فادي
حمود
النقاد ـ بيروت 9-7-2001
اعتمادا على معلومات "لوسوار ـ بروكسيل"
"لوموند ـ باريس" "هآرتس ـ تل ابيب"
مقدمة
قبل
فترة وافق القضاء البلجيكي على قبول الدعوى
المقدمة من 23 فلسطينيا ولبنانيا من ضحايا
مجزرة صبرا وشاتيلا في ايلول من العام 1982، ضد
رئيس الوزراء “الاسرائيلي”
ارييل شارون بتهمة ارتكاب جرائم حرب وبصفته
المسؤول الاول عن هذه المجزرة التي تمت بامر
مباشر منه. وعلى الفور عين القضاء البلجيكي
القاضي باتريك كولينيون للتحقيق في هذه
القضية. وقبل ذلك باسبوعين تقريبا، بثت شبكة
الـ بي بي سي البريطانية في اطار برنامج "بانوراما"
الوثائقي تحقيقا عن المجزرة بعنوان "المتهم"
ركز على دور شارون فيها ومسؤوليته الجزائية
عنها. وقد ادى ذلك الى تسليط الاضواء على رئيس
الوزراء “الاسرائيلي”
الذي بذلت خلال الاشهر الاخيرة جهود جبارة
لتلميع صورته وتقديمه بصفته شخصا معتدلا في
مواجهة الفلسطينيين المتهمين بالارهاب
والتطرف. وقد ادت عودة اشباح ضحايا صبرا
وشاتيلا الى وضع شارون من جديد في قفص الاتهام
وتذكير الرأي العام العالمي والاوروبي خصوصا
بماضيه الارهابي على الرغم من محاولات “اسرائيل”
التشكيك في نزاهة التحقيق واتهامه بمعاداة
السامية. وهذه المقالة تسعى الى تسليط الضوء
على هذه القضية التي يبدو انها ستكون محطة
مهمة ومصيرية بالنسبة الى رئيس الوزراء “الاسرائيلي”
الساعي الى تصفية الانتفاضة الفلسطينية.
ما
كاد رئيس الوزراء “الاسرائيلي”
ارييل شارون ينعم ببعض الاحترام الدولي بعد
انقضاء اكثر من اربعة اشهر على توليه السلطة،
وهو الذي كان يعتبر الى وقت غير بعيد رجلا غير
مرغوب فيه في معظم عواصم العالم بسبب مجزرة
صبرا وشاتيلا، حتى عاد ماضيه لمطاردته
وحرمانه هذه المتعة المستجدة بفعل الدعم
الاميركي لمشروع اجهاض الانتفاضة الذي يحاول
تنفيذه.
ادى
بث برنامج "بانوراما" على شبكة "بي بي
سي" البريطانية وتقديم الدعوى ضده في
بروكسيل بتهمة ارتكاب جرائم الى تدمير حصيلة
شهور طويلة من العمل الدؤوب لتصوير شارون على
انه لم يعد ذلك الرجل الذي اشتهر في الماضي
بلقب "البولدوزر" بسبب اسلوبه الوحشي في
قمع العرب، وعلى انه "رجل الاعتدال" منذ
ان اعلن في شهر ايار الماضي وقفا لاطلاق النار
من جانب واحد مع الفلسطينيين، على الرغم من ان
قواته لم توقف اعتداءاتها اليومية على
المدنيين الفلسطينيين. فقد اعتبر مؤيدو “اسرائيل”
آنذاك ان شارون اثبت بذلك "حسن نواياه"
وانطلقت الضغوط المتنوعة ضد الفلسطينيين
لمطالبتهم بالتجاوب مع مطالب رئيس الوزراء “الاسرائيلي”
بشان وقف الانتفاضة. وجاءت عملية تل ابيب
الاستشهادية في اول حزيران الماضي لتعطي
شارون المزيد من الدعم المعنوي من الولايات
المتحدة وبعض الاوساط الاوروبية التي رأت في
امتناعه عن اقتحام مناطق سلطة الحكم الذاتي
الفلسطيني "دليل اعتدال وعقلانية"، وصبت
ضغوطها على الجانب الفلسطيني لمطالبته
بالاستجابة للشروط “الاسرائيلية”
لوقف اطلاق النار. واذا كان بعض المعلقين رأوا
بصمات وزير الخارجية “الاسرائيلي”
شمعون بيريز على هذه المرونة التكتيكية من
جانب شارون، الا ان الدعوى القضائية جاءت
لتقوض هذه الجهود. فقد صار شارون من جديد في
موقع المتهم على غرار الرئيس اليوغوسلافي
السابق سلوبودان ميلوسيفيتش الذي جرى تسليمه
الى المحكمة الدولية في مدينة لاهاي
الهولندية لمحاكمته على جرائم الحرب التي
ارتكبها في كوسوفو والبوسنة وكرواتيا. وجاءت
هذه الدعوى ايضا بعد اسابيع معدودة على ادانة
اربعة روانديين من بينهم راهبتان، بتهمة
ارتكاب جرائم ضد الانسانية بسبب ادوارهم في
المجازر التي شهدتها رواندا خلال العام 1994 ما
بين اثنيتي الهوتو والتوتسي والتي ذهب ضحيتها
اكثر من نصف مليون ضحية، واذا كانت عودة شبح
الماضي لملاحقة شارون قد ادت تماسك الرأي
العام “الاسرائيلي”،
بما فيه السياسيين والصحافيين والمثقفين
الذين ادانوا شارون في العامين 1982 و1983 على
دوره في مجزرة صبرا وشاتيلا، الا ان ذلك قد لا
يكفي لرد الاضرار السياسية التي قد تتسبب
فيها هذه القضية لـ”اسرائيل” على الرغم من
صعوبة الاعتقاد بامكان اعتقال شارون ومثوله
امام المحكمة. فقد اضطرت هذه القضية وزارة
الخارجية “الاسرائيلية”
الى الاعلان عن شن حملة علاقات
عامة واسعة النطاق في العالم اجمع للرد على
الاتهامات الموجهة الى شارون واسرائيل التي
امتنعت عن محاكمته على الرغم من ان تقرير لجنة
كاهانا اكد في العام 1983 ان شارون يتحمل "مسؤولية
غير مباشرة" عن المجزرة. وفي الوقت نفسه،
فان هذه القضية اضطرت الرئيس الاميركي جورج
بوش الابن الى التدخل مباشرة واعلان دعمه
لشارون في وقت تتصاعد فيه المطالبات بتقديم
وزيري الخارجية الاميركيين الاسبقين روبرت
ماكنمارا وهنري كيسينجر للمحاكمة بتهمة
ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بسبب
دورهما في حرب فيتنام، ودور كيسنجر في
الانقلاب العسكري في التشيلي في العام 1973 وما
تلاه من مجازر بحق المعارضين.
لكن
مشكلة شارون لم تنته عند هذا الحد. فقد اضطرته
الدعوى الى الغاء بروكسيل من جدول اعمال
جولته الاوروبية على الرغم من ان بلجيكا تولت
الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي مطلع
الشهر الحالي لمدة ستة اشهر. ويبدو ان هذه
الجولة ستقتصر على زيارة لالمانيا وفرنسا مع
ان محطة بروكسيل ترتدي اهمية كبرى لا سيما انه
يتوقع ان يسعى الاتحاد الاوروبي للعب دور
اكبر في الشرق الاوسط خلال المرحلة المقبلة
في ظل تعثر الجهود الاميركية وعدم ممانعة
واشنطن في دور اوروبي ما في لجم التدهور في
المنطقة. وعلى الرغم من محاولات الحكومة “الاسرائيلية”
نفي ان يكون سبب اسقاط بروكسيل من الجولة
الاوروبية مرتبطا بالمحاكمة، الا ان مصادر “اسرائيلية”
اكدت ان السبب يعود الى سعي “اسرائيل”
الى عدم تسليط المزيد من الاضواء على هذه
القضية التي تسبب لها الكثير من الاحراجات.
فعلى الرغم من ان القضاء البلجيكي مستقل، الا
انه يصعب الاعتقاد بامكان صدور مذكرة اعتقال
بحق رئيس أي دولة اجنبية اذا كان في زيارة
رسمية الى بلجيكا، في حين ان هذا الامر يصبح
ممكنا في حال كان في زيارة خاصة على نحو ما جرى
مع بينوشيه الذي كان يعالج في لندن وقت
اعتقاله. وتهدد الدعوى المقامة ضد شارون
بحرمان بلجيكا من طموحاتها للعب دور اساسي
اثناء رئاستها للاتحاد الاوروبي، وهو امر
يثير قلق اكثر من طرف اوروبي. الى جانب ذلك فان
الحكومة البلجيكية المحافظة تحاول تعديل
القانون لا سيما بعد ان تقدم معارضون عراقيون
بدعوى مماثلة ضد الرئيس العراقي صدام حسين
بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية، وفي ظل
ابناء عن احتمال تقديم دعاوى اخرى ضد اكثر من
مسؤول حكومي في العالم الثالث والبلدان
الغربية.
لكن
المشكلة الاكبر التي تخشاها “اسرائيل”
تتمثل في احتمال لجوء ضحايا مجازرها العديدة
من فلسطينيين ولبنانيين وسوريين ومصريين،
الى مقاضاتها على الجرائم التي ارتكبت ضدهم
خلال الحروب العربية ـ “الاسرائيلية”
المتتالية ابتداء من حرب العام 1948 وما رافقها
من عمليات تهجير واسعة النطاق بات يطلق عليها
اليوم اسم "التطهير العرقي"، ومرورا
باعتداءاتها الوحشية ضد المدنيين في مختلف
البلدان العربية المجاورة لها، ووصولا الى
المجازر التي ارتكبت بحق الاسرى العرب خلال
الحروب المختلفة. فحتى اذا جرى اعتبار بعض تلك
الجرائم خاضعة لتقادم الزمن، فان بعضها الاخر
ما زال حديث العهد، مثل الجرائم التي ارتكبت
خلال الانتفاضتين الاولى والثانية، او مجزرة
قانا خلال العام 1996 وغيرها. وهذا الهاجس يؤرق
المؤسسة “الاسرائيلية”
الحاكمة منذ فترة الى درجة ان عددا من
المسؤولين “الاسرائيليين”
لم يكتم معارضته خلال السنوات الاخيرة لمحكمة
الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة
معتبرا انها قد ترسي سابقة قضائية يمكن
استخدامها ضد الدولة العبرية يوما ما. فـ”اسرائيل”
تدرك تماما ما فعلت يداها، ولذلك تبدي هذا
القدر الكبير من الوحدة خلف شارون لان ادانته
في الوقت الحاضر، تعني ادانة الدولة العبرية
وتحمل في طياتها اخطارا كبيرة بالنسبة الى
الدولة التي طالما تباهت بـ "نظافة سلاحها"
مع انه ملوث حتى الرسغ بدماء المدنيين
والابرياء.
في
16 حزيران 1993 اقرت بلجيكا قانونا يعطي محاكمها
صلاحية ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب او
جرائم ضد الانسانية. واستند المشترع البلجيكي
الى اتفاقية جنيف الرابعة التي اقرت في العام
1948 بشان حماية المدنيين اثناء الحرب والملاحق
الخاصة بها للتأكيد على عدم سقوط هذه الجرائم
بفعل تقادم الزمن. وفي العام 1999جرى تعديل هذا
القانون بحيث اصبح للقضاء البلجيكي صلاحية
ملاحقة الي شخص يرتكب جرائم حرب حتى ولول لم
يكن بلجيكيا. ومنح الاجانب ولو كانوا غير
مقيمين في بلجيكا حق مقاضاة الاشخاص المتهمين
بارتكاب جرائم حرب. وشدد هذا القانون على عدم
وجود أي حصانة لاي شخص يواجه هذا النوع من
الاتهامات ولو كان مسؤول حكوميا او رئيس دولة
اجنبية. وقد استند القضاء البريطاني الى نصوص
مشابهة لاعتقال الديكتاتور التشيلي السابق
الجنرال اوغوستو بينوشيه في اواخر العام 1998
بطلب من قاضي تحقيق اسباني، فيما كان بينوشيه
يعالج في العاصمة البريطانية. وقد اثار
القانون البلجيكي اعتراضات شديدة من جانب
وزارة الخارجية البليجيكية التي رأت فيه
تهديدا لعلاقات بروكسيل مع العديد من بلدان
العالم. ودعا وزير الخارجية لوي ميشال في مطلع
شهر حزيران الماضي الى تعديل هذا القانون
لحرمان الاجانب من حق اللجوء الى القضاء
البلجيكي وتقييد حرية القضاة من قبول الدعاوى
المقدمة اليهم. لكن هذه الدعوة لقيت اعتراضات
واسعة من جانب منظمات حقوق الانسان وقطاعات
واسعة من الراي العام الدولي.
بسبب
الفظائع التي شهدتها الجمهوريات المنبثقة عن
يوغوسلافيا السابقة، والمجازر التي جرت في
اكثر من بلد افريقي وفي طليعتها رواندا وساحل
العاج، اطلقت في العام 1998 فكرة انشاء محكمة
دولية دائمة لمحاكمة مجرمي الحرب. ويفترض ان
تعمل هذه المحكمة على غرار تلك التي انشئت
لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة
ورواندا، مع فارق انها ستكون دائمة وذات
صلاحيات دولية. وعلى الرغم من 139 دولة وقعت على
معاهدة انشاء هذه المحكمة، الا ان عدد الذين
صدقوا المعاهدة لم يتجاوز حتى نهاية شهر ايار
الماضي 32 دولة، في حين ان المطلوب لتصبح هذه
المحكمة امرا واقعا، هو مصادقة 60 دولة على
الاقل. وقد تصدرت واشنطن الدول المعترضة على
انشاء هذه المحكمة خوفا من ان يؤدي ذلك الى
محاكمة الضباط والمسؤولين الاميركيين بتهمة
ارتكاب جرائم حرب. وبعد تجاوب الدول
الاوروبية مع العديد من الشروط الاميركية،
وقع الرئيس الاميركي بيل كلينتون مرسوم
الانضمام الى المعاهدة في اللحظات الاخيرة من
ولايته. لكن الرئيس جورج بوش الابن يرفض
التزامات سلفه ويضع شروطا تعجيزية للمصادقة
على المعاهدة ومن ضمنها عدم شمول صلاحياته
الجنود والمسؤولين الاميركيين. وفي المقابل
رفضت “اسرائيل”
الانضمام الى هذه المعاهدة خوفا من
ان يؤدي ذلك الى فتح ملفات المجازر العديدة
التي ارتكبتها ضد العرب، مدنيين وعسكريين.
واوصى المستشار القانوني للحكومة “الاسرائيلية”
الياكيم روبنشتاين العام الماضي ببذل جهود
مكثفة لمنع قيام هذه المحكمة، خوفا من ان تشمل
صلاحياتها في حال قيامها، الدول التي لم توقع
المعاهدة ايضا.