(تقرير
وزارة العدل)
اعدت
وزارة العدل اللبنانية تقريرا عن الخيارات
الممكنة لمقاضاة “اسرائيل”
عما الحقته من خسائر في الارواح ومن اضرار في
المنشآت الخاصة والعامة خلال عدوانها على
لبنان في العام 1996.
وقد
شاركت في اعداد التقرير لجنة توحيد وتحديث
القوانين في وزارة العدل، فيما ارسلت اللجنة
الاميركية ـ العربية ضد التمييز دراسة تطوع
الاستاذ في كلية الحقوق في جامعة اوهايو جون
كويغلي في اعدادها. كما استعانت الوزارة
بالاختصاصي الفرنسي اريك كنال فورغ. وقسم
التقرير إلى قسمين الاول يبحث في تعيين
المرجع الصالح، والثاني يبحث في المركز
القانوني للمسؤولية. وقد احيل التقرير إلى
رئاسة مجلس الوزراء وهنا نصه:
جانب
رئاسة مجلس الوزراء
الرقم
: 1415/03
الموضوع:
تقرير عن الخيارات الممكنة لمقاضاة “اسرائيل”.
بناء لطلب دولة رئيس مجلس الوزراء،
قامت
وزارة العدل بدراسة موضوع مقاضاة “اسرائيل”
نتيجة عدوانها الاخير من الناحية
القانونية بعد طرح الموضوع على لجنة توحيد
وتحديث القوانين.
تجدون ربطا التقرير الذي اعدته
الوزارة عن الخيارات القانونية الممكنة.
تقرير
وزارة العدل
حول
الخيارات الممكنة لمقاضاة “اسرائيل”
ان
مقاضاة “اسرائيل”
بالمسؤولية الناجمة عن عدوانها الاخير على
لبنان تستلزم من جهة اولى تعيين المرجع
الصالح للنظر بالقضية، ومن جهة ثانية تحديد
المرتكز القانوني الذي تقوم عليه هذه
المسؤولية.
القسم
الاول
في
تعيين المرجع الصالح
ان
اللجوء إلى محكمة العدل الدولية يتم مبدئيا
في نطاق احدى وظيفتيها القضائية او
الاستشارية.
بموجب
المادة 36 من النظام الاساسي لمحكمة العدل
الدولية المنشأة في ميثاق الامم المتحدة، ان
ولاية المحكمة تشمل النظر في جميع النزاعات
ذات الطابع القانوني المتكونة بين دولتين او
اكثر اذا كان موضوع النزاع يتناول:
ـ
تفسير معاهدة.
ـ
النظر في اية مسالة من مسائل القانون الدولي.
ـ
التحقق من حصول أي خرق لالتزام دولي.
ـ
تحديد نوع ومقدار التعويض المترتب على خرق
النظام الدولي.
وقد جعل النظام صلاحية المحكمة في هذا المجال
غير ملزمة الا بقدر موافقة الاطراف على هذه
الصلاحية بحيث تقوم صلاحية المحكمة على احد
الاسس آلاتية:
1ـ
التصريح المنصوص عليه في الفقرة الثانية من
المادة 36 من نظام المحكمة: نصت المادة 36 في
فقرتها الثانية من نظام المحكمة على حق كل
دولة في تقديم تصريح تقر بموجبه لمحكمة العدل
بولايتها الجبرية للنظر في النزاعات
المتكونة بينها وبين اية دولة اخرى تقبل
الالتزام نفسه.
لم
يسبق للبنان ان تقدم بمثل هذا التصريح. اما “اسرائيل”،
فانها كانت قد تقدمت بالتصريح المذكور الى
الامين العام للامم المتحدة بتاريخ 4 ايلول 1950،
لمدة خمس سنوات، ثم جددت هذا التصريح بتاريخ 17
تشرين الاول 1956، وفي ما بعد، أي في آذار 1984،
قامت بادخال بعض التحفظات عليه، منها
اشتراطها ان يكون النزاع عالقا مع دولة
اعترفت بالولاية الجبرية للمحكمة منذ 12 شهرا
على الاقل.
الا
ان “اسرائيل”
عمدت إلى انهاء مفعول هذا التصريح والغاء
قبولها بولاية المحكمة بموجب كتاب مؤرخ في 19
تشرين الثاني 1985، يحمل توقيع سفيرها آنذاك في
الولايات المتحدة الاميركية بنيامين نتنياهو.
فعليه
وازاء عدم وجود مثل هذا التصريح حاليا من قبل
لبنان واسرائيل، لا يكون ثمة مجال للاستناد
إلى هذا السبب لربط صلاحية المحكمة.
2ـ
موافقة اطراف النزاع: يمكن لهذه الموافقة ان
تتخذ احد شكلين:
(أ)
الموافقة
الصريحة على عرض الخلاف على المحكمة وفق ما
تلحظه الفقرة الاولى من المادة 36 من نظام
المحكمة الاساسي. وبموجب ذلك، يتوافق الطرفان
مسبقا وبصورة صريحة على احالة النزاع على
المحكمةـ الامر الذي يبدو مستبعدا.
(ب)
الموافقة
الضمنية، ويكون ذلك بقيام احدى الدول بتقديم
مراجعة امام المحكمة، وعدم اعتراض الدول
المدعى عليها على صلاحية المحكمة.
ان
الفقرة 5 من المادة (38) من نظام المحكمة
الداخلي لحظت مثل هذه الحالة، ونصت على انه في
حالة عدم وجود موافقة مسبقة، فان الشكوى تحال
إلى الدولة المدعى عليها الا انها لا تدرج على
جدول اعمال المحكمة طالما ان هذه الدولة لم
تقبل بصلاحية المحكمة.
ان
تقديم الشكوى من قبل لبنان امام محكمة العدل
الدولية من دون اتفاق مسبق على صلاحية هذه
المحكمة سوف يضطر “اسرائيل”
إلى اتخاذ موقف بالنسبة لصلاحية
المحكمة.
الا
انه، ايا كان موقف “اسرائيل”،
فان لبنان بتقديمه مثل هذه الشكوى، يحقق كسبا
اذ يكون قد عرض قضيته امام اكبر مرجع قضائي
دولي، ومن خلال محكمة العدل الدولية، امام
العالم اجمع. ثم انه ـ حتى في حال رفض “اسرائيل”
القبول بصلاحية المحكمة فان لبنان يكون قد
سجل عليها تمنعها عن قبول الاحتكام إلى هذا
المرجع القضائي الهام، وبالتالي اقرارها
الضمني بمسؤوليتها عن الافعال المشكو منها.
3ـ
بنود الصلاحية الواردة في الاتفاقيات
الدولية: ان العديد من الاتفاقيات الدولية
تلحظ اتفاق الفرقاء الاطراف في تلك
الاتفاقيات على ايلاء صلاحية النظر في
النزاعات الناشئة عن خرق احكامها إلى محكمة
العدل الدولية.
وفي
هذا المجال، يتبين ان الاتفاقيات الدولية
التي انضم اليها لبنان واسرائيل والتي تحيل
النزاعات الناشئة عنها إلى محكمة العدل
الدولية هي اتفاقية شيكاغو تاريخ 7 كانون
الاول 1944 المتعلقة بالطيران الدولي
والاتفاقية الخاصة بمعاقبة جريمة الابادة
الجماعية تاريخ 9 كانون الاول 1948.
ان
التذرع باتفاقية شيكاغو يحصر المنازعة
بنتائج تسبب العدوان “الاسرائيلي”
في تعطيل حركة الطيران المدني لفترات معينة.
اما
اتفاقية الابادة الجماعية لعام 1948 فانها يمكن
ان تشكل مدخلا لربط صلاحية محكمة العدل
الدولية، اذ ان لبنان واسرائيل هما طرفان في
الاتفاقية المذكورة، وقد وافقا على كافة
نصوصها بما فيها النص المتعلق بصلاحية محكمة
العدل الالزامية من دون أي تحفظ.
عرفت
اتفاقية 1948 الابادة الجماعية بأنها قتل اعضاء
قومية او اثنية او عنصرية او دينية بقصد
تدميرها كليا او جزئيا. مؤخرا اقيمت دعوى من
البوسنة ضد يوغسلافيا السابقة تطبيقا
للاتفاقية المذكورة ولا تزال الدعوة عالقة.
ثمة
منظمات دولية طبقت اتفاقية الابادة الجماعية
ضد “اسرائيل”
بالنسبة إلى مجازر مخيمات صبرا وشاتيلا عام
1982، واعتبرت ان اعمال “اسرائيل”
بهذا الخصوص، رغم انها لم تكن المرتكب
المباشر لهذه الاعمال، تشكل جرم ابادة الجنس (يراجع
قرار الجمعية العامة للامم المتحدة تاريخ
16/12/1982، وقرار لجنة الامم المتحدة لحقوق
الانسان تاريخ 15/2/1983 وتقرير اللجنة الفرعية
للامم المتحدة حول منع التمييز وحماية
الاقليات لعام 1983).
وقد
اعتبر فقهاء القانون الدولي ان نية القتل
تكون متوفرة عندما تتصرف الدولة المعتدية
بطريقة تؤكد علمها بان افعالها سوف تؤدي إلى
القتل، كما اعتبروا بان عنصر نية تدمير
الجماعة كليا او جزئيا، يكون متوفرا اذا
اقدمت الدولة المعتدية على قتل مواطني الدولة
المعتدى عليها مع وجود نية عدوانها ضد الشعب
المعني بصورة عامة.
والجدير
بالذكر ان القرارات المتعلقة بصبرا وشاتيلا
قد اعتبرت جرم ابادة الجنس متحققا من خلال
جولة واحدة من القتل دون حاجة لامتداد هذا
القتل على جولات متعددة وعلى فترة طويلة من
الزمن.
فبالاستناد
إلى ما تقدم، يمكن القول ان افعال “اسرائيل”
في جنوب لبنان ولاسيما القصف الكثيف للمدنيين
اللبنانيين بغية ارهابهم واجبارهم على ترك
قراهم وبيوتهم ومعاقبة اولئك الذين لا يذعنون
لقرار التهجير واستهداف سيارات الاسعاف ومنع
وصول المساعدات الطبية والانسانية، وقتل
المدنيين الذين احتموا في مركز الطوارئ
التابع للامم المتحدة في قانا، كل ذلك يدل على
نية قتل لبنانيين وابناء مناطق معنية في
لبنان لكونهم ينتمون إلى لبنان والى تلك
المناطق بالذات ويدخل في مفهوم الابادة
الجماعية.
ان
هذا الجرم يتعزز عند الاشارة إلى سوابق “اسرائيل”
في القتل والقصف على جنوب لبنان اعوام 1978 و 1982
و1993، والى نيتها الثابتة في تقليص عدد السكان
اللبنانيين في جنوب لبنان واستعمالها القتل
كوسيلة لتحقيق هذا الهدف.
تجدر
الاشارة إلى ان “اسرائيل”
سبق لها ان اتهمت العراق بجرم ابادة الجنس
امام الجمعية العامة للامم المتحدة نتيجة
للاعمال التي قام بها العراق في مدينة الدجيل
قرب بغداد عام 1982 والتي نتج عنها حسب الادعاء
مقتل 150 مدنيا عراقيا.
فلئن
كانت “اسرائيل”
تعتبر ان قتل 150 عراقيا في مدينة عراقية يشكل
ابادة الجنس، يكون من الصعب عليها ان تنازع
جديا في وصف مجزرة قانا بانها ابادة للجنس.
تأكيدا
لعدم ضرورة توافر نية القتل المتعمد لتحقيق
عناصر جرم الابادة الجماعية، ان المشروع
الاول لاتفاقية 1948 كان يتضمن كلمة "المتعمد
premeditated"
الا ان هذه الكلمة حذفت من المشروع قبل
المصادقة على النص النهائي.
ويعود،
على كل حال لمحكمة العدل ان تتحقق من ان
المطالبة وفقا لاتفاقية الابادة الجماعية
مبنية على اسس جدية لجهة الوقائع والافعال،
قبل ان تعلن صلاحيتها للنظر في النزاع، علما
بان المحاكمة في مثل هذه المحكمة تحصر بحثها
في جرم ابادة الجنس ولا يمكنها التطرق إلى أي
ادعاء اخر او جرائم اخرى منسوبة إلى “اسرائيل”
كالعدوان وانتهاك السيادة ومخالفة قواعد
الحرب.
وعليه،
يمكن للبنان ان يتقدم امام محكمة العدل
الدولية بدعوى ضد “اسرائيل”
شاملة لكل الجرائم والمخالفات
المرتكبة وان يقدم ملفا جامعا وموثقا بكافة
الادلة والاثباتات تبيانا لعناصر مسؤولية “اسرائيل”
وللخسائر والاضرار اللاحقة بلبنان والشعب
اللبناني، على ان يشتمل الملف على قسمين:
ـ
قسم يتعلق بالمسؤولية الناتجة عن جرم الابادة
الجماعية وهذا القسم لا يمكن لاسرائيل ان
تعترض على صلاحية المحكمة بشأنه الا من باب
ادعاء عدم توافر عناصر جرم ابادة الجنس مما
يوجب على المحكمة البحث في الجرم المذكور
ومدى توافره.
ـ
وقسم يتعلق بالمسؤولية الناتجة عن سائر
مخالفات القانون الدولي، وهذا القسم لا يمكن
للمحاكمة ان تنظر فيه الا اذا وافقت “اسرائيل”
صراحة او ضمنا على قبول صلاحية المحكمة بشأنه.
علما بانه، في حال اعتراض “اسرائيل”
على صلاحية المحكمة، تكون “اسرائيل”
قد اثبتت امام الرأي العالمي تهربها من
القضاء الدولي ومن حكم القانون الدولي، على
افعالها، مما يشكل كسبا للبنان ولعدالة قضيته.
2ـ
صلاحية المحكمة في نطاق وظيفتها الاستشارية
لمحكمة
العدل الدولية وظيفة اخرى غير قضائية، هي
وظيفة الافتاء التي نظمتها احكام الفصل
الرابع (المادة 65 وما يليها) من النظام
الاساسي للمحكمة. وبمقتضى هذه الوظيفة يمكن
للمحكمة ابداء الرأي الاستشاري بشان اية
مسالة قانونية يطلب اليها ابداء الرأي فيها.
غير
ان طلب الرأي الاستشاري ليس مباحا للدول
الاعضاء في هيئة الامم، بل انه محصور
بالجمعية العامة وبمجلس الامن وفقا للفقرة
الاولى من المادة 96 من ميثاق الامم المتحدة
وبسائر فروع هيئة الامم المتحدة والهيئات
المتخصصة المرتبطة بها ممن يجوز ان تأذن لها
بذلك الجمعية العمومية وفقا للفقرة الثانية
من المادة المذكورة.
وتجدر
الملاحظة ان طلب الرأي الاستشاري يستلزم
قرارا من الهيئة المعنية (الجمعية العمومية
او مجلس الامن) يتخذ بالاكثرية العادية.
اما
بشان مضمون الطلب فيمكن مثلا، ان يتناول
تحديد كافة النتائج القانونية المترتبة على
استمرار “اسرائيل”
في احتلال جزء من الاراضي اللبنانية خلافا
لقرار مجلس الامن رقم 425 وعلى خرقها بعدوانها
الاخير لقواعد القانون الدولي. وفي مثل هذه
الحالة، يمكن للمحكمة ان تتناول كافة القواعد
القانونية الدولية ذات التأثير في الموضوع
دون ان تكون صلاحيتها مقتصرة على النظر في جرم
الابادة الجماعية.
ثانيا:
مجلس الامن
يعتبر
مجلس الامن الهيئة المسؤولة بالدرجة الاولى
عن حفظ السلام في العالم وعن قمع اعمال
العدوان وانزال العقوبات بالدول التي تنتهك
احكام ميثاق الامم المتحدة وقواعد القانون
الدولي.
وقد
خصص الميثاق للعقوبات المشار اليها فصلا
كاملا هو الفصل السابع الذي خولت احكامه مجلس
الامن التحقق من وجود التهديد ضد السلام او
العمل العدواني وحق اتخاذ التدابير القسرية
بما فيها استعمال القوة المسلحة بحق الدولة
التي تقوم بالعدوان وبالتهديد، وذلك بهدف وقف
العدوان واعادة السلام والامن الدوليين
وبهدف تطبيق قرارات مجلس الامن.
في
اطار الصلاحيات الشاملة التي يتمتع بها مجلس
الامن يعود له حق معاقبة الدولة المعتدية وحق
فرض التعويضات المالية عليها وحق اتخاذ كافة
التدابير المؤدية إلى تنفيذ قراراته بهذا
الخصوص.
وقد
اتخذ مجلس الامن في تاريخه الطويل منذ انشائه
العديد من التدابير بموجب الفصل السابع من
ميثاق الامم المتحدة وهذه التدابير شملت : فرض
وقف الاعمال العدوانية بين الدول، تأمين
احترام الاعتبارات الانسانية اثناء الاعمال
الحربية، اتخاذ اجراءات حصار شامل او جزئي،
استعمال القوة المسلحة واخيرا تحديد نتائج
العدوان والمسؤوليات الناجمة عنه وضمان
تنفيذ القرارات المتخذة في هذا الشأن.
نشير
هنا إلى القرارين رقم 674 ورقم 687 لعام 1991
المتعلقين بحرب الخليج واللذين فرضا عقوبات
قاسية على العراق نتيجة لاعتدائه على الكويت
واحتلالها ومنها:
تدمير
اسلحة الدمار الشامل، فرض الحصار الكامل بحرا
وجوا تجميد كافة حساباته المصرفية في الخارج،
فرض تعويضات حرب هامة عليه، تقييد ومراقبة
ايراداته النفطية …الخ.
كذلك
اتخذ مجلس الامن في الآونة الاخيرة وسندا
للفصل السابع من الميثاق عدة قرارات بانشاء
محاكم حرب دولية لملاحقة الافراد المتهمين
بجرائم حرب او بجرائم ضد الانسانية منها:
ـ
المحكمة الدولية لمحاكمة الاشخاص المسؤولين
عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الانساني
الدولي اتي ارتبكت في يوغسلافيا السابقة (القرار
رقم 808 تاريخ 22/2/1993 والقرار رقم 827 تاريخ 25/5/1993).
ـ
والمحكمة الدولية لمحاكمة الاشخاص المسؤولين
عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الانساني
الدولي التي ارتكبت في رواندا (القرار رقم 955
تاريخ 8/11/1994).
ان
تدابير مجلس الامن حول هذا الموضوع تتبع
المثال الذي ارسي فور انتهاء الحرب العالمية
الثانية بقيام الحلفاء بانشاء محكمة نورمبرغ
لمحاكمة مجرمي الحرب من الالمان وحلفائهم،
وقد قامت هذه المحكمة بالمحاكمات المذكورة
وفرضت عقوبات تصل إلى الاعدام كما فرضت على
المانيا تعويضات دفعت لاحقا إلى دولة لم تكن
موجودة آنذاك (“اسرائيل”)
تبعا للمسؤولية المترتبة من جراء الاعتداء
على اليهود وقتلهم.
فبالاستناد
إلى ما تقدم،
يتبين
انه يمكن للبنان ان يلجأ إلى مجلس الامن
ويطالبه، بعد ادانة “اسرائيل”،
بفرض العقوبات المالية عليها تعويضا عن
الاضرار التي تسببت بها من جراء عدوانها
الاخير على لبنان، وباتخاذ كاف التدابير
لتأمين تنفيذ قراره بهذا الخصوص. هذا، مع
الاخذ بعين الاعتبار وجود حق النقض للدول ذات
العضوية الدائمة.
ثالثا:
الجمعية العامة للامم المتحدة
للجمعية
العامة وظيفة في حفظ السلم والامن.
غير
ان ما يمكن ان تقوم به بهذا الصدد هو ابداء
توصيات إلى اعضاء الامم المتحدة والى مجلس
الامن بشان المسائل المعروضة عليها، وبالاخص
ما يقتضي اتخاذه من تدابير في حالتي الاخلال
بالسلم ووقوع عدون على احدى الدول.
ويذكر
هنا ان الجمعية العامة قد اتخذت في الدورة
الاستثنائية التي عقدتها بتاريخ 22 نيسان 1996
بناء لطلب الحكومة اللبنانية قرارا ادانت
بموجبه الهجمات العسكرية على السكان
المدنيين في لبنان، لا سيما على قاعدة الامم
المتحدة في قانا واعتبرت انه يحق للبنان ان
يحصل على التعويض المناسب لما لحقه من دمار
وان “اسرائيل”
ملزمة بدفع ذلك التعويض وطلبت إلى الامين
العام ان يوفد بعثة تقنية خاصة للمنطقة
للقيام في غضون شهر واحد بدراسة الحالة
واعداد تقرير عن الخسائر البشرية والمادية
وعن الاضرار التي اسفرت عنها عمليات القتال
التي جرت مؤخرا، كما طلبت من الامين العام ان
يقدم إلى الجمعية العامة تقريرا عن التقدم
المحرز في تنفيذ هذا القرار.
لذلك،
من الضروري ان يصار إلى متابعة تنفيذ هذه
القرارات، لاسيما بعد قرار الامين العام
ايفاد البعثة التقنية الخاصة، وتقديم جميع
التسهيلات والمساعدات للبعثة لكي تقوم
بعملها، وتامين جميع البيانات والوثائق
والشهادات التي تبين الاضرار والخسائر
البشرية والمادية الناتجة عن اعمال القتال في
لبنان الجنوبي وفي سائر انحاء لبنان. كما
يقتضي ملاحقة انجاز البعثة مهمتها بصورة
كاملة خلال المدة المعينة لها وتقديمها
لتقريرها. وبعد ذلك ملاحقة الموضوع لكي يقدم
الامين العام تقريره المطلوب بحيث بني لبنان
عليه مطاليبه التعويضية بوجه “اسرائيل”
ودعوة الجمعية العامة للانعقاد للنظر في هذه
المطاليب واتخاذ التوصيات بشانها تحت طائلة
مراجعة مجلس الامن واتخاذ التوصية بمطالبته
بفرض العقوبات المناسبة في حال التمنع.
والجدير
بالذكر ان صدور تقرير الامم المتحدة عن مجزرة
قانا بما تضمنه من ادانة لاسرائيل بالنسبة
للضحايا الناتجة عنها وللمسؤوليات المترتبة
عليها يشكل وثيقة هامة جدا من وثائق اثبات
مسؤولية “اسرائيل”
عن التعويض عن الاضرار اللاحقة بلبنان نتيجة
لهذه المجزرة.
رابعا:
اللجان والمنظمات الدولية المتخصصة
بالاضافة
إلى ما تقدم، يمكن للدولة اللبنانية ان تراجع
المنظمات واللجان الدولية المتخصصة لدعوتها
للانعقاد وادانة “اسرائيل”
بالنسبة للشق من الجرائم الذي يدخل ضمن
اختصاص كل من تلك المنظمات او اللجان.
ان
الهدف من مراجعة مثل هذه المنظمات واللجان هو
بالطبع الحصول على كسب معنوي بادانة “اسرائيل”
اذ ان هذه المنظمات واللجان ليست هيئات
قضائية ولا يمكنها اصدار قرارات ملزمة او
الحكم بالتعويض من جراء الانتهاكات التي
تتحقق منها.
وعلى
سبيل المثال لا الحصر، يمكن في هذا المجال
مراجعة لجنة حقوق الانسان التابعة للامم
المتحدة في جنيف لادانة “اسرائيل”
عن الانتهاكات التي قامت بها لحقوق الانسان
ولقواعد حماية المدنيين.
تقدمت
وزارة العمل بشكوى إلى منظمة العمل الدولية،
ووزارة النقل بشكوى إلى المنظمة البحرية
الدولية، كما يمكن مراجعة منظمة الصحة
العالمية للحصول على ادانة لانتهاكها ميثاق
المنظمة المذكورة.
القسم
الثاني
في
المرتكز القانوني للمسؤولية
بعد
تعيين المرجع الصالح، يقتضي بحث مسؤولية “اسرائيل”
عن افعالها ضد لبنان وبالتالي مدى امكانية
الزامها بالتعويض نتيجة لهذه المسؤولية.
1ـ
المسؤولية الناتجة عن ارتكاب جرم الابادة
الجماعية
لقد
بينا في القسم الاول من هذا التقرير وفي معرض
بحث صلاحية محكمة العدل الدولية العناصر
المكونة لهذا الجرم وتوافر هذه العناصر في
الافعال المرتكبة من قبل “اسرائيل”،
بحيث تكون هذه الاخيرة مسؤولة عن جميع
الاضرار الناتجة عن تلك الافعال.
2ـ
في المسؤولية الناتجة عن الاعمال الحربية
العدوانية
(أ)
مسؤولية “اسرائيل”
الدولية: من المسلم به في القانون الدولي ان
اية دولة عضو في الامم المتحدة مسؤولة عن أي
انتهاك تقوم به لاحكام شرعة الامم المتحدة
والقواعد القانونية المنصوص عليها في
المعاهدات او الناشئة عن الاعراف الدولية
المتعلقة بالحرب. ومما لا شك فيه ان الاعمال
التي قامت بها “اسرائيل”
ضد لبنان، وقتل المدنيين وتهجيرهم، وتدمير
منشآت البنى التحتية، تشكل عدوانا صريحا Agression
ضد سيادة واستقلال دولة لبنان، وتخالف صراحة
المادة 2(4) من شرعة الامم المتحدة، كما تخالف
اتفاقية لاهاي تاريخ 18/10/1907 والخاصة باحترام
قوانين واعراف الحرب البرية واللائحة
المرفقة بها، وقواعد الحرب الجوية المصدقة في
لاهاي عام 1922 ـ 1923، وكذلك القوانين المنصوص
عليها في اتفاقية جنيف الرابعة تاريخ 12/8/1949
والمتعلقة بحماية المدنيين في حالة الحرب.
ان
هذه الاعمال غير المشروعة ترتب مسؤولية “اسرائيل”
عن الاضرار الجسدية والمادية التي لحقت
بلبنان واللبنانيين من جراء هذه الاعمال
وتنشئ بالتالي على عاتق “اسرائيل”
موجبا بالتعويض المالي على لبنان
واللبنانيين بحيث يكون هذا التعويض متناسبا
مع قيمة الاضرار اللاحقة ومع خطورة
الانتهاكات المرتكبة.
ولقد
اكدت الجمعية العامة للامم المتحدة في قرارها
الصادر في 22/4/1996 حق لبنان بالتعويض عندما طلبت
من الامين العام ايفاد بعثة تقنية لاعداد
تقرير عن الخسائر البشرية والمادية وعن
الاضرار التي نتجت عن عمليات القتال الاخيرة.
كذلك،
اكدت الامم المتحدة في تقريرها عن مجزرة قانا
مسؤولية “اسرائيل”
عن قصف مركز الامم المتحدة في تلك البلدة، وان
هذا التقرير، بما تضمنه من تحقيق دقيق ومفصل،
يشكل وثيقة قانونية هامة لمصلحة لبنان ضد “اسرائيل”.
(ب)
عدم توافر عناصر الدفاع عن النفس: ردا على
مطالبة لبنان، تزعم “اسرائيل”
انها مارست حق الدفاع عن النفس وفقا للمادة 51
من شرعة الامم المتحدة ضد الاعتداءات التي
يقوم بها حزب الله والتي يجب ان تسأل عنها
الدولة اللبنانية باعتبارها لم تتخذ
الاجراءات المطلوبة لاجل ضبط نشاط الحزب
المذكور وباعتبارها مسؤولة عن اعمال جميع
الفئات المسلحة المتواجدة على اراضيها.
ان
نظرية الدفاع عن النفس تفترض اصلا حصول
اعتداء مسلح يبرر اعمال الرد التي تقوم بها
الدولة المعتدى عليها ريثما يتخذ مجلس الامن
الاجراءات اللازمة لتأمين الامن والسلام (المادة
51 من شرعة الامم المتحدة). وهذه العناصر غير
متوافرة في حالتنا وذلك للاسباب
التالية:
1)
ان
الدولة اللبنانية لم تقم باي اعتداء مسلح على “اسرائيل”
كي تقوم هذه الاخيرة بشن حرب على الدولة
اللبنانية وبضرب المنشآت الاقتصادية
اللبنانية والمرافق العامة.
2)
ان
اعمال حزب الله هي جزء من اعمال المقاومة ضد
احتلال “اسرائيلي”
غير مشروع لقسم من الاراضي اللبنانية، وهي
بالتالي لا تشكل اعتداء على “اسرائيل”
بل هي حق مشروع بموجب القانوني الدولي ضد
العمل غير المشروع الاساسي المتمثل
بالاحتلال “الاسرائيلي”
والمستمر بالرغم من قرار مجلس الامن رقم 425
الذي يدعو إلى انسحاب “اسرائيل”
بدون قيد او شرط من جميع الاراضي
اللبنانية. وبالتالي، فان العدوان “الاسرائيلي”
ليس ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس بل
امعانا في التعدي على السيادة وفي خرق احكام
شريعة الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي.
3)
ان
حق الدفاع ـ على فرض وجوده ـ يجب ان يمارس وفقا
لمبدأ النسبية Proportionnalite
. وبالتالي فان ممارسة هذا الحق يجب ان تكون
متناسبة مع العمل المتذرع به. وبديهي ان طبيعة
الرد من جانب “اسرائيل”
قد تجاوزت بحجمها ونتائجها ما قامت به
المقاومة ضدها. فالرد على اعمال حزب الله
المحدودة بحجمها وبنتائجها لا يكون بتهجير
المدنيين وبقتلهم وبتدمير البنى التحتية
والاقتصادية، كما انه لا يكون بالقصف الجوي
والمدفعي العنيف والمكثف والمستمر على
المدنيين طوال (16) يوما. والاضرار الضخمة التي
الحقتها “اسرائيل”
بلبنان لا تحتمل المقارنة مع الاضرار التي
يوقعها حزب الله باسرائيل من خلال اطلاق
الكاتيوشا.
4)
ان
ممارسة حق الدفاع على فرض وجوده لا تسمح
باستهداف المدنيين بصورة خاصة ومباشرة. وقد
ارتكبت “اسرائيل”
انتهاكا فظيعا لاتفاقيات جنيف لسنة 1949
بمهاجمتها المدنيين وارهابهم وعدم تمييزها
بين المقاتلين والمدنيين.
5)
ان
ممارسة حق الدفاع عن النفس تفترض وفقا للمادة
51 من ميثاق الامم المتحدة ابلاغ مجلس الامن
فورا بكافة التدابير المتخذة من قبل أي دولة
في معرض ممارستها لحق الدفاع عن النفس.
فاذا افترضنا جدلا ان “اسرائيل”
تمارس فعلا حق الدفاع عن النفس لوجب عليها
ابلاغ مجلس الامن فورا بالتدابير
المتخذة، ولوجب عليها الطلب من مجلس
الامن ان يتخذ التدابير المناسبة لاعادة
وتامين الامن والسلام، غير ان “اسرائيل”
لم تقم باي من
هذه الموجبات المنصوص عليها في المادة 51
المذكورة، لا بل
عملت دائما المستحيل كي لا يضع مجلس الامن
يده على الموضوع، كما انها
تجاهلت دوما قرارات
مجلس الامن ورفضت تنفيذها، كالقرار 425 وغيره،
مما يحول دون امكانية تذرعها بان عملها
يشكل دفاعا عن النفس.
ان التوصل إلى اثبات مسؤولية “اسرائيل”
ودحض دفاعها المبني عل حق الدفاع
عن النفس امام أي مرجع دولي يتطلب جهدا
من اجل تهيئة الملف المتضمن
اثبات عدم مشروعية اعمال “اسرائيل”
بصورة دقيقة وكاملة على الصعيد القانوني
ولاسيما لجهة بطلان التذرع بحق الدفاع عن
النفس في ضوء مفاهيم القانون
الدولي، وكذلك لاثبات اهمية ومقدار
الاضرار المادية والمعنوية اللاحقة بلبنان
وبالشعب اللبناني.