الآثار التاريخية في الجنوب والعدوان "الاسرائيلي"
دكتور محمود امهز
رئيس قسم الآثار في كلية الآداب ـ الجامعة اللبنانية
ان ما يتعرض له الجنوب اللبناني ليس مجرد مأساة تتجدد، منذ بضع سنين، في كل يوم وقد لا تتوقف او تنتهي الا بفقدان هذا الجنوب، مأساة لا حدود لها ولا حصر لوجوهها: القتل والارهاب التشريد والدمار والتهجير (تجنبا لخطر قد تتعرض له "اسرائيل" يضر بأمنها واستقرارها) لآلاف من الناس الذين فقدوا الكثير وافقدوا بالنهاية حاسة الاتجاه. كل ذلك ليس مجرد مأساة. فافراغ منطقة من سكانها يعني، في المفهوم الصهيوني، التهيئة لاستيعاب اراض جديدة وضمها بحسب ما يقتضيه المخطط "الاسرائيلي" والظروف السياسية الملائمة. افراغ منطقة من سكانها ومحو آثارها ومعالمها التاريخية والحضارية شرطان ضروريان لتحوير التاريخ واعادة صياغته كيفيا وبشكل يتلاءم مع فكرة ايجاد خلفية تأريخية لدولة بدون تأريخ، بنيت بالوسائل نفسها، على اراض مغتصبة ومهجرة من اهلها، وعلى الادعاء بأنها تجسيد لماض لا تشكل استمرار له الا اذا قبلت جميع المقاييس وتبدلت جمعي المفاهيم الدولية، التاريخية، السياسية والانسانية.
لكن "اسرائيل" مصرة على قلب هذه المقاييس وهذه المفاهيم: اولا، لكونها ظاهرة استعمارية ينحصر دورها في الحفاظ على مصالح المستعمر، الذي تشكل امتدادا له او بديلا عنه، من الاخطار التي تتهددها اذا ما توحدت البلاد المجاورة لها ورعت مصالحها، وعملت بالتالي لتحقيق استقلالها الفعلي بالافادة من ثرواتها الطبيعية واستثمارها لصالحها الخاص، ثانيا، لضمان بقاء "اسرائيل" اذا ما ضمنت لنفسها، وعلى حساب الغير، مجالا حيويا يقتضي بالضرورة التوسع وما يستتبع ذلك من اعمال عسكرية ـ يتحدد نقاطها واتساعها بحسب ما تمليه الظروف ـ وعمليات استيطان وبناء مستوطنات في الاراضي المحتلة (في الضفة، وسيناء، والجولان…) كي تزيد في حجمها، جغرافيا وسكانيا، وتضاعف بالتالي من مواقعها الاستراتيجية.
والجنوب اللبناني ـ هذا الجزء الحيوي، تاريخا وحضارة، واقتصادا، فضلا عما يمثله حاليا من مقاومة وصمود ـ تشكل، في المخطط الصهيوني وتحقيقا لاهداف "اسرائيل" واطماعها، الخطوة التوسعية المقبلة التي تمهد لها بالغارات الوحشية على مدن وقرى المنطقة. هذا الجزء من لبنان الغني بمياهه، الغني بسكانه، غني ايضا بتاريخه والآثار الناطقة باسمه، واننا اذ نتحدث عن الجنوب اللبناني، لا بد لنا من العودة إلى الخلفية التاريخية لنلقي نظرة سريعة وشاملة على هذا التاريخ الطويل الذي لا يسعنا هنا، في اطار هذه الكلمة، سوى الاشارة إلى بعض ملامحه العامة والتذكير باهم معطياته الحضارية التي اكدتها كتب القدماء من هوميروس (الذي اتى على ذكر صيدا وصور مرارا في الالياذة والاوذيسة ـ من القرن التاسع ق.م) إلى هيرودوتس (القرن الخامس ق.م) وديودورس الصقلي وتسرابون (القرن الاول ق.م) ثم فلافيوس يوسيفيوس وبلو تارك (القرن الاول ميلاديا)… والقت الضوء عليه، او على جزء منه، المكتشفات الاثارية الهامة سواء في مدن الجنوب نفسها (وبخاصة صور وصيدا وسربتا ـ الصرفند) ام في جزر البحر الابيض المتوسط وصقلية، وجنوبي ايطاليا وإسبانيا وساحل افريقيا الشمالية.
وعندما نقول "الجنوب" نعني، بالدرجة الاولى، صيدا وصور اللتين يرجع تاريخهما، بحسب ما توفر لنا حتى الان من معطيات اثارية (اقدمها اثار عصر الحجر والنحاس ـ حوالي 4000 سنة ق.م ـ في القطاع الجنوبي من مدينة صيدا) إلى ما لا يقل عن خمسة او ستة آلاف سنة (هذا اذا ما استثنينا العصور الحجرية القديمة والممثلة بمغارة عدلون)، لم تنقطع خلالها الحياة النشطة او تتوقف على ارضهما. وكان لهما من الاهمية والشهرة في العصور القديمة ما للمدن التاريخية الكبرى. كما لم يقتصر نشاطهما فقط على الملاحة والتجارة ومختلف الصناعات والفنون الحرفية (الزجاج، والعاج، والمعادن، والصباغ الارجواني…)، بل شمل مجالات اخرى كعلم الفلك والرياضيات. "وحتى الان ـ أي القرن الاول ق.م ـ يمكننا تلقي العلم في صيدا وصور ليس في هذين العلمين وحسب، بل في جميع فروع الفلسفة الاخرى" (سترابون).
صحيح اننا لا نعرف الكثير عن صيدا وصور في الالفين الثالث والثاني ق.م (أي ما بين 3000 و1100 ق.م) ولم يتوفر لدينا من المعطيات الاثارية ما توفر لنا بالنسبة لجبيل واوغريت (راس شمرا، شمالي اللاذقية) في الفترة نفسها. ذلك ان اعمال التنقيب، على اهميتها، لم تصل في منطقة الجنوب الا في ما ندر، إلى السويات السفلى (أي اثار المراحل القديمة). لكن من الواضح ان الدور الرئيسي على الصعيد الفينيقي العام، قد انتقل، في الالف الاول ق.م، إلى الجنوب، وبخاصة إلى مدينة صور التي ستبقى، لفترة طويلة، العاصمة الفينيقية الاولى، كما ستبقى لقرون عدة سيدة البحار، ولن تتخلى عن هذه السيادة سوى لقرطاجة وهو ما تؤكده التوراة والنصوص التاريخية القديمة، يونانية ومصرية واشورية، وبابلية، فضلا عن النصوص الفينيقية والقرطاجية، وكذلك الآثار المكتشفة سواء في حوض البحر الابيض المتوسط، ام في الداخل، في سوريا والعراق (عاجيات كالح ونينوى…).
وفعلا فان تاريخ مدن الساحل الكنعاني، في الالفين الثالث والثاني ق.م، قد ارتبط ارتباطا وثيقا، وتبعا للمواقع الجغرافية لهذه المدن، بتاريخ البلاد المجاورة. فكانت جبيل على صلة وطيدة بمصر الفرعونية، بينما كانت اوغريت، المدينة السورية الشمالية، اكثر ارتباطا بالداخل. بيد ان هذا الواقع سيبدل كليا مع نهاية هذه المرحلة التاريخية (أي حوالي 1200/1100 ق.م)، عندما تعرضت منطقة الشرق الادنى لاحداث كانت من الاهمية والشمول بحيث تغيرت معها طبيعة هذه العلاقات الدولية ومحاورها، كما تبدلت بنتيجتها ايضا الاوضاع السياسية العامة، سواء في منطقة غربي آسيا. (بما في ذلك آسيا الصغرى) ام في حوض المتوسط الشرقي وشمالي افريقيا.
وهذه الاحداث ـ التي سيكون لها دور اساسي وحاسم في تحديد طبيعة المرحلة القادمة على الساحل الكنعاني ـ تمثلت بالتحولات الديموغرافية على اثر تدفق شعوب جديدة، عرفت اصطلاحا باسم "شعوب البحر"، استوطنت بعض فئاتها (البيليست) في القسم الجنوبي من الشاطئ الكنعاني (فلسطين).
وقد رافق دخول هذه الجماعات تحول جذري في ميزان القوى السياسية الكبرى لتلك الفترة نتيجة لانهيار الامبراطورية الحثية في آسيا الصغرى وشمالي سوريا، وتقلص النفوذ المصري في منطقة غربي آسيا، وانهيار القوة الميكينية البحرية (1200 ق.م) التي وقفت لفترة طويلة حائلا في وجه التوسع الفينيقي في حوض البحر الابيض المتوسط. وكان من النتائج المباشرة لهذه الاحداث ان تقلصت الحدود الجغرافية لمناطق تواجد الفينيقيين على الساحل الكنعاني وتقلص نشاطهم على اثر دمار مدينة اوغريت (1200 ق.م) وهجرة اهلها نحو المدن الفينيقية الاخرى لجهة الجنوب، واقتطاع الجزء الجنوبي من هذا الساحل لصالح الغزاة الجدد، واستمرار حالة الفوضى طيلة ما يقارب المئة سنة (1200 ـ 1100 ق.م).
ولكن بالرغم مما عانته مدن الساحل من كوارث وازمات داخلية ـ دمار مدينة اوغريت وتصاعد عدد السكان في المدن الاخرى، وتوقف النشاط التجاري ـ فان مرحلة جديدة، ربما الاهم في تاريخ هذه المدن، تبدأ مع نهاية الالف الثاني وبداية الالف الاولى ق.م وهي المرحلة الفينيقية، الممثلة للنشاط الفينيقي الفعلي سواء على صعيد التوسع التجاري وبناء المستعمرات في مختلف انحاء حوض البحر الابيض المتوسط، ام على صعيد الازدهار الاقتصادي وما رافقه تطور في مختلف مجالات الصناعات الحرفية.
هذه المرحلة التي شهدت فيها مدن الساحل، وللمرة الاولى في تاريخها، شيئا من الاستقلال الذاتي (دام ما يقارب ثلاث قرون)، تقابل، على الصعيد العام، ما يعرف في المصطلحات الاثارية باسم "عصر الحديد"، وذلك لاكتشاف معدن جديد، "الحديد" الذي ادخل في صناعة الاسلحة والادوات، وحل بالتالي ـ لسهولة استخراجه وتصنيعه، ولانه اوفر كلفة من المعادن الاخرى ـ محل النحاس والبرونز في مجالات عديدة. ويبدو ان الحديد الذي ساهم في تطور صناعة السفن كان ايضا من عوامل ازدهار التجارة الفينيقية في المتوسط، اذ كان الفينيقيون ينقلون هذا المعدن والادوات التي صنعت منه من مصادره الاصلية في آسيا الصغرى وبعض جزر البحر المتوسط إلى البلاد التي كانت تفتقر إلى هذا المعدن.
ومع هذا التحول الذي شهدته المنطقة، ينتقل الدور الرئيسي، على الصعيد الفينيقي العام، إلى الجنوب، خاصة بعد ان دمرت مدينة اوغريت وفقدت جبيل كثيرا من نفوذها السياسي والتجاري. اما مدينة صيدا، احدى اكبر المدن الفينيقية، فقد احتفظت بنوع من السيطرة البحرية طيلة الالف الثاني ق.م، وبقيت من اهم المدن الفينيقية في الالف الاول ق.م. اذ ورد اسمها في التوراة والملاحم الهوميرية. كما استعملت كلمة "صيدونيين" كاسم عام يشمل جميع سكان فينيقيا الجنوبية. واعتبرت التوراة "ايتوبعل" الاول. ملك صور (887ـ856)، ملكا على الصيدونيين. كما اعتبرت الحوليات الآشورية حيرام الثاني، احد ملوك صور، كملك على صيدا. وهكذا يبدو ان كلمتي "صيدا" و"صيدونيين" قد استعملتا في النصوص القديمة كفينيقيا والفينيقيين. ذلك يعني ان منطقة جنوبي لبنان قد شكلت، مع نهاية الالف الثاني ق.م. نوعا من التحالف جمع بين الصوريين والصيدونيين.
وصور ايضا من اقدم المدن الفينيقية. اذ يرجع تاريخها. استنادا لما ورد في التقاليد الصورية والمكتشفات الاثارية الحديثة. إلى الالف الثالث ق.م. لكن المدينة لم تنل الشهرة وتصل إلى ما وصلت اليه من ازدهار اقتصادي الا في آلاف الاول ق.م.، وذلك عندما اصبحت ابتداء من القرن العاشر ق.م.، ملتقى الطرق التجارية التي تجمع ما بين النيل والفرات، ونقطة انطلاق السفن التجارية في اتجاهات مختلفة من البحر الابيض المتوسط الذي خضع في قسم كبير منه لنفوذها التجاري. وبذلك فان سيادة البحر قد انتقلت إلى صور التي حل نفوذها محل النفوذ الميكيني الذي كان قد قضى عليه الدوريون في بداية القرن الثاني عشر ق.م.
وفي مجال الحديث عن النشاط التجاري الفينيقي، لا بد لنا من العودة إلى التقرير الذي يرجع إلى الاسرة الواحدة والعشرين (1085ـ935)، ويعبر اصدق تعبير عن حالة العلاقات القائمة بين مصر والمدن الفينيقية في تلك الفترة. كتب هذا التقرير "اون ـ آمون"، رسول الفرعون سمنديس (احد ملوك تانيس في منطلقة الدلتا)، كي يطلع سيده على المصاعب التي اعترضته اثناء قدومه إلى جبيل لشراء كمية من اخشاب الارز. ويتبين من هذا التقرير ان جبيل قد تحررت من النفوذ المصري، وبشكل اتاح لاميركا (ذكرـ بعل) ان يتصرف في علاقاته التجارية مع وادي النيل كسيد مستقل، يتبع في ذلك اصول التبادل التجاري. ولعل اهم ما ورد في هذا التقرير المعلومات الخاصة بتنظيم المرافىء والقوانين التجارية التي بقيت المدن الفينيقية تعمل بموجبها لفترة طويلة من الزمن. فكان من بين الجج التي تذعر بها امير جبيل كي لا يسلم البضائع إلى الرسول المصري هو ان السفن المصرية التي اتت إلى جبيل لشحن الاخشاب لم ترفع راية تبين عن هويتها التجارية او الحلف الذي تنتمي اليه. وهنا يتبين لنا ان عددا من سفن جبيل (حوالي عشرين سفينة) كان يشكل جزءا من تحالف تجاري (شركة) مع فرعون مصر، كما اشتركت صيدا بحوالي خمسين سفينة في تحالف مماثل مع رجل يدعى اوركاتل، يعتقد انه فينيقي يقيم في مصر، وان اسمه هو تحريف لاسم "بركات ـ ال".
وهكذا يستنتج مما ورد في تقرير اون ـ آمون ان المدن الفينيقية قد اتبعت نوعا من التنظيم التجاري في الداخل يضمن حرية كل مدينة في امتلاك السفن وفي عقد الاتفاقيات التجارية مع من تشاء دون ان تتعرض لاي نوع من الضغوط من قبل المدن الاخرى. وكان لكل مدينة (او شركة) الحرية المطلقة في التحالف مع بعض الامراء والملوك الاجانب كي تدعم قوتها وتأمن شر انتشار الفوضى والقرصنة. ذلك ان هؤلاء الاجانب الذين يلتزمون بتقديم الاموال لبناء السفن وتموينها وما يلزم لحمايتها من اعمال القراصنة، يقاسمون الشركات الفينيقية ما تجنيه من ارباح. وبفضل هذه الاوضاع الداخلية وطبيعة العلاقات الخارجية، عرفت المدن الفينيقية نوعا من التوازن الداخلي يقوم على استقلال كل مدينة عن الاخرى والاعتراف بحرية كل منها في عقودها التجارية مع عملائها في الخارج. غير ان هذا النهج الذي اتبعته المدن الفينيقية، وفرضته طبيعة هذه العلاقات القائمة مع القوى الخارجية ومصالح الفئات الحاكمة في كل منها، قد حال دون توصيل هذه المدن إلى الوحدة السياسية والالتقاء تحت سلطة مركزية واحدة. وفعلا بقيت هذه المدن، طيلة تاريخها القديم، تتبع ما يشبه نظام "المدينة ـ الدولة"، وتعمل كل منها، على الصعيد السياسي، بحسب ما تمليه مصالحها وتحالفاتها الخارجية.
لكن بالرغم من هذا الوضع والمواقف السياسية المتباينة احيانا ازاء الاخطار الخارجية، فان ما حققه الفينيقيون جدير بالتقدير والاهتمام. ولعل الاثر البارز والاهم في حياة المدن الفينيقية هو ما توصلت اليه، في مجالي الملاحة وبناء السفن، من تطور عظيم سيتيح لها القيام بتلك المغامرات البحرية الكبرى التي قادت الفينيقيين، انطلاقا من هذا المدن، ومن صور، خاص، لاكتشاف مناطق كانت ما تزال حتى ذلك الوقت شبه مجهولة في حوض البحر الابيض المتوسط وخارجه. وكانت صور على راس المدن الفينيقية التي شمل نفوذها التجاري حوض المتوسط الشرقي (بما في ذلك بحر ايجه وبحر ايونيا) ومعظم الحوض الغربي، كما تخطى الصوريون مضيق جبل طارق ووصلوا إلى المحيط الاطلنطي والجزر البريطانية من جهة، وداروا، للمرة الاولى في التاريخ، حول القارة الافريقية (ربما في عهد الفرعون نخاوو، وبناء لطلبه). وقد اورد هيرودوتسس وصفا مطولا لهذه الرحلة حيث يقول: "بعد ان اتم الفرعون حفر القناة التي تصل النيل بالخليج (البحر الاحمر) ارسل سفنا يقودها الفينيقيون وطلب اليهم ان يرجعوا إلى مصر عن طريق اعمدة هرقل (مضيق جبل طارق) والبحر الشمالي (البحر المتوسط)… ويبدو ان حفر القناة التي وصلت احد فروع النيل بالبحر الاحمر، عن طريق وادي طومبلة والبحيرات المرة ثم خليج السويس، كان نتيجة لتطور العلاقات المصرية ـ الفينيقية وللازدهار التجاري الذي عرفته المنطقة في تلك الفترة.
وحتى في المجالات العسكرية كانت مساهمة الفينيقيين في الحروب الميدية مساهمة فعالة نالت بفضلها المدن الفينيقية، في ظل الحكم الفارسي، اقله في البداية، امتيازات خاصة، وافادت من اتساع المجالات التجارية في هذه الامبراطورية المترامية الاطراف خاصة بعد ان اعيد حفر القناة (في عهد داريوس) بين المتوسط والبحر الاحمر. وفي هذا العهد، كان للمدن الكبرى نفوذ تجاري شمل المناطق المجاورة لها، حيث اخضع الساحل الجنوبي من الصرفند إلى الكرمل لمصالح صور التجارية. في حين بسطت ارواد نفوذها على الساحل الشمالي المقابل لها، واسست صيدا مستعمرات لها في دور وحيفا في فلسطين.
وهكذا فان النشاط الفينيقي لم يقتصر على المغامرة وحب الاكتشاف والاطلاع. فهو سيقود الفينيقيين لبناء قوتهم البحرية الواسعة النطاق، وتأسيس عدد لا حصر له من المستعمرات، ابتداء من كتيون وايداليون… في قبرص إلى قادش في اسبانيا وليكسوس وموغادرو على ساحل افريقيا الاطلنطي، مرورا بجزر بحر ايجه وبحر ايونيا ومستعمرات صقلية (بانوروموس وسوليوس) وسردينيا وجزر الباليار ومالطة، وبخاصة الساحل الافريقي الشمالي حيث تأسست عدة مستعمرات: اوتيكا (او عتيقا، الاولى في شمالي افريقيا) وحضرموت (سوس الحالية). ولا شك ان ابرز هذه المستعمرات واهمها هي قرطاجة (تأسست حوالي السنة 814 ق.م)، المدينة وتحدي روما والاسهام في بناء مستعمرات جديدة في حوض المتوسط الغربي.
النتائج المباشرة لهذا التوسع "السلمي" عبر البحار لم يقتصر فقط على ما شهدته مدن الجنوب الفينيقي من ازدهار اقتصادي واتساع نطاق العمران وتطور الصناعات. فان بناء المستعمرات وتحول البعض منها إلى مدن كبرى قد اسهما في نقل المعالم الحضارية الشرقية إلى الطرف الغربي من البحر الابيض المتوسط، وتحققت، بفضل ذلك اول محاولة واسعة النطاق في مجال العلاقات المثمرة بين حضارات الشرق والغرب. سيما وان هذا النشاط لم يكن فقط باتجاه الغرب. فهي ذات اهمية ايضا تلك الحملات التجارية الفينيقية نحو الداخل، التي شملت في الالف الاول ق.م (أي في فترة الازدهار الصوري) مختلف البلاد الشرقية (فلسطين ومصر والجزيرة العربية، سوريا وتركيا والعراق وايران…) حاملة اليها نتاج صناعات مدن الساحل ومحترفاتها… ويؤكد مدى ما تحقق من تقدم وتطور في مختلف هذه المجالات طلب سليمان (ومن قبله داود) من حيرام، ملك صور (في القرن العاشر ق.م) مهندسين معماريين وعمال فنيين ومواد اولية لبناء قصره الخاص وهكيل اورشليم. ويبدو ان ملوكا اشوريين قد استقدموا إلى بلادهم صناع وعمال مهرة من الفينيقيين، اذ يشير نصب اشور نزربال الثاني (وجد في قصر مدينة كالح) إلى ان عمالا صوريين وصديونيين قد ساهموا في بناء هذا القصر. هذا فضلا عن ان عددا كبيرا من العاجيات الفينيقية قد وجد في مدن سورية وعراقية (حداتو، كالح، نينوى…).
اما عن الآثار المكتشفة في الجنوب، سواء في صيدا وصور ام في الصرفند والحرايب وام العواميد… واماكن عديدة اخرى، فهي تشكل جزءا هاما من هذا التراث التاريخي القديم. واه لمن المؤسف حقا ان يتعرض هذا التراث وهذه المواقع الاثرية، وباكثر مما تعرضت له عبر تاريخها الطويل، للدمار، بفعل القنابل "الاسرائيلية" التي تتساقط بين الحين والاخر على هذا الموقع او ذاك، وتصيب من الآثار ما اصابته في منطقة البص الاثرية (في صور) او في قلعة الشقيف، احد ابرز النماذج البنائية الصليبية في الشرق. وبفعل الحرب لا تتعرض هذه المواقع الاثارية للقنابل المدمرة وحسب، فهي الان عرضة للاهمال واعمال التخريب وعبث العابثين. هذا فضلا عن ان اعمال التنقيب التي كانت قد بدأت في صور منذ ما لا يقل عن ثلاثين سنة قد توقفت الان، وتوقفت ايضا جميع الحفريات الاثارية العلمية الاخرى في صيدا والصرفند والمواقع المجاورة لمدينة صور. وليست الآثار المنظورة وحدها هدفا للدمار واعمال التخريب. فهي، على اهميتها، لا تشكل سوى جزء بسيط جدا مما لا يزال في باطن الارض. واسرائيل تعرف جيدا هذا الواقع وتعمل، سواء في الشريط الحدودي ام في أي منطقة تطأها اقدام جنودها، على اقتلاع هذه الآثار بواسطة الجرافات.
لكن الخطر الذي تتعرض له اثارنا في الجنوب لن يقتصر بالطبع، اذا ما اتسع نطاق الاحتلال "الاسرائيلي"، على ما نشاهده الان من اعمال تخريب وتدمير ونهب لاجزاء كبيرة من هذه الآثار، تنقل إلى "اسرائيل" او تباع في الاسواق التجارية، وتفقد بالتالي قيمتها التاريخية كشواهد مادية على تراثنا القديم. وقد لا يشكل ذلك كله، على اهميته، سوى ظاهرة من ظواهر هذا الخطر. فاهتمام "اسرائيل" بالتنقيب واقتنائها لا يبررها فقط ما تشكله هذه الآثار من ثروة مادية كبرى قائمة بذاتها ـ تزيد في غنى المتاحف "الاسرائيلية".
واننا لا ندرك مدى هذه الخطورة اذا لم نأخذ بالاعتبار الاسس الفكرية للدولة "الاسرائيلية" والرؤية الخاصة في فهم الصهيونية للتاريخ. واستنادا لهذه المفاهيم الخاصة، ترى الصهيونية في "الصلة" بين الشعب اليهودي والارض "فلسطين" علاقة جوهرية واساسية لا يمكن اثباتها وتعميقها الا بتأويل التاريخ وتحويره من منطلقات لا تجد مصادر لها سوى في التوراة والتفسيرات اللاحقة. هذه الصلة (بين الشعب اليهودي وارض فلسطين) تصبح، من هذا المنطلق، المشكلية الاساسية في الفهم "الاسرائيلي" للتاريخ استنادا ليس فقط لاحداث تاريخية ـ توقفت على ارض فلسطين منذ ما يقارب الالفي سنة ـ بل لمسألة روحانية (ونفسانية) "تنعكس في مواقف اليهود وتقاليدهم وسلوكهم وايمانهم"، ومظاهر اخرى لا بد من الحفاظ عليها وابقائها او بعثها، اذا جاز التعبير، بكل الوسائل الممكنة.
والآثار، مادة التاريخ القديم، قد تشل ابرز هذه الوسائل اذا ما وضعت في اطارها التاريخي كما تتصوره "اسرائيل" لترميم الروابط الروحية والاحداث المعتبرة كجزء اساسي من التاريخ اليهودي بعد التشتت الكبير الذي تعرضوا له في العهد الروماني وفقدوا على اثره صلتهم بالارض فعلا. فاحياء الماضي ليس مجرد ضرورة لرسم خلفية تاريخية لدولة حديثة ارتبط وجودها وبقاؤها بالاستعمار الغربي ودعمه الفاعل لها. فمن خلال هذا التاريخ وزيادة حجم الدور اليهودي في العالم القديم، تسعى "اسرائيل" لبعث هذه الصلة (بين الشعب اليهودي وارض فلسطين) وجعلها حقا مقدسا لا ينفيه الانقطاع الكبير ما بين اليهود والارض وانحسار هذا الدور التاريخي للشعب اليهودي.
وان "اسرائيل" اذ تولي اهتمامها الاكبر للدراسات الاثارية، وتسعى جاهدة ـ بشكل او بآخر ـ لتوجيه هذه الدراسات العلمية بحيث تلتقي، او لا تتعارض اقله، مع المفاهيم الصهيونية، ومنطلقاتها التوراتية، فذلك لان تاريخ العبرانيين يقتصر، في مراحله القديمة، على ما ورد في التوراة، المرجع الديني والتاريخي والتشريعي لليهود. بينما لم تقدم لنا اعمال التنقيب حتى الان أي اثر مادي في اية منطقة من مناطق الشرق الادنى القديم (بما في ذلك فلسطين) ـ يشير إلى الاحداث التي تتكلم عنها التوراة (ابراهيم الخليل وهجرة العبرانيين إلى حران ثم فلسطين، دخولهم إلى مصر وخروجهم منها، استيطانهم فلسطين، وتأسيس الممالك الاولى). لذلك فان "اسرائيل"، كي تغطي هذا النقص في الوثائق التاريخية تبحث عن جذور لها في اثار الشعوب الاخرى التي يفترض انها كانت على صلة بالعبرانيين وللغاية نفسها، وبتأثير من الصهيونية العالمية، فان الدراسات الاثارية الاولى في الغرب ـ اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ـ قد انطلقت. في معظمها. من هذا الهاجس التوراتي، حتى عندما تطرقت لمعالجة اثار الرافدين ووادي النيل او الشاطئ الكنعاني، كأنما غايتها الاساسية تثبيت ما ورد في التوارة والتأكيد عليه.
وهو ما نلمسه ايضا في بعض الدراسات العلمية اللاحقة (كما يلاحظ في الدراسات الخاصة باثار ونصوص مدينة ماري : تل الحريري، على الفرات. شمالي سوريا). وفي الضجة العالمية الكبرى، الضجة المفتعلة التي اثارتها الصهيونية. منذ بضع سنوات، حول المكتشفات الاثارية الهامة في مدينة "ابله" (تل مرديخ، قرب حلب، شمالي سوريا). الا ان موقف المديرية العامة للآثار السورية وتشكيل لجنة عالمية من المختصين باللغات الاسمية القديمة والكتابات المسمارية، قد اسهما في التوصل إلى معطيات جديدة وهامة ـ باعتراف الوسط العلمي الغربي وحتى جريدة اللومند 9/9/80 تناقض توقعات الصهيونية وتدحض ادعاءاتها.
قبل ذلك كانت "اسرائيل"، قد وضعت يدها. بعد احتلالها للضفة الغربية، على اثار متحف القدس ووثائقه الهامة، واستولت على مواقع اثارية اعتبرتها ـ حتى ما يرجع منها إلى ما قبل العبرانيين ـ جزءا من التاريخ العبراني.
ان الشواهد على مثل هذه الممارسات "الاسرائيلية" كثيرة لسنا بصدد الحديث عنها. واننا اذ نشير إلى بعض جوانبها انما كي نوضح موقف الصهيونية من التاريخ القديم، وموقفها من الدراسات الاثارية عامة واثار الجنوب اللبناني خاصة. هذا الجنوب الذي ترى فيه "اسرائيل"، نظرا لموقعه الجغرافي على الحدود الشمالية لفلسطين وصلاته التاريخية بها، امتدادا لتاريخها القديم، تتيح لها اثاره، اذا ما وضعت اليد عليها، ان تفسرها وتشرحها بحسب المنهج الذي اتبعته في دراساتها للآثار المكتشفة في الارض المحتلة.
ولعل اهم هذه الآثار واكثرها عرضة للخطر هي اثار مدينة صور، حيث تم الكشف، خلال ثلاثين سنة من الحفريات المتواصلة باشراف المديرية العامة للاثار، عن مدينة بكاملها، ومع ذلك فان الآثار المكتشفة حتى الان لا تغطي، بالرغم من اتساع مساحة اعمال التنقيب وضخامتها واهميتها العلمية، سوى حقبة ليست الاهم في تاريخ المدينة. وفعلا فان اثار مدينة صور هي في معظمها من العهدين الروماني والبيزنطي. قليل منها يرجع إلى العهد اليوناني، ولم تصل اعمال التنقيب إلى ما قبل هذا التاريخ الا في الجزء الشمالي الغربي من حقل الحفريات. لكن الدلائل تشير إلى ان اثار العصور التاريخية القديمة السابقة للعهد اليوناني ما زالت مدفونة في الارض سواء في مدينة صور نفسها ام في المناطق المجاورة لها، كالرشيدية.
هذا الواقع لا ينفي مطلقا ما للآثار المكتشفة حتى الان في صور من اهمية علمية وتاريخية. فهي تلقي اضواء ساطعة على هذه الحقبة التاريخية من حياة المدينة، بفضل ما قدمت لنا من نصوص باللغة اللاتينية تتناول مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، وبفضل منشآتها العامة وابنيتها الخاصة ومختلف اشكال الفنون النحتية ـ وبخاصة المنحوتات الناتئة على النواويس ـ والصناعات الحرفية. لكن من يزور المدينة يؤخذ بمظاهرها العمرانية المتمثلة بشوارعها العريضة المحاطة بالاروقة الجانبية (استوردت حجارة اعمدتها الرخامية من الخارج، وبخاصة الجزر اليونانية) وابنيتها العامة كالحمامات والفورم والمسرح … والطريق الرئيسية والجسر المرافق لها لجر المياه من راس العين إلى المدينة، على جانبي الطريق، ثم ميدان سباق الخيل Hippodrame الذي يعتبر من اجمل واهم هذه الانماط البنائية المميزة للعهد الروماني.
ان اتساع نطاق المدينة الرومانية وضخامة ابنيتها انما يؤكد ان الحياة في صور قد ازدهرت من جديد وان المدينة، التي نالت في ظل الامبراطورية الرومانية شيئا من الاستقلال الذاتي. قد استعادت في هذه المرحلة بعض امجادها السابقة. قبل ذلك كان النشاط الصوري الذي بلغ ذروته في القرون الاولى من الالف ق.م. قد توقف مع نهاية القرن السابع، عندما استقلت او تحولت عنها جميع مستعمراتها، وارتبط بعضها بقرطاجة ومنذ نهاية القرن السابع ق.م خضعت المدينة لنفوذ الامبراطوريات المتتالية: البابلية (الكلدانية)، الفارسية، اليونانية، قبل ان تتحول (منذ سنة 64 ق.م)، مع باقي المدن الفينيقية، إلى النفوذ الروماني. ففي هذا العهد استعادت صور نشاطها في مجالي التجارة والصناعات الحرفية (الارجوان والاقمشة)، كما تحولت، على الصعيد الفكري إلى مركز للدراسات الفلسفية، وبرز بفضل ذلك عدد من المفكرين، امثال :مكسيموس الصوري (من القرن الثاني)، احد اتباع افلاطون، وبورفيروس (القرن الثالث) الذي كان من اتباع الافلاطونية المحدثة واشتهر بمواقفه المعادية للمسيحية وانتقاداته لها، ثم الجغرافي مارين الصوري، والقاضي اولبيان.
تتوزع اثار مدينة صور في قطاعين اساسيين : حفريات المدينة، وحفريات البص. وفي كلتا الحالتين كانت المديرية العامة للاثار قد باشرت التنقيب، بادارة موريس شهاب، منذ فترة طويلة تزيد على الثلاثين سنة. المجموعة الاولى تضم عددا من الابنية الرومانية التي استخدم بعضا او عدل فيها واضيف اليها في العهد البيزنطي. هذه الابنية ـ او ما تبقى منها ـ موزعة حل محور رئيسي، أي الطريق العريضة المحاطة بالاروقة الجانبية (اعمدتها من حجر السيبولان Cipolin الذي استورد من جزيرة الاوبة اليونانية…) والمزينة ارضها بالفسيفساء الجميلة، على شكل دوائر بيضاء. لكن، ابتداء من عهد سبتيموس سفيروس، استعيض عن الفسيفساء بالصفائح الرخامية، التي تغطي الطريق ابتداء من مدخل المدينة إلى حيث ينتهي عند المرفأ القديم الذي كان يعرف باسم المرفأ المصري لوقوعه لجهة الجنوب. بينما عرف المرفأ الاخر بالمرفأ الفينيقي او الصيدوني، لجهة الشمال.
على يمين الطريق يقع "المسرح" الذي خصص للمصارعة واخذ، خلافا للمسارح المعروفة في العهدين اليوناني والروماني، شكل المستطيل.
وهو يتألف من حلبة وعدة مدارج تحيط بها على الجهات الاربع. هذا البناء الذي يرجع إلى العهد الروماني يتضمن عناصر بنائية قد تعود إلى القرنين الرابع والثالث ق.م. أي العهد الهللينستي. ثم يلي المسرح، لجهة اليمين، الحي السكني الذي لم تتوضح بدقة معالمه البنائية، وذلك لتراكم الانقاض من عصور مختلفة، رومانية وبيزنطية ووسيطية. وفي هذه الجهة يحدد موقع بيت الحاكم وكذلك معبد ملقارت الذي لم تصله بعد اعمال التنقيب الاثارية. وعلى مقربة من المدخل الرئيسي تسعة اعمدة من الغرانيت كانت تشكل جزءا من بناء البالسترا (الخاص بالتمارين الرياضية) الذي تهدم في القرن الخامس، وتحولت ارضه إلى محترف لصناعة الارجوان.
ولعل من ابرز واهم هذه الآثار في صور المدينة هي اثار الحمامات الرومانية (في الجهة المقابلة للمسرح) التي استخدمت بعد ذلك. جزئيا، حتى العهد العربي. هذه الحمامات التي لم تحتفظ سوى باجزائها السفلى (التحتية) بنيت. في قسم منها، فوق المرفأ الذي كان قد ردم جزئيا آنذاك. وفي القسم الاخر. فوق السور الفينيقي القديم. وهي تقوم على مجموعة من الدهاليز المعقودة، او الاقبية التي تحمي البناء العلوي (بما في ذلك المواقد او مراكز اشتعال النارـ Hypocauste) من رطوبة الارض الرملية.
ام الحقل الثاني من الحفريات فيقع شمالي شرقي المدينة، في الضاحية المعروفة اليوم باسم "البص". وهنا نجد مجموعة هامة من الابنية الاثرية الرومانية والبيزنطية: منها الطريق العريض الذي يربط بين صور والطريق العام الممتد على طول الساحل. وهو الطريق الروماني الذي استخدم في العهد البيزنطي حيث اعيد تبليط اجزاء منه، كما شيدت فوقه، بالقرب من قوس النصر الذي يعلوه، كنيسة صغيرة. وقد تبين ان قوس النصر هذا قد شيد في اواخر القرن الثاني حيث كان يتألف من ثلاثة مداخل تهدمت جميعها في القرن الخامس. لم يرمم منها سوى المدخل الوسطي (فوق الشارع) المدعوم باعمدة اسطوانية تحمل المثلث الجبهي الذي يعلو القوس ويصل إلى ارتفاع 20م. ويرافق هذا الطريق (في الجهة الجنوبية) جسر لجر الماء aqueduc من ينابيع رأس العين إلى المدينة، ما زال يحتفظ بكثير من معالمه الاساسية. اما المدافن المؤلفة من مجموعة كبرى من النواويس والغرف او الابنية المدفنية الجماعية فوزعت، كما في المدن الرومانية، على جانبي الطريق، بعض هذه النواويس الرخامية استوردت من الخارج، اليونان او اسيا الصغرى، وزينت وجوهها بالنقوش الجميلة والمنحوتات الناتئة التي تصور مشاهد مستمدة من الاساطير القديمة. لكن إلى جانب هذه النواويس الخاصة بالاغنياء والشخصيات البارزة في المدينة، هناك مجموعة من المدافن اخذت شكل الغرفة التي تتضمن جدرانها كوى تختلف احجامها باختلاف الغاية المعدة لها: حفظ الرماد او جثة الميت. معظم هذه القبور سرق قديما.
بيد ان ابرز هذه المباني القديمة في منطقة البص هو، بلا شك، ميدان سباق الخيل الذي يعتبر من افضل واكبر ميادين سباق الخير في العهد الروماني. وتبلغ ابعاد هذا البيضوي الشكل حوالي 470×125م ويمكنه بالتالي استقبال ما يزيد على 20.000 مشاهد. المدرج Cevea يتالف من 12 صفا من المقاعد التي اعيد بناء جزء كبير منها. داخل هذا المدرج مجموعة من الغرف التي يربط بينها ممر داخلي. ممر اخر مشابه، محاط بالاعمدة، كان يزين القسم الاعلى من المدرج. وفي وسط الحلبة، باحة Spina تدور حولها عربات السباق سبع مرات، ما تزال تحتفظ بحوضين تغطي ارضهما الفسيفساء وكانت تزينهما قديما مجموعة من التماثيل فقدت حاليا، ولم يبق منها سوى بعض حطامها. واقيم في وسط هذه الباحة مسلة كبيرة من الغرانيت الوردي، بينما وضعت عند طرفي هذه المساحة قاعدتين حجريتين Metae يحددان محور السبينا، كما تحدد القاعدة الشمالية ـ حيث منصة القضاة على المدرج ـ نقطة انطلاق عربات السباق. غير ان هذا الميدان قد اهمل منذ العهد البيزنطي حيث بنيت فوق انقاضه، في القسم الجنوبي من الباحة الوسطى، كنيسة بقيت مركزا يؤمه الحجاج حتى العهد الصليبي.
هذا في صور، اما الآثار المكتشفة هنا وهناك في المنطقة المجاورة لها فكثيرة وقد لا تقل عنها اهمية احيانا. وهي ايضا ترجع، في معظمها، إلى العصور التاريخية المتمثلة في اثار صور نفسها ـ أي من الالف الاول ق.م وحتى نهاية العهد البيزنطي، تضاف اليها الآثار الصليبية والاسلامية. وهو ما تؤكده المواقع العديدة كالرشيدية، وتل المعشوق، والخرائب، ودبعال، وتبني واماكن اخرى عديدة… وقد تكون ابرزها الآثار المكتشفة في المكان المعروف باسم "ام العواميد" (على بعد حوالي 15 كلم جنوبي صور) حيث ان اعادة التنقيب (وبخاصة الحفريات التي اجراها الفرنسي موريس دونان ما بين 1943-1945) ادت إلى اكتشاف مدينة صغيرة كانت قد ازدهرت في العهد الهللينستي، ثم اهملت كليا بعد ذلك، في العهد الروماني. وتتضح اثارها الهللينستية انقاض معبدين (من القرن الرابع والثالث ق.م) صمم بحسب ما تقتضيه التقاليد والطقوس الدينية المتبعة لدى الساميين. وقد كرس المعبد الاول للاله "بعل حامون" بينما خصص الثاني للربة عشتروت.
المدينة الثانية في الجنوب هي بلا شك صيدا التي لا تقل اهمية عن صور. وهي ، بحسب ما تؤكده التوراة، من اقدم مدن الساحل. صحيح ان ما ورد في التوراة غير دقيق وغير واضح ولا يقدم لنا معطيات تاريخية ثابتة. الا ا اثار عصر الحجر والنحاس (الالف الرابع ق.م) المكتشفة قرب المدينة الصناعية، جنوبي مصب نهر البرغوث، تؤكد قم هذه المدينة. وتتمثل هذه الآثار بعدد كبير من البيوت الدائرية التي حفظتها، بل ابقتها على حالها تقريبا. وبشكل لم يعرف الا نادرا في الشرق القديم. طبقة كثيفة من الرمل المتراكم فوقها. فان ارتفاع جدران بعضها يصل احيانا إلى ما يزيد عن 1.50م. بينما لا يتعدى ارتفاع جدران بيوت الفترة المعاصرة في جبيل المدماك الاول. ولئن توضحت معالم هذه المرحلة القديمة (المرحلة الممثلة لاواخر العصور الحجرية الا انه يبقى غامضا تاريخ صيدا في الالفين الثالث والثاني ق.م . ونكاد لا نعرف شيئا عن تاريخ المدينة قبل القرن الخامس عشر. عندما ورد اسمها في رسائل تل العمارنة. ويبدو ان صيدا لم تكن. في ظل النفوذ المصري (في عهد الاسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة) اقل نشاطا من اوغريت او جبيل سواء على صعيد الصناعات المحلية ام التجارة الخارجية. غير ان تدمير المدينة في القرن الثاني عشر افقدها هذا الدور الذي انتقل إلى صور مع بداية الالف الاول ق.م .
لكن المدينة استعادت نشاطها بعد ذلك وتحالفت مع الاشوريين وقدمت اسطولها لشملنصر الخامس اثناء حصاره لمدينة صور. غير ان محاولتها الاستقلال عن الدولة الاشورية قادت اسرحدون لاحتلالها وتدميرها وبناء مدينة جديدة اطلق عليه اسم "كار اسرحدون" "جنوب صيدا". ومرة اخرى تزدهر وتصبح عاصمة مقاطعة فينيقيا (مرزبانية) في العهد الفارسي، وتدمير ثانية سنة 351 على يد ارتحششتا الثالث الذي احرق المدينة بمن فيها (حوالي 40.000 نسمة). ثم تعود المدينة لتزدهر وتنال شيئا من الاستقلال الذاتي في العهد الروماني. وتعود صناعاتها، الارجوان والبرونز والزجاج للانتاج، وتنال بفضلها وبخاصة الزجاج، شهرة عالمية.
ومرة اخرى نفتقر. في حديثنا عن صيدا. للمصادر الاثارية والوثائق التاريخية المدونة. ذلك ان صيدا الغنية بتاريخها غنية ايضا بآثارها. لكنها لم تحظ بما حظيت به صور من اهتمام المديرية العامة للاثار. ولم تجر في المدينة اعمال تنقيب واسعة النطاق كالتي شهدناها في صور. وقد يكون لصعوبة التنقيب في وسط صيدا الحديثة التي شيدت ابنيتها فوق انقاض المدينة القديمة. لذلك اقتصرت الحفريات على نقاط محدودة في وسط المدينة وعلى اعمال الترميم في قلعتي البر والبحر من العهد الصليبي، وعلى معبد اشمون، الواقع شمالي شرقي صيدا. قبل ذلك كانت صيدا قد قدمت لنا اثارا هامة اكتشفت بحسب ما املته الظروف في اماكن مختلفة من المدن والمناطق المجاورة لها كالهلالية والبرامية. ولعل ابرز هذه الآثار واهمها ناووس اشمونازار (حاليا في متحف اللوفر)، احد ملوك صيدا في القرن السادس ق.م. ومجموعة كبرى من النواويس الضخمة التي يحتفظ متحف اسطنبول بعدد منها، ربما الاهم بين هذه القطع الاثارية (منها ناووس النادبات وناووس الاسكندر).
وهناك آثار اخرى، ترجع في معظمها إلى العهد الروماني، وجدت اماكن عديدة داخل المدينة، غير ان اهم ما توصلت اليه التنقيبات الاثارية يتمثل بمعبد اشمون الذي كان قد اكتشف منذ بداية هذا القرن في المكان المعروف باسم بستان الشيخ. شمالي صيدا في وادي نهر الاولي. الا ان الحفريات الاخيرة التي بدأها موريس دونان سنة 1963 قد القت اضواء جديدة حول طبيعة هذا البناء الضخم الذي ساهم في بنائه كل من اشمون الثاني وبود اشتارت (اواخر القرن السادس واوائل القرن الخامس ق.م أي في بداية العهد الفارسي). واشمون هو اله الشفاء. ويقابل بالتالي اليوناني اسكلوبيوس. وهو ايضا كالاله ملكارت في صور وادونيس في كونه رمز البقاء واستمرارية الحياة. واسطورته شبيهة باسطورة ادونيس فكان، هو ايضا، صيادا شابا ولهت به عشتروت، لكن لم تقتله انياب خنزير بري، اذ عمد هو بنفسه إلى قطع جسده كي يتجنب اغراءات عشتروت التي تأثرت لموته. فاعادت اليه الحياة وجعلته يتجسد فيه تعاقب الفصول واستمرار الحياة.
اما عن المعبد الذي يعتبر من اهم المباني الفينيقية، لقدمه ونمط بنائه ووظيفته الدينية والاجتماعية، فلم يبق منه سوى الصفة (المصطبة) العليا (60×50م). اذ تهدم، بل زال كليا المعبد او الهيكل الذي بني فوق الصفة العالية. وهذه القاعدة المؤلفة من مدرجين متتاليين تفصل بينهما مسافة مترين، بنيت من الحجارة الكبيرة، واسندت إلى المنحدر الجنوبي للوادي الذي يمر فيه نهر الاولي. ثم اضيفت إلى هذا البناء، في فترات لاحقة، ما بني المعبد او قاعدته ومجرى النهر (مسافة مئة متر) مجموعة الابنية الملحقة بالمعبد والمتمثلة بعدد من احواض المياه المستخدمة اثناء الممارسات الطقسية الخاصة بالاله اشمون، اله الشفاء. وهنا وجد عدد كبير من تماثيل الاطفال الذين لم تتجاوز اعماره السنتين، كانت قد قدمت كتعاويز سواء للاله اشمون ام للربة عشتروت التي عرفت هي ايضا بمقدرتها على الشفاء، وحمل اسمها احد اهم هذه الاحواض المجاورة لقاعدة المعبد، وقد تبين بفضل الآثار المكتشفة في هذا المكان ان النشاط لم يتوقف داخل حرم معبد الاله اشمون الا بمجيء الاسلام.
هذا وقدمت لنا اثار معبد اشمون عدة كتابات فنيقية، منها الكتابة المنقوشة على لوح رخامي والتي تعرفنا بفضلها على اسماء بعض ملوك صيدا في القرن الخامس ق.م، وهم : بعلشليم، عبدامون، بعنان بعلشليم (الثاني)، الذين ينتمون إلى الاسرة التي خلفت اسرة اشمونازار ـ تبنيت ـ اشمونازار الثاني ـ بود اشتارت (من اواخر القرن السادس وبداية القرن الخامس ق.م). الملكان الاخيران في هذه الاسرة هما اللذان بنا معبد اشمون.
خارج مدينة صيدا، تبقى الصرفند (سربتا قديما) ابرز المواقع التي اكتشفت حديثا، وهنا توصلت البعثة الاميركية التابعة لجامعة بنسلفانيا بادارة جيمس برتشارد (ما بين 1970و 1972) إلى اكتشاف مدينة فينيقية صغيرة تعتبر من النماذج النادرة الممثلة لما يسمى بالعصر الفينيقي، أي الالف الاول ق.م.
غير ان هذا الجنوب الغني بآثاره القديمة، غني ايضا بابنيته التي ترجع إلى العصور الوسطى، وهنا لا بد لنا اخيرا، من الاشارة ولو سريعا إلى الابنية الاسلامية في صيدا وصور، والى الابنية الصليبية المتمثلة بالقلاع العسكرية في صيدا وتبنين والشقيف، بالاضافة إلى الكنائس التي تعتبر كاتدرائية صور (لم يبق منها سوى الاعمدة) من اهمها. ولا شك ان قلعة الشقيف هي من ابرز هذه الابنية بل من اهم ما تركه الصليبيون في الشرق، لكن "اسرائيل" لم تأخذ ذلك بعين الاعتبار، فقصفتها ودمرت جزءا كبيرا منها.