الانتصار وتحرير الجنوب في الصحافة العربية
مقدمة
شكل الانتصار الكامل الذي حققه لبنان على العدو الصهيوني وإجبار قوات الاحتلال على الإنسحاب من الأراضي المحتلة مجالاً خصباً للتعليق من قبل الصحف اللبنانية والعربية التي رأت في هذا الحدث دليلاً على قدرة الشعوب على فرض إرادتها التي تؤمن بها على العالم كله .
فيما يلي قراءة في عينات مما كتبته هذه الصحف
السيد
نصري الصايغ
السفير 27/5/2000
سيد المقاومة والتحرير، ليس لقبا للسيد حسن نصر الله.
هذا هو اسمه الحقيقي، الى جانب اسمه الحقيقي الآخر، وأسمائه الكثيرة التي تبنته. وكان جديرا بالانتماء إليها.
السيد حسن نصر الله... لا لقب له. هو هكذا، لا يشبه احدا قبله... وسيتشبهون به بعده. ليس مضافا، وسيضافون إليه.
كان الجنوب مشتاقا لهوائه... فجاءه معطرا بأنفاس النبوة، مغمسا بقرابين الدم. كالغناء المتواضع دخل واستقر حداء، وقبضات، وصلاة، وحنينا، ومجازفة... وعشقا.
كانت البلاد تنتظر فارسها... ها هو المعراج الأرضي. مر من الامكنة، وبلغ سفوح الجباه العالية، ورصد فيها جبروت أمة، وعزة وطن.
كانت الجموع تنتظر أن يصل... لم يدركوا أنه كان هناك من زمان بعيد، وانه سبقهم الى الجنوب قبل التحرير، وأنه قال: قم سنرجع: فرجع ومعه كوكبة من الحالمين، الذين فتحوا للجنوب نوافذ الضوء، على الوطن والحرية والتاريخ.
سيد المقاومة والتحرير، ليس لقبا للسيد حسن نصر الله، فهذا اسمه الحقيقي... الى جانب أسمائه الاخرى.
أمس حضر الى بنت جبيل، التي كانت على اتساع الوطن، فامتدت يده الى كل الوطن، لتصافح وتصالح وتهدي النصر الى من يستحقه من شهداء، وإلى من يستحق أن يحافظ عليه، عبر ميثاق المحبة والتضحية، بلا تمييز بين طوائف.
أمس، قال السيد كلاما ناصعا متوجا برفعة التواضع، بشموخ التراحم، وعزة الوفاء.
جاء في الانجيل المقدس: من ارتفع اتضع، ومن اتضع ارتفع. وكان السيد مثال الذين رفعوا المقاومة بتواضعهم. فهذا النصر الذي أنجزت المقاومة الاسلامية ما يقارب المئة بالمئة منه، إلا قليلا، لم يأسره السيد في "حزب الله". منحه حق الانتماء الى الجميع، منحه نعمة الاحتضان من قبل الجميع، ودعا اللبنانيين، الى وليمة النصر، ليحافظوا على سلامة الجسر اللبناني، المعطوب بالطائفية.
قال السيد كلاما كذّب فيه المشعوذين والتتار والذين يبشرون بالخوف ويتربصون للانتهاز... قال السيد، ممنوع أن نقتل أحلامنا بأيدينا... ومن الآن فصاعدا، كل شيء يبدأ.
لبنان يبدأ من جديد... منتصرا بقوته، لا بفلسفة ضعفه.
فلسطين ستبدأ من جديد... طلاقا مع أوسلو، وانتفاضا على محتل.
والعرب قد يبدأون من جديد... فراقا مع تطبيع، وقطعا لعلاقات يسّرت الكثير من الهوان والذل والمهانة والضياع.
والعالم قد يفهم من جديد... أن لبنان يعرف بعد اليوم، بالمقاومة والنصر والتحرير.
وإسرائيل ستعي ان روزنامة إسرائيل الكبرى، وإسرائيل الصغرى، قد بدأت تتنازل أوراقها، كآخر الفصول.
للأزمنة لدى السيد كلام آخر.
أزمنة الماضي، "محوناها"... أزمنة المستقبل صنع أيدينا. ومن اكتشف ان الموت قوته، هانت عليه الحياة. "وما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
أمس بايع السيد المقاومة ولبنان، ورفعهما الى مرتبة القدوة، الى بلاغة النهج، الى مقام الحرية.
ولم ينس، أن هذه المقاومة، نتاج شهداء سبقوا، وشهداء احياء، وشهداء شهدوا بالقلم والحب والعشق والابتسامة، فكان النصر.
لكن النصر الأصعب الذي بشر السيد به، هو أن يقتنع اللبنانيون، وللمرة الاخيرة، أنهم شركاء في هذا النصر، كما هم شركاء في الوطن، كما هم شركاء في المصير.
وكل كلام دون هذا المقام، يستحق الدينونة، لأنه يجني على المقاومة وعلى نفسه.
لم يكن السيد أمس، الامين العام لحزب الله، لم يكن شيعيا بالمعنى اللبناني المتداول، ولا كان من طينة الذين يشبون على شيء ويشيبون على سواه.
كان إنسانا... لبنانيا في الصميم... عربيا بالأصالة... مسلما بالدعاء والايمان... وحضاريا بالمعنى الجديد المبتدع، حيث أنجز تحريرا، لم تلوثه نزعة الكبرياء، ونزوة الثأر...
لقد أنجز فتحا نظيفا وتحريرا ناصعا...
غدا... تنتظم الفصول الأربعة...
غدا... مسؤولية أخرى. وعلى اللبنانيين، أن يخرجوا من زنازين الطوائف، ويحطموا معتقلاتها النتنة، ويرتاحوا الى كف الانتصار الممدودة للجميع... بلا استثناء.
للسيد نقول شكرا... وعهدا... وإنا للوطن لراجعون.
الانسحاب الاسرائيلي
المطران جورج خضر
النهار 27/5/2000
الجالسة في غطرستها فوق الشمس، المعولة على ضعفنا، اسرائيل، اندحرت امام صمودنا. في كل يوم من ايام الاحتلال لما كنت تشاهد قصف قرانا كان لك ان تتساءل من اي ينبوع يأتي هؤلاء الجنوبيون بشجاعتهم. الشعب اللبناني في الحرب الاهلية غدا برمته اليف الموت. ولكن الجديد الذي سمعته في النصف الاول من هذا الاسبوع شيء اخر. سمعت امرأة تعرف عن نفسها انها ام شهيد. هذا وجدان جديد قد لا يكون غريبا عن تراث المرأة الديني ولكنه قد يكون عند غيرها مبعثا للحسرة والتنهد.
لقد تروضنا بالموت على معرفة الكيان الصهيوني على حقيقته. كنا نعرفه ذهنيا وعقائديا. فاذا توسعنا وقلنا انها كانت تقاتلنا في الاحتلال فإننا رأيناها في هذا الاسبوع تقتل الابرياء العزل قتلا كأنها اصيبت بهلع. في كل حال اصيبت بانهيار اخلاقي. المهم ان نحفظ نحن اخلاقنا في محنة لم تنته. اما وقد اتم الله علينا نعمته اذا بقينا حكماء حتى النهاية ينطرح هذا السؤال من نفسه علينا، ما موقفنا الروحي من هذا الحدث الضخم؟ ما اتضح اننا في ايام قليلة عشنا الحدث حدثا وطنيا جامعا ودعائي ان يحول الرب حدث التحرر هذا الى لقاء لنا مع الحرية في اعماقنا. فقد ربحنا معركة واحدة. نرجو ان نربح عهدا مع السلام الداخلي، ان نربح جدية الوجود الآتي.
هنا تستحق المقاومة ومن كان داعما لها شكرنا. كل الذين استدعاهم ربهم فيها على مختلف فصائلهم وشرائحهم ما غدوا ابطال لبنان وحسب بل ابطال الكرامة الانسانية لأنهم رفضوا ذل الانسان والظلم والتعدي وبذلوا حياتهم ذبيحة وشهادة لكل حق مهدور في العالم. انهم لقد شهدوا على ان هناك ما كان أثمن من هذا الجسد ومن العائلة التي اليها ينتمون. وايا كان رأينا بدءا في فاعلية المقاومة اكدت هذه الرياضة الروحية التي بها تحلوا ان النفس المجاهدة قادرة على المستحيل وان ما لم يكن في حساب الناس يجعله الله مستطاعا. الجميل في كل هذا ايمان هؤلاء الشبان بأن الوطن قادر من بعد موت ان يحيا. وما من شك عندي انهم تعزوا عند انطلاقهم ان اهلنا جميعا كانوا وراءهم. فقد توحدنا على هذا الدعم ولم نتفرق شيعا ومذاهب. من احب واجترأ له فضل جرأته ومن احب ولم يجرأ له فضل حبه.
ان امنية اللبنانيين كما اراها ان نهدأ الان. فالحرب ليست غاية. لقد كسبت المقاومة رصيدا لا ينكره احد ولن ينساه احد واقامت نفسها في تاريخ البلد.
المرحلة التي امامنا في سبيل الانقاذ تبدو لي مرحلة تيقظ امام المشاكل العالقة دون التغاضي عن هدف التحرير. نحن امام تهديد جدّي للبنى التحتية. ان التحرير نفسه لا يعني شيئا اذا دمر لبنان بالشراسة واللاأخلاقية التي اسرائيل استاذة فيها.
اعتقد ان ذكاء المقاومة تجلى في ان التحرير لم يحدث بيننا شرخاً وانها قدرت ان تجعل من انسحاب العدو حدث خلاص. على اللبنانيين انفسهم الا يقعوا في الفخ الذي قد ينصب لهم. اظنهم قد فهموا جميعاً اننا نعيش في المحيط العربي وان ليس لنا سواه خيار وأظنهم قد فهموا ان الكيان اللبناني كله لن يغير شيئاً في المعادلات المرسومة وان ما يبقى لنا سعي الى الحرية دائم وسط بيئتنا العربية وسعي الى النهوض الكبير بهذا البلد وثقافته، ذلك ان هذه الثقافة اذا احسناها هي ما ينتظره العرب منا وهم معترفون بها ومتقبلونها بحب.
لعل من عناصر ثقافتنا الجديدة الاكبار والتحية لاهلنا في الجنوب الذين تألموا عن الوطن فداء. انهم حملوا عنا كل الاوجاع وكل المرارة وكثيراً من الفقر. وهؤلاء لم يكونوا شريحة مذهبية واحدة. وهذا يرتب علينا ان ننصب بعد الانسحاب على خدمتهم انصبابا واحدا وأن يكون اهتمامنا بهم اهتماما سريعا مميزا يدفعهم الى رؤية الوطن واحدا.
انا لست ادعو الى عفو شامل كهذا الذي حدث بعد الطائف. فالاقتتال الداخلي شيء والتحالف الصريح مع العدو شيء آخر. ان الذي استمر مع لحد بعد صدور قانون العفو اكد انتماءه الى اسرائيل ما عدا الذين اضطروا الى ذلك خوفا او تغريرا. ربما امكن القضاء ان يميز بين المتعاملين ودرجات المسؤولية. ولكن في كل هذا الوضع ارى انه لا بد من التشدد بحق الذين تعاملوا مع العدو وشاة وسلموا اهلنا الى السجون او القتل او قرانا الى التدمير. اي انني انحو نحو فهم ضيق لمفهوم العملاء.
ما عبرة الانسحاب على الصعيد الروحي؟ كان غسان تويني يردد دائما في مجالسنا: "ليس الوطن فندقا". انت خادمه ولو خدمك قليلا او تجاهلك. لذلك تلازمه وان هجرت تعود. ان لم تؤمن ان الله جعلك هنا لمقاصد عنده
اظن ان عودة الجنوب يجب ان تعلمنا الكثير من التواضع ولكن الكثير من الجدية ايضا. آن لنا ان نفهم اننا لم نكن عند تكوين العالم وان شيئا لا يضمن لنا زمانا ابديا. نحن نسجل نفسنا في التاريخ او نلغيها. نرجو ان نتهلل للقبلة الحارة التي سنعطيها للجنوب والبقاع الغربي المحررين وان يقودنا هذا الفرح الى تثبيته. عودة الوطن الى الوطن من شأنها احياؤنا فيكون الجنوب المستعاد بركة لنا ونعمة فنبني معه وطنا جميلا في العمق.
من المجــالس
عادل محمد الراشد
الاتحاد الاماراتية
من الجنوب طلعت شمس من نوع خاص· شمس طالما انتظرتها النفس العربية لتنعم بدفئها بعد ردح طويل من زمهرير جمد في العروق الدماء، حتى كاد أن يقضي على الأمل· فقد شعّ جنوب لبنان، وأضاء معه كل سماء العرب والمسلمين، ولامست خيوط إشعاعه شغاف القلوب، ودارت بالذاكرة لتستحضر تلك الامجاد المحفورة فيها منذ مئات السنين، وتكسرت طبقات التكلس التي راكمتها حملات التخويف، والتشكيك وزرع اليأس وانقطاع الأمل·
من جنوب لبنان اعلنت ولادة جديدة لهذه الامة، التي لم تفقد يوما حلمها في الانتصار، وعودة الحقوق، وحتمية الوفاء بوعد الله الحق، وكذب ذلك الوعد المفترى· فالمعتدى، مهما امتلك من قوة ضعيف، ومهما حقق من مكاسب مهزوم، وصاحب الحق، اذا آمن بحقه وتمسك به، فإنه يمتلك أسباب القوة ويتحكم في توجيه المسارات، والحقوق لا تعطى ولا تمنح، وانما تؤخذ وتنتزع، وهي، ان خضعت للمساومة والمفاصلة تحولت الى أمور متنازع عليها، واذا انحرفت النفس عن قناعاتها ويقينها فلن تجد مكانا تسكن فيه غير قارعة الطريق، تتسول فيه الحقوق، وتشحذ منها العدالة والانصاف·
وعندما ادرك أهل لبنان هذه الحقيقة، ورأوا ما وصلت إليه المسارات، وما حققته المساومات، وما آلت إليه الحقوق من ذل وهوان وجلوس عند ابواب المغتصبين، تمسكوا بثوابتهم، وأصروا على مطالبهم، وقبلوا التحدي، وقدموا القرابين، شهداء وخسائر ودمار وأشلاء ودماء، فكانت النهاية من صنع أيديهم، وكان العائد أغلى وأنفس، وكانت الخيارات خياراتهم، والامن من نصيبهم، والفرحة من حقهم·
الدرس اللبناني أعظم من كونه حدثا نمر عليه في نشرات الاخبار، فهو نقطة فاصلة مهمة في تاريخ العرب والمسلمين، وهو، بإذن الله، بداية النهاية المقررة في الوعد الإلهي الحق لدولة العدوان والطغيان اليهودي في فلسطين· ولذلك فإن هذه الصفحة من تاريخ امتنا المجيد ستكون هي البداية للفصل الاخير من قضية فلسطين، وقضية الصراع بين الحق والباطل· فطوبى لمن خطّت يداه على هذه الصفحة، والحمد لله الذي ابقانا لنشهد هذه النقلة المضيئة بعد كل الانكسارات المظلمة·
الذين فروا ليلا
عبد العزيز الجار الله
الرياض السعودية
تحاول وكالات الأنباء العالمية اعتبار ما حدث للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان إنسحابا وليس تحريرا أو عودة للحدود الدولية.. فلا تستطيع أي وكالة إعلام ان تصادر من المقاومة اللبنانية والحكومة اللبنانية حقها من الفرح في انتصارها العظيم الذي عبر عنه البعض أنه انتصار عربي لم نعرفه منذ عام 1956م.. هذا الانتصار لم يأت عبر اتفاقيات الأمم المتحدة ورحلات مكوكية من المفاوضات ولجان سرية ولجان تلفزيونية ومفاوضات تحت الطاولة , وأخرى فوق الطاولة . هذا الانتصار العربي جاء بلغة الكلاشنكوف في بدايته وانتهى بالكاتيوشا وهي اللغة الوحيدة التي تفهمها اسرائيل.
للشعب اللبناني الحق في اعتبار يوم 25 مايو/ أيار عيدا وطنيا وعيدا للجلاء ودحر جنود الاحتلال والعملاء.
الذاكرة الجماعية ما زالت تختزل صور بعض عملاء الجنوب وهم يستقبلون الدبابات الاسرائيلية بالورود والزغاريد وهي تدخل الجنوب عام 1982م وتحاصر بيروت والذاكرة هي نفسها تفتح نوافذها لتعيد الصورة "مقلوبة", الوطنيون الصامدون بالجنوب يرشون الورود ويطلقون زغاريد الانتصار والفرح على أبطال المقاومة وهم يدخلون القرى الجنوبية المحررة وطوابير العملاء اللحديين يفرون بقوافل وطوابير سيارات الجيش الإسرائيلي إلى داخل "إسرائيل".
الحقيقة العربية التي تم تحييدها سنوات طوالا بدأت بإذن الله تتحقق هذه الحقيقة المغيبة:"ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" وأبطال المقاومة الجنوبيون دحروا شعارات كثيرة كنا نعتبرها حقيقة على أرض الواقع كان آخرها سلام الشجعان فما قاله أبطال المقاومة فرغ أي شكل من أشكال السلام الذي لا يحمل قوة دفع تحدي الشعوب التي ترفض الإذابة.
إسرائيل لن تفهم أي لغة في ظل تفوقها النوعي والدعم الأمريكي اللامحدود, لن تفهم أي لغة سوى لغة الحجر والكلاشنكوف والكاتيوشا . فعندما حرك شباب الانتفاضة الحجر والزجاجات الحارقة والتفجيرات الانتحارية في وسط القدس وعندما بثت المقاومة اللبنانية صورا لعملياتها وتسللها إلى العمق الإسرائيلي والقيام بالعمليات الناجحة ووجبات الكاتيوشا التي تصيب المستعمرات الاسرائيلية الشمالية بالرعب والشلل التام و "الاندساس" داخل الملاجىء لعدة أيام ,وعندما شعرت ان قيادة حماس تعترف بعملياتها الفدائية ولا تتنصل منها وان الحكومة اللبنانية تشيد بعمليات المقاومة وتدعمها عندما تجمعت هذه الحقائق أطلقت إسرائيل إشاراتها التصالحية وبدأت على استحياء في بادىء الأمر بالقبول بمبدأ المفاوضات ثم بدأت تستعجل المفاوضات وفي الجنوب اللبناني وتحت زلزال المقاومة فر جنودها ليلا ولم ينتظروا الموعد الذي حدده ايهود باراك الشهر القادم بعد ان تأخذ القوات الدولية مواقعها ليكون هروبا مشرفا.
ما فعلته المقاومة الاسلامية في الجنوب اللبناني هو أنموذج في ضرب العنجهية الاسرائيلية وأنموذج للإرادة الشعبية التي لم ترضخ للإرادة الاسرائيلية والقرار الأمريكي وأنموذج يجب ان نتعلمه في تعاملنا مع الأحداث مستقبلا ان الارادة المؤمنة والصادقة أقوى من النار والحديد وأقوى من الرعب الإعلامي الذي يرافق العمليات الاجرامية التي تنفذها في لبنان وفلسطين.. فالحجر الذي انطلق في فلسطين في بداية الانتفاضة أجبر المحتلين فيما بعد للجلوس على طاولة المفاوضات في فلسطين والجلاء المهين والهروب المخزي من لبنان.
ما نتمناه من الإعلام العربي ان يسمي الأشياء بأسمائها فما حدث بالجنوب اللبناني هو تحرير وليس انسحابا لأن إسرائيل لا تنسحب بإرادتها فلولا الله ثم أشلاء القتلى من الجنود الاسرائيليين والارادة الحديدية من المقاومة والسند الشعبي والحكومي اللبناني لكانت إسرائيل ستحول القرى اللبنانيةإلى قرى إسرائيلية كما حولت قرى 48 ومدن يافا وعكا إلى قرى منسية وقرى إسرائيلية.
لبنان والغد العربي
احمد عمرابي
البيان الاماراتية
قبل بضعة شهور تقدم عشرون شخصية فلسطينية بارزة يتقدمهم د. حيدر عبدالشافي المشهور باستقامته الوطنية, وبينهم اعضاء في البرلمان الفلسطيني, بمذكرة قوية اللهجة الى القيادة الفلسطينية يطالبون فيها القيادة بأن تتخلى عن (طريق اوسلو) وتتوجه صوب طريق (حزب الله) .
وقيمة المذكرة مستمدة من ان غالبية الشخصيات الموقعة على المذكرة لا ينتمون الى (حماس) او منظمة (الجهاد الاسلامي) الفلسطينية. الان, وبعد ان استكملت اسرائيل تصفية وجودها العسكري في لبنان بتنفيذ عملية انسحاب لقواتها في عجلة وذعر بينما تلاحقها ضربات (حزب الله) الموجعة, سوف تدرك الجماهير الفلسطينية بصورة عملية مغزى (مذكرة العشرين) ومعنى المقارنة التي عقدها اصحاب المذكرة بين (طريق اوسلو) و (طريق حزب الله) . وحتى بدون المذكرة فإن احدث مشهد لكل من هذين النهجين المتناقضين يتحدث عن نفسه بأعلى درجات البلاغة الطبيعية: مشهد دراماتيكي متحرك نرى فيه جموعا من الجنود الاسرائيليين يتراكضون مذعورين صوب الحدود الاسرائيلية.. وما ان يعبرون الخط الحدودي حتى يهنأ بعضهم البعض بالهروب من الجحيم اللبناني. وعلى الارض اللبنانية تتناثر اسلحة ثقيلة وخفيفة بما في ذلك الدبابات والمدرعات تركتها وراءها القوات الاسرائيلية وقوات الميليشيا العميلة سالمة وقابلة للتشغيل من فرط تعجل الهروب, في هذه الاثناء تستولي عناصر المقاومة الشعبية اللبنانية على كل المواقع العسكرية الاسرائيلية في ارض الجنوب اللبناني بما في ذلك (مرجعيون) المقر الرئيسي للقيادة العسكرية الاسرائيلية.. وعلى هذه الخلفية يقوم مقاتلو الميليشيا العميلة لاسرائيل بتسليم انفسهم زرافات ووحدانا الى عناصر (حزب الله) او الى مقار الشرطة اللبنانية, ومع اكتمال عناصر الصورة باسترداد لبنان لأرضه من القوة الاحتلالية الاسرائيلية يدخل المشهد صفحات التاريخ كأول انتصار عربي على الدولة اليهودية. ومع عظم هذا المغزى فإنه يكتسب المزيد من العظمة عندما نستذكر انه عن طريق نضال المقاومة الشعبية وحدها استرد اللبنانيون ارضهم من اسرائيل دون اي شرط اسرائيلي, بل ودون الحاجة الى تفاوض. هذا المشهد العظيم يتناقض موضوعا وشكلا مع احدث صورة للمشهد الفلسطيني. فنحن هنا بازاء (مفاوضات سرية) يقبل عليها احد الطرفين بأسلوب الاستجداء.. ويقبل عليها الطرف الاخر بنهج فرض شروط تلو شروط, ومع ذلك, وبعد سبع سنين من المسلسل التفاوضي والاستجابة تلو الاستجابة لشروط بلا نهاية تظل الارض الفلسطينية تحت الاحتلال. بينما لا تلوح في الافق أية بوادر يمكن ان تنبئ بقرب نهاية الاحتلال الاسرائيلي. بعين البصيرة النافذة رأى د. حيدر عبدالشافي الفارق الحاسم بين (طريق اوسلو) و(طريق حزب الله) , فكانت المذكرة الشهيرة. الان يفرض المشهدان المتناقضان تأثير كل منهما في الذهنية الجماعية للشعب الفلسطيني فيستقر المغزى النهائي في هذه الذهنية الجماهيرية: ان التفاوض بلا مساندة نضالية شعبية على الارض لن يثمرنتائج ايجابية وان النضال الشعبي يثمر النتيجة المرجوة دون ان يحوجك الى تفاوض. والمأمول ان هذا الانتصار اللبناني التاريخي الحاسم على اسرائيل يمثل حدا فارقا في الشرق الاوسط بين أفول منهج وصعود نجم منهج اخر. فهل تتغير ملامح المشهد الفلسطيني بناء على المثال اللبناني؟
ماذا أخذت إسرائيل وماذا أعطت؟
مازن حماد
الوطن القطرية
إذن، تستطيع إسرائيل أن تنسحب، وأن تهرول في الانسحاب أيضا. والأهم أنها تستطيع أن تنسحب دون شروط عندما تجبر على ذلك، وتستطيع أيضا أن تحترم قرارات الأمم المتحدة عندما توصد في وجهها المتكآت والحجج الأخرى.
انسحبت إسرائيل ولم يعد يفصل بين اللبنانيين وبين جنودها الذين تخرق الشتائم طبلات آذانهم، سوى خمسة أمتار. انسحبت قبل الموعد وتحت جنح الظلام انسحاب المتسللين العائدين من غزوة فاشلة، لا انسحاب المنتصرين الغانمين.
لم تأخذ إسرائيل شيئا. لم تأخذ سفارة أو تطبيعا أو وعدا بأي نوع من العلاقة مقابل رحيلها. أخذت فقط بعض عملائها، على مضض، ورمتهم في مخيمات مؤقتة متمنية لو يقضون بوباء ويزيحون عنها عبء إعالتهم، ويخلصونها بتواريهم عن أنظارها، من عقدة الهزيمة لا على يد جيوش نظامية عربية، ولكن على يد مقاتلين مؤمنين مجاهدين لم يستعينوا بنظام حكمهم وإنما فرضوا عليه مساندتهم والدفاع عنهم وتبني مقاومتهم، حتى صارت المقاومة عنوانا للبنان كله.
لم تأخذ اسرائيل شيئا، لكنها أعطت أشياء. أعطت برهانا على أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بالمفاوضات. وأعطت موافقتها على القرار "425" باعتباره مرجعية دولية من سلسلة مرجعيات ستطالَب باحترامها في الوقت المناسب. وأعطت الفلسطينيين الدافع للنضال بلا هوادة لإجبار الغزاة على الرحيل. وأعطت العربي بانسحابها، شعورا بالفخر، لكنها في الوقت ذاته صَغُرَت في عينه، تماما مثلما هي صغيرة في عيون أطفال الحجارة عندما يتحدون الخوذ والرشاشات والدبابات.
جنوب لبنان، وتحديدا منطقة العرقوب، كان يعرف بـ "أرض فتح" عندما تلاحم الفلسطينيون واللبنانيون في حرب مواجهة طويلة مع الإسرئيليين في السبعينيات. وعندما غزا شارون لبنان عام "82" تحت شعار "الأمن لمستوطنات الشمال" كان الهدف إخراج الفلسطينيين، وكان له ما أراد، غير أن حلفاءهم اللبنانيين، حملوا البندقية وحدهم وواصلوا القتال. فهل تعود الحياة للبندقية الفلسطينية ويُطرد الغزاة من كل شبر محتل؟
الرجس الإسرائيلي
حسان يونس
الوطن القطرية
اكتمل اندحار الجيش الإسرائيلي في الساعات الأولى من فجر الأربعاء بعد 22 عاما من الاحتلال.
لا شيء يمكن ان يصف تلك الساعات، ولا أحد يتذكر أنه عاش لحظة انتصار كتلك التي عشناها خلال ثلاث ليال حاسمة قادت الإسرائيليين من ذل الانكسار إلى ذل الانسحاب.
ما رأيناه كان عودة الوعي للعقل العربي المنهك بأولويات السلام، فاكتشفنا فجأة أن الصلح والتسويات أكاذيب مروعة مرت فقط في لحظات غياب الروح عن الجسد المتعب؟ فقادت إلى ما رأيناه وهو مقزز.
22 عاما من الاحتلال انتهت فجر الاربعاء، بعد ان فر المحتلون كفئران مذعورة تحت جنح الظلام، لكن ذلك لم يكن بلا ثمن، ولم يكن دون تضحيات، فقد رأينا لبنان يسدد فاتورة باهظة من دماء أبنائه وثرواته، وهكذا فإن الدرس القادم من الدولة العربية الأضعف والأصغر يبدو جديرا بالتأمل، خاصة من جانب اولئك الذين اختاروا محاورة العدو وتحقيق التسويات معه بزعم ان أحدا غير قادر على هزيمته.
إن من لا يقاتل في سبيل قضيته لا يكسبها، ولبنان، دافع عن أرضه بأغلى ما يملك: بدماء أبنائه فاستحق شرف الانتصار، كما كانوا هم استحقوا شرف الشهادة. هكذا صنع لبنان انتصاره، فجاء مدويا، كما كانت هزيمة الصهاينة مدوية.
هل هو مفهوم المقاومة اللبنانية للشهادة أم انها إرادة أخرى صنعت ذلك المجد، ام هو الوعي بحقائق التاريخ التي غابت عن آخرين.
إنه شيء من أشياء، قادت الى ما رأيناه من الإيمان بالأرض ومن الإيمان بالشهادة، ومن الوعي العميق بحقائق وآليات صراع مع عدو يجب ان يزول، لا أن يكون شريكا على طاولة المفاوضات، وفي النهاية هو درس بليغ للعرب جميعا، الذين وقعوا، والذين لم يوقعوا، الذين سلموا والذين لم يسلموا، الذين أنزلوا راياتهم، والذين لم ينزلوها بعد مفاده ان اسرائيل رجس لن نتطهر إلا بإزالته.
الواقع والمطلوب
الراية القطرية
ما تحقق في جنوب لبنان يعتبر بكل المقاييس حدثاً كبيراً ستكون له تداعيات كبيرة علي صعيد عملية السلام العربية الاسرائيلية، فهذا الانتصار المشهود الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية علي الاحتلال الاسرائيلي الذي ظل جاثما فوق الارض ما يزيد علي الاثنين والعشرين عاما سيكون علامة بارزة في الصراع العربي الاسرائيلي ليؤكد مجددا ان كل حق وراءه مطالب لن يضيع.
كما يؤكد الانتصار اللبناني الذي أسعد العالمين العربي والاسلامي ان اسرائيل التي تراهن علي لعبة الزمن خلال المفاوضات لا تحترم سوي منطق واحد هو منطق القوة، وهو ذات المنطق الذي اجبرها علي ان تجرجر اذيال الخيبة والندم من جنوب لبنان بعد ان حولت المقاومة الباسلة الواقع الي جحيم.
الآن وفي وسط الفرحة العارمة التي يعيشها الشعب اللبناني بمختلف طوائفه ثمة اسئلة ملحة واجبة الطرح علي ان تتوفر لها اجوبة مقنعة لا سيما وأن هناك فخاخا اسرائيلية تركت مفتوحة في الجنوب لاستثمار الثغرات وتفجير الواقع اللبناني مجددا واعادة دوامة العنف وهو ما حذرت منه كل القوي الوطنية.
فالمطلوب اولا أن تبسط الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الشرعية ظلها في الجنوب من خلال التواجد الرسمي وتقديم الخدمات الاساسية الي مواطني الجنوب الذين عانوا طويلا وكثيرا خلال سنوات الاحتلال الاسرائيلي، وما تعرضوا له من عدوان، فتعويض شعب الجنوب يعيد للدولة هيبتها ووجودها الفعلي في ذلك الجزء الغالي من ارض للبنان.
والمطلوب ثانيا ان تكون هناك درجة عالية من ضبط النفس ومن اليقظة فما اعلنه الشيخ حسن نصر الله الامين العام لحزب الله صحيح من أن الانتصار الذي تحقق لم يكن انتصار حزب أو حركة او طائفة او فئة وانما هو انتصار لكل لبنان وكل اللبنانيين.. فتحصين الوحدة الوطنية في هذه المرحلة مسألة يجب ان يحظي بالأولوية.
والمطلوب من المجتمع الدولي في هذا المنعطف العمل علي مساعدة الدولة اللبنانية علي استرجاع سلطتها في المناطق المحررة وفرض الأمن والسلام الدوليين في المناطق التي انسحبت منها اسرائيل والتأكد علي ان الانسحاب الاسرائيلي تم تنفيذا للقرار 425.
وأيا كانت المخاطر والاحتمالات يبقي تحرير الجنوب بعد 22 عاماً من الاحتلال انجازاً باهراً وعظيماً وانتصاراً لارادة المقاومة وانتصاراً لكل لبنان يسجله له التاريخ.
لبنان.. ميلاد أمة
عــــائشة عبيــــدان
الراية القطرية
ليس لبنان وحده الذي عاش الفرح بالانتصار.. انما العالم العربي من المحيط الي الخليج.. والفرح سيبقي ولا ينسي وسيسجل في التاريخ العربي اول انتصار للأمة العربية منذ عام 48 حتي هذا اليوم.. سلسلة من الانكسارات والانهزامات.. وفقدان الكرامة.. والامتهان والإذلال.. عاشها العالم الاسلامي العربي المتخاذل.. تحت السيطرة الاسرائيلية.. تدعمها الاجتماعات والقرارات والمؤتمرات.. واخيرا عملية السلام الواهية.. التي يعزف نغماتها المتخاذلون.
كان.. املنا وعزاؤنا في الفئة القليلة التي أبت الضعف والهزيمة والاستسلام لألاعيب السلام.. وعاهدت الله بتقديم دمائها رخيصة للحفاظ علي العروبة وكرامتها، وتعزيز قوتها وكرامتها.. وتبرهن للعالم المتخاذل بأن بوابات السلام المفتوحة ما هي إلا وهم، وان القوة وحدها هي التي توحدها، وليست المؤتمرات والاجتماعات.
أدركت.. تلك الفئة بإرادتها وقوتها بأن اسرائيل امة ضعيفة ومهزومة من الداخل، لا تزعزع كيانها إلا القوة ولا يؤذيها الا الاستمرار في الخناق عليها تأكيدا لمصداقية قوله تعالي وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم .
وها هي.. القوة تنتصر بالدعوة الربانية.. والارادة الايمانية.. وها هو الدم ينتصر علي السيف.. ويحطم اوتاد الطغاة بالعزيمة الصادقة، والقوة الإلهية.. تجاوزت كل الاجتماعات.
إن هذا الانتصار المفرح أعاد لنا الأمل بأن ارضنا ومقدساتنا يمكن ان تتحرر بالقوة سواء قدمت اسرائيل انسحابها او تأخرت فإن هذا لا يلغي انها هُزمت، وان اللبنانيين اثبتوا بأنهم شعب يملك الارادة الصلبة، والعناد الذي لا يُقهر.. أعاد لنا الايمان بأن القوة لا بد ان تنتصر وان دولة الباطل ساعة، ودولة الحق حتي قيام الساعة.. وان طريق الاستقلال والحرية لا تغسله إلا الدماء.
لقد اختارت المقاومة اللبنانية هذا الطريق لتنعم بشرف الحرية والاستقلال والأمان، وتؤكد للعالم اجمع بأنها الرقم الصعب في معادلة السلام الواهية التي ما زالوا يرددونها.. وباتت هي الجبهة الوحيدة القادرة علي مواجهة الغطرسة الاسرائيلية عبر العمليات المستمرة الجريئة.. وهذا ما اكده مسؤول من حزب الله ان المقاومة الاسلامية لن تسمح لاسرائيل بالتقاط انفاسها .
وها هي.. اسرائيل بعد نصف قرن تزحف كالجرذان المذعورة لتعود الي اوكارها ذليلة خانعة.. وتؤكد بأنها ضعيفة في مواجهة القوة وذليلة في مواجهة الدم.
وها هو.. لبنان يتغني بمجد الانتصار.. ويغتسل بمجد المقاومة ويزغرد بنصر صنعته الدماء والشهادة.. ويتطهر من رجس الصهيونية بعد 22 عاما من المقاومة والجهاد ليعلن ميلادا جديدا للأمة العربية بعدما عاشت في رحم الذل والهزيمة.
فهنيئا للبنان هذا الانتصار العظيم.. وتحية للمقاومة علي استمرارها وارادتها فما اجمل الانتصار.. وما اجمل العودة للأمان والاستقرار.
مبروك للبنان
صالح الأشقر
الراية القطرية
نبارك للبنان البطل أول انتصار عربي ونشيد بحزب الله المتوج بالنصر المبين ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
حزب الله اللبناني أعلن منذ بداية تأسيسه منذ حوالي 22 عاما بأنه سوف يقاتل ويضحي بالدم الغالي لتحرير الجنوب المحتل من الاحتلال الصهيوني ولم يخطر علي بال أحد أن يحرر الجنوب اللبناني مثل هذا الحزب المتواضع الامكانيات مقارنة بالعدو خاصة بعد أن تعثرت وتكسرت معظم الأسلحة العربية قبل أية مواجهة حقيقية مع العدو المحتل علي أربع جهات.
جميع الحروب العربية ذاقت الهزائم وعلي مختلف المستويات سواء كانت حروب الجيوش أو الحروب الفدائية وقال لنا المنظرون في كل المحافل ان اسرائيل أميركا وأميركا اسرائيل وأن الاسلحة التي تحارب بها اسرائيل العرب متفوقة جدا ولا طاقة للعرب بمحاربتها.
وعندما تأكدوا بأن الكذب تمكن من عقل الشارع العربي روجوا ومهدوا للاستسلام بكذبة أخطر وأشد إيلاما علي الضمير والوجود العربي وهي ان خيار السلام خيار استراتيجي وان السلام سلام الشجعان الي غير ذلك حتي رست كل الحلول في ميناء خيار السلام الاسترخائي.
وعليه ذهب العرب الي مدريد لاعلان خيار السلام ولم يذهب اللبنانيون وذهب الفلسطينيون الي أوسلو ولم يذهب حزب الله واصبحت واشنطن ملجأ العاجزين لاستجداء نسب ضئيلة من الوطن المسلوب هنا وهناك في حين كان رجال المقاومة وحزب الله اللبناني يشدد من جهاده الفعال رغم امكانياته المتواضعة.
وماذا كان أليست مفخرة لبنانية عظيمة أن يشاهد العالم أبناء لبنان الأبطال وهم يطاردون فلول قوات الاحتلال ومعها العملاء والخونة من مخلفات سعد حداد القذرة من كافة الأراضي اللبنانية.
ماذا بعد الورود والزغاريد العربية التي تزف الي الانتصار عبر وسائل الاعلام بأنه انتصار للبنان وللعرب جميعا دون ذكر لايران.
أليس من الانصاف ان يشير الاعلام العربي الي ان الانتصار لحزب الله وللبنان وللعرب وايران التي شاركت بالقسط الأكبر من حيث الدعم والتنظيم حتي تحقق النصر الذي يعتبر نصرا عربيا ايرانيا واسلاميا لأول مرة في تاريخ الصراع الطويل مع اسرائيل.
ونود من ذلك ان نصل الي الحقائق التاريخية الثابتة وهي ان ايران دولة اسلامية كبري في المنطقة ولها تأثيرها السياسي والعسكري ونستطيع بالحكمة ان نكسبها الي جانبنا خاصة وان خلافاتنا معها بسيطة جغرافيا وايدولوجيا ولا يمكن ان تصل هذه الخلافات الي مستوي خلافاتنا مع اسرائيل التي تسعي ومنذ وجدت الي السياسة العنصرية المتمثلة بالاستيلاء علي الأرض وتفريغها من أهلها ومن ثم تسليمها الي من تستقدمهم من كل مكان في العالم.
العين التي تقاوم المخرز
علي حجيج
الراية القطرية
لأول مرة ومنذ عقود طويلة يخلع التاريخ ثياب الحزن والانكسار ويخرج الي العالم رجلا باسما ضاحكا واثقا.
لأول مرة ومنذ عقود سحيقة يخرج التاريخ من عجزه ومن يأسه ومن كهولته المدمرة إلي الكون انسانا سعيدا ممتليء بهجة وحياة وحيوية.
لأول مرة يستعيد التاريخ شبابه وفتوته وألقه المفقود بين داحس والغبراء، واقتتال الطوائف والمذاهب عند اطلال المجد في الأندلس. ويقف منتصبا بهامته المرفوعة نحو المجد علي رجليه حيا ثابتا اصيلا، يلبس أجمل الثياب للفرحة الكبري، ويغتسل بأجمل عطور المجد البهيجة.
كم كنا نخاطب هذا التاريخ ونستنجده لكي يقف معنا لكي يؤازرنا بمصائبنا لكي يخفف عنا آهاتنا وأوجاعنا الكليلة ولكنه كان يصم اذنيه عنا خجلا وعجزا وخوفا.
وكم وكم كنا نستصرخه لكي يلبي النداء. نداء الثكالي في صبرا وشاتيلا ونداء الاطفال في قانا والمنصوري والنبطية وصيدا الجريحة، وآهات الرجال الموجوعين في قبية وكفر قاسم، ولكن لا حياة لمن تنادي فالتاريخ رجل هرم كان منكسر الخاطر، اثخنته الجراح والنكبات والخيانات والطعنات الذليلة حتي اقعدته عن القيام وعن تلبية نداءات استغاثات الأمة المكسورة المتدثرة بكل مصائب الكون.
لأول مرة يخرج التاريخ من كل هذا الحزن البليد ويتحول الي طفل صغير في قري الجنوب اللبناني، يمارس فرحه الصاخب، فرحه المؤجل منذ عقود وعقود بهذا النصر العظيم، بهذه البداية الواعدة، التي اجبرت هذا الجيش الغازي، وهذا المحتل الذميم ان ينكفيء عن الارض الخضراء، وعن القري الهادئة وعن الروابي والجبال العالية الجبين، التي ابت علي المحتل وعلي جبروته وعلي صلفه الطاعن في الحقد والتدمير.
من مفارقات هذا الانتصار انه صنع الفرح هنا، وصنع الفرحة هناك.
الفرح هنا كان امرا مفهوما كان شيئا طبيعيا، اما الفرح هناك فهو مستهجن عليه علامات الاستفهام، فهذا الجندي الاسرائيلي الذي ارتمي في احضان والدته قائلا لها:
ها قد عدت اليك حيا يا أمي هي اسطع برهان علي شفاء التاريخ من اوجاعه ومن احزانه، فهذا الجندي الذي كان يمارس حقده ضد الآمنين كان اسير خوفه واسيرا لحقده ولضربات المقاومين الذين اذاقوه وأذاقوا اسياده وقادته المرارة والاحزان.
فلولا جهود وارادة التصميم عند هؤلاء المجاهدين الابرار لما خرجت رابطة امهات قتلي الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني الذين طالبوا حكوماتهم المتعاقبة منذ رابين وحتي ايهود باراك الحالي بضرورة الانسحاب من جنوب لبنان الذي حوّل أولادهم الي عصافير متوحشة يقتلها المقاومون بارادتهم الصلبة، وبايمانهم الذي يقاوم الفولاذ.
نعم لقد اسقط المجاهدون نظرية العين التي لاتقاوم المخرز عندما تحولت هذه العين البريئة الي فولاذ فانتصر ساعتئذٍ الدم علي السيف كما يقول قائد المقاومة السيد حسن نصر الله، واجبرت الغازي ان يذعن لمنطق التاريخ الذي لايقبل افتئاتا او ظلما علي البشر الآمنين في ارضهم وارزاقهم.
نعم يحق للمنتصر ان يتكلم، ويحق للغازي المنهزم ان يسكت علي عاره، وهذا ماعبرت عنه الصحف الاسرائيلية بأسرها عندما وصفت يديعوت احرنوت ما حصل بالعار و المذلة وهذا ما افصح عنه عملاء انطوان لحد الذين تخلي عنهم اسيادهم وجعلوهم درسا لمن يتعظ بالخيانة.
يحق للتاريخ ان يفتخر بأن حفنة من الرجال الاتقياء الانقياء وبأن شعبا مصرا علي النصر اعاد اليه البريق واعاد اليه بهجة الفخر الذي لاتفارقه.
ذل ما بعده ذل
محمد علي المالكي
الراية القطرية
العرس اللبناني العربي اصبح حقيقة واقعة بعد اندحار الجيش الصهيوني وعملائه، وبعد ان خرج ابناء صهيون اذلاء من الجنوب اللبناني.
كان الصهاينة يرون ان وجودهم في الجنوب اللبناني سيكون ابديا وسيكون الامر الواقع المفروض علي تلك المنطقة حتميا وسينعمون ويستقرون الا انهم وجدوا ذلك امرا مستحيلا بعد ان شتتت المقاومة اللبنانية احلامهم وبعد ان اخترقت رصاصات المقاومة قلب آمالهم.
وبعد ان سقط جنودهم كالذباب حينما يرش بالمبيد.
لم يكن يتوقع الصهاينة اصرار المقاومة علي الوقوف وبكل شجاعة امام الآلة العسكرية الصهيونية رغم تقنياتها وتقدمها وعددها وعتادها تصور ابناء صهيون ان تلك الآلة ستدخل الرعب في قلوب ابطال المقاومة وسينكفئون علي انفسهم انتظارا للموت تحت آلياتهم او من خلال صواريخهم ولم يدر بخلدهم ان كل ذلك مجرد وهم وان المقاومة ولدت لتكون شوكة في قلب الصهاينة ولتصبح هي المتحكمة وليست المحكومة ولتعطيهم درسا يسجل في تاريخ المقاومة بأحرف من ذهب.
لقد عرت المقاومة اللبنانية القوة العسكرية الصهيونية واثبتت انها قوة من ورق عندما تكون العزيمة والارادة والجرأة هي السلاح الذي يواجه تلك الآلة وكان ذلك واضحا علي الجنود الصهاينة فرغم خروجهم اذلاء الا ان الفرحة كانت تغمرهم لانه لم يكن اي منهم يعلم متي سيكون دوره في الوصول الي القبر.
اما العملاء الذين هربوا مع المندحرين وجدوا انفسهم في حالة اشد اذلالا من الصهاينة حيث ان الوعود الصهيونية اصبحت سرابا وكانت المكافأة الوحيدة علي خيانتهم تلك الخيام التي نصبت لهم لقضاء بقية عمرهم لاجئين في الكيان الصهيوني بعيدا عن الوطن والاهل وهذا اكثر ما يمكن ان يكافأ به خائن.
فضاءات : ملحمة تحرير الجنوب اللبناني
الاعلام العربي
صحيح ان الانتصار النهائي الناجز للمقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني المحتل باغت في توقيته العاجل قبل الموعد الاصلي المحدد من المحتل "الاسرائيلي" كل العرب وبضمنهم الكتاب والمثقفون، مثلما باغتتهم هذه المشاهد المذلة المخزية لقوات الاحتلال وهي تجر اذيال الخيبة فارقة باقصى واسرع ما تستطيع بجلودها هي وعملائها، الا انه من الصحيح ايضا ان ثمة غيابا فاضحا ومخزيا غير مبرر لمعظم وسائل الاعلام العربية ولاسيما التلفزيونية عن نقل او تسجيل تلك " اللحظات التاريخية" بكل معنى الكلمة لتلك الانسحابات المرعوبة والمرتبكة وعن مشاركة الشعب اللبناني عامة والجنوبيين خاصة في اعراس افراحهم بتطهير اراضيهم وقراهم من رجس الاحتلال، علما بان وسائل الاعلام العربية ولاسيما التلفزيونية لا تتوانى عن نقل حي مباشر لكل حفل من حفلات توقيع صكوك الاستسلام والتنازلات للعدو "الاسرائيلي".
فمنذ كامب ديفيد عام 1978 وهي لا تتورع عن وصف أي منها بـ "اللحظات التاريخية"، وبالمثل فانها لا تغيب عن أي اجتماعات او قمم عربية على أي مستوى كانت، فتنقلها مباشرة واصفة اياها بـ "التاريخية" مهما كان حصادها الهزيل. هكذا حال العرب او ما شاءه البعض لهم بان يكون لهم حتى في الانتصارات عار كما هو لهم في الهزائم عار.
واذا ما اتينا لبعض وسائل اعلام البلد العربي الذي تحررت اراضيه من رجس الاحتلال بتلك الملحمة التاريخية الرائعة المعروفة التي سطر فيها رجال المقاومة اللبنانية العرب اروع سطور الشرف والكرامة والبطولة دفاعا عن وطنهم في المقام الاول والذي هو وطن جميع اللبنانيين فانه لولا قناتان فضائيتان لبنانيتان تبثان على "عربسات" هما "ال. بي سي" و"المستقبل" لكانت الشعوب العربية برمتها مغيبة تماما عن تفاصيل واحدة من اروع اللحظات التاريخية الفاصلة في الصراع العربي "الاسرائيلي" التي تسجل اندحار المحتلين وخزيهم واذلالهم على ايدي شعب طالما ساموا ابناءه، ولاسيما الجنوبيون منهم، عذابا وقتلا على مدى نحو ربع قرن، ناهيك عن ان ليس كل العرب يملكون "دشات".
ومع ذلك شاءت طريقة تعامل كلتا القناتين مع الحدث ان تكشف عن مدى تحلى كل منهما بالمسؤلية الوطنية العليا والتوخى باقصى درجات التجرد والترفع على الاهواء الضيقة في هذا المنعطف التاريخي المصيري الحاسم الذي مر به وطنهما.
ففي حين ان "المستقبل" وبالرغم حتى من ميول واتجاهات القائمين على ادارتها اليمينية الليبرالية تعاملت بكل مسؤولية وطنية وقدمت تغطية مكثفة لتلك اللحظات التاريخية لانسحابات العدو وعملائه منذ بدئها وبرامج اخرى، بالاضافة الى تسميتها الاسماء باسمائها سواء فيما يتعلق بالاعداء والعملاء المدحورين ام فيما يتعلق بالدور الكبير الذي لعبته المقاومة وكذلك اجراء مقابلات معبرة مع بعض رجالاتها واهالي الجنوب.
فان قناة "ال بي سي" حتى بالرغم من مسايرتها للخطاب الرسمي والشعور العام اللبناني السائد من الفرح والاعتزاز قد عجزت عن ابداء تجردها الكامل وتخليها التام بالمسؤولية الوطنية العليا بعيدا عن الاهواء والنزعة الطائفية المارونية السياسية.
وفي حين كانت "المستقبل" تغطي الحدث في اليوم الاول منذ بدئه كانت " ال بي سي" تبث اعادة لمباراة نهائية في كرة السلة.
كما كان جليا شعورها بالغصة وهي ترى هذا النصر التاريخي الوطني الكبير الذي لم يكن للتيار السياسي الذي تمثله أي دور فيه اللهم الدور التواطؤي الخياني مع الاحتلال ابان الحرب الاهلية.
اكثر من ذلك فانها غيبت من تقاريرها المذاعة نعت ميليشيا لحد بـ "العميلة" وركزت كاميراتها على التعاطف مع عناصره المستسلمين، وحاول مراسلوها التركيز والامعان عبر تساؤلاتهم المكررة والمعادة مع بعض ابناء القرى المسيحية المحررة على تجاوزات المقاومة بالرغم مما شهد به القاصي والداني بانها تجاوزات محدودة لا تكاد تذكر مقارنة بروعة الانضباط الذي تحلى به رجال المقاومة مع فئات وعملاء طالما عانوا منهم سنوات عديدة وراح العديد منهم ضحايا تآمرهم مع عدو الوطن والشعب باسره.
اخبار الخليج البحرانية
ما اجمل العرس الجنوبي
عبدالله الايوبي
كاتب بحريني
اخبار الخليج البحرانية
انه يوم 24 من شهر مايو/ ايار 2000 وبالتحديد الزمني في الساعة السادسة و45 دقيقة بتوقيت لبنان اندحرت من ارض الجنوب اللبناني الجميل اخر فلول الجنود الصهاينة والاقزام التابعين لهم في واحدة هي الاولى من نوعها للهزيمة المخزية للجيش الذي " لا يقهر" فعلى مدى 22 عاما من الاحتلال وجعل لبنان ساحة تجارب لاحدث الاسلحة الامريكية واكثرها فتكا بالانسان وتدميرا لمصالحه الحيوية عجزت كلها عن الصمود ليس امام الكاتيوشا ولا امام الكلاشينكوف وانما امام الارادة التي لم يذكر قادة العدو واعوانهم الامريكان انها هي فقط السلاح الذي لا يهزم وهي القوة التي لا تقهر والعيب في امريكا التي لم تنصح لقيطها الصهيوني فهي اصطدمت وعرفت معنى الارادة اثناء عدوانها على الشعب الفيتنامي.
فالجنوب اللبناني تحرر بفعل الارادة الوطنية اللبنانية وتوحد الدولة والمقاومة نحو قبلة الجنوب حتى عجزت آلة التدمير الصهيوني وادوات الضغط الامريكية المختلفة عن ان تفك هذا التوحيد التاريخي الذي ربما هو الصورة الاجمل حتى اليوم في تاريخ الصراع العربي ضد المشروع الصهيوني منذ قيامه على ارض فلسطين في عام 1948، فلم يقبع مناضل لبناني واحد في سجن السلطة اللبنانية كما يقبع المقاومون والمناضلون الفلسطينيون في سجون السلطة الفلسطينية بتهمة مقاومة الاحتلال.
فمع بزوغ شمس الرابع والعشرين من شهر مايو/ ايار عام 2000 كانت صور الجنوب اللبناني كلها جميلة بدءا بتدفق الابتسامات الشعبية على القرى المحررة مرورا باكثر الصور جمالا وهي الهروب الخفي تحت جنح الظلام لمن تبقى من القتلة الصهاينة في الجنوب اللبناني ومن خلفهم اقزام لحد الذين قدموا برهانا على قصر حبل العمالة لاي طرف يعادي الوطن، فليس هناك من قوة قادرة على حماية اعداء الوطن مهما عظمت.
تذكرنا الصورة المفرحة لمشهد الفرار الصهيوني والعملاء من لبنان بفرار الامريكان وعملائهم من سايجون في ابريل من عام 1975 فالامريكان تقدموا صفوف الهاربين وتركوا العملاء لمصيرهم المحتوم وهذا ما فعله الكيان الصهيوني ايضا مع عملائه في الجنوب اللبناني حيث فروا بهدوء وقبل الميعاد الذي اعلنوه لانهم يعرفون الجحيم اللبناني ولا يعنيهم ان يعلم العملاء بعملية الفرار.
اسئلة كثيرة تطرحها علينا نحن العرب تجربة المقاومة اللبنانية والنتائج المبهرة الكبيرة والكثيرة التي الحقتها آلة التدمير الصهيونية والامريكية بالوطن اللبناني، فهي تجربة عميقة ومتميزة في تاريخ النضال العربي وان نجاحها يقدم ورقة رابحة وغالية الثمن للامة العربية لكيفية التعاطي مع العدو الصهيوني والطريق الاكثر ضمانا لاستعادة الحقوق.
فلماذا لم يستسلم لبنان الرسمي؟ ولماذا لم تهزم المقاومة اللبنانية؟ ولماذا لم تقد الفواجع وسط الشعب اللبناني بفعل الجرائم الصهيونية الى النفور من المقاومة بل على العكس زادتها قوة والتفافا جماهيريا؟ اسئلة مشروع في بواطنها تختفي الكثير من الدلائل والبراهين وكل منها يحتاج الى وقفة تامل عسى ان يوفق المرء في انجاز قراءة صحيحة لصفحة واحد من سجل النضال اللبناني.
فالحدث النصر والتحرير كبير كونه اول عملية تحرير قطعة من ارض عربية احتلها العدو وخرج منها دون مكاسب بل خرج مهزوما ذليلا وبخسائر بشرية قدرها العدو نفسه بـ 1580 قتيلا و6485 جريحا وسط جنوده وهي خسائر كبيرة بالمقارنة مع ما خسره الكيان الصهيوني حسب ارقامه في حرب اكتوبر والتي قدرها بـ 777 قتيلا و 2811 جريحا، ناهيك عن الهزيمة المعنوية التي برهنت ان جنود العدو وعتادهم الامريكي يمكن قهرهم ودحرهم اذا توافرت الارادة وقد توافرت فعلا في جنوب لبنان ففقد العدو بذلك قيمة دعائية طالما ضلل بها الصهاينة والمخدوعين العرب وغيرهم.
ان عرس الجنوب هو عرس العرب الجماعي الوحيد، العرب الذين لم ينساقوا وراء البهرجات الرسمية وعناقات البيت الابيض الذي هو الفخ الكبير الذي ضاعت فيه الحقوق العربية ، انه عرس الجماهير العربية التي ترفض التطبيع مع العدو وتؤمن بان الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تسقطها موازين القوى مهما اختلت فالى هؤلاء المؤمنين تحيات الجنوب الطاهر.
من حقكم الاحتفال بالنصر
د. ابراهيم بهبهاني
القبس الكويتية
الشعب اللبناني بمقاومته البطولية، حقق انجازا تاريخيا عجزت عنه الانظمة السياسية على مدى اكثر من عقدين من الزمن.
نقول ، ان المقاومة وبكافة انتماءاتها السياسية استطاعت ان تحررا ارضا عربية محتلة، بالصمود والمقاومة، وهو ما فشلت به كل الشعارات التي صمت آذاننا وصارت كلاما بلا معنى يتم ترديده بالمناسبات.
لذلك من حق هذا الشعب ان يحتفل بانتصاره متجاوزا كل من يحاول افساده هذه الفرحة بوضع عراقيل او رمي اوراق للفتنة داخل فئات هذا الشعب اللبناني الذي ضحى وصابر وجاهد الى ان حصد نتائج ما زرعه على الارض.
لن ندخل في دهاليز المخططات والسيناريوهات ولا حتى الغمز بسوء نية الى موضوع الطوائف، ما يعنينا فقط شيء واحد، هو ان الاحتلال البغيض والكريه اضطر مرغما على الخروج من الارض اللبنانية نتيجة اعمال المقاومة الاسلامية وغيرها، وهذا بحد ذاته يمثل انتزاعا للنصر وللكرامة العربية التي افتقدناها منذ زمن طويل.
لذلك ليس من الوطنية بشيء من يضع علامات استفهام حول من رفع علما على دبابة "اسرائيلية" او كان اول الواصلين الى الارض المحررة، لان الاساس هنا هو الشعب والدولة والارض، فكم كان الوصف الذي تصدر الصحافة "الاسرائيلية" يوم الانسحاب يقطر "اسى وندامة" من قبل المحتل "الاسرائيلي" على خروجه المذل المهين، اليس هذا ما يدعونا الى رفع التحية والاكبار لكل من قدم شهيدا وافدى بدمه وضحى بنفسه وصمد وقاوم على ذلك الموقف البطولي الذي جسده حزب الله وكل المؤمنين والشرفاء من الشعب اللبناني الصامد والمقاوم.
ومن قرأ ما كتبته صحيفة " واشنطن بوست" خلال مرحلة التقهقر التي عاشها الجيش "الاسرائيلي" المحتل، فسيتوقف مطولا امام ذلك التعبير بانها المرة الاولى التي تنهزم فيها "اسرائيل" في حرب نفسية امام الشعب اللبناني.
اننا نبارك لهذا الشعب البطل ولهذا البلد الشقيق، ذلك الانتصار الذي نامل ان يتعزز بالوحدة الوطنية وينصهر في بوتقة واحد، ويقوي من مناعته تجاه من يتربص به او يحاول الاصطياد بالمياه العكرة، فمصلحة العرب والسلام تقتضي ان نساعد لبنان في سلمه لان استقراره سيكون عاملا مساعدا لتقوية المفاوض العربي لاستعادة حقوقه. فهنيئا لكم ايها اللبنانيون هذا الانتصار وهذا التحرير ومبروك لكل الاسرى الذين خرجوا من سجون المحتل، آملين ان يتم الافراج عن السجناء الباقين داخل "اسرائيل"، فليس هناك اعز من الارض عندما تعود لاهلها ولاصحابها فنحن عانينا الامرين من الاحتلال، ونعرف ماذا تعني الحرية والارض والسيادة.
ومهما كان الامر تبقى هناك حقيقة سجلها الشعب اللبناني مرة بتاريخ الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" ترغم فيه "اسرائيل" على الانسحاب من ارض عربية محتلة دون قيد او شرط، وهذا ما يجب ان يكون درسا للبعض وعبرة لمن دأب على تقديم تنازلات دون مقابل وعلى حساب الارض والحق ولمن يريد حقيقة تحرير اراضيه المحتلة بالفعل وليس بالشعارات.
اولو الالباب
عماد السيف
القبس الكويتية
بعد نشوة حرب اكتوبر 73 المؤقتة التي قتلتها اتفاقات كامب ديفيد وبعد اندلاع انتفاضة اطفال الحجارة المباركة في الاراضي المحتلة التي قضت عليها اتفاقات اوسلو وواشنطن والاتفاقات الفلسطينيةـ "الاسرائيلية" المذلة لم يذق العرب طعم الانتصار وغابت من محياهم نظرة الفوز ولم تبتسم شفاههم ابدا في زمن الانكسار العربي وراح العرب يرثون ويصبرون انفسهم بالحديث عن زمن عبدالناصر، بل راح بعضهم الى الغوص في التاريخ العربي العظيم ليستمد منه طعم النصر والكبرياء، بل ان بعض العرب وهم في قمة انكسارهم وهزيمتهم الداخلية صنعوا من شدة ياسهم من زعماء دكتاتوريين وظالمين ابطالا من ورق ليباركوا لهم خطواتهم وانتصاراتهم الكاذبة كما فعلوا مع صدام حسين.
وان كان اغلب العرب قد قبل بقدره وسقط امام هزيمته وانتصرت عليه مشاعر الياس والاحباط وتشربت روحه بالانكسار والشعور بعدم القيمة الا لبنان، فابى لبنان واللبنانيون الا ان يكسروا هذا الطوق وينزعوا انفسهم من مستنقع الهزيمة.
لبنان واللبنانيون خرجوا من عمق الجرح العربي كالمارد وابوا الا ان يخلقوا زمنا جديدا لهم وللعرب. اللبنانيون اسقطوا اسطورة الجيش الذي لا يقهر، واللبنانيون فضحوا اكذوبة "اسرائيل" العظمى التي لا تهزم وها هم وحدهم في الميدان وجها لوجه مع العدو الصهيوني الشرس بآليته العسكرية الضخمة من حوالي اثنين وعشرين عاما لتنتهي بفرار مذل ومهين للعدو عملائه.
اللبنانيون لم يقف معهم الاميركيون من اجل خاطر نفطهم وعقدوا معهم الاتفاقيات وزودوهم باجود انواع السلاح، اللبنانيون لم يقف لهم مجلس الامن الدولي على رجل واحدة ليجبر "اسرائيل" على تطبيق القرار 425 رغما عن انفها.
اللبنانيون لا يملكون حكومة قوية وجيشا قويا يدافع عن استقلالهم ويواجه "اسرائيل" وعربدتها في جنوبهم، بل فوق ذلك فان لبنان ابتلى بشر الحرب الاهلية كجزء من المؤامرة التي استهدفت كيانه واستقلاله.
ولكن ورغم كل ذلك انتصر لبنان وخرج شامخا وارتفعت رايات النصر على ارضه واستطاعت المقاومة ان تجسد اروع ملحمة في الصمود والتصدي.
على العرب جميعا ان يعوا الدرس اللبناني جيدا، وعلى الفلسطينيين ان يعوا الدرس اللبناني جيدا، وعلينا جميعا ان نسخر جهدنا لكي نهزم داخلنا المهزوم ولنا في لبنان واللبنانيين قدوة ودرسا وعظة.
في الجنوب اللبناني عبرة لاولى الالباب.
نصر من الله
مبارك بن شافي الهاجري
الوطن الكويتية
اثبت الواقع ان القوة "الاسرائيلية" العظمى هشة ان وجدت من يقاومها، وان الانسان العربي قادر على ان يحرر ارضه المحتلة ان وجد الفرصة لمقاومة المحتل.
لقد رفضت المقاومة اللبنانية، منذ البداية، الخنوع والذل فقدمت ارواح ابنائه لدحر المعتدي وقدمت بذلك رسالة لكل الشعوب الاسلامية والعربية مفادها ان هذا العدو لا يفهم الا لغة النار والحديد.
سقطت اسطورة "اسرائيل" ومن ورائها كل من ساندها منذ قيامها، وشجعها على العدوان، لم تستخدم المقاومة اللبنانية الطائرات ولا الجيوش الجرارة لمواجهة الاعتداء وانما تسلحت بالعزيمة الصلبة والاصرار على تحرير الارض من مغتصبها. وليس هذا النصر محسوبا لاحد دون احد في لبنان، انه نصر الشعب اللبناني كله بل هو نصر للعرب والمسلمين اجمعين.
لقد عانى لبنان كثيرا من هذا الاحتلال، وتحمل العرب كلهم تبعات تلك المعاناة وجاء هذا النصر ليعيد للانسان العربي كرامته المسلوبة وايمانه المفقود بنفسه، فالف مبروك للشعب اللبناني ولنا جميعا هذا النصر.
ولم يبقى للعرب الا ان يشاركوا في هذا النصر، ويتوجوا هذه النتيجة العظيمة بالعمل على مساعدة لبنان لاعادة اعمار الجنوب، مكافأة لهذا الشعب العظيم، الذي اثبت انه قادر على الحفاظ على الكرامة العربية وان يجعلوا هذا النصر درسا لهم يتعلمون منه ان المغتصب لا تخرجه من الارض التي اغتصبها المفاوضات والالتجاء الى مسانديه لانهم مهما ادعوا الحياد، لن يكونوا الا سلاحا اخر يستخدمه هذا العدو لتحقيق مآربه.
كان الاحتلال ...
طلال سلمان
السفير
كان الجنوب الشاعر، صار الجنوب الشعر.
كان الجنوب الحزن، صار الفرح جنوبياً.
كان الجنوب بوابة الخطر، صار الجنوب ولاَّدة الحرية ورايتها وفارسها وحادي موكب النصر.
كان الجنوب خارج السياسة، صارت السياسة خارج الجنوب هرطقة وانتهازية ومنافع واتفاقات إذعان.
كان الجنوب ميدان رماية وحقل تجارب لأسلحة القتل الأميركية في يد السفاح الإسرائيلي. صار الجيش الإسرائيلي حقل رماية لتدريب الأطفال في الجنوب على قهر الخوف واصطياد الوحش وفتح الطريق أمام نور الشمس.
وكان الاحتلال يرى الجنوب نموذجا مصغرا لاحتمالات الفتنة والاقتتال الطائفي، صار الجنوب مطهراً يخلّص الضعفاء من أمراضهم وعللهم ووجوه نقصهم، ونموذجا باهرا لحلم الوطن.
كان الاحتلال... صار الاحتلال ماضيا. صارت الحرية الحاضر والمستقبل.
* * *
أخرجت الأرض بشرها، لكأنه يوم النشور، فإذا الاحتلال نثار، وإذا مرتزقته رماد.
مواكب تسابق مواكب، ومواكب تجتهد لتلحق بالمواكب. من أين تنبع هذه الملايين التي أعطت للأرض بشرة الوجوه الخضراء، والتي منحت الجبال هامات الرجال ومنحت الفرح لون النصر؟!
تتفجر الساحات بنشوة الذين استعادوا أسماءهم وجدارتهم بشرف الانتماء إلى أرضهم التي لا هي نسيتهم ولا هم أنكروها. تستعيد القرى رهجة الأعراس المنسية، يستذكر الشيوخ خطوات الدبكة، يزحمهم الفتية الذين رضعوا وعد العودة فجعلوه عهدا، وانتضوا دماءهم فهزموا الطائرات والدبابات والصواريخ والبوارج والمدربين على المجازر الجماعية والمتخصصين في علم الاغتيال الفردي.
تطلق النساء الزغاريد فيستعدن رشاقة الصبايا ولثغة الغزل وخفر العرائس، ويدور الفرح على الناس، يغمرهم ويصحبهم إلى أفيائه. ليس خارج دائرة الفرح إلا مَن باع نفسه للشيطان فباعه، وحجزه عند شريط الموت ليكون عبرة لباعة الأوطان وقتلة حلم التحرير.
انثر أسماء الله الحسنى بين الناقورة وجبل الشيخ. للشهداء شميم رياح الجنة. والقرى شهداء كما أهلها. والقرى جنان عابقة بعطر أسماء الذين أعطونا أعمارهم لنعيش أحرارا ومضوا...
لم يعد الوطن في الذاكرة. خرج الوطن من مهجع الحلم ليكتسب ملامح هؤلاء الذين استعادوه فاستحقوه.
صار الوطن، مثلهم، مثالاً وقدوة. صار أمنية وأغنية وسيفا وباقة ورد وكتابا و"أمة خلقت لتبقى". كل عربي يتباهى بأنه كان فيه أو أنه آت إليه ليتعلم فيعرف كيف تبنى الأوطان ويهزم الطواغيت.
* * *
حين أطل الفجر متعجلاً كان صنّاعه قد سبقوه، وبددوا الظلمة بأنوار عيونهم وابتسامات التشوق إلى ساعة المواجهة الحاسمة: سيخرجونه اليوم. لم تكن المفاجأة إلا في سرعة الإنجاز. لم يكن للخوف مكان أو مصدر. رحل الخائفون مع "المخيف" الذي لم يعد يخيف إلا مَن يطلب عذرا للرحيل والحصول على جواز سفر "محترم"!
تقدموا يستظلون أسماء شهدائهم ويسبقهم وهج دمائهم. فتحت الأرض التي تعرفهم واحدا واحدا قلبها وذراعيها ولفظت الألغام المزروعة في طريقهم وكشفت الكمائن ومخازن الذخيرة والدبابات والآليات التي لم تعد تفيد في حماية المذعورين فهربوا من وجه الصوت الصارخ فيهم: ماذا فعلت بأخيك؟
... لكن وزير الداخلية الإسرائيلية أشفق عليهم فوعد بأن يمنح بعضهم تأشيرات كسياح، بينما كان شارون يحاضر في الأخلاق: لا أستطيع النظر إلى عيونهم، لقد قاتلوا إلى جانبنا 25 سنة وها نحن نخونهم!!
يعرفون الخيانة في إسرائيل!
25 سنة... ها هي تندم في 25 ساعة، أمام هاته الملايين من الآتين من رحم الشهادة، يغزلون الفجر ببريق عيونهم ويصنعون عصرنا الجديد.
* * *
لم تخرج إسرائيل من الجنوب وحده. لم تخرج من لبنان فحسب. سيتوالى الخروج فصولاً، ولو بعد حين. لن ينسى عربي واحد "المعجزة" التي رآها تتحقق أمام عينيه، بالصوت والصورة، لن ينسى وجوه هؤلاء العائدين بتواضع صنّاع المجد، وبساطة الإنسان الطبيعي، غليظ الملامح، أشعث الشعر، الهادئ كجبل، الواثق من قدراته لأنه تحرر من خوفه بالمواجهة.
هذه هي الطريق، وها هو الدليل، وها هي النتيجة مشعة، بهية، ندية وتحمل ملامح النصر كاملاً بغير ادعاءات وتهويل وتبجح فارغ.
* * *
... وماذا عن هؤلاء الذين في فلسطين يسمعون ويرون المشهد كاملاً، بالعين المجردة، وينكشف لهم "الجبار" الإسرائيلي وهو ينسحب مدحوراً؟!
لا تنفع العباءة الدولية في إخفاء أو طمس واقع الهزيمة، إسرائيلياً.
ولا ينقص تواضع مجاهدي التحرير من وهج انتصارهم المؤزر.
اللعبة مكشوفة واللجوء إلى القرار الدولي مجرد مهرب من الاعتراف بالفشل في لبنان، ووسيلة لمحاصرة سوريا وإرباكها.
لكن الهزيمة فضاحة، لا يمكن سترها أو تمويهها أو وقف تداعياتها المنطقية. وها هي المقاومة تقف على "الحد" وسلاحها بيدها، وقلب "العدو" في مرمى نيرانها.
بقي أن تنتقل الدولة إلى حيث يجب أن تكون. الى حيث الوطن.
لقد حفظ المجاهدون للسلاح شرفه، فلم تقع حادثة اعتداء واحدة، ولم يتخذ أحد لنفسه حق محاسبة الآخرين من "المتعاملين" أو من باعة أوطانهم. الكل ترك للدولة ان تقوم بدور القاضي والمجازي والديّان.
لقد حرَّر الجنوب الوطن.
الآن دور الدولة في أن تحمي الوطن الذي استعاد اسمه وملامحه ووهجه واستحق أن يتشرف واحدنا بالانتماء إليه.
وحماية النصر قد تكون أخطر من تحقيقه.
والدولة، والشعب ضمنها ومعها، مطالبة بحماية مجد النصر المغزول بدم الشهداء.
شمس أخرى
السفير
نصري الصايغ
لا بد من كتابة تمارس الفوضى.
لا بد من كلمات تخرج عن سياق الجمل السياسية المألوفة. ولا بد من جنون كبير، لاستيعاب لحظة العمر العربي الذي استعدناه، بعدما فقد سنواته في ذل الهزائم.
لا بد من الشطح خارج سياق المألوف، كأن نقول مثلا:
ليس صحيحا ان الشمس تشرق كل يوم، بل الصحيح ان شمسا اخرى ستشرق غدا على لبنان.
الشمس التي كانت تعكر سماءنا منذ النكبة، كانت تصرّ على تذكيرنا بطعم الاختناق بعد وعد بلفور وخارطة التقسيم، وتلزمنا بأن نتحمل عبودية الغصة بعد النكسة في حزيران، وتقهرنا سلسلة من عذاب سياسي لا نهاية له.
الشمس التي كانت تبعثر زرقة الافق، كانت تحضر ومعها غبار الخنادق التي اختنق فيها جنود قاتلوا فانتصرت الانظمة، وسقطت فلسطين وسواها.
لا...
شمس اخرى تليق بالجنوب، تحضر غدا، تمشط قامات الشهداء، تصافح أيدي المقاومين، تزور مقام سيد التحرير حسن نصر الله، وتشد على يده، وتتبارك من عزم عمامته، وتتطهر من ألمه الذي ابتسم تبريكا عندما أنعم الله عليه بشهادة ولده.
لا بد من جنون كي نفهم ان لبنان الصغير، كان أقوى من شرطي الشرق الاوسط، وحلم "الدولة العظمى" في محميات الدول المدونة في قائمة الدول المدجنة.
لا بد من غضب وعصب، ينفض عنا القهر والذل والمهانة والهزائم والأحلام المجهظة، وينتشلنا من إحباط سكن جلودنا. ولا بد من ان نغتسل بالفرح... فها هو اليوم العربي اليتيم السعيد، الذي نشعر فيه بأن للنصر طعما يفوق اللذة ويتفوق على السعادة.
لا بد من الكتابة بغير الكلمات البريئة المنافقة. كأن نقول: سقط الورق العربي اليابس في لبنان، ولم يعد للاشجار قامة الاقزام. بل هي كالرجال الذين احتملوا وصبروا وجاهدوا وبلغوا يقين الوجد، فاتحدوا كالمتصوفة، بأرض على مذهب الصراط المستقيم، والطلقات المستقيمة.
كأن نقول ايضا: هذا الانتصار لم تصنعه انظمة أجادت في تكييف نفسها وفق البساط الذي يُمَد تحت رجليها.
كأن نقول مثلا: ان الشهداء أحياء عند شعبهم يرزقون. وان الله يسكن في الشعوب، ويستطيب الاقامة لدى حفنة قررت ان تغير ما بنفسها.
لا بد من كتابة تجتاز عتبة التفكير المرتبك، لتصل الى اليقين: فإسرائيل هُزمت، ولن يُترك الانتصار لثعالب الكواليس، كي يصاغ بعد ذلك، اتفاق شبيه بأوسلو أو بكامب ديفيد.
كفانا قهرا... فعمر هذا القهر الذي ينتابنا، قرون عربية، ليس فيها من العروبة، الا قشرة الكلام، ومساحيق الماضي، وفكاهة الواقع المرة.
لا بد من آية... فالجنوب معجزة الشهداء والرجال الذين حسبوا ان الجنة تحت أقدام الجنوب.
والآية ابتدأت، مع الذين قاتلوا إسرائيل، منذ اكثر من ربع قرن، على دفعات تليها زرافات، الى ان بدأ الاحتفال بالعمليات الاستشهادية النوعية.
فغداً، تشرق شمس اخرى إذاً، وتزور قبر نزيه القبرصلي، وتحمل لنا باقة من دم عروس الجنوب سناء محيدلي، واخرى من لولا عبود، وطائفة من المؤمنين والمؤمنات، بأن العرس الذي حضّروا له شهادتهم، امتثل امس بكامل رجولته وأنوثته، في لحظة التحرير.
ربما نحتاج الى أيام وأيام، كي يهدأ فينا هذا الفرح الساحر، هذا الفرح المفقود منا غصبا عنا، هذا الفرح المشتاق الى ان نبكي بدموع فرح حقيقية، تملأ كأس العشق للوطن... حتى إغفاءة السكر.
ربما لم يحضر بعد، وقت التحليل، فالجنون هذا، لحظة تساوي ألف ساعة من بلادة النظم الباردة، التي لا تنتعش الا عندما تعقلن هزيمتها، وتبررها بالواقعية المدسوسة.
لا بد من جنون حقيقي، كي يصدّق التاريخ ان لبنان هزم إسرائيل... أما الجنون الأعظم، فتلك اللحظة التي تجد فيها إسرائيل، انها دائما مطارَدة، والكابوس الذي ألزمتنا به، استعادته، وصار ينام معها في أسرة الجنود المذعورين.
نصـــــر عــــزيز
الراية القطرية
الشكر لله تعالي واجب علي كل عربي ومسلم بالنصر العزيز الذي تحقق علي قوات الإحتلال الصهيوني في جنوب لبنان. والتحية والتقدير والاحترام من كل عربي ومسلم ومن كل مناضل رافض للظلم والاحتلال في أي مكان علي وجه الأرض للمقاومة اللبنانية الباسلة التي حققت هذا النصر المبين. قبل 22 عاما كانت الصورة قاتمة ولم يكن أكثر المتفائلين يعتقد أن الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان يمكن أن يخرج يوما. واذا خرج فسيكون ذلك بشروطه هو التي تذلنا وتهيننا أكثر مما نحن فيه. اليوم وبعد هذه السنوات الطوال خرج الجيش الذي لا يُقهر بإرادتنا نحن وليس بارادته هو وبشروطنا نحن وليس بشروطه هو.
إسرائيل اذا احتلت أرضا فإنها لا تتركها بسهولة بل مقابل ثمن باهظ. فماذا حدث في جنوب لبنان حتي تهرب قواتها تحت جنح الظلام وفي حماية وابل كثيف من النيران لتأمين هروبها المهين الذليل؟
انها بطولة المقاومة.. انه الجهاد.. دم الشهداء.. الجحيم الذي نصبه حزب الله لقوات الاحتلال.. النيران التي حاصرتهم وجاءتهم من كل ركن ومن كل اتجاه وخرجت من تحت كل حجر. إسرائيل التي هزمت جيوشا عربية نظامية في أكثر من حرب لم تضع رجال المقاومة الذين لا يملكون السلاح ولا العتاد في حسبانها بل وتعاملت معهم باستهتار وكانت تظن أن عملية واحدة تقوم بها قواتها ستقضي عليهم جميعا ولا تبقي لهم أثرا. ولكنها فوجئت بنوع جديد من الرجال مسلحين بالايمان مؤمنين بفريضة الجهاد وببذل أغلي ما يملك الانسان وهو روحه وماله وولده في سبيل الله. انهم رجال يتنافسون علي الاستشهاد، لا فرق بين كبير وصغير، قائد وجندي.. انها آية الجهاد التي تجلت من قبل في أفغانستان فكان النصر المؤزر علي القوة العظمي الثانية في العالم، وتجلت في الشيشان في حربهم الأولي ضد روسيا، وهي اليوم تعطي نفس النتيجة في جنوب لبنان.
إسرائيل لن تنسي أبدا هذا الدرس الذي لقنته لها المقاومة في جحيم الجنوب اللبناني. أما العملاء الخونة أتباع العميل الأكبر انطوان لحد فيكفي ما يحدث لهم من خزي وعار خلال هذه الأيام.
فقد تخلت إسرائيل عنهم، لأنهم أصبحوا بلا فائدة لها حيث استنفدت أغراضها منهم ولم تعد في حاجة إلي خيانتهم فتركتهم يواجهون مصيرهم المؤلم. انهارت قوات ما يسمي بجيش لبنان الجنوبي في لحظات لأنهم بلا مبدأ ولا هدف ولا نصير، انما كانوا مجرد لعبة توظفها إسرائيل لخدمة أغراضها الخبيثة.. هل الباحثون عن سلام بتقبيل أيادي المحتل.. وهل الواقفون علي بابه يطلبون التطبيع هل يأخذون درسا بليغا مما حدث في جنوب لبنان؟
في مطلق الأحوال بين هيكل ولبنان
علي حجيج
الراية القطرية
عندما التقي الكاتب محمد حسنين هيكل بقائد المقاومة اللبنانية السيد حسن نصر الله منذ أشهر قليلة في بيروت قال له قائد المقاومة مخاطبا: بماذا تنصحنا يا أستاذ هيكل بوصفك انسانا له تجربة ثرية وواسعة، وتملك من الرؤية والمعطيات ما يؤهلك لهذا الموقف، وحيث كان الجدل مستعرا في حينه عن التسوية وآفاق نجاحها الفعلي، ومصير المقاومة والمآل الذي يجب ان تسير عليه بعد استتباب السلام المنشود، اجابه هيكل علي الفور معترضا ومندهشا علي صيغة السؤال: مَن أنا يا شيخ حسن لكي انصحكم فأنتم الآن الذين بإمكانهم ان ينصحوا ويرشدوا الأمة كلها، وانتم الذين تملكون مقومات هداية هذه الامة، فيكفيكم فخرا هذه الانتصارات المتتالية التي تحققونها صباح مساء علي العدو الاسرائيلي في لبنان، وأردف هيكل كلامه ناصحا قائد المقاومة بالقول: نصيحتي يا شيخ حسن ان لا تستشيروا احدا ولا تركنوا لمستشارين فاعملوا الذي تعتقدون انه صواب لنهجكم وعملكم.
واختتم هيكل مخاطبا قائد المقاومة قائلا: لقد قابلت زعماء وقادة عظماء خلال حياتي الطويلة هذه فهل تسمع بخرتشوف وكاسترو وديغول قال له نصر الله نعم: اضاف هيكل كل هؤلاء كنت انظر اليهم من فوق الي تحت إلا انت اسمح لي ان انظر اليك من تحت الي فوق احتراما وتقديرا لأنكم رفعتم رأس الأمة وحققتم ما كان حلما منشودا لكل عربي وامنية لكل مسلم في العالم.
طبعا الوقوف عند هذه الحادثة ليس المقصود منها اصباغ القدسية علي احد، وليست ايضا هدفا مقصودا من هيكل نفسه وهو الرجل صاحب الخبرة الواسعة في السياسة والاعلام، بل لأن هيكل الذي يختزن بداخله موقفا واضحا من العدو الاسرائيلي وهو الذي عايش الحلم الناصري وكان معبرا عنه خير تعبير ومترجما لأفكاره وبرامجه الواعدة. بل لأن هيكل ذاته يعلم ان الشيخ نصرالله نفسه قدم نجله البكر علي مذبح الشهادة والقضية، وعندما احتجزت اسرائيل جثته اعلن انه لن يطالب بجثمان ابنه إلا بعد تسليم آخر جثمان وأسير محتجز لدي اسرائيل، هذا من الوجهة الانسانية اما من الوجهة الفعلية فإن الرجل معجب ويقدر هذا الأداء الشرس والرائع لرجال المقاومة الذين ينزلون بصفوف الجيش الاسرائيلي كل يوم القتلي والجرحي.
ان الفرح الذي عبر عنه اللبنانيون امس بكل فئاتهم وطوائفهم وطبقاتهم وألوانهم السياسية المتعددة ما كان ليظهر بهذه الوحدة الجلية لولا تلك الضربات الموجعة القاسية التي فرضت علي قادة اسرائيل ان يذعنوا للأمر الواقع ويلجأوا الي تفكيك مواقعهم وترسانات اسلحتهم المتطورة من جنوب العرب كما اطلق عليه يوم امس نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني، ويسقط حلم ديفيد بن غوريون اول رئيس وزراء في اسرائيل، عندما اطلق صحيته الشهيرة اعطوني الدولة العربية الثانية التي توقع الصلح مع اسرائيل والأولي موجودة في جيبي، وعندما سئل بن غوريون عن الدولة العربية الأولي المهرولة للتوقيع والسلم مع اسرائيل بسهولة قال بن غوريون انها: لبنان .
لم تكن لبنان الدولة الأولي التي توقع مع اسرائيل، بل كانت الدولة العربية الأولي التي تدحر العدوان والاحتلال بعد استمراره أكثر من ربع قرن علي أرضه وان الحلم الذي كان قد كشف عنه موشيه شاريت وزير خارجية اسرائيل في أواخر الخمسينات عن ان اسرائيل تفتش عن ضابط لبناني برتبة ضابط وجدته بعد ثلاثين سنة اي في نهاية السبعينات بالخائن سعد حداد ثم باللواء انطوان لحد ولكن الاثنين رحلا واحد اصبح في القبر والآخر نجا بأعجوبة من رصاصات المناضلة سهي بشارة في عقر داره، والآن اصبح لاجئا مع أعوانه بين اسرائيل وباريس.
سقط الحلم الاسرائيلي الذي كان يراهن عليه قادته، وانتصر الحلم اللبناني المصر علي الحياة والمصر علي دحر العدوان مهما كلف من تضحيات والدليل علي ذلك زغرودات نسوة لبنان والفرح الطاغي الذي عبر عنه اهله في يوم انتهاء الاحتلال البغيض.
في مطلق الأحوال تظل وجهة نظر هيكل المنزهة عن التقديس لأي انسان، هي احترام لنهج اكد صوابيته حفنة من الرجال الذين عاهدوا الله علي الشهادة من أجل الحق، ولأنه يعتقد ان لبنان الصغير هذا دفع ضريبة كبري فاقت ما قدمه العرب مجتمعين في الصراع العربي الاسرائيلي.
اسرائيل·· حيوان جريح
فضل النقيب
الاتحاد الاماراتية
قال المحلل العسكري لصحيفة هآرتس العبرية زيف شيف: للمرة الأولى في تاريخنا نمنى بهزيمة من عدو في إطار الحرب النفسية·· وأضاف: إن درجة تحمّل اسرائيل وصلت على ما يبدو الى درجة متدنية على الرغم من ان عزيمتها ستواجه المزيد من الاختبارات في المستقبل·
وكان بذلك يعلق على الانهيار الصهيوني الحاصل في جنوب لبنان والذي يشبه الانهيار الأميركي في فيتنام الذي لا تزال تداعياته النفسية وأشباحه تعاود الأميركيين مع كل معركة يخوضونها مجددا خوفا من أن يعيد التاريخ نفسه·
وفي الحالتين أثبت الانسان المؤمن بقضيته والمستعد للتضحية من أجلها وفق مبدأ اطلبوا الموت توهب لكم الحياة بأنه قادر على الحاق الهزيمة بأي قوة معتدية بعض النظر عن موازين القوى على الأرض، لأنه في الأخير لا يصح إلاّ الصحيح، وما بُني على باطل يتحول الى هباء منثور، شأن عملاء اسرائيل الذين تركتهم في العراء، حيث أرادتهم كلاب حراسة لتغطية انسحاب جنودها، فانهارت معنوياتهم، وقد أدركوا انه اذا كان الجيش الذي لا يقهر!! قد ولّى الفرار، فكيف يمكن لحفنة معزولة تنخرها مشاعر الخيانة أن تصمد في الميدان·
ونسبت صحيفة واشنطن بوست لمحللين اسرائيليين قولهم ان جنود الاحتلال يتخذون موقفا دفاعيا مهينا، ونادرا ما يتركون قواعدهم الحصينة في الجنوب اللبناني في اشارة واضحة الى حالة الذعر التي يعيشها هؤلاء الجنود قبل الرحيل·
وتحسبا للتداعيات والاسقاطات المستقبلية للهزيمة الصهيونية أشارت الـ واشنطن بوست الى الهواجس الاسرائيلية من ان الانسحاب بغض النظر عن الاعتبارات الاستراتيجية سيتم تفسيره في العالم العربي على انه علامة ضعف ودليل على ان اسرائيل تتراجع أمام استخدام القوة·
ان هذا التلبيس للحقائق لن يفيد كثيرا إلاّ اذا أجهض العرب بأيديهم وعقولهم مقدرتهم على قراءة هذا الحدث واستنتاج ما ينبغي استنتاجه عسكريا ونفسيا وتفاوضيا، ذلك ان تجليات جنوب لبنان ليست سوى صفحة مشرقة واحدة من مجلد الصراع المفتوح المليء بالصفحات السوداء والاستحقاقات المطلوبة·
وينبغي التنبه والتوقع ان العدو وجريا على عادته المألوفة سيحاول التشويش على هذا الانتصار بعملية التفافية توجه أساسا الى النفسية العربية لإظلام هذا الهامش من الضوء الذي حصلت عليه·
ان اسرائيل اليوم مثل حيوان جريح تبحث عن أي شيء تنقض عليه سواء في الأراضي المحتلة أو مواقع الجيش السوري أو البنية التحتية اللبنانية وما الشهداء المدنيين اللبنانيين الذين سقطوا امس الأول في مهرجان الفرح بالتحرير سوى الشاهد على التعطش الاسرائيلي للدم العربي·
من المجــالس
عادل محمد الراشد
الاتحاد الاماراتية
لم نتعود على مشاهدة ادبار الجنود الصهاينة منذ ان قامت لليهود دولة في فلسطين· فقد جرت العادة على ان الجيوش العربية هي التي تولي مدبرة، فتترك الارض العربية نهبا لجحافل اليهود· وفي المرة الوحيدة التي أمسكت فيها الجيوش العربية بزمام المبادرة، في اكتوبر 1973، عادت السمسرة السياسية لتبطل مفعول تلك المبادرة، فتحدث في الجيش ثغرة، خربت على النفس العربية الشعور بالانتصار·
اليوم، في لبنان، يولي الجنود الصهاينة الدبر، امام زحف الشعب اللبناني، بمقاومته الباسلة، وصموده الفذ، فيبدو المشهد معاكسا للعادة، ومختلفا عما سبق· فلحظة الانتصار حانت، وآهالي جنوب لبنان يملأون فراغ القوات الاسرائيلية المدبرة، ويتولون أمر الميليشيا العميلة المنهارة، ويقتربون من حقيقة ان الصهاينة يمكن ان يتنازلوا عن أرض احتلوها، اذا شعروا بدرجة غليان هذه الأرض تحت اقدامهم، وليس كما جرت العادة منذ ان وطأت اقدام اليهود فلسطين قبل قرابة المائة عام·
هذا المشهد المهيب يدعونا الى الوقوف للتأمل في الذات، واعادة ترميم الثقة بالنفس، واسترجاع التاريخ·· كحقائق، لا كقصص تهرب اليها النفوس الجريحة بحاضر الانكسارات الى التعلق بماضي الانتصارات· والتاريخ يعود اليوم ليسجل على صفحة لبنان كيف تزحف جحافل المؤمنين لتهزم بايمانها جيشاً عرمرماً، مجهزاً بأعتى الاسلحة، ومدعوماً من أكبر دول العالم، وتحدث بهدير عزائمها ما عجزت الجيوش عن احداثه بجنازير آلالاتها·
لبنان يأخذ بيد الامة ليحتفل معها بالانتصار في صورة تدعو الى تجديد الاحتفالات، وعلينا جميعا ان نلبي الدعوة فنختلط مع أهالي الجنوب، ونتصدر مشهد الزحف الى القدس·· ولكن نرجو الا تتدخل هذه المرة أيضاً أيادي أصحاب الحلول الوسط فتفسد علينا جميعا نشوة الشعور بالانتصار·
لبنان وأجواء النصر
البيان الاماراتية
في غمرة الفرحة بأجواء النصر التي يعيشها العرب جميعا هذه الأيام وهم يشاهدون قوات الاحتلال الاسرائيلي تنسحب صاغرة من قرى الجنوب اللبناني المحتل بعد فترة احتلال دامت اثنين وعشرين عاما, يدرك الجميع حجم حاجتنا نحن العرب إلى هذه الأجواء التي لم تعشها الأمة في تاريخها المعاصر منذ حرب أكتوبر عام 1973.
فتحية لرجال المقاومة اللبنانية وشهدائها, وتحية لأهل الجنوب اللبناني الصامدين الذين استطاعوا أن يعيدوا بعث هذا المعنى في النفوس, لنرى اسرائيل وهي تقف موقف المهزوم والمأزوم لحظة الخروج من المستنقع الذي وضعت نفسها فيه قبل عشرين سنة وكانت تظن انها في نزهة لتكشف لها التجربة عكس ذلك, ولتثبت لها روح الشهادة التي يتمتع بها رجال المقاومة ان هناك عروقا ما زالت تنبض في الجسد العربي الذي ظنت به مواتا. لقد استطاعت المقاومة أن تثبت لهؤلاء الصهاينة القضاء على الاحتلال وعملائه وتثبت خطأ الحسابات والرهانات الاسرائيلية القديمة التي وضعها بن جوريون بشأن اصطناع مجموعة من العملاء في الجنوب اللبناني يتولون أمن اسرائيل. وحتى لا تنسينا الفرحة بالنصر أهمية استشراف معالم المرحلة المقبلة علينا أن نؤكد على ضرورة استمرار الاجماع الوطني اللبناني غير المسبوق لمؤازرة المقاومة والوقوف خلفها في حالة شبه نادرة. ولعل لبنان مطالب أكثر من أي وقت مضى بالتيقظ للغم العملاء الذين يشكلون طابورا خامسا تظهر أصواته على استحياء تارة وصريحة تارة ثانية في محاولة لبعث فتنة نائمة - لعن الله من أيقظها - بين اللبنانيين بعضهم من بعض من جهة وبين لبنان وسوريا من جهة أخرى. وهذه الأصوات إنما تطرح أجندة اسرائيلية مكتوبة بمداد اسرائيلي وبأبجدية صهيونية ويتعين على جميع القوى الوطنية في لبنان وأدها في مهدها. كما يتعين على الدولة اللبنانية ألا تنساق وراء دعوات تكبيل المقاومة بدعوى ان دورها انتهى بعد رحيل الاحتلال ذلك ان دورها لا يزال مطلوبا بعد عملية الانسحاب التي لم تتم بعد بشكل نهائي, حيث تفضله اسرائيل انسحابا ملغوما ومفخخا ومصحوبا بالتهديدات والمراهنة على خلق أجواء الفتن التي ترى فيها تربة خصبة لتحقيق أهدافها العدوانية.
أبجديات
عائشة إبراهيم سلطان
البيان الاماراتية
بعد ان كلفهم الاحتلال مليارات الدولارات ومئات الجنود, اعترف الاسرائيليون اخيرا بهزيمتهم وانسحبوا من قرى الجنوب اللبناني ممهورين بالخيبة والهوان, وبالسقوط في الفراغ واللاجدوى, ومع كل خسائر الجنوب وشهدائه الاطهار فإن قتلى الجنوب في الجنة وقتلى اولئك في النار.
ما هو طعم الحرية؟ وما شكل الوطن المحرر في العيون؟ وما شعور هؤلاء اللبنانيين الذين قذفت بهم الحرب والاحتلال الى الغربة والمنافي وشوارع الدنيا القاسية؟ هل يعرف غير الغريب طعم الغربة والبعد عن رائحة الام والعائلة ورفاق الطفولة؟ وهل يعاني غير المنفي شعور الصقيع في منفى الانفصال عن الوطن؟ اسرائيل تحسب خسائرها خلال 22 عاما من سيطرتها على الجنوب بالدولارات وارتال الدبابات والسيارات المصفحة التي فجرتها المقاومة, وبعدد القتلى الذين ذهبوا للجحيم ثمنا للصلف والعنجهية وعقدة اللاوطن واللاجذور, اما أهل الجنوب وأهل لبنان فحساباتهم مختلفة تماما, خاصة اولئك الذين رحلتهم الحرب وقذف بهم الاحتلال الى خارج جغرافيا الجنوب. انهم يحسبون العمر الذي مضى وانكسر, والاحلام التي اغتيلت, والايام التي لن تعود, والآباء الذين لن يعودوا والاخوة الذين لن ترجع زغاريد الانتصار اصواتهم ووجوههم ومشاكساتهم الحميمة. سألت لبنانيا جنوبيا قضى من العمر في الغربة بمقدار ما استباح الصهاينة من سنوات في الجنوب: هل تشعر بالفرح اليوم وانت ترى الاسرائيليين وعملاءهم يتهاوون بكل الخيبة والهزيمة؟ اجاب وهو الذي آثر إلا ان يبقى قابضا على خريطة الجنوب في كفه جمرة حق, وفي قلبه شعلة عشق وقبضة ياسمين, ليس الفرح هو ما اشعر به فقط, انني أتأرجح بين الفرح والحزن بين الغضب والقهر, بين الامل والضياع. واسأله: ضياع ماذا؟ فينفجر: ضياع العمر في الاغتراب. يا كل العرب, ويا كل اللبنانيين: جنوبكم يتحرر, فهل هو حلم؟ انه الحلم الاشبه بالاساطير, الحلم الوحيد الملون والصارخ بلون النجيع ونسغ الحياة, ورائحة لا يمكن ان تشم مرتين! رائحة الانتصار على عدو اشيع طويلا بأنه لا يقهر, انتصار يتلبس به وطن ويمعن به انتشاء رجال ونساء لم يناموا منذ اكثر من عشرين عاما إلا على مأتم ولم يصحوا إلا على قتلى واصوات طائرات تقصف الحياة بشهية اكلي لحوم البشر. لكنني وانا اتابع اخبار التلفزيونات والصحف أتلذذ بطعم الفرح الذي نسيناه منذ انتصارات العاشر من رمضان 1973, شعرت وكأن هناك من سيصادر كل هذا الانتصار لنفسه, وليس لأحد بعينه فضل الانتصار منفردا, ان الحكومة اللبنانية, وشباب المقاومة الوطنية وحزب الله, وامهات الجنوب الصامدات ورجال الجنوب الصابرين رغم الفقر والحاجة, واطفال الجنوب الذين كبروا اعواما على مشاهد المآتم والجنازات والتوابيت, وصبايا الجنوب اللواتي اغتيلت حكايات عشقهن وافراحهن برصاص الصهاينة وكل الذين ساروا في مسيرات الفرح ونثروا الارز والزغاريد على رؤوس الرجال, كل اولئك حاكوا اسطورة الاحتلال التي ذهبت ادراج الرياح, هذا الانتصار الذي يجب ألا يجير لأحد حتى لا تعود افعى الطائفية تنفث سمومها في لبنان من جديد. * أما انتم ايها المقاومون فنظفوا بنادقكم وابقوها معلقة على اكتافكم, ذلك ان زيت الحقد الاسرائيلي لا ينضب ابدا.
الهروب السريع!!
الرياض السعودية
يصعب على محلل سياسي أو مراقب للأحداث, ألا تبهره صلابة الموقف اللبناني, وقوة مقاومته, لأنها درس لكل عربي شهد تطورات ما يقرب من ربع قرن على احتلال إسرائيل للجنوب, واعتباره الحاجز الطبيعي لأمن شمال فلسطين, ولعل تجارب فيتنام التي خاضت عدة حروب ضد دول غازية, وبجانبها عملاء ضد السيادة الوطنية, وكذلك الجزائر, وحكومة فيش في فرنسا التي ظلت خاضعة للرايخ ضد الإرادة الوطنية, وغيرها الكثير, أثبتت أن المقاومة والتضحيات الكبيرة, وهي عنوان التحرر والاستقلال..
فلبنان الذي عاش حالات الانكسار والتسليم لإسرائيل, وطرح خيار السلام عنوانا لجأت إليه مختلف الحكومات بمبدأ واقعية الحل الذي جعل الحرب أو المقاومة مستحيلتين, أفرز لبنان كظاهرة طبيعية مجسدا مقولة أو شعارا عربيا غائبا "أن ما يؤخذ بالقوة, لا يسترد إلا بالقوة" والأمر لا يتعلق بهروب إسرائيل في احتفالات تشبه الأعراس لجنودها, وهم يغادرون مستنقع الموت, لكنها صورة أخرى لعودة المهجرين اللبنانيين لقراهم وأرضهم, وهروب عملاء جيش لحد, الذين كانت إسرائيل تعتقد أنها خلقت منهم مقاومة مضادة في حالة انسحابها, دون أن تدرك أن أحد مصادر الرعب والجبن أن تكون عميلا منبوذا لدولة أجنبية, ومرفوضا من قبل أهلك وشعبك, لأن المأزق لا يتعلق بحالة تقديرات خاطئة, بل بمبادئ مزيفة أقرب للارتزاق, والارتهان لحلم غير قابل للتحقيق, ولعل تطور الأحداث وانتكاسة العدو ومرتزقته, أثبتا أن لبنان سجل شهادة تاريخية مهمة للأمة العربية, ستطرح بعدها على الصراع العربي ـ الإسرائيلي, وبشكل خاص مع الفلسطينيين الذين ستغريهم, وتفرض عليهم أسلوب المقاومة كحل جذري, دون الالتفات لتراكم القرارات وحوارات الأضداد بين طرفين مختلفين في كل شيء..
وإذا كانت إسرائيل التي تجرعت المرارة, لن تسكت على الهزيمة, فالدور أصبح للتسلح بقوى أخرى مثل الضغوط الأمريكية على العرب, أو استخدام أسلوب الضرب من بعد بافتعال حالات من ردود الأفعال, لكنها, بالمقابل لن تحصل على أمن يقوم على التصالح بلغة السلام المجردة, والموضوعية, لأن المحيط العربي, مهما ظلت أسباب النكسات, سيبقى هاجسها والطوق الذي يحاصرها بقوة الجغرافيا, والتكاثر السكاني..
معيار القوة أغرى بريطانيا أن تكون امبراطورة العالم, ولكنها خرجت خاسرة لتعود الى جزرها مجرد دولة ثانوية, معتمدة على نظرية انقلاب التاريخ, والأمر ذاته ينسحب على أمريكا ومختلف مراكز القوة التي رأت أن مبدأ القهر بمنطق عسكري, أو ضغط سياسي صار من مخلفات الحرب الباردة, وإسرائيل في قناعتها أنه لا توجد طرق أخرى للسيطرة على العرب إلا بالاعتماد على حماية دولة عظمى, لكن ذلك لن يدوم طالما أصبحت سيادة المصالح قوة قاهرة, وأن لعبة الأمم باتت رمزا من فرضيات قديمة, وهنا حدود الفهم الواقعي لطبيعة سلام يحفظ للجميع حقوقهم في المنطقة, أو ديمومة الصراع بأشكال مختلفة.