خسائر لبنان وحقه بالتعويض

  د . احمد امين بيضون

الراية اللبنانية 1/11/1999


تفرض التطورات المتسارعة في اتجاه اجراء المفاوضات على المفاوض اللبناني صوغ ملفه بطريقة مثلى لجهة الشمول والعمق في متضمناته والتماسك في منهجيته ، من منطلق الرؤى والخيارات الاستراتيجية المتأسسة على المصالح الوطنية والقومية بمحتواها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وقد يقود اي نقص او اي ثغرة في هذا الملف بمعنى الافتقار او الاختلال الى مصيدة المفاوض "الاسرائيلي"، وهذا ما يفرض علينا ان نطرح دائما تساؤلات عميقة حول ماذا لو نجح المفاوض "الاسرائيلي" في استغلال ثغرة ما في هذا الملف ، وعمل خلالها وعلى ايقاع تداعيات النظام العربي والضغوط الديبلوماسية على ابتزاز الوفد اللبناني المفاوض . ان طرح مثل هذه التساؤلات امر مهم للغاية في سبيل تفادي اي خلل او ثغرة في ملفنا الى المفاوضات وهو ما يتيح للمفاوض اللبناني تاليا ارضية اكثر مناعة وقوة في مقاومة الطروحات والابتزازات "الإسرائيلي" ولانه علينا ان نتصور ومنذ البداية ان القرارات التي ستنتهي اليها هذه المفاوضات ستكون بالغة التأثير على شعبنا لآماد طويلة .

وعلى هذا الاساس يمكن القول ان اصطفاف القضايا التي ستبحث في هذه المفاوضات وبخاصة التحشيد الذي ستتعمده "اسرائيل" يجب الا يحول دون النظر الى القضية من منظار التراتبية والاولوية لجهة الاهمية ولو استعرضنا كل القضايا المتداولة ، والتي قد تتطرق اليها المناقشات في هذه المفاوضات لوجدنا ان الكثير منها غير معني به لبنان ، وخصوصا في هذه المفاوضات وفي راينا ان القضية التي يجب ان تشكل محور كل ما سيجرج من قضايا في هذه المفاوضات هي قضية التعويضات اذ يتعين على "اسرائيل" ان تدفع للبنان التعويضات المالية المتناسبة مع قيمة الخسائر الناجمة عن اعتداءاتها عليه .

واهمية هذه القضية انها ناجمة من مآل حتمي مؤثر على حاضر لبنان ومستقبله على سيادته واستقلاله ، ولكونها توفر للبنان جزءا من الامكانات المالية التي تفرضها اشتراطات اعادة بناء قطاعاته الاقتصادية والمالية التي تواجه في هذه المرحلة صعوبات حادة بفضل ما قامت به "اسرائيل" من اعمال عدوانية حيال لبنان ، ولانها حق شرعي للبنان تجسده احكام القوانين والمواثيق والاعراف الدولية والشرائع الانسانية وهذا ما يبرر ان يكون لهذه القضية سمة القدسية عندنا .

ورغم كل هذا فاننا نجد ان هذه القضية لم تنل الاهتمام الكافي في السابق ، بل غابت باهميتها عن بال المفاوض اللبناني في مفاوضات مدريد ومن ثم في المفاوضات اللاحقة التي جرت بين لبنان و"اسرائيل" .

لكن الامر بات يختلف الان في ظل حكم ريادي على كل الصعد وهو ما حملنا الى التحدث في هذا الموضوع ، ولنقل انه لا بد من اعطاء هذه القضية حقها وجعلها تتقدم على كل القضايا الاخرى في المفاوضات مع "اسرائيل" ، وان يكون الحديث عنها متسما بالعناد النضالي سواء داخل المفاوضات او خارجها وعلى قاعدة فهم الاصول والجذور الحقيقة والذاتية للاعتداءات "الإسرائيلية" .

 

المطالبة بالتعويضات

غير ان الولوج الى قضية مطالبة "اسرائيل" بدفع التعويضات المالية للبنان ، يجب ان يكون منظورا اليه من الفهم الموضوعي لطبيعة المفاوضات التي ستجري بين لبنان و"اسرائيل" وهو ما ينطوي على وجود ادراك التركيب الهيكلي لكل من المسارين اللبناني والسوري في هذه المفاوضات ، فرغم ان هذين المسارين يجب ان يرتقيا خلال عملية التفاوض مع ""اسرائيل"" الى دورة التلازم والاندماج وكذلك الامر على مستوى تنسيق المواقف ، فان ما تجدر الاشارة اليه بالواقعية العقلانية والموضوعية وهو ان المفاوضات السورية ـ "الاسرائيلية" ستجري على قاعدة القرارين 242 و 338 الصادرين عن الامم المتحدة في اعقاب حربي حزيران 1967 وتشرين الاول 1973 اللذين شاركت فيهما سوريا .

اما بالنسبة الى لبنان ، فان الحال تختلف جذريا فهو يذهب الى المفاوضات والوقائع باتت معروفة ، اذ انه لم يقم او يشارك باي عمل عسكري منذ اتفاق الهدنة عام 1948 ضد "اسرائيل" ، انما عكس ذلك تماما ، فاستراتيجيا هذه الدولة التوسعية دفعتها الى القيام بسلسلة متصلة من الاعمال العسكرية ضد لبنان بهدف تدمير مقوماته .

وقد استطاعت فعلا ان تحقق خلال الثلاثين سنة الماضية جزءا كبيرا من هدفها بعدما الحقت به خسائر انسانية ومادية فادحة جدا ، ونظرا الى حجم اعتداءات "اسرائيل" ضد لبنان ، فقد صدرت قرارات عدة عن الامم المتحدة تطلب من "اسرائيل" وقف هذه الاعتداءات ، ويعتبر القرار الرقم 425 الذي صدر عام 1978 في اعقاب اجتياح "اسرائيل" الجنوب اهم هذه القرارات ، اذ انه تضمن دعوة صريحة بوجوب انسحاب الجيش "الإسرائيلي" من الاراضي التي احتلتها دون قيد او شرط ووقف اعتداءاتها كليا على لبنان ، الا ان "اسرائيل" لم تلتزم هذا القرار ، ولا تزال حتى الان تحتل جزءا كبيرا من الجنوب والبقاع الغربي وتمارس ارتكابات فظيعة ضده .

اذن يتضح جليا ان المفاوضات بين "اسرائيل" ولبنان لن تكون على قاعدة انسحابها من اراضيه ، لان هذه المسألة امر مفروغ منه بحكم مقتضيات القرار الرقم 425 ، لكن ما يحتاج الى التفاوض فعلا هو تحديد قيمة التعويضات المالية التي يجب الزام "اسرائيل" بدفعها للبنان .

 

قطاعية الخسائر اللبنانية

من المناسب هنا ان نشير الى اهمية فهم الحلقات الاساسية في مركز التوجه القصدي لاسرائيل في عملية تدمير مقومات لبنان ، وهو ما قادها في سبيل هذه الغاية الى استخدام كل وسائل الدمار بطرق غير مباشرة عبر ادوات محلية وخارجية ، فكانت المحصلة وقوع خسائر هائلة في مختلف القطاعات الانسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعمرانية والثقافية والتنموية وغير ذلك ، ويمكن ابرازها في شكل قطاعي على النحو الآتي :

ـ اولا : على صعيد القطاع الانساني :

1 ـ سقوط آلاف القتلى .

2 ـ سقوط عشرات آلاف الجرحى .

3 ـ اصابة الآلاف بعاهات جسدية ونفسية .

ـ ثانيا : على الصعيد القطاع الاجتماعي :

1 ـ اقتلاع الناس من منازلهم وارضهم .

2 ـ شرذمة العائلات وبعثرة افراد الاسر في اصقاع الارض .

3 ـ النزوح الكثيف نحو الداخل .

4 ـ هجرة الادمغة والايدي العاملة الى الخارج .

5 ـ انتشار البطالة والفقر لاسيما بين النازحين عن ارضهم ، مع ما نتج عن هاتين       الحالين من مآس اجتماعية وانسانية .

ـ ثالثا : على صعيد القطاع الاقتصادي :

1 ـ تدمير القطاع السياحي .

2 ـ تدمير القطاع المالي والمصرفي ، مما ادى الى انخفاض قيمة النقد الوطني اكثر من (563) مرة عما كانت عليه عشية اجتياح 1978 ، علاوة على هرب الودائع المصرفية وبالاخص العربية منها الى الخارج .

3 ـ تدمير مرتكزات مناخ الاستثمار في لبنان .

4 ـ تدمير قطاع الخدمات (مقاه ، مطاعم ، فنادق ، ملاه ، ترانزيت) .

5 ـ ضرب المنشآت الصناعية والمؤسسات التجارية .

6 ـ ضرب القطاعين الزراعي والبحري .

7 ـ نهب الاماكن الاثرية والمؤسسات التجارية والتعليمية وتجهيزات المكاتب ومفروشات المنازل .

ـ رابعا : على صعيد القطاع العمراني :

1 ـ تدمير المنشآت الكهربائية .

2 ـ تدمير شبكات المياه واستغلال مياه الجنوب .

3 ـ تدمير الجزء الاكبر من " طيران الشرق الاوسط " .

4 ـ تدمير الجسور والطرقات .

5 ـ تدمير شبكات الهاتف وسنترالاته .

6 ـ تدمير عدد كبير من المباني الرسمية والبيوت السكانية .

ـ خامسا : على صعيد القطاع التنموي :

قد يكون القطاع التنموي اكثر القطاعات تضررا من الاعتداءات "الاسرائيلية" ، اذ بسببها فقد لبنان معظم ما كان يملكه من هياكل تنموية ، كما انها حالت طوال الثلاثين عاما الفائتة دون امكان اقامة اي مشاريع بنيوية على الصعيد التنموي ، وهي بذلك اضاعت على لبنان كل فرصة للتنمية التي استفادت منها جميع دول العالم في السابق لاسيما خلال طفرة السبعينات والمشكلة الكبرى على هذا الصعيد ان لبنان بامكاناته المنهكة لن يستطيع لسنوات طويلة السير في دروب التنمية بطرق سليمة ومعافاة ، وكل ما سينجزه سبقته اليه دول كثيرة ، والادهى من كل ذلك انه سيكون بكلفة عالية قياسا الى ارتفاع الاسعار الذي تحقق في السنوات السابقة ، مع الاخذ في الاعتبار الامكانات المتواضعة جدا للناتج الاقتصادي وهذا ما كان يقع فعلا في جوهر الاهداف الاستراتيجية "الاسرائيلية" .

 

قيمة الخسائر.

تشير احدى الدراسات " اطروحة دكتوراه لعبير رياض طه " الى ان قيمة الخسائر الناتجة عن الاعتداءات "الاسرائيلية" منذ عام 1978 باعتباره العام الذي صدر فيه القرار الرقم 425 والذي يقضي انسحاب "اسرائيل" من لبنان دون قيد او شرط وحتى 1997 بلغت نحو 630 مليار دولار ، واذا ما اضفنا الى هذا المبلغ قيمة الخسائر التي لحقت بلبنان بسبب هذه الاعتداءات قبل 1978 وبعد 1997 لوجدنا ان خسائر لبنان تزيد عن 700 مليار دولار .

اذن نحن امام خسائر هائلة سببتها الاعتداءات "الاسرائيلية" للمجتمع اللبناني ، ناهيك عن الخسائر السياسية والثقافية الناتجة عن هذه الاعتداءات .

 

الحالات التاريخية .

ان المتتبع لمجرى الاعتداءات "الاسرائيلية" بابعادها وتفاعلاتها ، يلاحظ ان حسابات "اسرائيل" كما اشرنا سابقا لم تكن مبنية سوى على تدمير مقومات لبنان كي تتلاشى فرص بقائه كوطن ذي سيادة واستقلال وتاليا كي تسهل عملية اخضاعه لهيمنتها بعد تحويله كونتونات تدور في فلكها .

والدالات التاريخية على هذه الحقيقة كثيفة جدا ، ويكفي ان نشير مثالا لا حصرا الى بعضها الذي يثبت جرائم "اسرائيل" ، واستطرادا حق لبنان بالتعويض عليه عن الخسائر التي سببته له هذه الجرائم .

اولا : القرارات الصادرة عن الامم المتحدة كاعلى هيئة دولية في العالم ، والتي في سياقها صدر القرار 425 عام 1978 ، وفيه دعوة واضحة وصريحة الى "اسرائيل" بوجوب وقف اعتداءاتها على لبنان وسحب جيوشها منه دون قيد او شرط لكنها لم تكترث لهذا القرار واستمرت في اعتداءاتها الوحشية واحتلا لها اجزاء من الجنوب والبقاع الغربي .

ثانيا : المواقف الرسمية للدول الاجنبية وقد تضمنت دعوات متوالية لاسرائيل كي تتخلى عن ممارساتها العدوانية ضد لبنان ، والتي تؤدي الى قتل المواطنين العزل والابرياء وتدمير ممتلكاتهم ، لكنها في المقابل كانت في كل مرة تواجه هذه الدعوات بالرفض وتعمل على توسيع حلقات اعتداءاتها .

ثالثا : المواقف الصادرة عن الهيئات الانسانية في العالم وهي مواقف منددة باعتداءات "اسرائيل" على لبنان نظرا الى حجم الخسائر التي كانت تترتب على هذه الاعتداءات وطبيعتها .

رابعا : المواقف الصادرة عن الحركات والمنظمات السياسية الاجنبية المؤيدة لحق لبنان في سيادته واستقلاله ورفض "اسرائيل" الدائم هذه المواقف .

خامسا : مواقف الراي العام العالمي المساندة للعدالة والسلام ، وهي مواقف طالما رات في اعتداءات "اسرائيل" ضد لبنان ، اعتداءات موجهة ضد السلام والعدل في العالم .

ان هذه المواقف لو جمعت في كتاب واحد لتحول هذا الكتاب مرجعا وثائقيا لاطول مسلسل من الاعتداءات الآثمة التي مارستها دولة ضد شعب اعزل في التاريخ المعاصر .

 

الخاتمة :

الواقع ان مطالبة لبنان "اسرائيل" بالتعويضات المالية المتناسبة مع حجم خسائره الناجمة عن اعتداءاتها عليه ، هي حق مشروع ومقدس عندنا ، ولا يمكن التفريق به مهما كانت الدواعي او الضغوطات وفي هذا السياق لا بد لنا من التوجه الى الاقطار العربية لتتبنى هذه القضية وتطالب بها مع لبنان ، والامر يقتضي ايضا التوجه الى دول العالم لاسيما الدول الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة وفرنسا لمساندة لبنان والزام "اسرائيل" دفع التعويضات له ، كونها الدولة التي تمادت في اعتداءاتها عليه بعدما رفضت تنفيذ قرارات الامم المتحدة لاسيما القرار 425 ، وكونها الدولة التي لم تراع رغبة كل الشعوب الداعية للسلام بالانسحاب من لبنان والتوقف عن ممارسة عدوانيتها ضده .

ومن الاهمية بمكان ان نذكر بقرارات مجلس الامن التي اعتبرت ان العراق مسؤول مسؤولية كاملة عن الاضرار التي طاولت مصالح الشعب الكويتي ، وكذلك مصالح وحقوق اطراف اخرى كثيرة بسبب اعماله العدائية واحتلاله غير الشرعي للكويت (القرار 674 ، الامم المتحدة) .

كذلك فان "اسرائيل" التي لم يطالبها لبنان بهذه التعويضات ، هي نفسها التي تقاضت ومازالت تتقاضى مبالغ خيالية من الدول الاوروبية بحجة اضطهادها عددا من اليهود خلال حقبة الحرب العالمية الثانية ، انها تتقاضى هذه المبالغ بعد مرور اكثر من نصف قرن على هذه الحوادث علما بان هؤلاء اليهود هم من مواطني هذه الدول ، ولا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بدولة "اسرائيل" ، التي لم يكن لها في الاصل وجود خلال تلك الحقبة التاريخية .