|
"النهار"
تفقّدت الآثار الجنوبية بعد التحرير أضرار
وخسائر بالملايين ودراسات قيد الاعداد هل يطالب لبنان بتنفيذ اتفاق حماية الملكية الثقافية ؟
قلعة
أرنون دكتها القذائف من كل الجوانب.
قلعة
شمع. |
"النهار"
تفقّدت الآثار الجنوبية بعد التحرير
أضرار
وخسائر بالملايين ودراسات قيد الاعداد
هل يطالب
لبنان بتنفيذ اتفاق حماية الملكية الثقافية ؟

مطلوب خطة
لاعادة ترميم قلعة الشقيف.
كتبت
مي عبود ابي عقل: بعد 22 عاماً استرد لبنان
جنوبه واستعاد معه الناس والارض، وسجل
التاريخ مرة جديدة، وبأحرف مضيئة، أن المحتل
يمكن ان يمر في بلادنا لكن لا يمكنه ان يستقر
فيها. بتحرير الجنوب استرجع لبنان ثروته
التاريخية والحضارية، او ما تبقى منها، ممثلة
ببعض المعالم الاثرية، بعدما عاثت اسرائيل في
المواقع تخريباً وتدميراً، كونها مسكونة
بهاجس البحث عن كل دليل يثبت مقولة انتمائها
الى هذه البقعة من العالم، لذلك تقوم اينما
تطأ اقدامها، بحفريات واعمال تنقيب بحثاً عن
اكتشافات اثرية، وخصوصاً آثار هيكل الملك
سليمان، تعطيها الحجة والبرهان وتدعم مزاعم
"شعب الله المختار" في حقوق تنسبها اليها
في ارضنا. من هنا، فإن التنقيبات الاثرية التي
اقامها علماء الآثار" الاسرائيليون "
وخبراؤها في مختلف المناطق الجنوبية، تمت في
حماية الجيش الاسرائيلي الذي كان يضرب طوقاً
امنياً مشدداً حول المنطقة المنقبة الى حين
انتهاء العمل، واشهر تلك التنقيبات ما جرى في
صور ابان الاجتياح الاسرائيلي عام .1982
بُعيد
انسحاب الجيش الاسرائيلي من الجنوب، قامت "النهار"
بزيارة بعض المواقع الاثرية "المحررة"،
ولا سيما تلك المستملكة رسمياً من المديرية
العامة للآثار، وكأنها مدرجة في لائحة "الجردة
العامة" وهي: قلعة الشقيف، مقاما سجد وعلي
الطاهر في قضاء النبطية، قلعة شمع في قضاء
صور، قلعة دوبية في قضاء بنت جبيل، اضافة الى
موقع بلاط.
المشهد
محزن وواحد في كل المواقع الاثرية الجنوبية،
لكنه عادي وبديهي وليس غريباً عن طبيعة الجيش
الاسرائيلي الذي لا يخلف وراءه سوى الدمار
اينما حل. فمعظم هذه الاماكن تعرض للتخريب،
وبعضها دمر كلياً، ولا سيما مقام سجد، كما
استخدم بعضها الآخر مواقع عسكرية، لما يتمتع
به من صفات استراتيجية.
قلعة
شمع
بدأت
جولتنا في قضاء صور، بزيارة قلعة شمع التي تقع
على رأس تلة مشرفة، كانت تؤمن حماية المنطقة
بكاملها، واستخدمت كمركز عسكري
لميليشياالعملاء . بدا المكان مهجوراً
وخرباً، تتوزع في داخله صناديق الذخيرة
الفارغة، او المفرغة، وبعض الاغراض المحطمة
التي تدل على استعمال لوجستي لبعض الغرف
المستحدثة. كما اقيمت منشآت حديثة في بعض
انحاء القلعة.
عند
المدخل، تقيم عائلة في احد المنازل الخمسة
التي تتألف منها القلعة ويحمل بعضها كتابات
عربية، اضافة الى مزار مقبب للنبي شمع في
الجهة الشمالية، تحوطها ابراج للمراقبة،
وآبار لحفظ المياه. والقلعة هي في الاساس
صليبية، كمعظم قلاع لبنان، اعيد ترميمها في
القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين اعاد آل
الصغير (من حكام جبل عامل) ترميم كل القلاع في
الجنوب.
موقع
بلاط
الى
موقع بلاط.. على تلة مقابلة تماماً ومشرفة على
احدى المستعمرات الاسرائيلية، تنتصب ثلاثة
اعمدة يرتفع كورنيش على اثنين منها. احد خبراء
الآثار الذي تفقد الموقع شكك في ان يكون هذا
الكورنيش اثراً حقيقياً او اصلياً، اما
الاعمدة فتحتاج مزيداً من الدراسة، علماً ان
هذا الموقع هو واحد من المواقع التي لم تكن
معروفة كثيراً في السابق. لكن الاهالي يرون ان
خبراء آثار اسرائيليين اجروا في هذا المكان
اعمال تنقيب، من دون ان يعرفوا طبعاً، ما اذا
كانوا عثروا على اكتشافات ام لا.
قلعة
الشقيف
نعود
ادراجنا نحو النبطية، وصعوداً الى ارنون، حيث
تقوم على رأس نتوء صخري مرتفع قلعة الشقيف
الشهيرة التي تشرف على المنطقة بكاملها، من
سهل الليطاني الى فلسطين، امتداداً حتى
الجولان السوري المحتل، وتتحكم بالطرق التي
تربط الساحل الجنوبي بالبقاع ودمشق. الحال
المزرية التي تبدو عليها القلعة تدل على
الاذى والاضرار الكبيرة التي لحقت بها نتيجة
العمليات العسكرية، من قصف مدفعي وصاروخي
طاولها في الاعوام العشرين المنصرمة، اضافة
الى دكّها بالطيران الاسرائيلي. اسوار
الواجهات مزالة وشبه مدمرة، وأبراجها مصابة
اصابات مباشرة، علماً ان النزول الى الطبقات
الثلاث فيها محفوف بالأخطار. أما الجدار
المنحني المبني من الحجار الملساء التي تغطي
قاعدة البناء الصخرية من الجهات الاربع،
فتحطمت اجزاء كبيرة منه.
ومن
الواضح ان هذه القلعة تحتاج خطة متكاملة،
وأعمال تأهيل وترميم تقدر تكاليفها بنحو
اربعة ملايين دولار. وحتى ذلك الحين، يطرح
مسؤولون رسميون اقتراح اقفالها مؤقتاً
تلافياً للخطر الذي يشكله وضعها الحالي على
الزائرين واحتمال حدوث بعض الانهيارات فيها،
وخصوصاً انها تعتبر حالياً من اكثر المواقع
التي تجتذب الزوار، ليس لأهميتها الاثرية
فحسب، بل كونها رمزاً وطنياً وموقعاً
استراتيجياً محوطاً بالمناظر الطبيعية
الرائعة.
مقامان
قريباً
من قلعة ارنون، وعلى تلة مرتفعة في خراج بلدة
كفرتبنيت، يقوم مقام "علي الطاهر". ورغم
طابعه الديني، لم يحترم الاسرائيليون وقوات
لحد حرمة المكان، بل جعلوه مربضاً لمدفعيتهم
التي كانت تصب حممها على منطقة كفرتبنيت
والجوار. ويبدو من الحجار الكبيرة والدشم
التي كانت تغطي الموقع، ان عناصر العملاء
فجّروه قبل انسحابهم، ورغم ذلك فقد نجت غرفة
الضريح التي تظهر من تحت الركام، بينما تهدمت
القبة.
أما
مقام سُجد، على تلة البلدة التي تحوّلت
موقعاً عسكرياً شهيراً، فحاله كحال البلدة:
دمار كلي، نجت منه قنطرة عقد من الحجر.
تجدر
الاشارة الى ان المعلومات التاريخية الموثقة
عن المقامين ضئيلة، لكي لا نقول غير متوافرة،
وتعتمد في معظمها على روايات المسنين او ما
يتناقله السكان المحليون من ان اهالي
البلدتين والمناطق المجاورة كانوا يزورون
المقامين في منتصف شهر شعبان للصلاة وإضاءة
الشموع وتقديم النذورات.
دوبية
نغادر في اتجاه قضاء بنت جبيل، الى بلدة شقرا، التي تضم معالم اثرية عديدة اشهرها مدافن منحوتة في الصخر وقلعة صغيرة شيدت فوق تلة تشرف على المنطقة التي تحوطها، تعرف بقلعة "دوبية" الصليبية التي بنيت على انقاض معبد روماني. وهي كالقلاع الجنوبية الاخرى، نالت نصيبها من القصف والاعتداءات الاسرائيلية منذ عام ،1978 فدمرت سقوفها وواجهاتها الغربية. ومنذ عام 982
تحرك
ودراسات
المدير
العام للآثار فريديريك الحسيني قام بجولة
جنوبية الاسبوع الفائت مع وفد من المديرية
مزوّد بخرائط وصور قديمة لبعض المواقع، وتفقد
المناطق الاثرية المحررة. وأوضح لـ"النهار"
ان الزيارة كانت "للتعرف على المناطق التي
كنا نجهلها، ولاجراء مسح اولي وعملية تقويم
للخسائر والاضرار التي لحقت بالمواقع
الاثرية. وتبين لنا انها بالغة جداً". وتم
التركيز على قلعة الشقيف التي زرناها مزودين
بصور وخرائط لتفقد الاضرار التي اصابتها نسبة
الى ما كانت عليه قبل الحرب.
وأضاف:
في البداية سنضع دراسة اولية لجمع المعلومات
والتفاصيل التاريخية، وسنعمد بعد ذلك الى وضع
دراسة اخرى مفصلة لترميمها وتأهيلها
واعادتها معلماً تاريخياً وسياحياً وأثرياً
يتناسب وأهميتها".
وأكد
الحسيني ان "الامر عينه يسري على بقية
المواقع الاثرية في الجنوب بعد الانتهاء من
الاطلاع على اوضاعها واكتشاف المجهول منها".
وختم
الحسيني، وهو الاخصائي بالهندسة المعمارية،
مشدداً "على ضرورة وضع خطة تنظيم مدني
لمناطق الجنوب الخام، وحماية المواقع
الطبيعية فيها والحفاظ على خصوصياتها
الطبيعية ومميزاتها، على ان تشمل الانماء
السياحي ضمن خطة متكاملة لانماء الجنوب بشراً
وحجراً".
هل
ينفذ الاتفاق ؟
العالم
يخضع لمواثيق وقوانين دولية ترعى شؤون الدول
الصغيرة والكبيرة، وتحمي حقوقها في حالات
السلم والحرب.
وفي
حقل التراث والآثار، اصدرت منظمة الاونيسكو
"اتفاق حماية الملكية الثقافية في حالات
النزاع المسلح"، التي وقعت في لاهاي في 14
ايار 1954 ودخلت حيز التطبيق بموجب بروتوكول
وقع في 7 آب .1956 وقد وقعتها آنذاك 95 دولة من
بينها "اسرائيل "(عام 1957) ولبنان (عام 1960).
وبموجب
هذا الاتفاق "تمتنع الدول الموقعة عن اخراج
الممتلكات الثقافية من البلدان التي تحتلها،
وتلتزم اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع
تصديرها. واذا حصل واخرجت اي ملكية ثقافية من
ارض محتلة، تجب اعادتها الى السلطات المختصة
في بلدها عند انتهاء النزاع المسلح، على ان
تدفع الدولة المحتلة التعويضات المتوجبة الى
الذين اقتنوها عن نية طيبة". ويؤكد
البروتوكول انه "لا يمكن في اي حال من
الاحوال، الاحتفاظ بالممتلكات المنقولة من
بلد محتل على اساس انها تعويضات حربية".
وتفصل
مواد البند الخامس في الاتفاق الذي يحمل
عنوان "الاحتلال"، الشروط والواجبات التي
يجب ان تلتزمها سلطات الاحتلال للمحافظة على
الممتلكات الثقافية، والتي تأتي في طليعتها
المواقع والمعالم الاثرية. وتنص المواد على
الآتي:
"1
- يجب على البلدان الموقعة، التي تحتل كليا او
جزئيا ارضا لبلد آخر موقع ان تساند، قدر
المستطاع جهود السلطات الوطنية المختصة في
البلد المحتل لتأمين الحماية والمحافظة على
ممتلكاته الثقافية.
2
- اذا تطلب الامر تدخلا او عملية طارئة لحماية
ممتلكات ثقافية في منطقة محتلة وتعرضت لأي
اذى او ضرر جراء اعمال عسكرية، واذا لم تتمكن
السلطات الوطنية من القيام بهذه المهمة، على
الدولة المحتلة ان تأخذ، قدر المستطاع،
اجراءات الحماية الضرورية بالتعاون مع هذه
السلطات (...)".
وبموجب
هذا الاتفاق يمكن لبنان ان يتقدم بشكوى ضد
اسرائيل الى الامم المتحدة ومنظمة
الاونيسكو، للمطالبة بتعويضات عن كل ما دمرته
وخربته من معالم اثرية وممتلكات ثقافية،
وباسترجاع كل ما سرقته من مكتشفات وقطع وآثار
نقلها خبراء آثار اسرائيليون بالطائرات،
ونشرت صور بعضها في مجلات اسرائيلية وعالمية،
علما ان" اسرائيل " تعترف صراحة، (للامانة
العلمية!) انه تم العثور عليها في لبنان. اضافة
الى وجود عدد من شهود العيان اللبنانيين
الذين رأوا بأم العين ورش التنقيب والنقل
الجوي للمكتشفات.
ويحدد
الاتفاق الدور الذي يجب ان تمارسه الاونيسكو
لوضع اتفاقاتها موضع التنفيذ، واجبار الدول
الاعضاء الموقعة التزام تعهداتها.
والاتكال
الان على همة الحكومة اللبنانية واجهزتها
الرسمية، ولا سيما وزارتي الثقافة
والخارجية، اضافة الى قنواتها الديبلوماسية.
مركز
التراث العالمي في الأونيسكو
مستعد
لجعل الجنوب منطقة سياحية
دعا
نائب رئيس مركز التراث العالمي في "الاونيسكو"
جورج زوين، الحكومة اللبنانية الى "الافادة
من المناطق الاثرية والبيئية في جنوب لبنان،
وايلائها الاهتمام اللازم قبل ان ينقض عليها
اصحاب الرساميل والاستثمارات، ويعيثوا فيها
تشويها اسوة بالمناطق اللبنانية الاخرى"،
وحض الاجهزة المعنية على "انجاز مسح اثري -
بيئي لامكانات هذه المنطقة، يشمل خريطة
سياحية وكتيبات دعائية".
وقال
زوين في لقاء مع الصحافيين: "يعاني الجنوب
حرمانا ومشكلات اقتصادية واجتماعية تحتاج
الى العناية والاهتمام، وفي مقدمها مسألة
البطالة وانعدام فرص العمل، لذا من المهم
استغلال الثروات الاثرية والبيئية الموجودة،
بدءا من صيدا الى شواطىء صور والناقورة
الخلابة، مرورا بمواقع قانا، جزين، تبنين،
قلعة الشقيف، الصرفند، الهبارية، حاصبيا،
الحاصباني، راشيا الفخار، وانتهاء بمنحدرات
جبل الشيخ الرائعة".
واشار
الى معلومات وردت الى "الاونيسكو" عن
قيام مجموعة من المتمولين بشراء مساحات واسعة
من الشواطىء في جنوب صور وعند منحدرات جبل
الشيخ، "وقد يعمد هؤلاء الى استثمار هذه
الاملاك بما لا يتناسب مع الشروط البيئية
والتراثية، علما انه لا يمكن التصدي لمثل هذا
الخلل لعدم وجود برنامج عمل متكامل". وحضّ
زوين على الافادة من الفرصة الذهبية التي
يؤمنها الوضع الحالي في الجنوب، لاطلاق ورش
المسح الشامل للمواقع الاثرية، والاعلان من
محميات طبيعية تشكل عامل جذب للسياح ومصدر
رزق للاهالي، عبر خطة لبناء المطاعم والفنادق
وتأمين الخدمات والمساعدات، مما يساهم في
ايجاد فرص عمل للشبان الجنوبيين.
وقد
وضعت مؤسسة "أيل دو فرانس" برنامجا محليا
للتطوير الاقتصادي والاجتماعي في جنوب لبنان
وافقت الاونيسكو عليه. ومن المهم البدء
بتنفيذ هذه المشاريع بالتعاون والتنسيق بين
التنظيم المدني ومجلسي الجنوب والانماء
والاعمار وكل الهيئات المعنية لتجهيز البنى
التحتية، والتصدي لكل محاولة تشويه للمناطق
الاثرية الجميلة.
وحض
البرنامج على تحويل مدينة صور "سان تروبيه"
صغيرة، "لجذب السياح الى المرفأ القديم
والحي العتيق، والى الشواطىء والآثار
المجاورة".
وحدد
زوين آلية العمل التي يجب اعتمادها كالآتي:
"-
جردة كاملة للتراث الثقافي والبيئي وتحديد
الحاجات والنواقص وسبل اعادة التأهيل
والحماية.
-
اعداد خرائط وتأمين معلومات واضحة عن المواقع
الاثرية وكيفية الوصول اليها.
-
نشر كتب سياحية وملصقات وتعميمها".
ورأى
ان شرط نجاح هذا الامر، يكمن في اعداد تنظيم
واضح ووضع خطة شاملة لبناء المطاعم والفنادق،
وتجهيز البنى التحتية في شكل علمي وعصري،
تجنبا للفوضى والتشويه، كما حدث في المناطق
الاخرى.
واعرب
زوين عن استعداد "الاونيسكو" لتقديم
الدعم والتدريب لتحويل الجنوب منطقة ثقافية
وبيئية واثرية، ودفع الصناعيين والمستثمرين
اللبنانيين الى بناء صناعات نظيفة في الجنوب،
تتقاطع مع امكانات المنطقة الزراعية
والحيوانية.
وختم
معتبرا ان الجنوب "مركز جذب للمساعدات
الدولية، ولدينا فرصة ذهبية للانتقال بهذه
المنطقة من القرن التاسع عشر الى القرن
الحادي والعشرين. فالامكانات متوافرة لتحويل
الجنوب منطقة مثالية مما يخفف الضغط عن بيروت
والمدن الساحلية. واذا كنا نريد ان ندفع
السياح الى قضاء اربعة او خمسة ايام في
الجنوب، يفترض ان نؤمن لهم كل وسائل الراحة
اللازمة والخدمات الضرورية".