، كفرشوبا، راشية الفخار، وطرد 46 مدنيا من "المنطقة الامنية" العام 1998 وسجلت حالاتهم لدى المكاتب المحلية للجنة الدولية للصليب الاحمر. وتقدر لجنة المراقبة اللبنانية انه منذ بداية 1997 حتى نهاية يوليو 1999 طرد حوالي مائة عائلة من جنوب لبنان . ويخلق الطرد صعوبات اقتصادية كبيرة لمن يتم طردهم، لانه في معظم الحالات يجبر الضحايا على ترك المنطقة بدون ممتلكاتهم وقد التقى مرصد حقوق الانسان بعشرات المدنيين اللبنانيين الذين كانوا يملكون بيوتا قبل طردهم لكنهم يعيشون في شقق مستأجرة صغيرة ومزدحمة في احياء بيروت والمراكز السكانية الاخرى في لبنان وقد اشتكوا من ان بيوتهم ظلت شاغرة، او تم الاستيلاء عليها بواسطة ميليشيا "جيش جنوب لبنان" الذين لا يدفعون أي ايجار او دفعات اخرى. وبعض من طردوا تركوا مزارع بقطعان ماشية (معظمها ماعز، ابقار، ودجاج) كانت مصدر دخلهم. واعرب المزارعون عن قلقهم حيال تلف محاصيلهم بسبب الاهمال. اما من عثروا على وظيفة في بيروت فقد كانت مقابل اجور زهيدة الامر الذي ادى لهبوط مستوى معيشتهم بشكل حاد. وهذه الظاهرة سادت بشكل خاص بين عائلات المزارعين، الذين كانوا يزرعون طعامهم ويعيشون الان في فقر ومشقة.

فعلى سبيل المثال، طردت عائلات 5 اشقاء في 7 يناير 1999 في عملية واسعة النطاق، من قرية شبعا، وشملت المجموعة زوجات الاشقاء و16 طفلا تراوحت اعمارهم من 9 اشهر الى 13 عاما وجاء الطرد بعد اعتقال الشقيقين اسماعيل وحسن نباح في 27 ديسمبر 1998 عقب مقتل غسان ضاهر رئيس استخبارات "جيش جنوب لبنان" في شبعا قبل ذلك بيوم.

وقد طرد قاسم نباح (25 عاما) مع زوجته وطفليه. ووصف ما حدث له بالقول:

كنت في البيت نحضر الافطار وكانت الساعة حوالي 4.30 عصرا حيث توقفت ثلاث سيارات مدنية امام كل بيت، (وقال ان "الاسرائيليين" كانوا يرتدون اللباس العسكري ويتحدثون العبرية) وقد طلبوا منا جميعا التوجه الى حاصبيا وجمعونا عند مدخل شبعا، وفي سيارتي كان معي شقيقي وزوجتي وطفلي. وكانت تتقدم سياراتنا سيارة تابعة لجهاز الامن، وتتبعنا سيارتان. وتوجهت العائلات الى مقر جهاز امن "جيش جنوب لبنان" في حاصبيا. واكد نباح انهم ارغموا على الانتظار خارج المقر في البرد لمدة ساعة. واضاف: بعد ذلك ابلغنا علم الدين البدوي وفارس الحمرا (اثنان من كبار ضباط "جيش جنوب لبنان") بأنه قد تم طردنا. وعندما سال اخي احمد عن السبب تعرض للضرب في ظهره بالكلاشينكوف، ثم تناوب اربعة من رجال الميليشيا على ضربه امام اعيننا لمدة 5 دقائق حتى نزف من وجهه.

وتم تكديس جميع افراد الاسر الخمس وعددهم 26 شخصا بالاضافة الى القليل من متعلقاتهم داخل سيارتين، وطردوا عبر نقطة عبور زمرية. وسمح لقاسم باخذ سيارته، ولكنت تمت مصادرة 4 سيارات تعود لاشقائه. وانتقلت العائلات الخمس الى الشويفات، خارج بيروت، حيث عاش 24 شخصا منهم في غرفتين جهزهما لهما احد الاقارب لاستعمالهما مؤقتا.

 

التجنيد القسري بسبب الفرار

تشمل سياسة ميليشيا "جيش جنوب لبنان" في المنطقة الامنية التجنيد الاجباري للبالغين وتشير شهادات مواطنين سابقين من جنوب لبنان الى انه لا يوجد معيار للتجنيد ولا عمر ادنى. وتم طرد رجال واطفال ونساء لبنانيين بعد ان هرب اقاربهم الرجال من "جيش جنوب لبنان" وابتعدوا عن المنطقة تجنبا للتجنيد.

واشارت وزارة الخارجية الامريكية على سبيل المثال الى ان عائلة مؤلفة من 12 فردا قد طردت من قرية ميس الجبل في 21 سبتمبر 1996 جراء اشتباه في هروب احد اقاربهم لكنها لم تقدم تفاصيل حول القضية.

وذكرت سيدة من قرية مركبا، في المنطقة المحتلة، ارغم ولدها على الانضمام "لجيش جنوب لبنان" ان التجنيد القسري للاطفال شائع بكثرة، واضافت انهم ياخذونهم في سن 14،15،16 عاما. وقد اخذوا ابن جاري وهو في سن 14 عاما. وقال ابن اخيها انه ارغم على الانخراط في صفوف الميليشيا عام 1998 عندما  كان في سن 17 عاما، وبقي في الميليشيا طوال 4 شهور ثم تم تسريحه لاسباب طبية. وبعد ذلك هرب من القرية ولا يزال يخشى العودة.

وقال جندي عمل في وحدة الاتصال مع لبنان خلال الفترة من 1991 حتى 1994 التقى بشبان ابلغوه بأنه تم الضغط عليهم للانخراط في الخدمة، في شهادة له لمنظمة بيت سليم:

كنت واحدا من فريق تدريب في دورة "لجيش جنوب لبنان" في الاستطلاع والمراقبة نظمت في قاعدة الياكيم التي تعد جزءا من القيادة الشمالية وكانت اعمار المشاركين تتراوح بين 16و17 عاما. ولم يكن لديهم الدافع، وبعضهم ذكروا لي صراحة انهم ارغموا على الانخراط في الخدمة وعادة ما يتخذ الضغط شكل الترغيب والتهديد بالاعتقال. وقد علمت لاحقا ان احد المتدربين قد هرب الى حزب الله بعد شهور قليلة من انتهاء الدورة التدريبية.

وصفت سيدة من مركبا كيف ان رجل ميليشيا جاء الى البيت وطلب منها ابنها البالغ من العمر 16 عاما، الذي كان يعمل سائق جرار، وقال لها سنأخذه لبرهة ثم نعيده اليك بسرعة، وعندما لم يعد ولده الى البيت، زارت مكتب امن " جيش جنوب لبنان" في مركبا وسألت عن مصير ابنها ولكن قيل لها بانه لن يعود واضافت: لقد توجهنا الى هناك طوال 20 يوما من اجل معرفة أي معلومة، وبعد ذلك اخبرونا بانه تم الحاقه بقوة الميليشيا وقد خدم ابنها في الميليشيا لمدة 7 سنوات، وكان يعود لزيارة بيته مرتين اسبوعيا.

وقد هرب ابنها من "جيش جنوب لبنان" مع بداية 1997 وغادر المنطقة. وتم استدعاء ابيه لاحقا ثلاث مرات لمكتب جهاز امن الميليشيا في مركبا، واستجوب وحذر من انه في حالة عدم رجوع ابنه فان العائلة باكملها ستطرد. واضافت الام بعد اسبوعين من هروب ولدي جاءوا الينا في وقت بعد الظهر وامرونا بالرحيل في اليوم التالي.

وطردت في اليوم التالي مع زوجها، وولدها البالغ من العمر 14 عاما وابنة في العشرينات. ولم يسمح لابنة في الثامنة عشرة وولد في الثانية عشرة من عمره بالرحيل مع باقي افراد العائلة. حيث ارغماهما على البقاء طوال 7 شهور فقط، لايذائهم. ولم يسمح للعائلة باخذ اية ممتلكات معها، وتركت خلفها سيارة و 6 بقرات، وارضا مزورعة بالتبغ هي مصدر دخلهم السنوي، وحتى عندما اجرت منظمة مرصد حقوق الانسان معهم مقابلة كان افراد العائلة يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة في بيروت.

 

المعاقبة بسبب رفض التعاون

يضغط "جيش جنوب لبنان" بموجب توجيه واشراف جهاز الامن على المواطنين في المنطقة الامنية للتعاون معه. ومن يرفضن يتعرضون للتهديدات والاحتجاز، والرد. وفي عدة حالات تورط عملاء جهاز الامن بشكل مباشر في الضغط على المدنيين، وزعم الرئيس الحالي لجهاز الامن العقيد عقل هاشم ( تم قتله اخيرا في عملية نوعية نفذها حزب الله) في مقابلة مع هآرتس ان خطط انسحاب "اسرائيل" تقلل فعالية الضغط على المواطنين من اجل التعاون "يبدو واضحا انه اذا تحدثت صحافتكم دائما حول الانسحاب، فانها ستحدث اثرا سلبيا على جنودنا وقدرتنا على تجنيد العملاء. فالناس الذين اضغط عليهم للتعاون معنا يسخرون مني ويقولون لي : ما الذي سنحصل عليه منكم، فالاسرائيليون راحلون ان لم يكن اليوم فغدا.

وقد طرد طالب احمد سعد عامل بناء يبلغ من العمر 27 عاما من بلدة الخيام وفي اغسطس 1998. وذكر في شهادته انهم طلبوا منه ثلاث مرات العمل كمخبر لمصلحة "جيش جنوب لبنان" اراد مني رئيس جهاز الامن في القرية العمل معهم في بيروت، لكنني رفضت وفي يوليو 1998 احضر الى سجن الخيام واحتجز طوال 42 يوما استجوب طوال 25 يوما منها وفي كل مرة كان مقيد اليدين، وفوق رأسه كيس، وعصابة عينين فوق الكيس، وتركز عدد كبير من الاسئلة على شقيقه سعد احمد سعد الذي طرد من القرية في فبراير 1998 جراء الشك في تورطه مع حزب الله، وتعرض للضرب الدائم والاهانة بلغة وقحة وهدد باعتقال والده وامه واخوته.

واطلق سراح سعد من المعتقل في 17 اغسطس 1998 الساعة الرابعة مساء، ونقل من السجن الى مكتب امن تابع " لجيش جنوب لبنان" في الخيام واحتجز طوال الليل. وفي صباح اليوم التالي طرده جاء من "اسرائيل"، وحتى اجراء هذه المقابلة كان سعد غير قادر على العثور على وظيفة في بيروت، بينما باقي افراد اسرته ما يزالون يعيشون في الخيام.

 

اشكال عديدة للنقل القسري.

في بعض الحالات نفذ الطرد بمنع عودة مواطني "المنطقة الامنية" المتواجدين خارج المنطقة، وبالنسبة لهذه العائلات، فان الطريقة المستخدمة لا قيمة لها. طالما ان النتيجة هي ذاتها التي تقع على الاشخاص المطرودين.

ومثال عائلة موسى من قرية شبعا حالة تستحق الدراسة فقد طرد غسان موسى في مايو 1998 عند نقطة عبور زمرية فور اطلاق سراحه من سجن الخيام، حيث ظل معتقلا بدون تهمة طوال 12 عاما وبعد اسبوع تم طرد والده وشقيقته وابنة شقيقته الرضيعة عبر نقطة العبور نفسها وتم ابلاغهما بانه غير مسموح لاي من افراد العائلة الآخرين بالعودة الى شبعا وكانت شهيرة عطوي، ام غسان في بيروت يوم ان تم طردهما لذلك لم تحمل قسرا الى حدود المنطقة المحتلة او تجبر على الرحيل، ولان افراد ميليشيا "جيش جنوب لبنان" الذين طردوا باقي افراد عائلتها قد اشاروا الى انه غير مسموح لها بالعودة الى المنطقة الامنية فانها ايضا اعتبرت مطرودة.

وطبقا للمعلومات التي توفرت لدى مرصد حقوق الانسان اثناء اعداد تقريره فان عائلات باكملها قد منعت من مغادرة قراها، احيانا لسنوات، كعقوبة جماعية على الاعمال المعروفة، او المشتبه بها، لاقاربهم، وفي حالات عديدة تسببت هذه التصرفات في ترك نساء ورجال يعانون من مشكلات صحية خطيرة دون التمكن من الوصول الى اخصائي او العائلات الممزقة وضمن هذا السياق، فان بعض سكان المنطقة المحتلة قرروا قبول عروض تصاريح الخروج من ميليشيا "جيش جنوب لبنان" لتمكينهم من مغادرة قراهم شريطة عدم العودة اليها ثانية.

 

انتهاكات القانون الانساني الدولي وحقوق الانسان

ان سياسة الطرد التي وصفت في هذا الجزء تخالف المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تقول ان النقل القسري الفردي او الجماعي وكذلك ترحيل الافراد المحميين من المناطق المحتلة الى اراضي قوة الاحتلال او اراضي أي بلد اخر محتل او غير محتل، ممنوع بغض النظر عن دافعه.

ويصنف الترحيل والنقل القسري في البند 147 من الميثاق على انه خرق صارخ للميثاق يتوجب على الاطراف الموقعة عليه معاقبة المسؤولين عن مخالفته.

وتشترط معاهدة جنيف الرابعة، في البند 23 حق المدنيين في المناطق المحتلة، في مغادرة الارض المحتلة فيما اذا كان رحيلهم لا يتناقض مع المصالح الوطنية للدولة، وحقهم في ان يرفضوا الرحيل ضمن اطار عمل تلك العملية.

"ان جميع الاشخاص الخاضعين للحماية الذين ربما يرغبون في الرحيل عن الارض عند بدء، او خلال ، صراع يجب ان يمكنوا من القيام بذلك ما لم يكن رحيلهم مناقضا للمصالح الوطنية للدولة، ويجب ان تقرر طلبات مثل هؤلاء الاشخاص للرحيل طبقا للاجراءات الروتينية المتبعة ولا بد وان يتخذ القرار في اقصى سرعة ممكنة ولو رفض السماح لاي شخص بالمغادرة، يجب ان يكون مؤهلا لنقض هذا الرفض باقصى سرعة ممكنة بواسطة المحكمة المختصة او الجهاز الاداري المكلف من قبل الطرف الحابس لحرية الحركة بذلك الغرض.

ان افرادا وعائلات طردوا من المنطقة المحتلة بسبب اعمال معروفة او مشبوهة لآخرين. واخرين منعوا من المغادرة او الدخول الى المنطقة المحتلة انتقاما لاعمال قام بها فرد من العائلة وهذه المادة تتناقض مع ما ينص عليه البند 23 من الميثاق الذي ينص على :

عدم جواز معاقبة أي فرد يتمتع بالحماية على مخالفة او عدوان لم يرتكبه هو او هي شخصيا، وبناء عليه فان العقوبات الجماعية وكل اجراءات الترويع او الارهاب ممنوعة كما ان الانتقام ضد الاشخاص الذين يتمتعون بالحماية وممتلكاتهم ممنوعة.

ان ترويع واكراه سكان المنطقة المحتلة، وبالذات لغرض جمع المعلومات لجهاز امن جيش جنوب لبنان او "اسرائيل" يعد انتهاكا للبند 31 من الاتفاقية:

ينبغي عدم ممارسة أي ضغط مادي او معنوي ضد الاشخاص الذين يتمتعون بالحماية وبالذات لغرض الحصول على معلومات منهم او من اطراف ثالثة.

وكما اسلفنا في موضع سابق من هذا التقرير فان كون ان معظم انتهاكات القانون التي ذكرت قد نفذت بواسطة ميليشيا " جيش جنوب لبنان" حتى ولو بدون توجيهات صريحة من "اسرائيل" لا تقلل باي حال من الاحوال مسؤولية "اسرائيل" عما يحدث خاصة وان هذه الميليشيا هي صنيعتها اولا واخيرا.