ملف اعدام العميل عقل هاشم وتداعياته


شكل نجاح المقاومة الإسلامية في توجيه ضربة قاصمة لميليشيا العملاء ومن ورائها لجيش الاحتلال من خلال إعدام العميل عقل هاشم كارثة بكل معنى الكلمة للعدو الذي لم يستطع إلا أن يعبر عن حجم الخسارة التي حلّت به من جراء هذا الضربة ، والتي تلتها مباشرة " صفعة العزية" والتي تمثلت بقتل ثلاثة جنود صهاينة وجرح أربعة آخرين حسب اعتراف العدو نفسه .

فيما يلي بعض التحليلات والمواقف  والمقابلات التي تناولت هذين الموضوعين حسبما وردت في صحف لبنانية

 

المقاومة تطيح برأس العملاء والإجراءات العسكرية للصهاينة والعدو يتخبط سياسياً وأمنياً (العهد4/2/2000)

"ضربتان على الرأس وبهراوة غليظة". بهذه الجملة وصف مصدر سياسي مطلع عمليتي المقاومة الاسلامية بحق "رأس حربة" العملاء عقل هاشم، وموقع العزية في الجنوب المحتل. وعندما تسال المصدر المطلع، رأس من تقصد هنا؟ يجيب قائلا: بالطبع رأس المحتل الاسرائيلي. ويتابع كلامه: اعرف دافع السؤال، وهو لماذا لم اقل رأس العملاء ورأس الصهاينة. والجواب واضح ايضا، ويتمثل في كون المصروع من العملاء ليس عنصرا عاديا، بل هو من اصحاب الرتب العالية في العمالة. بكلام آخر، حتى العملاء، وإن اشتركوا في جنس العمالة، الا انهم يتمايزون في الرتب، وبالتالي في المواقع والادوار، فثمة عملاء تبلغ درجة عمالتهم مرتبة لا تستطيع ان تفرق بينهم وبين من يعملون لحسابه، ولذا فإن وصف الصهاينة لعقل هاشم بالشريك كاشف عن هذه المرتبة، كما ان درجة الالم والاسف والمرارة التي ابدوها، كاشفة، بدورها، عن ان عقل هاشم لم يكن يقل صهيونية عن الصهاينة انفسهم، بل لا نغالي اذا قلنا انه يتفوق، بحقده على اهله وناسه، على الصهاينة انفسهم، فالعميل يجمع في نفسه بين صفتي الخيانة والارتداد. فالعدو عدو، لكن العميل مرتد وعدو. ويتابع المصدر السياسي المطلع تعليقه قائلا: ان ما حدث لا يمكن عده إنجازا عاديا، فهو إنجاز خارق لاكثر من اعتبار، اهمها التالي:.

اولا، ان في كلتا العمليتين إنجازا امنيا رفيعا، حيث ان كلتيهما وقعتا في عمق القطاع المحتل، وفي المواقع التي يصنفها الصهاينة بالمواقع الآمنة نظرا لدقة وحجم التدابير والاجراءات الامنية المتخذة فيها..

من هنا، وضعت المقاومة الاسلامية كل هذه التدابير والاجراءات، القديم منها والجديد، بل ووضعت ايضا كل التقنيات المستحدثة على هذا الصعيد موضع تساؤل وتشكيك كبيرين، ومن ثم اعادت تأكيد المعادلة التاريخية للصراع بين الحق والباطل، والتي تقول بأن لا شيء يقف امام ارادة وهمة وعزيمة على مقارعة الباطل مهما كانت قوة هذا الباطل، ومهما كانت قدراته. وبالتالي اعادت المقاومة تأكيد الحجة في وجه كل الراغبين في اسقاط سلاح المواجهة تحت عناوين من قبيل الخلل في موازين القوى وسواها، كاشفة ان هؤلاء انما يقرأون بعين واحدة، لانهم لو قرأوا بعينين اثنتين لكان لزاما عليهم تخلية سبيل شعوبهم في مواجهة العدو الاسرائيلي..

هذا في جانب، وفي جانب آخر، فإن المقاومة نجحت ايضا، وبما يشبه السحر، في تلقف كل ادعاءات المؤسسة العسكرية الصهيوني التي عمدت مؤخرا، عبر لسان رئيس اركانها شاؤول موفاز، الى التباهي بنجاح تدابيرها الامنية في تقليص ضربات المجاهدين الى "النصف"، وذلك في مسعى واضح لاعادة الاعتبار المعنوي الى هذه المؤسسة التي نخرتها عمليات المقاومة الى العظم، فالتباهي بات غرورا اجوف بفعل عمليتي المقاومة، ولا ريب في ان قادة المؤسسة العسكرية سيلوذون الى كتبهم ودفاترهم لإعادة تقويم ما جرى، والاقرار الضمني بأنهم تسرعوا في دعواهم، وبأنهم كان عليهم الانتظار اكثر..

ثانيا، لا ريب في ان مصرع "عقل" سيترك فراغا كبيرا، سواء بالنسبة للعملاء، او بالنسبة للصهاينة. و"عقل" ليس عميلا عاديا يمكن تعويضه بسهولة في صفوف لحد، فهو من الشخصيات ذات الباع الطويل في التعاطي مع الشؤون الامنية، ومع الصهاينة، كما انه من الذين كانوا يباشرون الكثير من القضايا الحساسة، الامر الذي سيؤدي ضعضعة هذه الميليشيا وإفقادها توازنها اكثر فأكثر، وتزعزع ثقتها بنفسها، وكذلك ثقة الصهاينة بها، لا سيما اذا ما اخذنا بعين الاعتبار النقطة الحساسة التي بلغتها هذه الميليشيا بفعل ضربات المقاومة المستمرة، الامر الذي سيلقي اعباء جديدة على جيش العدو، في الوقت الذي كان يحاول فيه منذ مدة التخفيف من وجوده شيئا فشيئا وصولا الى الانسحاب..

من هنا، سيجد العدو الاسرائيلي نفسه، شاء او ابى، في موقع مضاد تماما لاستراتيجيته المتبعة مؤخرا، وإن كان من الصعب تصور امكان اجرائه اعادة نظر جذرية على هذا الصعيد، لاعتبارات كثيرة، سياسية وميدانية..

ثالثا، ان التأمل في ردود الفعل الاسرائيلية يقود مباشرة الى تلمس حجم الضيق الاسرائيلي من تلقي هذه الضربة الموجعة، وفي هذه المرحلة بالذات، حيث ان باراك، كما بات معروفا، يمر بوضع داخلي غير مريح، ويتعرض للكثير من الضغوط، سواء تلك المتعلقة بالمفاوضات مع سوريا، او تلك المتعلقة بالفضائح التي اخذت تلاحقه وحزب العمل مؤخرا، فضلا عن مشكلاته داخل الحكومة. من هنا، فإن عمليتي المقاومة لا بد من ان تضيفا عنصرا ضاغطا عليه، لا سيما لجهة تفعيل مسألة الانسحاب في جنوب لبنان عبر تفعيل التساؤل حول جدوى استمرار وجود الجيش الصهيوني في الجنوب..

رابعا، لقد نجحت المقاومة ايضا، في تثبيت امرين رئيسين لهما، خصوصا في هذه المرحلة، اهمية استثنائية هما:.

أ- ان المقاومة ما زالت تحتفظ بزمام المبادرة وعلى اعلى مستوى من الأداء والجهوزية، واستطاعت بالتالي أن تستوعب بسرعة كل تكتيكات العدو الجديدة، وتجاوزها بسرعة ويسر..

ب- ان عمليات المقاومة خارج أي اعتبارات سياسية تفاوضية او غير تفاوضية، وان الاعتبار الوحيد الذي تخضع له هو الاعتبار الميداني، وانها عندما تجد هدفا صهيونيا او عميلا في متناول يدها لن تتوانى عن التعامل معه بسرعة، ومن ثم فإن المقاومة ماضية في عملياتها حتى النهاية فارضة على العدو خيارا من اثنين:.

إما الانسحاب المذل غير المشروط، وإما الموت الزؤام، وهي بذلك تعيد التأكيد على انها لن تقبل بأقل من الانسحاب الكامل، ولن تسمح بالتفريط بأي شبر مهما صغر من الارض..

وفي ذلك رسالة واضحة الى العدو الاسرائيلي، الذي سعى مؤخرا للتلاعب بالحدود الدولية، في محاولة منه لتحويل الارض الى موضوع للتفاوض..

وتختم المصادر السياسية المطلعة كلامها: ان المحصلة الميدانية والسياسية لعمليات المقاومة لا تدع مجالا للشك بأن الادعاء الاسرائيلي في إحداث تغيير جذري في الوضع الميداني قد سقط بالضربة القاضية، كما ان تناقض ردود الفعل الاسرائيلية يكشف حجم التخبط السياسي والميداني للصهاينة، فهم من جهة، لا يستطيعون تصنيف عمليات المقاومة خارج "تفاهم نيسان" للتذرع بالقيام بعمليات واسعة تطال البنى التحتية او سواها من الاهداف المدنية، كما انهم لا يستطيعون المضي بعيدا في ردود فعل يمكن ان تقود الى انهيارات شاملة للكثير من الاعتبارات السياسية الداخلية والاقليمية والدولية. كما انهم يعلمون تماما ان المقاومة لن تسكت، فهي تعرف كيف ومتى وأين ترد، اذا ما جمح قادة الصهاينة في انفعالاتهم العدوانية، ولذا فمن المتوقع ان يعمدوا الى امتصاص ما حصل، بالرغم من جموح المؤسسة العسكرية للقيام برد فعل يعيد إليها الاعتبار، ربما بانتظار ما ستؤول إليه الامور على الصعيد السياسي لا سيما في النطاق الاقليمي.< وليس وصف باراك لعمليات حزب الله بأنها "رشقات وداعية قبل نزع سلاحه"، الا محاولة مكشوفة للتخفيف من وطأة ما جرى، ودعوة ضمنية للصهاينة للتحلي بالصبر. ( )

 

"صالح" و"يوسف" يتحدثان لـ"العهد" عن لحظات تنفيذ العمليتين البطوليتين

هكذا اخترقنا إجراءات العدو، وأعدمنا العميل هاشم وقتلنا الجنود في "العزية" (محمود ريا - العهد 4/2/2000)

تقارب الموعدان، فكان الصدى قويا، وإن كان لكل موعد وقعه الخاص ونكهته المميزة، ونتيجته التي ستترك اثرها الى مدى طويل..

اقل من اربع وعشرين ساعة بين الفعل الاول، أي طي كتاب العمالة للمجرم عقل هاشم مع ما يفرزه ذلك من تغييرات ميدانية على صعيد وضع الميليشيا العميلة المنهارة اصلا، وبين الفعل الثاني أي اقتناص جنود العدو داخل حصونهم التي احتجزوا انفسهم بها هربا من القضاء المحتم الذي سيطالهم على ايدي مجاهدي المقاومة الاسلامية..

ومع تسابق المواعيد، وتمازج النتائج، كان لا بد من ان يكون اللقاء مزدوجا، حيث يحكي كل واحد عن فعل يديه، مكبرا في الاخر حجم جهاده، متمنيا لو كان معه، ليكون مشاركا في هذا الحدث العظيم..

بعد ترتيبات وإجراءات، قام بها الاخوة المعنيون على اكمل وجه، حصل اللقاء، ولدى كل واحد قصة يحكيها ويكتفي، نحاول ان نلاحقه بالاسئلة، لنعرف المزيد عن هؤلاء الابطال الذين اذلوا العدو وأذاقوه وعملاءه مر الموت، فيجيب بثقة هنا، وباختصار هناك، وأحيانا يقتصر رده على ابتسامة، واعتذار عن عدم القدرة على التوغل بعيدا في بحر المعلومات، الذي يملك منه الكثير، ولا تسمح له دقة عمله وحرصه على نجاحه بأن يبوح منه الا القليل..

صالح ويوسف، مجاهدان، احدهما كان له دوره الفاعل والاساسي في عملية إعدام العميل عقل هاشم، والثاني كان دوره المحوري ايضا في عملية اصطياد ضباط العدو وجنوده في مواقع العزية، التقتهما "العهد" في مكان ما، وكان هذا الحوار:.

إعدام العميل هاشم.

نبدأ من الاخ صالح الذي نسأله عن دوره في عملية اعدام العميل عقل هاشم فيجيب:.

كان لي دور تنفيذي في العملية اضافة الى دور آخر يتعلق بالرصد الدقيق لها..

كم استغرق التحضير لهذه العملية؟.

لقد اخذ منا التحضير لهذه العملية وقتا طويلا، حيث كان هناك رصد دقيق ومكثف لحركة العميل هاشم، فتم رسم صورة واضحة وشاملة لمسار تحركه الذي كان يتبدل بشكل دائم، وبعد فترة طويلة من الرصد، تم تحديد نقاط المقتل التي يكون تنفيذ العملية فيها ناجحا تماما، وبعد ذلك اختيرت النقطة المناسبة التي تؤمن مقتله وجرى اعداد الكمين ووضع العبوة الناسفة على هذا الاساس..

ولكن ألم تعانوا من عقبات اثناء القيام بعملية الرصد هذه؟.

اذا اعطينا صورة مجملة لموقع تنفيذ العملية يمكن معرفة حجم الاجراءات الامنية التي تجاوزناها ونحن نقوم بالاعداد لهذه العملية، فبلدة دبل تبعد كيلومترين اثنين فقط عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وهي محاطة بالعديد من المواقع التابعة للفوج الـ80 في ميليشيا العملاء اضافة الى مواقع تابعة للعدو الصهيوني..

وبالتحديد، فإن بلدة دبل تبعد اقل من 500 متر عن موقعي حميد والقوزح، كما تبعد حوالى 800 متر عن موقعي الجاموسة ورشاف..

وإضافة الى ان هذه المواقع تشرف بالرؤية على بلدة دبل، فإن العدو وعملاءه يملكون اجهزة الكترونية متطورة هدفها مراقبة التحركات في المنطقة ورصد كل شاردة وواردة..

وفوق كل هذا، فإن المنزل الذي كان العميل هاشم يقطنه يحتوي على تجهيزات الكترونية مماثلة اضافة الى الحراسة الدائمة القائمة عليه..

هذا هو وضع المنطقة، وهذه هي ظروفها الامنية، وبينما كان عقل هاشم يعتقد ان هذه المنطقة آمنة جدا بالنسبة إليه، كنا نحن نبذل الجهود المطلوبة منا لاختراق الخط الامامي وتجاوز كل هذه العوائق، ومن ثم الوصول الى المكان الذي استطعنا منه رصد تحركات هذا العميل بشكل دقيق، وتحديد طبيعة المنزل الذي يتردد إليه، حيث تبين انه منتزه يلتقي فيه الضباط الصهاينة و"الضباط" اللحديون، ويستخدمه لاستراحته من فترة الى اخرى، ولكن ليس في مواعيد محددة، ما جعل عملية رصده وتحديد وجوده في المنزل لحظة تنفيذ العملية خطوة معقدة، تمكنا بحمد الله من تنفيذها بنجاح، لتأتي النتيجة كما كنا نخطط..

هل هناك ظروف أخرى فرضت اختيار هذا المكان بالضبط لتنفيذ العملية؟.

نعم، فنحن كنا حريصين على اختيار نقطة بعيدة عن المدنيين، ولذلك كان موقع المنتزه مناسبا جدا، بسبب عدم وجود أي منازل حوله، كما ان حركة المواطنين امامه قليلة جدا، وهذا ما ينفي احتمال اصابة أي مدني في العملية..

بصفتك واحدا من الذين شاهدوا العميل هاشم للمرة الاخيرة قبل اعدامه، هل تصف لنا وضعه؟.

كان العميل هاشم يتحرك بشكل طبيعي، ويبدو عليه الاطمئنان، معتمدا على وجود الاجراءات الامنية التي تحميه، وحسب ما شاهدناه فهو كان يجهز "الكانون" لشواء اللحم، وكأنه ينتظر احدا، فشوته العبوة في الدنيا، وبعثته الى نار الجحيم في الاخرة..

يلاحظ في شريط الفيديو ان العميل هاشم كان كثير الحركة، فهل شكل ذلك صعوبة اضافية لكم؟.

بالفعل، فالعميل هاشم كان يغتنم وجوده في ذلك المنتزه من اجل التنزه، وبالتالي فهو لا يبقى واقفا في مكان واحد لفترة طويلة، وكذلك نحن انتظرناه حتى وصل الى نقطة المقتل، حيث بات قريبا جدا من العبوة، ففجرناها، وكانت القاضية..

هل اصيب احد آخر في هذه العملية؟ لقد روجت بعض وسائل الاعلام ان بعض اقرباء العميل اصيبوا، فهل هذا صحيح؟.

ما استطع تأكيده هو انه لم يُصب احد من المدنيين بأذى خلال هذه العملية، كما اؤكد ـ من خلال المراقبة الدقيقة ـ ان ابن العميل هاشم كان في المنزل خلال تفجير العبوة، ونحن كنا حريصين جدا على ان لا يصاب ابرياء خلال هذه العملية، وقد حققنا هذا الهدف بحمد الله..

يتحدث قادة العدو عن عبوات جديدة يستخدمها المجاهدون في عملياتهم، فهل هذه العبوة منها؟.

تعتمد المقاومة الاسلامية على مبدأ التطوير الدائم لقدراتها القتالية، سواء على مستوى التكتيكات او على مستوى الوسائل المستخدمة في العمليات، وقد ظهر ذلك في اكثر من مرة، والعبوة التي قتلت العميل هاشم تأتي في اطار هذا التطور..

لحظة تفجير العبوة، ماذا حصل؟.

بمجرد تفجير العبوة الناسفة سقط العميل على الارض، وقد تأكدنا من مقتله لأنه بقي دون حركة لفترة طويلة، وقد اقترب ابنه الذي كان داخل المنزل وسمعنا صراخه طالبا النجدة، لكن احدا من الحراس لم يجرؤ على التقدم الى حيث العميل قبل مرور نصف ساعة من تنفيذ العملية..

ما هي مشاعرك في لحظة تأكدك من اعدام العميل المقبور؟.

لقد احسست بأننا انتقمنا لكل الذين ارتكب هذا العميل جرائمه بحقهم، وهم كثر بلا شك في مختلف المناطق، اضافة الى شعوري الاساسي بأني اديت التكليف الموكل إلي، وهذا هو الاهم..

عملية العزية.

الاخ يوسف كان مستمعا بإصغاء الى الحوار الدائر مع الاخ صالح، ولما التفتنا إليه كان التأثر باديا على وجهه، ولا سيما عندما سمع الاجابة الاخيرة، حيث احس انها جاءت بلسما لشوقه الكبير الى المشاركة في عملية اعدام العميل هاشم، فهو ايضا ادى تكليفه وبالتالي يحق له ان يشعر بالراحة..

نبدأ بالسؤال: لا نسمع كثيرا بموقع العزية، فما هي طبيعته، وما هي قصته؟.

موقع العزية هو موقع صهيوني اقامته قوات الاحتلال بداية التسعينيات في عمق المنطقة المحتلة، وهو يبعد عن المطلة حوالى كيلومترين اثنين، ويشرف على مناطق عدة في المنطقتين المحتلة والمحررة، كما يسيطر على الممرات والاودية الموصلة بين المنطقتين، وهو موقع مدعم ومجهز بأحدث التجهيزات الالكترونية ويضم اجهزة رؤية ليليلة وأجهزة رادار لكشف الافراد، وتتمركز حوله العديد من دبابات الميركافا لحمايته، كما ان العدو ينفذ كمائن دائمة في محيطه، وهذا يعني ان من الصعب جدا الوصول الى هذا الموقع، سواء بسبب بعده عن المنطقة المحررة، او بسبب التجهيزات التي يحتويها..

امام كل هذه الوقائع، كيف استطعتم الوصول الى هذا الموقع واصطياد جنود العدو فيه؟.

لقد استغرق التحضير لهذه العملية وقتا طويلا، وطويلا جدا، حيث استطعنا خلال هذه الفترة مراقبة تحركات العدو بقوة، ومعرفة كل التفاصيل اللازمة عن الموقع، وعن الجنود الذي يخدمون فيه والذين يدخلون اليه والذين يخرجون منه، كما استطعنا تحديد ماهية الاجراءات الامنية المتبعة والاجهزة الالكترونية المستخدمة، كل هذه المعلومات مكنتنا من وضع الخطة اللازمة لتنفيذ العملية في الوقت المناسب وتحقيق اقسى الخسائر في صفوف العدو والعودة بسلام، وقد نفذنا هذه الخطة بدقة، وحصلنا على النتيجة التي عملنا لأجلها والحمد لله..

هل كانت مجموعتكم هي الوحيدة التي عملت على تنفيذ العملية؟.

لقد كان هناك العديد من المجموعات التي شاركت في تحقيق هذه النتيجة، وكل واحدة منها كانت تقوم بالدور المطلوب منها، وكانت هناك مجموعة قريبة جدا من الموقع، وهي التي استخدمت الاسلحة الصاروخية لضرب الدشمة الرئيسية عند التأكد ـ من خلال الرصد الدقيق ـ من وجود عدد كبير من جنود العدو في هذه الدشمة في تلك اللحظة..

لقد اعترف العدو بمقتل ثلاثة جنود وجرح أربعة آخرين، هل تعتقد أن هذ هو الرقم الحقيقي للاصابات؟.

لقد تأكدنا من وجود سبعة جنود في الدشمة خلال توجيه اسلحتنا إليها، كما ان اصابات اخرى وقعت خلال قصفنا للدشم الأخرى، ما يعني ان هناك اصابات اكثر من التي أعلن العدو عنها، وربما اعلن العدو قريبا عن مقتل عدد من الجنود في حوادث سير او من خلال صعقهم بالكهرباء..

الى أي حد ترى انكم وفقتم في تحقيق الهدف الذي سعيتم إليه في هذه العملية؟.

لقد اتبع العدو في الفترة الاخيرة استراتيجية جديدة تتمثل في سحب الجنود الى المواقع، ومنعهم من الحركة داخل الشريط المحتل وذلك لتجنب وقوع اصابات في صفوفهم، كما استخدم احدث الاجهزة التقنية والالكترونية لحماية هؤلاء الجنود، وحصن المواقع بشكل يفوق التصور، واعتقد ان كل هذه الاجراءات قادرة على تحقيق هدفه في تقليص لائحة القتلى في صفوف قوات العدو..

ما حصل في هذه العملية اننا استطعنا ملاحقة جنود العدو الى مواقعهم المحصنة واختراق الاجراءات الامنية والالكترونية، وتوجيه ضربة صاعقة لهؤلاء الجنود، وقتل عدد كبير منهم..

بالمقارنة يتبين اننا استطعنا تحقيق هدفنا، ومنعنا العدو من تحقيق اهدافه، وهذا بالضبط ما كنا نريده من عمليتنا وقد تحقق..

 

إعلام العدو يصف عمليات المقاومة الإسلامية بأقسى الضربات

رأينا يداً ثابتة على الزناد تستطيع إيصال الصاروخ الى داخل الدشمة (العهد 4/2/2000)

"الصاروخ دخل من نافذة الدشمة وقتل الجنود الثلاثة"، "رأينا يدا ثابتة على الزناد"، "الفضيحة"، "ضربة شديدة"، "اقسى الضربات" و"الحل الوحيد هو الخروج من هناك"..

هكذا كان صدى عمليات المقاومة الاسلامية الاخيرة في وسائل اعلام العدو المختلفة، التي اجمعت على لسان مراسليها ومن استضافتهم على انها ضربة قاسية جدا..

ومن جديد عاد الاعلام الصهيوني ليضج بتصريحات قادة العدو المطالبين بالانسحاب من لبنان فورا..

هنا مقتطفات من التقارير التي اوردتها وسائل الاعلام الصهيونية عن العمليات الاخيرة..

تلفزيون العدو (القناة الثانية):.

يتضح من التحقيقات الاولية التي اجرتها قيادة المنطقة الشمالية ان قافلة عسكرية بقيادة قائد القطاع الشرقي تفقدت احد المواقع في المنطقة الامنية، ودخل عدد من جنود القافلة نقطة الاستطلاع في الموقع، حيث توجد نافذة خاصة لمراقبة المنطقة. في الوقت نفسه شرع افراد حزب الله بإطلاق صاروخين مضادين للدبابات من نوع تاو (المتطور) باتجاه نقطة الاستطلاع، حيث مكث الجنود لاستخدام جهاز اللاسلكي. وأدى سقوط الصاروخين عن طريق النافذة الى مقتل الجنود الثلاثة واصابة اربعة آخرين بجراح..

 القناة الثانية 20/1/2000 :في جنوب لبنان .. من المنتصر؟ جيش الاحتلال او حزب الله

هذا العنوان كان لتقرير مصور بثه التلفزيون الصهيوني القناة الثانية منذ اكثر من عشرة ايام (20/1/2000) وذلك لمناسبة قرب ذكرى مقتل قائد وحدة الارتباط في الجيش الصهيوني العميد ايرز غيرشتاين العام الماضي..

في هذا التقرير تناول المراسل العسكري للمحطة "روني دانئيل" موضوع الاجراءات التي اتخذها الجيش الصهيوني والتي خفضت عدد القتلى الصهاينة خلال العام الماضي حيث ان تناقص عدد قتلى جنود العدو اصبح انتصارا لوحده دون قتلى جنود ميليشيا لحد او العدد المتزايد لعمليات المقاومة الاسلامية خلال العام المنصرم، حيث اعترف التقرير نفسه بذلك (1408 عمليات)..

تحدث في هذا التقرير عدد من ضباط وجنود الاحتلال كان ابرزهم قائد المنطقة الشمالية اللواء "غابي اشكنازي" الذي تفاخر كثيرا بتكتيكاته الجديدة التي كانت وراء تخفيض عدد الاصابات في صفوف جنوده وكذلك رئيس اركان جيش العدو "شاؤول موفاز"..

مما قاله "اشكنازي": "... بإمكاني القول الان انه قد طرأ تحسن في المجالات الاستخبارية، كما اصبح لدينا فهم اكثر في ما يتعلق بطبيعة عمل حزب الله وكيفية العمل ضده ومواجهته.."..

ومما قاله "موفاز": في الماضي قاموا (الجيش الصهيوني) بإجراء تقديرات للاوضاع وفكروا وطبقوا داخل المنطقة الامنية وسائل تكنولوجية متطورة، ولكن هذه المرة كانت هناك انطلاقة على مستوى اعلى بكثير"..

بعد عشرة ايام فقط دمرت المقاومة الاسلامية تكتيكات واجراءات "موفاز" التي طالما تغنى بها مؤخرا وعطلت وسائله الالكترونية العالية المستوى..

يطرأ سؤال "بريء" للخائب "موفاز" ومن معه: من المنتصر في جنوب لبنان؟ جيش الاحتلال او حزب الله؟.

الجواب بالتأكيد صدح في "عين دبل" وزغرد في موقع "العزّية" قبل ايام..

والى لقاء جديد مع تكتيكات جديدة وتكنولوجيا جديدة.

تلفزيون العدو (القناة الاولى):.

(المراسل العسكري ألون بن ديفيد) : هذا حادث قاس للجيش، اعتقد انه في الايام الاخيرة رأينا يدا ثابتة على الزناد وتستطيع ايصال الصاروخ الى داخل الدشمة..

ويشير الى انه اثناء جنازة العميل عقل هاشم "لم يكن هناك أي مندوب اسرائيلي بعد التحذيرات حول امكانية قيام حزب الله بعمليات على الاسرائيليين الذين يحضرون الى هناك"..

وزير العدل الصهيوني يوسي بيلين:

 "حتى الان لا يجود علاج فعلي يمنع وقوع اصابات على ما يبدو.. والحل الوحيد هو الخروج من هناك"..

عضو الكنيست داني نافيه:

"على رئيس الحكومة اعطاء تعليماته لقائد الاركان وللجيش الاسرائيلي بالاعداد للانسحاب الاحادي الجانب من لبنان"..

تامي رشيف (ضابط استخبارات سابق في جنوب لبنان):

 حينما لخص الجيش الفترات السابقة قال ان عدد القتلى قد قل، ولكن المؤشرات الاخرى تنشير الى ارتفاع كبير اسميه الفضيحة، اذ ان مدى نسبة العمليات ضدنا ازداد الضعفين وان شهر تشرين الثاني كان الذروة، أي 120 مقابل 50 عملية منذ تشكيل المنطقة الامنية وهذه السنة 1200 عملية مقابل 800 سابقا. كما ان العمليات ونوعيتها ازدادت، والتسلل الى العمق ازداد ايضا بشكل يدعو الى القلق، وقد اثبتت جميع المعايير اننا لم نقلل من عدد الاصابات في الجيش كما لم يطرأ ارتفاع على نسبة الاصابات في صفوف حزب الله، أي اننا فقدنا السيطرة على الوضع الميداني..

يتوجب علينا الانسحاب، واعتقد ان البقاء هناك لا يحمي المناطق الشمالية بل على العكس من ذلك، انها تزيد من تفاقم وضعها الامني"..

صحيفة "هآرتس":.

الجنود الجرحى والقتلى كانوا انتقلوا من المطلة الى العزية يرافقون قائد المنطقة وقائد وحدة المظليين "890" الذي كان في مهمة في المنطقة..

صحيفة "هآرتس" (زئيف شيف):

 تلقى "جيش لبنان الجنوبي" احدى اقسى الضربات في تاريخه بمقتل احد قادته الذين واكبوه منذ نشوئه، العقيد عقل هاشم، الزعيم والقائد البارز بعد لحد، وذلك بعبوة ناسفة وضعها حزب الله (..) كل الدلائل تظهر ان العملية كانت موجهة ضد هاشم مباشرة، وذلك بسبب المواد المتفجرة التي تم استخدامها وبسبب توقيت العملية الذي حدد في اليوم الذي يمكث فيه هاشم في بيته في اجازة، مما يدل على المتابعة المستمرة لتحركاته..

هآرتس 1/2/2000 :عبوات جديدة مميتة

يعتقد مسؤولون رفيعو المستوى في الجيش الاسرائيلي ان عبوات ناسفة جديدة تستعمل في المنطقة الامنية في جنوب لبنان ضد قوات الجيش الاسرائيلي وحلفائه، قد تكون مميتة اكثر من كل ما سبقها..

ويبدو ان هذه العبوات الجديدة قادرة على اختراق دروع الحماية المستعملة لحماية دشم المواقع الامامية للجيش الاسرائيلي و"جيش لبنان الجنوبي" في المنطقة الامنية..

ففي الاسبوع الماضي، عندما اصابت قذيفة فورتار موقعا اماميا للجيش الاسرائيلي، قتل العريف رفائيل زانغويل (24 عاما) على الفور..

ويعتقد القادة العسكريون ان العبوات الجديدة موضوعة ومنتشرة في الحزام، وهي تستعمل منذ الاسابيع الماضية والعبوة تنفجر في الهواء ناشرة أجساما معدنية مما يزيد من فاعليتها المميتة..

والنوع الجديد من المتفجرات يعتقد بأنه يحتوي على مواد شديدة الانفجار وتستخدم حشوة جديدة ومميتة وتوسع اطار الانفجار الى قطر اكبر..

وقد تم استبدال الحشوات الجديدة ذات الفعالية الاكبر بالحشوات القديمة التي كانت تحتوي على كرات معدنية، كما يعتقد القادة الذين يضيفون انه تم استبدال الكرات المعدنية بأجسام معدنية اخرى غير محددة مما يزيد من فاعلية الحمولة المميتة..

ومن الثابت نظريا ان العبوات الجديدة هي نتيجة سلسلة من الاختبارات لحزب الله في ضرب قوات الجيش الاسرائيلي و"جيش لبنان الجنوبي" مؤخرا، مما دفع بقيادة مقاتلي حزب الله الى اعادة تقويمها..

وتفيد مصادر الاستخبارات ايضا ان حزب الله يعمل على نشر (استشهاديين) في الحزام الامني كما يخطط لهجومات نوعية بهدف إلحاق دمار وخسائر فادحة..

كما ان حزب الله حصل مؤخرا على صواريخ مضادة للطائرات صينية الصنع تتخطى قدراتها بكثير الصواريخ الروسية المحمولة على الاكتاف التي كانت تستعمل سابقا..

صحيفة "معاريف" (امنون دنكز):

 "تلقت اسرائيل وجيش لبنان الجنوبي، ضربة شديدة باغتيال عقل هاشم"..

صحيفة "يديعوت احرونوت" (رون بن يشاي):

كان العقيد عقل هاشم بالنسبة لرجال "جيش لبنان الجنوبي" ما كانه العميد ايرز غيرشتاين لجنود الجيش الاسرائيلي، قائد ميداني وضع اللبنانيون (العملاء) والاسرائيليون على حد سواء ثقتهم به (..) ليس هاشم القائد الكبير الاول الذي يلقى حتفه بعبوة ناسفة وربما لن يكون الاخير..

 

مقاومة (السفير 1/2/2000)

كتب فيصل سلمان :

لم يعد يكفي إشهار التقدير للمقاومة، ولم يعد يكفي إشهار الاحساس بالفخر والاعتزاز بأبطالها وبشهدائها.

ثمة ما هو واجب علينا جميعا تجاه هذه النخبة ممن عاهدت الله فناصرها، والواجب يدعونا الى سؤال انفسنا: ماذا قدمنا ونقدم للمقاومة؟

حين اختار هؤلاء الرجال، الابطال، القتال في سبيل تحرير الارض، وأعدّوا العدة للنصر او للاستشهاد، لم يلزموا احدا ولم يثقلوا على احد ولم يضغطوا على احد ولم يضايقوا احداً.

لم يلهثوا وراء وسائل الاعلام، ولم يحرضوا ضدها، لم يفرضوا الاتاوات ولم يقهروا ارادة، لم يسعوا وراء وظيفة نفعية ولم يغرقوا في سجالات الاوحال الداخلية.

لم تأخذهم نشوة انتصار في معركة والارض لما تزل أسيرة، ولم ينجح احد في جرّهم الى مناخات السم الطائفية.

كانوا ولا يزالون، يقاتلون بصمت، يُستشهدون بصمت، ثم كانوا ولا يزالون يحتضنون اولاد شهدائهم، يرعونهم بصمت ويعدّونهم لملاقاة العدو.. أو الله.

أليس القتال في سبيل تحرير الارض، هو الاقرب الى مرضاة الله؟ أوليس الايمان بالله هو قتال في سبيل الحق؟ وأي حق هو ذاك الذي يعود من دون تضحيات؟

فماذا قدّمنا نحن، ما يُسمّى المجتمع المدني، من تضحيات لنصرة المقاومة، وماذا قدّمنا نحن، كمجتمع حكومي؟

لقد احتضنت سوريا المقاومة وساندتها، وتساندها في جميع المجالات، ووقف الجيش اللبناني الى جانبها منذ تولي الرئيس اميل لحود قيادة الجيش وهذا الدعم مستمر مع العماد ميشال سليمان.

والى مساهمات الكثيرين من الشرفاء، بات السؤال ملحاً، ان كانت المواقف الحكومية السياسية الداعمة، كافية لاستكمال المسيرة.

لقد وقفت شرائح واسعة من اللبنانيين الى جانب المقاومة، كما التزمت بها وسائل اعلامية كثيرة، فهل يكفي ذلك، وهل ننتظر التحرير حتى نرفع الستار عن نصب هنا او هناك، ام ننتظر جيلا من ابناء الشهداء يكبر فيسألنا: ماذا انتم فاعلون؟

لنا ان نفاخر ببطولات المقاومة الاسلامية وآخرها عملية إعدام رأس حربة المتعاملين مع اسرائيل عقل هاشم، وعملية العزية.

ولنا ان ننتظر حتى العملية المقبلة فنعود الى المفاخرة.. ولكن وماذا بعد؟

لقد آن الاوان لنعطي هذه المقاومة الشريفة ما تستحقه، فنعوّض عن تقصيرنا.

انها دعوة الى القوى الوطنية، والى الحكومة والى الشرفاء في كل مكان: تعالوا نفكر معاً في كيفية الدعم العملي للمقاومة ولاستمرارها، وتعالوا نفكر معاً في كيفية احتضان ابناء الشهداء وتوفير سبل الحياة الكريمة للجرحى المعوقين، وفرص العمل للاسرى المحررين.

فقط حين يبتسم ابن الشهيد، يتحرر الوطن، وما الوطن غير ابن شهيد يبتسم؟

 

للبنان شأن آخر مع "اسرائيل" (السفير 2/2/2000)

الذين عبروا الى ما بعد المفاوضات، والذين سجلوا »انتصاراتهم« بالنقاط على اصحاب المواقف المبدئية، والذين استعجلوا حصول التوقيع قبل بدء التفاوض، والذين تهافتوا الى تسمية الوفود وانتقاء الاعضاء واستعجال الترؤس... كل هؤلاء »الذين« ملزمون بإعادة قراءة لبنانية واقعية للصراع مع اسرائيل، ومضطرون ان يتخلوا مؤقتا عن مطالعة »وداعاً للسلاح«.

للبنان مع اسرائيل شأن آخر:

لا راحة للاحتلال... بالأمس عقل هاشم، واليوم تستقبل إسرائيل قتلاها وجرحاها بالدموع، وتتذوق طعم الحزن ممزوجا بمرارة الهزيمة واستعداد للرحيل.

من قبلُ، انسحبت من العاصمة بيروت، خوفاً من الموت في مدينة رشحتها القوات الاسرائيلية للموت تحت اقدامها واقدام عملائها.

ومن بعدُ، انسحبت من الجبل، خوفاً من ان يتحول الطريق الى اسرائيل، الى وادٍ للدموع، وبعدها حذفت وجودها المتعثر من صيدا وبعض البقاع الغربي... ودائما تحت وطأة المقاومة.

لقد حوّل هذا »اللبنان« المثخن بجراحه، الآلة العسكرية الاسرائيلية، الى ساتر معدني لحماية »جيش الانتصارات« من قبضة المقاومين الاستشهاديين.

هذا »اللبنان« حوّل ساحات الرقص الاسرائيلية، التي سكرت من الانتصارات الحاسمة، الى ساحات العزاء، والى حائط مبكى.

وربما، من المفيد ان لا يسقط من حساب المتذكرين، وجماعة »الذين«، ان اسرائيل ما زالت تحتل جزءا من الجنوب وبعض تخوم البقاع الغربي، بعد انسحابها الذليل لها ولعملائها من جزين اولاً ومن كفرحونة ثانياً.. والثالثة على الطريق.

فالمقاومة ليست وظيفة تفاوضية لانها جاءت استكمالا لنهج لبناني، مدعوم سورياً بقوة، فرض نموذجاً فذاً في التعاطي مع الاحتلال، عبر رفضه، وممارسة هذا الرفض قتالا بالسلاح، يوميا، وبلا هوادة، الى حدود ممارسة »سياسة الاستشهاد«.

ومن الافضل ان يفاوض لبنان اسرائيل وفق هذه الطريقة، وقد دلت بالبرهان الساطع، انها ناجحة، بلا تبجح، وانها ألزمت اسرائيل بالتفكير بالانسحاب نهائيا من الجنوب، ووضع الخطط لذلك. وهي تسعى لتسويق هذه الورقة الخاسرة عبر المفاوضات المقبلة، كي لا يكون الجنوب لها... »ديان بيان فو« اخرى.

لقد اقترب المشوار من نهايته، فلمَ الاستعجال الى التفاوض، كي يلتزم لبنان مستقبلا بالامن الاسرائيلي، وتوكل اليه حراسة »الاحتلال المزمن« لفلسطين!.

اليوم عقل هاشم... وغداً يسقط الاحتلال حاملاً توقيع المقاومة.

ما زال الوقت باكرا جدا، لوقف »حي على الجهاد«، ولبنان، ليس آخر بلد يوقّع، بل هو وفق سياق مقاومته، آخر بلد لا يوقّع.

لعل هذا الامر ممكناً، فالمستحيلات في السياسة، هي ممكنات صعبة فقط.

 

عقل هاشم »قلب« ميليشيا العملاء وإسرائيل خائفة من انهيارها

(حلمي موسى  السفير 2/2/2000)

بدت الصحافة الاسرائيلية، فضلا عن الحلبة السياسية، وكأنها أصيبت بصدمة قوية جراء تصفية عقل هاشم، في ما يشير الى احساس ليس بمجرد خسارة عميل، وإنما، وهذا هو الاهم، الى حجم الانجاز الذي حققه »حزب الله« بهذه الضربة. وعرض السياسيون والمعلقون الاسرائيليون الواقع الراهن في جنوب لبنان وكأنه مفتوح على كل الاحتمالات مع تأكيد على وجوب الضربات الانتقامية.

وتبارى القادة العسكريون الاسرائيليون الذين خدموا في لبنان بالاشادة بعقل هاشم، ووصفه أول قائد لوحدة الارتباط الاسرائيلية في لبنان، وزير الاتصالات الحالي، بنيامين بن اليعازر بأنه »بلماخي لبناني«. وفي ذلك اشادة قل نظيرها للدور الذي لعبته »البلماخ« وهي »السرايا الضاربة« للهاغاناه ضد العرب، كما عرض قائد الجبهة الشمالية الاسبق، يوسي بيليد في صحيفة »يديعوت احرنوت« للصداقة التي جمعته مع عقل هاشم، فيما اعلن القائد الأسبق لوحدة الارتباط الاسرائيلية في لبنان، غيورا عنبار »انني لا استطيع تخيل ضربة يمكن ان تكون اكثر ايلاما، لقد كان عقل هاشم قلب جيش لبنان الجنوبي«، وكان عنبار قد اخبر التلفزيون الاسرائيلي ان ميليشيا لحد قد تقدم على »خطوات غير متوقعة« وانه سيكون »من الصعب ضبطهم«.

وقد أبدت قيادة الجيش الاسرائيلي، حسب صحيفة »معاريف«، صدمتها من مقتل هاشم، وقالت الصحيفة ان الجيش تخوف من ان يؤدي موت هاشم الى انهيار هذه الميليشيا. وقالت معاريف ان الخوف الاساسي في الجيش الاسرائيلي تمحور حول الرد غير المنضبط من جانب الميليشيا، »اذ كرست قيادة الجبهة الشمالية ساعات طويلة للحديث مع قادة جيش لبنان الجنوبي في محاولة لتهدئة خواطرهم«.

وانهمك الجيش الاسرائيلي في تحقيقات تستهدف الوقوف على المتعاونين مع »حزب الله« الذين قد يكونون ساهموا في تصفية عقل هاشم، وأكد كبار العسكريين الاسرائيليين »انه عمليا لا يوجد احتمال آخر« لان »حزب الله« كان يعرف كل خطوة من خطواته. ويقول هؤلاء الضباط: »لقد عرف »حزب الله« كيف يصيب عقل هاشم وحده وليس ابنه او اي شخص آخر، ولهذا لا شك ان احدا في الداخل ساعدهم، وهذا خطير ومقلق جدا«.