ثلاث سنوات على "انصارية":

محمد عطوي

العهد 15/9/2000


مشهد من النصر ومخرز الهزيمة

جلّ ما اتذكره بعد ثلاث سنوات على مواجهة انصارية البطولية، اني كنت نائما وايقظني رنين الهاتف باكرا. كان مدير التحرير يدعوني للحضور سريعا الى مكاتب العهد. ولم يضف أي تفاصيل، لكني ادركت ان ثمة حدثا ما قد حصل.. ويجب ان يكون من الجنوب.

     .. انصارية ـ البلدة لا نعرفها ـ في الخطوط الخلفية، تدخل على خريطة المقاومة مجددا، والحدث على ارضها كبير، اذا لم يكن الاهم في تاريخ المقاومة الاسلامية، فما جرى هو اعدام جماعي لقوة عدوانية صهيونية من النوعية الخاصة، كانت تعبر بساتين البلدة لتنفيذ عمل عدواني (لم يكشف النقاب عنه حتى الان) واذ بها تقع في شرك نصبته لها المقاومة الاسلامية، والنتيجة بدأت بمقتل معظم افراد القوة من ضباط مظليين متخصصين بالمهمات القتالية خلف حدود فلسطين المحتلة، ومن ثم القضاء على روح المبادرة والفعل في تكتيك العدو ضد المقاومة. بعدما كادت هذه النظرية تعود الى الحياة على يدي قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال آنذاك عميرام ليفين.

     والى هاتين النقطتين البارزتين في النتائج الكبيرة لواقعة انصارية.. امور كثيرة ليس اخرها هروب جنود العدو مذعورين خائفين من لبنان، حتى انهم لم يجرؤوا على النظر خلفهم، فربما تراءت لهم فروة رأس الجندي "ايتمار ايليا" التي غدت رمزا لهزيمة العدو في انصارية.

     اقل من ساعة وننتقل الى مقر الوحدة الاعلامية لحزب الله، وهناك نشاهد بقايا من جثث جنود العدو واسلحتهم التي تشظت على ارض المواجهة، تعرض امام عدسات الصحافيين، عندها لمسنا حجم الهزيمة التي لحقت بقوات الاحتلال، وانها بالفعل كما قال رئيس حكومة العدو السابق بنيامين نتنياهو "واحدة من اسوأ المآسي في تاريخ "اسرائيل" فقدنا خلالها افضل عسكريينا".

     ساعات قليلة وكنت وزميلي المصور في ارض المواجهة، في بلدة انصارية، وكان سبقنا الى هناك الكثيرون ممن استيقظوا على صوت ازيز الرصاص. وايضا لافتة كبيرة "ارضنا مقبرة للغزاة الصهاينة".

     ما شاهدناه في انصارية ـ وغدونا شاهدين عليه ـ هو ارض سوداء وجذوع اشجار كانت لا تزال تحترق، ورصاصات فارغة خلفها المقاومون، وما رأيناه ايضا كان طفلا صغيرا يبحث بين الحجارة السوداء فيجد قطعة من جثة جندي صهيوني حملها بغصن شجرة صغير، وكأنه كان يرفعها للعالم اجمع، هذا هو مصير من يفكر بغزونا، يأخذها منه اخر ويذهب بها بعيدا.

     لم ننم ذلك اليوم، كما الكثير من اللبنانيين، ربما لاننا لا نريد ان نطبق جفوننا على مشهد النصر الرائع.. وفي الجهة الاخرى من الجبهة، الكثيرون من ضباط العدو وقادته لم يناموا ايضا، فمخرز "انصارية" كان يوخز عيونهم. وربما الى الان لا زال يغرز تلك العيون.

امير قانصوه

 

سييريت ميتكال: القوة التي اعدمتها المقاومة الاسلامية في انصارية

في اعقاب فشل التكتيك العسكري الذي كانت تتبعه القيادة العسكرية الاسرائيلية في مقارعة المقاومة اللبنانية، القائم على اساليب الرد العشوائي، عمد الكيان الصهيوني الى استخدام تكتيك عسكري يقوم على مبدأ "العمليات الخاصة" التي تقوم بها "وحدات خاصة" هدفها ايقاع خسائر مادية وبشرية كبيرة. وقد قامت "اسرائيل" باتباع هذا الاسلوب عندما شنت غارة على قرية "انصارية" في جنوب لبنان بواسطة "وحدة خاصة"، لكنها منيت بفشل ذريع.

     وتدعى الوحدة الخاصة الاسرائيلية بـ"سياريت متكال"، وهي تخضع لامرة هيئة الاركان العامة في الجيش الاسرائيلي، ممثلة برئيس الاركان ونائبه.. وتعتبر رأس الحربة العسكرية المباشرة له. وقد جرى تشكيل وحدة "سياريت ميتكال" في حدود العام 1967، حيث اعتبرت منذ بداية تشكيلها وحدة خاصة جدا وبالغة السرية، ويتلقى عناصرها تدريبات ومهارات مختلفة، مثل تدريبات المظليين والكوماندوس وحرب العصابات، وتدريبات الطيارين ايضا، وهي المسؤولة عن تخريج ابرز المسؤولين الاسرائيليين الذين يحتلون مراكز القيادة السياسية والامنية داخل "اسرائيل"، ومنهم ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي، وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، وداني ياتوم رئيس "الموساد" السابق.

     ولهذه الوحدة علاقات خاصة مع سلاح الاستخبارات الاسرائيلية، وهي المسؤولة المباشرة عن القيام بعمليات امنية خلف خطوط  الدولة اليهودية. فعلى سبيل المثال، شاركت هذه الوحدة في تفجير الطائرات في مطار بيروت بطلب من رفائيل ايتان الذي قاد العملية انذاك، وقامت ايضا بتنفيذ "عملية فردان" في نيسان 1973، حيث قتل فيها بعض القادة الفلسطينيين، وعملية اقتحام طائرة "سابينا" في مطار اللد.. وكذلك قامت بتنفيذ عملية عينتيبه في أوغندا عام 1976، وعملية اغتيال أبو جهاد عضو اللجنة المركزية في حركة "فتح" في تونس.

     وفي الخامس من تشرين الثاني العام 1992، كانت هذه الوحدة تجري تدريبات مكثفة تعد خلالها لتنفيذ مهمة اغتيال الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، وقد جاء الاعلان عن المناورة ومقتل الجنود الخمسة ليسلط الضوء على ما يخطط له الاسرائيليون.

     والجدير بالذكر ان هذه الوحدة تتلقى اوامرها مباشرة من المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغّر المسؤول عن الشؤون الامنية، والذي يضم رئيس الوزراء و "وزير الدفاع" وبعض الوزراء، كوزير الخارجية والداخلية والمالية وآخرين.

تدريبات "الوحدة الخاصة"

     تتلقى "الوحدة الخاصة" الاسرائيلية التدريبات الاتية:

     1ـ السير الحثيث المتواصل مسافة 120 كلم.

     2ـ الهبوط بالمظلات، ثم يسير المظلي سيرا سريعا يقطع خلاله مسافة 32 كلم.

     3ـ استراحة بعد التمرين السابق مدتها نصف ساعة، ثم الجري مجددا والمظلي يحمل السلاح والعتاد الميداني اللازم في طريق تغص بالحواجز، كجدران الاسمنت التي يصل ارتفاعها الى مترين، والاسلاك الشائكة.

     4ـ تسلق الجبال العالية واجتياز كل الموانع التي قد تعترض المظلي اثناء عمله.

     5ـ صعود تل رملي ناعم تغوص فيه الاقدام، وبلوغ قمته خلال 12 دقيقة.

     6ـ تدريبات الهبوط الليلي والنهاري فوق الرمال والصخور وفي البحر، وتدريبات الملاحة الليلية.

     7ـ الهبوط بطائرات هليكوبتر، والهجوم كوحدة مشاة ميكانيكية بواسطة العربات المصفحة (نصف مجنزرة) على مواقع دفاعية ومحصنة.

     8ـ تدريبات الاستطلاع والتغطية والحماية بكثافة متزايدة. وبعد ان يتم المظلي كل هذه التدريبات، يحصل على "اشارة المظلي" التي ترمز الى اجتيازه اعمال التدريب بنجاح.

انواع غارات "الوحدة الخاصة"

     قامت "الوحدة الخاصة" بالغارات التالية في لبنان وخاصة في جنوبه:

     اولا: غارات انتقامية ردا على عملية سابقة للمقاومة اللبنانية، او نشاط مضاد للعدو الصهيوني.

     ثانيا: غارات وقائية ينفذها الاسرائيليون لاحباط الاستعدادات العسكرية للمقاومة اللبنانية والحيلولة دون تنفيذها.

     ثالثا: غارات منهجية تهدف الى تدريب القوات الاسرائيلية الخاصة وتـأهيلها لتنفيذ واجباتها في صورة عملية.

     رابعا: غارات لاختطاف الاسرى من المقاومة الاسلامية.

     وهنا نذكر الغارة الاسرائيلية التي نفذت لاختطاف الحاج الديراني.

     خامسا: غارات للاستيلاء على وثائق مهمة من المقاومة اللبنانية.

     سادسا: غارات لتدمير اسلحة ووحدات المقاومة.

     واما حجم القوة التي كانت تنفذ الغارة ضد المقاومة اللبنانية، فيتراوح عادة بين الجماعة والسرية. وقد يصل احيانا الى مستوى الكتيبة او اللواء.

التكتيك العسكري لـ"الوحدة الخاصة"

     كان تكتيك الغارات الاسرائيلية ضد المقاومة الاسلامية يتنوع بتنوع الاسلحة التي تستخدمها القوة التي تنفذ عملية الاغارة. وبرغم وجود بعض الحالات التي تشارك فيها صنوف عدة من القوات في غارة واحدة، الا ان كل صنف له تكتيكه الخاص في تنفيذ الغارة في لبنان، كما ان غالب الحالات التي نفذت فيها الغارات الاسرائيلية كانت ملقاة على عاتق صنف واحد من دون غيره، فإما اغارة بوحدة مظليين تستخدم المروحيات، او بوحدة كوماندوس بحري تستخدم زوارق الانزال والمروحيات، كما حدث في الغارات الاسرائيلية على قرية انصارية في جنوب لبنان.

     واما التكتيك العسكري الذي يستخدمه الاسرائيليون في اغارة وحدة المظليين المنقولة بالمروحيات، والذي غالبا ما كانت تستخدمه "اسرائيل" في غاراتها في اعماق لبنان وفي العالم العربي، فيمكن وصفه بالاتي (كما حدث في الغارة لاختطاف الديراني):

     1ـ تقلع المروحيات من منطقة التحميل، (القاعدة العسكرية).

     2ـ تسلك المروحيات خطا للطيران عادة بين الاودية وعلى ارتفاع منخفض لتتلافى الكشف الراداري.

     3ـ تبقى الوحدة على اتصال لاسلكي مع نقطة المراقبة الخاصة التي تكلف بقيادة العملية، ويتم اختيار هذه النقطة عادة في احد المرتفعات التي تقام فيها مراكز التنصت اللاسلكي والكشف الراداري لاجواء لبنان التي تنفذ الاغارة في مجالها.

     4ـ عند الوصول الى منطقة الانزال (في المناطق اللبنانية المستهدفة)، يجري انزال العناصر والعتاد.

     5ـ تقلع المروحيات الى منطقة انتظار في حين تبقى واحدة او اكثر في جو منطقة الانزال لمراقبة المنطقة وانذار مجموعة "التخريب" عن مصادر النيران العادية (المقاومة اللبنانية).

     6ـ يتم اختيار مناطق الانزال عادة على السفوح الخلفية للمرتفعات التي لم تحتل بالقوات، حيث توفر هذه المناطق الامن للمروحيات والعناصر اثناء الانزال، كما تؤمن رصد المنطقة ورصد هدف الاغارة.

     7ـ تكون منطقة الانزال عادة على مسافة 3 ـ5 كلم من هدف الاغارة اذا كانت المهمة تقتصر على قصف الهدف بمدافع الهاون، وقد يكون الانزال على مشارف الهدف اذا كانت الاغارة بالاشتراك مع قوات برية وبدعم الطيران العسكري.

     8ـ لدى اقتراب قوات للمقاومة اللبنانية من منطقة الانزال، فان الحوامات تتصدى لها باستخدام صواريخ جو ـ ارض، حيث تزود كل طائرة بحاضني صواريخ، اضافة الى استخدام الرشاشات. كما لا يستبعد ان تكلف بمهمة الحماية حوامات تحمل صواريخ مضادة للدبابات من قوام قوة الاغارة.

     9ـ اما الحماية الجوية فتؤمن عن طريق الطيران الحربي الليلي المناوب من دون خرق خط الجبهة، مع الاستعداد للتدخل عند توجه الطيران العربي الى منطقة الاغارة.

عناصر نجاح عملية "الوحدة الخاصة"

     يعتقد العسكريون الاسرائيليون ان عناصر نجاح عملية الوحدة الخاصة ضد المقاومة اللبنانية تتكون من الاتي:

     اولا: الانتقاء الجيد لعناصر الاغارة وقائدها ممن تتوافر فيهم اللياقة البدنية الجيدة والشجاعة في مجابهة الخطر، والمستوى التدريبي الممتاز، والمبادرة والجرأة في اتخاذ القرار.

     ثالثا: دراسة طبيعة ارض المنطقة وما تتطلبه من اسلحة وتجهيزات وعتاد، وما تستوجبه من اساليب تكتيكية للعمل عليها.

     رابعا: اختيار منطقة مشابهة لمنطقة الهدف لتدريب مجموعات الاغارة، واجراء تجارب عدة في صورة اقرب ما يمكن الى الجو الحقيقي المتوقع.

     خامسا: تحديد وقت تنفيذ الاغارة، مع الاخذ في الاعتبار العوامل الجوية وضوء القمر ونظام عمل المقاومة اللبنانية ليلا، والفترة الضرورية للتنفيذ.

     سادسا: المحافظة على سرية التحضير لعملية الاغارة، وعزل العناصر التي ستقوم بالتنفيذ خلال فترة تحضيرهم.

     سابعا: تدريب مجموعات الاغارة على التصرف ازاء احتمالات كشف عناصر المقاومة اللبنانية لاعمالهم في كل مرحلة من مراحل الاغارة، وتنظيم التعاون بينهم وفق هذه المراحل والاحتمالات. ويرى الاسرائيليون ان الاثر المعنوي الذي يتركه نجاح الاغارة يفوق في خطورته كل اثر مادي، لا سيما عندما تكون اهداف الاغارة واقعة في العمق اللبناني. كما يرون انه بمقدار ما يساعد نجاح الاغارة في احباط الروح المعنوية للخصم، فإن فشلها يترك آثارا سلبية على معنويات الجيش الاسرائيلي. لذا فإن الاعداد الجيد للغارات والتنفيذ الدقيق لها والانسحاب المضمون، هي من الامور الاساسية التي توجه لها شعبة العمليات في الجيش الاسرائيلي جلّ اهتمامها.

     والجدير بالذكر، ان معظم غارات "اسرائيل" في لبنان لا تهدف الى القتل، وانما الخطف، وذلك للحصول على معلومات عن المقاومة اللبنانية وللمقايضة ايضا.     واما اذا اضطرت الوحدة الخاصة الى القتل خوفا من هروب الهدف (عنصر المقاومة)، فانها ستفعل ذلك.