يوم في حمى السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الصهيوني:

كمائن ومعمودية نار، ولبيك وطني لبنان هو الشعار

حسين عواد

العهد 26-11-1999 العدد 825


التعليمات كانت أعطيت لمندوبي الاعلام المحلية والعربية والاجنبية بأن نقطة التجمع ستكون امام مستشفى الشرق الاوسط، وبتمام الساعة الثامنة والنصف صباحا كان الكل قد حضر، وبتأخر ساعة عن الموعد المحدد انطلق الجميع في حافلة كبيرة ووجهة سيرها بعلبك حيث سيشهد الاعلاميون الجولة الميدانية الاولى على معسكر تدريبي لمقاتلي السرايا اللبنانية وبالذخيرة الحية على ما اذاعه أمامنا المسؤول الاعلامي للسرايا "ابو هادي".

وبمرور ساعتين ونصف ساعة على المغادرة تطل مدينة بعلبك، نأخذ قسطا" من الراحة في احد مطاعمها، تتخللها مبادرة احد منظمي الرحلة بتوزيع بيان على الطاقم الاعلامي ضمّنه نبذة عن السرايا اللبنانية، وفيه: "ان السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي تعتبر المشروع الاول الذي اطلق في لبنان بظل تأييد شعبي هائل للعمل المقاوم ضد المحتل، وان جهاز الامن في المقاومة الاسلامية قد بدأ تعبئة الملفات الشخصية للذين يودون الالتحاق بالسرايا وكان عدد المنتسبين كبيرا"، وقد توزعوا على الطوائف اللبنانية، وان التدريبات العسكرية كانت تخضع من خلال الجهاز التدريبي في المقاومة الاسلامية لعدة دورات عسكرية تأهيلية تتبعها دورات تخصص عسكري".

ويشير البيان الى "ان أولى عمليات السرايا اللبنانية انطلقت بتاريخ 14/3/98 وانها شنت منذ تاريخه وحتى 15/11/99 حوالى 175 عملية بين هجوم واشتباك مع المواقع الاسرائيلية، وبين قصف مدفعي وذلك بتنسيق مع غرفة عمليات المقاومة الاسلامية".

 

ستائر سوداء

ما ان مرت الدقائق الاولى على استراحتنا حتى اتى "الامر" بالجهوزية من جديد، الى اين؟ الاستيضاح ممنوع، فالمسؤولون الذين رافقونا لزموا الصمت طوال الوقت التزاما منهم بسرية التنقل وسلامة الرحلة، وما هي الا لحظات حتى استقدمت اربع سيارات من نوع "الجيب" مجهزة للطرق الجبلية الوعرة مغطاة بالستائر السوداء من جهاتها الاربع للحؤول دون معرفة الوجهة الني نسلكها.

غير ان هذه الستائر وأثناء المسير دفعتنا نحن الصحافيين من باب الفضولية والحشرية ان نترك نظرنا يتسلل عبرها للخارج لمعرفة الوجهة وعبثا" نحاول.

خمس عشرة دقيقة وتتوقف عجلة الحافلة الصغيرة فإذا نحن امام منخفض جغرافي معزول عن أي كائن بشري او عمراني، ارض وعرة، قاحلة، جرداء، ما من شيء يؤنس، وبانتظار وصول بقية الزملاء للانتقال من جديد الى حيث المركز التدريبي أتيح لنا ان نفك قيود اسئلتنا لنطرحها على احد المسؤولين لتوضح مغزى المناسبة وحقيقة الاوضاع السائدة فيشرع المعني من اعلاميي السرايا اللبنانية بالرد على اسئلة الصحافيين ويذكر ان قرار دعوة الاعلاميين لتغطية مناورة حية لفصيل من السرايا اللبنانية الذين أنهوا دورة اختصاص ضباط يأتي في سياق عيد الاستقلال.

يتبسط الحديث، ويأتي السؤال بديهيا: ما هي السرايا، ومن ينتمي اليها؟ يجيب الاعلامي المسؤول: لأن من المفترض ان الطائفة والمذهب لا يشكلان عائقا" امام من يريد قتال العدو فمن الطبيعي ان تجد في صفوف السرايا اللبنانية، مئات من مختلف الطوائف والمذاهب والتيارات السياسية التي ربما لا تتقاطع في انتماءاتها العقائدية والفكرية الا في ما خص قتال العدو الجاثم على ارضنا.

 

فصيل من 24 عنصراً

لم تنته رحلة المسير بعد، فأمامنا دقائق معدودة للوصول الى ساحة المناورة المفترضة، ننتقل مجددا بالحافلات نفسها في فترة زمنية لم تتجاوز هذه المرة خمس دقائق بالكمال والتمام، نهبط فجأة أمام فصيل من 24 عنصرا"، تموضعوا قرفصاء في الارض بلباسهم العسكري الزيتي، معتمرين خوذات حديدية، وجوه مموّهة الى حد التنكر تتناوب عليها الالوان الخضراء والسوداء والترابية، يكاد يصعب معها على المرء ايجاد فوارق او تمايز بينهم بخلاف احدهم الذي شكل حالة فريدة ميزتها جدائل شعره التي انسدلت من تحت الخوذة.

يكتمل المشهد الاعلامي والعسكري في ساحة حرب حقيقية بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة افترشت الارض والعناصر المتأهبة والمتحمسة لمناورة نوعية حية، وعلى مرأى من الاعلاميين تنتظر ساعة الصفر.

 

دردشة قبل ساعة الصفر

صحيح اننا بتنا في ارض "المعركة" وكل شيء بات متاحا امامنا غير ان هناك جملة محظورات كان لا بد من ايرادها، الامر الذي حمل "ابو هادي" على التذكير بها وهي منع المصورين من التقاط صور مباشرة لوجوه "الشباب" "فقط المسموح التقاط صور جانبية".

ولكون الاطلالة الاعلامية الاولى للسرايا اللبنانية أذن "ابو هادي" للصحافيين بالتحدث مع ثلة من عناصر السرايا فوقع الاختيار الاول على "جواد" وهو الاسم الحركي للمحامي الثلاثيني، نسأله عن الهدف من الانتماء للسرايا يجيب بحزم "الدفاع عن ارضنا وطرد العدو المحتل"، وجواد من الذين احسنوا التوفيق بين مهنته كمحام وعمله كمقاوم في الدفاع عن وطنه "لكل عمل وقته وظروفه" يقول. لكنه يرفض في المقابل الكشف عن طائفته او مذهبه او منطقته "فكلنا لبنانيون وهذا يكفي".

ويقول ايلي وهو مسيحي: ان انتسابه للسرايا امر مشرف وموضع تقدير من كل اللبنانيين، وهدفه واحد قتال العدو حتى التحرير.

نقترب من جورج الاربعيني الذي كان موضع اهتمام الاعلاميين نظرا" لمهنته كطبيب جراح فضلا" عن انه يجيد اللغة الانكليزية بطلاقة ويقول: "انا امارس مهنة الطب وقتال المحتل في آن" وكيف؟ يجيب "عند اخذ اجازتي أستأذن الاصدقاء والاهل والاقارب بحجة السفر الى الخارج في حين ان الخارج هو عملي في السرايا اللبنانية".

ومن الصدف اللافتة ان معظم من التقيناهم وتحدثنا معهم هم مثقفون وطلاب جامعة منهم نادر ـ الوحيد الذي افصح عن منطقته من بيروت ـ الذي انتسب الى السرايا منذ نشأتها وشارك في معظم عملياتها ضد مواقع لحدية واسرائيلية. واللافت ان النقطة المشتركة التي تقاطعوا عندها هي فصل السياسة عن عمل المقاومة "هدفنا واحد هو مقاتلة العدو وتحرير الارض".

 

المناورة

يتأهب الجميع، مقاومين واعلاميين، بانتظار اشارة البدء بالمناورة التي قسمت الى اربع مراحل بدءاً بالرمايات بالاسلحة الخفيفة وصولا الى نصب كمائن ورمي بالمدافع الثقيلة.

يتقدم المدرب خطوات من العناصر التي تأهبت وقوفا"، وأنشدت النشيد الوطني، يعطي اشارة البدء بالمرحلة الاولى وهي الرمي بأسلحة الكلاشنكوف والـ(ام 16) والسلاح المتوسط والاسلحة الصاروخية، وتنطلق المناورة بانتظام كل حسب المهمة الموكلة اليه حيث بدت الساحة كميدان معركة حقيقية ترتفع فيها اصوات القذائف والقنابل والرشقات النارية، وتحت أنظار الصحافيين الذين اتخذوا من المرتفعات المقابلة لساحة المعركة مواقع وقائية ابلى العناصر بلاءً حسناً في توجيه اصاباتهم نحو الاهداف المفترضة للعدو فيما كان المصورون يتلاحمون بشكل مثير مع العناصر لالتقاط افضل صور قتالية وعلى وقع صراخات المقاومين "بدمائي وروحي افديك يا وطني".

"حركة ونار" حيث جرى تقديم افضل العروض القتالية وخطوات هجومية منتظمة وتبادل للمواقع مستخدمين بذلك مختلف الاسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية (ب7).

ولاظهار القدرة على تحمل الصعاب والمشقات كانت المرحلة الثالثة واطلق عليها "معمودية النار" حيث اضرمت النار في العديد من الاطارات المنتشرة في ميدان المعركة وعملت العناصر على تخطيها بالقفز فوقها، اضافة الى الزحف على الارض من تحت الاسلاك الشائكة واطلاق رشقات نارية وقنابل من فوق الرؤوس.

المرحلة الاخيرة استحوذت على اهتمام الاعلاميين وهي عبارة عن اعطاء صورة حقيقية لكيفية نصب الكمائن ضد العدو حيث جرى اعتماد مواقع عدائية وهمية وتفجيرها بالعبوات الناسفة وتبادل النار معها بالاسلحة المناسبة فيما كانت مجموعة اخرى بعيدة عن نقطة القتال تؤمن الاسناد الناري من خلال اطلاق عدد من القذائف الثقيلة من مدافع (ب10) و(ب9) مترافقة مع اطلاق قذائف صاروخية واسلحة رشاشة وذلك في جو مهيب تزنره الاعمدة الدخانية وصراخات "بدمائي وروحي افديك يا وطني لبنان".

بعد نحو أربع ساعات من مناورات حية ختم المسؤول عن السرايا اللبنانية الذي عرف نفسه بـ"رامي" بتأكيده :ان السرايا اللبنانية لا تقوم على أي خلفية سياسية أو عقائدية أو فكرية سوى عقيدة القتال ضد العدو، وان الهدف من احضار الاعلاميين هو إظهار التوجه الوطني والتعبئة العامة لدى شرائح المجتمع اللبناني رغم الاختلافات السياسية والعقائدية والفكرية.