الغزو "الاسرائيلي" للجنوب والبقاع الغربي ومفاعيل هذا الغزو والآثار السلبية الناجمة عنه في كافة النواحي
الدكتورة غادة عطفت ناجي
كلية العلوم - الفرع الثالث
مقدمة
في حديثنا عن العدوان "الاسرائيلي" للبنان بجنوبه وبقاعه الغربي لا بد ان نعود للوراء أي منذ تأسيس الدولة الصهيونية وتسليط الانظار على الشرق الاوسط وتحديد فلسطين موطنا لهم زاعمين انها ارضهم الموعودة وانها الوطن الذي ستقام فيه دولة اليهود فبدأوا بجمع شتاتهم من اقطار الدنيا على ارض فلسطين وكان ذلك بدعم ومساعدة من الدول الاوروبية حيث كانت الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة العربية باقامة وطن قومي يهودي لهم.
ولانجاح هذه الفكرة رقع اليهود شعارهم القائل بان حدودهم من الفرات الى النيل.
ومن هنا تتجلى لنا اهمية لبنان في مخططهم الاستيطاني اذا ان اطماعهم لا تتوقف عند حدود فلسطين وحسب، ففي ذاكرتنا العربية حضور قوي وعاطفة جياشة للجنوب اللبناني، فهو كما قيل عنه خط تماس تاريخي وجغرافي مع قضية العرب الاولى قضية فلسطين وازمة منطقة الشرق الاوسط.
فبعد احتلال العدو الصهيوني للاراضي الفلسطينية المحتلة شكل لبنان القوي خطورة كبرى وتهديدا حضاريا للكيان الصهيوني فاصبح هدفا ثابتا للدعاة الصهاينة، فضربه وتفتيته يشكل استراتيجية كبرى في المنطقة العربية اذ يمثل الخطورة الثانية لمشروع الوطن القومي اليهودي بعد فلسطين، لذا صوب العدو حمم براكينه وفوهات مدافعه وارهابه البغيض على هذا البلد الآمن والنموذج الحضاري للتعايش بين طوائفه المتعددة حيث بدأ بممارسة سياسة موجهة لضرب هذا التعايش فاذكت اصابعه نار الحرب الاهلية التي دامت خمسة عشر عاما استنزفت من عمر الوطن، فضلا عن الغزوات المتكررة للاراضي اللبنانية وبالتحديد الجنوب اللبناني الذي كان يعتبره العدو نقطة العبور بين فلسطين ولبنان زاعما ان ذلك للحفاظ على امن حدوده الشمالية في منطقة الجليل الاعلى.
ان الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان ترجع الى ما قبل العام 1978 ، انها دولة قامت دعائمها على الارهاب فمنذ عام 1948 وقبله اخذ الارهاب الصهيوني ضد لبنان اشكالا مختلفة فالعدوان "الاسرائيلي" على الجنوب اللبناني ابتدأ قبل اكثر من خمسين عاما مزق قلوب اللبنانيين والعرب وخضب ارضه بالدماء. ويزعم الصهاينة باستمرار انه ليس لديهم اطماع في اراضي الجنوب المحتل، غير ان العدوان المستمر والاحداث اليومية تقول غير هذا.
ففي عام 1923 اقتطعت سلطات الانتداب سبعة عشر قرية جنوبية واغتصبت ملكية اللبنانيين في سهل الحولة وحولتها للحركة الصهيونية ففقد لبنان 230 الف دونم من الاراضي المزروعة الخصبة، وصولا لمجزرة حولا عام 1948 بدأت اعمال التسلل المتواصل للعصابات الارهابية الصهيونية للحدود اللبنانية لخطف المواطنين اللبنانيين واغتيالهم ثم نسف القرى والمنازل والآبار وسلب الماشية او تسميمها وفي عام 1967 استولت الدولة الصهيونية على 14 مزرعة في شبعا ثم طردت السكان وحولتها لمنطقة عسكرية يرافقها اعمال القرصنة الجوية والبحرية وضرب العاصمة بالصواريخ والقذائف ونسف ثلاث عشرة طائرة مدنية تابعة لطيران الشرق الاوسط على ارض المطار في 28 كانون الاول 1968. واغتيال قياديين فلسطينيين في فردان في التاسع من نيسان 1973 وصولا الى مجزرة حانين البلدة الجنوبية التي دمرت بكاملها عام 1976 وقتل عشرون مواطنا من اهاليها واثناء حرب تشرين عام 1973 ضمت الى الاراضي التي احتلتها قسما من اراضي عيترون وبليدا وعيتا الشعب وعلما الشعب وبعض الاراضي المحيطة بنبع الوزاني وسهل الخيام.
ومنذ الحرب العربية - الصهيونية عام 1967 حتى نيسان 1974 كانت حصيلة الاعتداءات على لبنان قتل 138 مدنيا و 30 عسكريا وجرح اكثر من 300 مدني 75 عسكريا وخطف 38 مدنيا و 17 عسكريا وتدمير مئات المنازل و 21 دبابة للجيش اللبناني و 13 طائرة مدنية وخطف طائرة مدنية لبنانية مؤجرة لدولة عربية.
اجتياح 1978
واستمر العدوان "الاسرائيلي" الغاشم على لبنان حتى حصل اول اجتياح للاراضي اللبنانية حين عبر فيه الصهيوني عن ارادته في ضرب الوطن بضربة تتيح له تحقيق اهدافه الاستراتيجية التي لم يستطع طيلة السنوات الماضية من تحقيقها حتى قرر القيام بعملية عسكرية كلفته خسائر فادحة، هذه العملية التي حصل لبنان على اثرها على القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي.
اطلق العدو "الاسرائيلي" على اجتياحه العسكري للاراضي اللبنانية الممتدة على طول الحدود الجنوبية الذي بدأ في 14 آذار عام 1978 اسم (عملية الليطاني) بهدف اجتثاث قواعد من اسماهم بالارهابيين قرب الحدود.. دفعت الدولة "الاسرائيلية" الى ارض العمليات بثلاثين الف جندي مدعمين بمئات الدبابات وقطع المدفعية والطائرات والبوارج الحربية واستهدف العدوان 358 قرية في اقضية حاصبيا وبنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية واستمر العدوان سبعة ايام متواصلة برا وبحرا وجوا كانت حصيلته احتلال 2020 كيلومترا مربعا من ارض لبنان ومقتل 560 مواطنا وجرح 653 مواطنا وقد سقط 140 قتيلا و 50 جريحا في بلدة العباسية وحدها حيث قضى معظمهم من غارة لطائرات العدو على مسجد البلدة. ومما ارتكبته قوات الاحتلال والميليشيات العميلة المتعاونة معها مجزرة في بلدة الخيام طاولت 50 مسنا هم من بقي في البلدة ورفض مغادرتها كما اقدمت على ذبح ربع اهالي بلدة يارون.
ودمرت قوات الاحتلال بالمدفعية والطائرات والمتفجرات تدميرا كاملا قرى عدة منها قرى الغندورية والعباسية والعزية والقنطرة ودير حنا والبياضة ومزرعة النميرية ومزرعة الخريبة. وقد تم تدمير 2500 منزل تدميرا كليا، و 6200 منزل تدميرا جزئيا وتدمير 50 مدرسة وتعطيل وتخريب 10 مستشفيات ومستوصفات والبنى التحتية والمنشات العامة ولا سيما شبكات المياه والكهرباء والهاتف واتلاف مئات الالوف من الدونمات المزروعة واحراق حوالي 150 الف شجرة زيتون وبرتقال.
ونظرا لضخامة الاجتياح وتأثيراته على الاوضاع السياسية الاقليمية اجتمع مجلس الامن الدول الذي اصدر القرار 425 وطالب فيه الدولة الغاصبة بوقف عمليتها العسكرية وسحب قواتها من كافة الاراضي اللبنانية فورا وقرر انشاء قوة دولية مؤقتة في جنوب لبنان للتأكد من انسحاب القوات "الاسرائيلية" واعادة السلام والامن الدوليين الى سابق عهدهما ومساعدة حكومة لبنان في توفير عودة سلطتها الفعالة في المنطقة.
ولكن هل انصاعت دولة الارهاب والعدوان الصهيونية للقرار الدولي؟ لم تلتزم بل واصلت اعتداءاتها لتشمل طلائع القوة الدولية وقامت بتدمير 44 منزلا في قرى باتوليه، البازورية، العباسية، ياطر، الحوش، زبقين، جبال البطم، قانا والرمادية ومنعت التجول في القرى المحتلة واعتقلت مئات المواطنين وافتتحت محلا للصيرفة في بلدة بنت جبيل لاستبدال العملة اللبنانية بالعملة"الاسرائيلية" ثم ما لبثت قوات الاحتلال ان تراجعت عن العديد من المواقع التي كانت تحتلها وسلمت اكثرها الى الميليشيات العميلة المتعاونة معها.
يوم 14 آذار 1978 يحكي لنا تاريخ وطن يثخنه عدوه المتربص به جراحا، ويصر شعبه المقاوم على التشبث بارضه والدفاع عنها والموت في سبيل تحريرها.
وتستمر الاعتداءات : ما بين 14 و 24 تموز 1981 شنت الدولة "الاسرائيلية" حربا جوية ضد لبنان شملت 46 مدينة وقرية جنوبية وقصفا مدفعيا مدمرا وقد استهدفت الغارات بصورة رئيسية الجسور التي تربط المناطق الجنوبية بعضها ببعض، فدمرت ثمانية جسور في الجنوب والبقاع الغربي وادى القصف والغارات الى سقوط 252 شخصا و 920 جريحا وتدمير 380 منزلا واتلاف مساحات شاسعة من الاراضي اللبنانية. في خضم ذلك كله تأججت نار المقاومة اللبنانية في الدفاع عن الجنوب والوطن والحفاظ على سلامة اللبنانيين الامر الذي سارع فيه مجلس الامن الدولي في 21 تموز لتبني قرار ابدى فيه قلقه الشديد ازاء النتائج الخطيرة التي قد تترتب على استمرار الاشتباكات في لبنان على السلام والامن وطالب بوقف الاشتباكات على الفور.
اجتياح بيروت 1982
بعد اقل من عام على هذا العدوان بدأ العدو اجتياح 6 حزيران 1982 للاراضي اللبنانية من جديد ولكن هذه المرة كانت اكثر وحشية وهمجية وطالت معظم انحاء لبنان حتى وصلت الى قلب العاصمة بيروت، فبعد الغارات الجوية المكثفة طوال يومي 4 و 5 حزيران بدأت دولة الارهاب صبيحة 6 حزيران اجتياحا عسكريا واسعا للاراضي اللبنانية تحت عنوان عملية (سلامة الجليل) اسفرت عن احتلال ثلثي الاراضي اللبنانية وثلث مدن الجنوب وقراه والعاصمة بيروت التي حوصرت 83 يوما بعشرات الآلاف من القذائف حيث صارت مسرحا لتجارب اسلحة الفتك والدمار وقد اسفر هذا الغزو الارهابي عن سقوط 73 الف ما بين قتيل وجريح من اللبنانيين والفلسطينيين كما دمرت 23 مدينة وقرية لبنانية اضافة الى 16 مخيما فلسطينيا واعتقلت قوات العدو اكثر من 6000 معتقل لبناني وفلسطيني زجوا جميعا في معتقل انصار. وقدرت الخسائر والاضرار المادية آنذاك بحوالي 7 مليارات ليرة لبنانية وكانت تساوي وقتها ملياري دولار اميركي.
الشريط الحدودي ومياه لبنان
وتحت ضغط المقاومة انسحبت القوات المحتلة على ثلاث مراحل بدأت في 16 شباط 1985 وارتكبت اثناء انسحابها مجازر بشرية يندى لها جبين الانسانية في قرى حومين التحتا والزرارية ومعركة وابقت سلطات العدو على شريط من القرى المحتلة على طول الحدود المشتركة بين لبنان وفلسطين ابتداء من المنصوري غربا الى تلال كفرشوبا شرقا تحت سلطتها بالتعاون مع الميليشيات العميلة اطلقت على المنطقة اسم (الحزام الامني) او منطقة الشريط الحدودي. والجدير ذكره ان قرى الشريط الحدودي تضم حوالي 75 قرية ومدينة وبلدة تمتاز بارض سهلية واسعة وصالحة للزراعة فضلا عن غناها بالينابيع والانهار وهذه بدورها تشكل هدفا "اسرائيليا" خالصا نقيا من اية حجة امنية حيث عملت دولة بني صهيون على جر المياه اللبنانية الى داخل فلسطين كما افاد بذلك المراسلون الاجانب الذين رأوا ذلك بام العين في وضح النهار. فعلى اثر اجتياح عام 1982 اقدمت قوات الاحتلال على مصادرة كل الخرائط والتصميمات المتعلقة بمشروع الليطاني وأتبعت ذلك باعمال حفر انفاق وتركيب مضخات في محيط جسر الخردلي وعندما حاولت قوات الطوارئ الدولية استكشاف هذه البقعة منعتها قوات الاحتلال المتمركزة هناك. وفي ربيع 1983 اكد مراسلو بعض الصحف الاميركية ان الاقمار الصناعية التقطت صور لحفريات في ارض الجليل حيث تقام شبكات الانفاق لسحب مياه نهر الليطاني في اتجاه عمق الاراضي المحتلة الى بحيرة طبريا عبر استخدام انابيب ضخمة مدفونة تحت الارض مما يوفر لهم نحو ربع مليون متر مكعب من المياه سنويا. و كما اكدت ذلك منظمة الامم المتحدة وهذا ما اظهره ايضا تقرير قدمته (الاسكوا) في اجتماع عقدته المنظمة في عمان اواخر شهر ايار من العام 1994 استخدم الصهاينة 2150 مليون متر مكعب من المياه عام 1991 استولت على معظمها من انهار الاردن واليرموك والليطاني والوزاني وقدر حجم المياه المأخوذة من هذين الاخيرين بنحو 6 و 7 مليارات قدم مكعب سنويا. واشار ايضا الى نفق شقته قوات الاحتلال طوله 18 كيلومترا لربط الليطاني باراضيها.
كما استحدثت قوات الاحتلال بوابات للعبور من والى الشريط المحتل تشرف عليها مخابراتها بالتعاون مع ميليشيا العميل لحد وهذه المعابر في كفرحونة، ياطر، البياضة، بيت ياحون، حولا، زمرية، وكفرتبنيت.
المعتقلات الصهيونية وحقوق الانسان
ومن مخازي العدو الصهيوني ممارساته القمعية للرهائن اللبنانيين في السجون، فقد اقامت سلطات العدو عددا من المعتقلات في الجنوب المحتل زجت فيه آلاف المواطنين نساء وشيوخا وشبابا وفتيانا لرفضهم الخضوع للاحتلال والتعاون معه، ويعتبر سجن الخيام من اكبر المعتقلات واسوأها وكذلك معتقل انصار ومركز الـ17 في منطقة صف الهوا على المدخل الشمالي لبلدة بنت جبيل وسجن ثكنة مرجعيون وسجن ثكنة زغلة قضاء حاصبيا حيث يتعرض المعتقلون لابشع انواع التعذيب النفسي والجسدي كالصدمات الكهربائية والضرب المتواصل بسلك كهربائي والتعليق على الاعمدة تحت اشعة الشمس المحرقة صيفا وفي البرد وتحت الامطار والثلوج شتاء، بالاضافة الى التعذيب الكهربائي كسحب الاظافر والحرمان من النوم والطعام والمرافق الصحية مما اثر على صحة المعتقلين وعرضهم للامراض المزمنة وتركهم دون علاج فادى ذلك الى وفاة الكثير من المعتقلين منهم سلمان رمضان وحسين محمود واحمد ترمس وعلي حمزة وبلال السلمان وابراهيم النمري، ومن المعروف ان هؤلاء المعتقلين وغيرهم من المسجونين في الاراضي المحتلة لا تسري عليهم قوانين اتفاقية جنيف لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين، لان قوات الاحتلال تطلق عليهم صفة الاعتقال الاداري وهذه الصفة لا تسمح للموقوف باي فرصة للدفاع عن نفسه ولا بتعيين محام يدافع عنه كما تمنع عنه المقابلات العائلية حتى مندوبي المنظمات الانسانية الدولية لا يسمح لهم بزيارة المعتقلين وتفقد اوضاعهم.
الضغط على المفاوض اللبناني في محادثات السلام
في 25 تموز 1993 قامت الدولة "الاسرائيلية" بشن عدوان جوي وبري وبحري على جنوب لبنان وبعض مناطق الشوف وصولا الى مخيم البداوي في الشمال وقد ارادت من هذا العدوان والاجتياح ابتزاز المفاوض اللبناني في محادثات "السلام" ودفعه للقبول بالشروط "الاسرائيلية" لجهة التنازل عن قرار 425 الصادر عن مجلس الامن والدخول في مفاوضات ثنائية من اجل توقيع اتفاقية منفردة بالشروط "الاسرائيلية".
لقد استمر هذا العدوان الذي استهدف اكثر من 60 مدينة وقرية سبعة ايام متواصلة ليلا ونهارا اطلقت خلالها المدفعية والبوارج البحرية "الاسرائيلية" اكثر من 27 الف قذيفة من عيار 155 و 175 ملم وشنت الطائرات الحربية اكثر من الف غارة جوية واسفر العدوان عن سقوط 108 قتيل و 597 جريحا وتهجير حوالي 250 الف مواطن بعيدا عن المناطق الجنوبية المعتدى عليها وما زالت قوات الاحتلال حتى هذه اللحظة تقوم باعتداءاتها الارهابية وممارساتها العدوانية على ارض الجنوب والبقاع الغربي غير ابهة بالقرارات الدولية وبسقوط الضحايا والابرياء وهي مطمئنة الى دعم بعض الدول التي تدعي التقدم والمحافظة على الحقوق.
ان "الاسرائيليين" يحاولون من خلال اعتداءاتهم الضغط على لبنان لايقاعه في كمينهم ومخططهم رغبة في فصل مساره الموحد مع سوريا وتلاحمه وتنسيقه لاحلال سلامهم المزعوم في المنطقة، انهم يرفعون راية السلام بيد ويخفون باليد الاخرى الخنجر المسموم الملوث بالدماء.
ولا تزال الاعتداءات مستمرة يوميا من خلال الغارات والقصف المدفعي المتواصل لقرى الجنوب والبقاع الغربي بالاضافة الى فرض الضرائب والتجنيد الاجباري على المقيمين داخل الشريط الحدودي المحتل.
عدوان عناقيد الغضب
في يوم التاسع من نيسان 1996 استفاق الجنوبيون على اصوات حمم الموت تتساقط على المدنيين العزل بعملية اغتيال جماعية بعنوان جديد عبر فيه اليهودي عن مدى حقده وغضبه تجاه لبنان وشعبه ، بعملية فريدة من نوعها اطلق عليها عملية (عناقيد الغضب) بعد ان عاد العدو الصهيوني وكعادته لتكثيف اعتداءاته على المواطنين في الجنوب قصفا واغارة الامر الذي استدعى ردا سريعا من المقاومة اللبنانية ترجمته باطلاق عدد من صواريخ الكاتيوشا على المستعمرات "الاسرائيلية" ومناطق الجليل الاعلى مما حدا بالدولة الصهيونية الى اتخاذ ذلك ذريعة لاطلاق شرارة الحرب التدميرية ضد المدنيين والمنشآت والبنية التحتية في الجنوب والبقاع الغربي وصولا الى بيروت.
وفي عملية "عناقيد الغضب" قامت الطائرات والبوارج الحربية والمدافع "الاسرائيلية" بدك قرى الجنوب والبقاع الغربي واتبع العدو في ذلك سياسة الارض المحروقة كما هو شأنه. فنتج عن ذلك عدد كبير من القتلى والجرحى معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ وتهجير آلاف من المواطنين بعد ان فقدوا مساكنهم التي سوتها الصواريخ "الاسرائيلية" بالارض. وقد هدف العدو من وراء ذلك بث الشعور بالعداء بين الشعب والمقاومة الا ان التلاحم القائم بين اهل الوطن الواحد افشل المخطط الصهيوني ولا سيما انها ليست المرة الاولى التي يتعرض فيها الجنوبيون للهمجية "الاسرائيلية" وقد صمدوا طويلا بوجه الآلة العسكرية الصهيونية ودفعوا مقابل هذا الصمود ثمنا باهظا في الارواح والممتلكات.
ورغم ضراوة العمليات العسكرية فقد زادت اللحمة بين اللبنانيين وتمسكهم بوطنهم، وازاء القرارات الدولية المنبثقة عن مجلس الامن الدولي والموقف الاميركي تجاه العمليات "الاسرائيلية" على لبنان الذي اظهر حجم التواطوء مع الكيان "الاسرائيلي" عبر عنه احد المسؤولين اللبنانيين بقوله: اننا لم نعد نستغرب مثل هذه المواقف، فالمسألة كما اشار المسؤول باتت واضحة وهي إخضاع لبنان للارادة "الاسرائيلية" وجره الى مفاوضات ثنائية ينتج عنها اتفاق يشبه اتفاق 17 ايار وايقاع الخلاف والفتنة بين ابناء الشعب اللبناني.
عملية عناقيد الغضب التي سطر فيها العدو الصهيوني ابشع جرائم القرن العشرين ينأى لها الجبين والضمير الانساني حيث تمثلت بعملية اغتيال جماعي حصدت في ضربتين 112 شخصا معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ الذين لم ينقدهم علم الامم المتحدة في مركز القوات الدولية الفيجية في بلدة قانا حيث لجأ اليه الجنوبيون فتناثرت اشلاء القتلى وانفصلت عشرات الرؤوس عن اصحابها وفقد اطفال ايديهم وارجلهم وانتشر اللحم البشري المختلط بدماء الضحايا في ارجاء المكان بينما احترقت اجساد على فراشها وتفحمت. ورغم هذه المجزرة البشعة واصلت طائرات العدو باطلاق صواريخها حيث كانت سيارات الاسعاف تحاول نقل القتلى والمصابين فاصبحت هدفا رئيسيا للآلة العسكرية الصهيونية بعد مجزرة المنصوري التي قضى فيها اطفال كانت تنقلهم سيارة اسعاف بعيدا هربا من نيران المدفعية "الاسرائيلية" فاصابتها احدى القذائف وحولت من فيها الى قطع متناثرة من اللحم وسط صرخة اب مظلوم.