ما عجز الاسرائيليون عن حَرْقه جرفوه أو سرقوه أو لوّثوه

بيئة الجنوب المحرّرة يحتلّها اليباس والتلوّث

الدولة مدعوّة إلى عودة إنقاذية حازمة عاجلة وفاعلة

 رانيا بو ناصيف وريما صوايا
 النهار 29/6/2000


شجر يابس في بستان التهمته النار.

مياه الجنوب مهدّدة حتى اشعار آخر.

 الناقورة آخر موقع حدودي يمكن الوصول اليه. الساعة التاسعة صباحا، والعين المتفحصة بفضول وشغف منطقة تجهلها في المقلب الآخر من الوطن، تعانق مشهدا ولا اجمل: شاطىء صخري مترام يشكل مع البحر لوحة طبيعية رائعة. وينضم السمع الى البصر في هذا الايقاع الرومانسي ليترنم بموسيقى الامواج المتكسرة على الصخور. فجأة، تعكر صفو اللحظة رائحة نتنة حملتها نسمة خفيفة. "انها تفوح من البؤر التي ترمى فيها محتويات الحفر الصحية في البلدات المجاورة"، ... كشف لنا احد افراد القوة الدولية، واخبرنا بوجود مكب مستحدث للنفايات على بعد امتار من الشاطىء، لتكر سبحة  المشكلات البيئية وتكشف ان ما لم يسرق من تراب الجنوب، الذي لطالما غنته فيروز، اصبح مجبولا بمختلف انواع الملوثات، من دون التطرق الى ما لحق بالمياه والهواء.  
من الشاطىء الجنوبي المميز، انطلقنا في جولة على المناطق المحررة بين الجنائن والمزارع والغابات وينابيع المياه والهضاب المتماوجة بالخضرة لنكتشف خصوصية المنطقة البيئية والطبيعية ونرصد معاناتها على هذا الصعيد.  
التعليقات التي رددها زوار الجنوب في عيد تحريره حملت الكثير من التغني بجمال طبيعته. "انها الجنة... لكنها تحتاج الى القليل من العناية". علّق أحد ابناء عين ابل الذي عاد حديثا الى بلدته. والحق، ان الجنوب الذي اشاح وجهه السياحي الاقتصادي الاجتماعي طوال العقدين المنصرمين، اظهر وجه الصمود والتصدي وانهكه الاحتلال الاسرائيلي. فالانتهاكات والتعديات ادت الى كثير من الاضرار والتشوهات وشكلت خطرا على الصحة العامة.  
والمفارقة ان الدولة، التي تسابق المسؤولون فيها الى اعلان وضع خطط انمائية، لم تلحظ الهم البيئي ضمن برامجها في شكل مباشر.  
ولسان حال من التقيناهم في الجنوب واحد:  "نريد افعالا لا اقوالا. لن نرضى بان نكون بالونات اختبار تتقاذفنا أيدي العازفين في جوقة العراضات".  
ووفق ابناء البلدات الجنوبية، وانطلاقا مما عايناه، تبدأ المشكلات البيئية في المنطقة برمي النفايات بطريقة عشوائية في الوديان والانهر وقرب الشواطىء، ولا تنتهي بـ"الفانات" العمومية العاملة على المازوت "وهو آخر ما توقعنا تنشّق روائحه في اجوائنا"، على ما صرح به أحد ابناء علما الشعب.

الارض المحروقة... والمسروقة

طوال 22 عاما، لم تكتف اسرائيل بالتنكيل بأهل الجنوب، بل ادت مخططاتها  الى تدمير عنيف للبيئة: مباشر بفعل القصف المتكرر على الخطوط الامامية، وغير مباشر بمنع المنطقة عن التواصل مع اجزاء الوطن الاخرى. وقد سخرت سلطات الاحتلال كل جهودها لافقاد المنطقة خصائصها الزراعية، وفي مقدمها زراعة الحمضيات والتبغ والزيتون.  
مواقع عديدة احرقتها الصواريخ والقذائف والقنابل تكراراً، فجفت مواسمها وانعدمت الحياة فيها. بساتين كثيرة مُنع اصحابها عن دخولها فيبست ثمارها وبارت ارضها.  
وفي كل الاحوال، فقدت الارض خصوبتها، وانقرضت الاشجار والنباتات بفعل المواد الكيميائية التي تحويها الذخائر الحربية. ولعل اول شاهد يطالع زائر الجنوب في المنطقة الساحلية، هو ذاك البستان المتكئ - "مكسور الخاطر" - في موازاة الطريق العامة في منطقة جسر الحمرا، بعدما اتشح بالسواد القاتم وتحولت اشجار الحور فيه كتلة فحم!  
وما لم يحرقه الجنود الاسرائيليون جرفوه، بل سرقوه، وقد عاشت معظم المناطق الجنوبية، وخصوصاً سهل مرجعيون الخصب، اسوأ ايامها على وقع الجرافات التي استمرت تنقل اطناناً من التربة الى المستوطنات الاسرائيلية، غير آبهة بالمزروعات والبساتين، مصدر الرزق الوحيد لاهالي المنطقة.  
وكان مسلسل سرقة التربة قد بدأ عام ،1983 من دون ان تنجح الشكاوى التي رُفعت الى الهيئات الدولية آنذاك في وقفه. وقد تحولت مواقع الحفر مستنقعات تتجمع فيها المياه الآسنة، وتنتشر حولها اسراب الذباب والبرغش.  
والاهالي الذين صبروا على مضض، وهم يرون المحتل ينتهك حرمة ارضهم من دون ان يستطيعوا رفع الصوت، يتحسرون اليوم لرؤية المستوطنات في الجهة المقابلة وقد ازدهرت جنّات خضراء بفضل تراب ارضهم وعلى حساب ارزاقهم.

تخريب من نوع آخر

الجولة في البلدات الجنوبية تبدأ عادة بمحطات مميزة، لا تلبث ان تتحول كابوساً حمل توقيع المرامل والكسارات وما سببته من تخريب وتشويه. فآلات التخريب التي اجهزت على اجمل الجبال اللبنانية لم "تغصّ" بجبال الجنوب وهضابه. فقد قضمت مصالح "القبضايات"، على قول ابناء المنطقة رداً على الاستفسار عن اصحابها، مساحات طبيعية واسعة وحوّلتها مرتعاً لليباس. بعض هذه الكسارات توقف عن العمل اثر انسحاب الاسرائيليين، في حين بقيت المعدات والآليات شاهدة على مسرح الجريمة من منطقة الناقورة "الانكليزية". والبعض الآخر ما زال يعمل بوقاحة عازماً القضاء على ما تبقى ريثما تقرر الدولة التدخل...  
الاضرار كثيرة وفادحة ومعروفة ويرويها اهالي البلدة الذين قضّت مضاجعهم المتفجرات، واختلطت مياههم وخضارهم بالغبار الملوّث والرمول.  
وحين ترى بأم العين الكسارات في المنطقة المحررة، تتذكر كسارات جزين التي ما زالت تنشط رغم انف الدولة، ملحقة الضرر بالمشهد الطبيعي وبأقنية المياه وينابيعها وخزاناتها الجوفية.  
مُغتصب الارض لم "تشبعه" تربة السهول وصخور الجبال، فاستدار نحو الشاطئ يسرق رموله. ويُروى ان "الشفّاطات" بأحجامها المتنوعة، سحبت رمول المنطقة الساحلية في معظمها. فهل يمكنك الاقتناع بأن هذه البقعة الجميلة قد تكون اضحت منطقة ميتة لا حياة فيها، وخصوصاً ان لهذا الشاطئ قيمة تاريخية سياحية كبيرة؟!.  
والخسارة لا تقتصر على العنصرين الجمالي والبيئي، بل تطاول ايضاً المظهر الطبيعي، اذ انه وفق الخبراء، وحدها الجيوب الرملية المتداخلة في الكتل الصخرية تستطيع امتصاص قوة العواصف الهوجاء.  
جمال الطبيعة الجنوبية وخصوصيتها الفريدة، يهددهما واقع مرتبط وثيقاً بغياب مؤسسات الدولة المتمثلة بالبلديات. ومن ابرز المعضلات غياب شبكات الصرف الصحي، مما دفع بالاهالي الى الاستعاضة عنها بحفر ذات قعر مفقود، مخالفة، وغير مستوفية اياً من الشروط البيئية والصحية. ومن الطبيعي ان بعض هذه الحفر قد يشكل آباراً عميقة تتسرب مياهها الى الطبقات الجوفية، فتلوثها وتقضي على مياه الينابيع المجاورة لها. ويبدو ثابتاً ان عودة الدولة تستدعي وضع برنامج تأهيلي خدماتي، يلحظ وفي شكل عاجل، انشاء شبكات لاقنية الصرف الصحي ومحطات لتكرير المياه المبتذلة.  
مشكلة اخرى تدق ناقوس التلوث في القرى المحررة تكمن في افتقارها الى وسائل سليمة للتخلص من نفاياتها. وقد لاحظنا  اثناء جولتنا، ان النفايات تراكمت في محاذاة الطرق العامة وفي جوار المنازل، مستقطبة الحشرات والقوارض. وكما علمنا من الاهالي ان التخلص من هذه النفايات يتم بالطرق التقليدية، اي بحرقها او رميها في الوديان وعلى ضفاف الانهر.

قرى عطشى

بعد ظهر ذلك اليوم الحار، كانت حركة المرور في المناطق الريفية شبه معدومة: انه وقت الراحة في تقاليد اهل الجنوب. وحدها صهاريج المياه كانت ناشطة في وتيرة غير عادية. وعند السؤال نكتشف وجهاً آخر من الحرمان: لا شبكات توصل المياه الى المنازل، والاهالي يشربون من خزانات غير صحية وآبار لا يكشف عنها، او يعمدون الى شراء المياه المعبأة، مما يحمّلهم اعباء مادية باتوا غير قادرين على تحملها في الظروف الراهنة.  
ويسأل البعض: في ضوء الانتهاكات البيئية التي عمت المنطقة، من يضمن سلامة مياه ينابيعنا وآبارنا؟ وفي هذا المجال، تمنى الاهالي تعميم تجربة منطقة حاصبيا حيث تولى مجلس الجنوب في الاعوام المنصرمة حفر ابار ارتوازية في القرى، ومد شبكات  رئيسة لمياه الشفة فيها.

من يحفظ طابع الجنوب؟

تغادر المنطقة الجنوبية عند الغروب، فتشعر بأن مشهد غياب الشمس في هذه البقعة يختلف عن المشهد عينه في كل مكان آخر. ورغم ثقل المشكلات التي قد تكون رصدتها تحقيقا لواجبك المهني، يطغى جمال الجنوب وسكينته على تفكيرك وانت تعود ادراجك الى صخب المدينة.