16 ايلول 1982 - 16 ايلول 1998
16 عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا.. ولا محاكمة للقتلة
ما حدث ليلة السادس عشر من ايلول، قبل ستة عشر عاما كان من الفظاعة بحيث يكاد لا يصدق: الاف الرجال والنساء والاطفال الفلسطينيين واللبنانيين، من سكان مخيمي صبرا وشاتيلا، يقتلون في مجزرة وحشية، اشمأز لها العالم، وتسببت بانهيار حكومة مناحيم بيغن في "اسرائيل"، ولكن ايا من المجرمين الذين تولوا اصدار الاوامر او تنفيذها لم يقدم للمحاكمة بعد !
خليط من الجزع والرعب انتاب من تلقوا الانباء الاولى عن المجزرة، رغم التباسها آنذاك، فالآليات التي كانت تجوب الشوارع المحيطة بالمخيمين، ليلة السادسة عشر من ايلول 1982، حاملة مسلحين مقنعين، كانت تؤمن الحماية لمئات من المسلحين الذين توغلوا في بعض احياء صبرا وشاتيلا، مزودين بأسلحة كاتمة للصوت وبلطات وسكاكين، امعنوا بواسطتها فتكا بأسر كانت تظن انها آمنة.
الجريمة التي بدأت تحت جنح الظلام لم تلبث ان انكشفت مع تمكن بعض المصابين من الفرار، لكن انكشافها لم يقفها، ولم يحل دون مواصلة القتلة تنفيذ مجزرتهم الوحشية طوال ثلاثة ايام باشراف وحماية ومشاركة قوات الاحتلال "الاسرائيلية".
الرقم الدقيق للضحايا ظل مجهولا، وان كان الرقم التقريبي يشير الى انهم ؟ـ (الآلاف)، فالقتلة كدسوا جثث الضحايا في مقابر جماعية لم تكن كافية لاستيعابهم، ولذا ظلت جثث اخرى مكدسة في الشوارع وداخل المنازل، فيما كدس المسلحون عدد من بقوا احياء في شاحنات اقتادتهم الى مصير ما زال مجهولا حتى الان.
اصداء المجزرة في عواصم العالم اضطرت "اسرائيل"، التي كانت قواتها تحتل بيروت، الى انشاء لجنة للتحقيق في المجزرة برئاسة اسحق كاهانا رئيس المحكمة العليا، وحدد مجلس الوزراء "الاسرائيلي" مهمة تلك اللجنة بقوله ان "المسألة التي ستخضع للتحقيق هي جميع الحقائق والعوامل المرتبطة بالاعمال الوحشية التي ارتكبتها وحدة من "القوات اللبنانية" ضد السكان المدنيين في مخيمي صبرا وشاتيلا" فانطلق التحقيق مستندا الى تحميل "القوات اللبنانية" المسؤولية - من دون غيرها - عن المجزرة، ومستبعدا المشاركة "الاسرائيلية" فيها، وايضا مشاركة اطراف أخرى كقوات سعد حداد، ولذا كان متوقعا ان تأتي نتائج التحقيق عن النحو المعلن آنذاك، مكتفيا بتحميل "الاسرائيليين" مسؤولية "الاهمال" او "سوء التقدير" !
كما ان الكتب والتقارير "الاسرائيلية" الاخرى لم تغفل ايراد اسماء مسؤولين كتائبيين وفي "القوات اللبنانية" كالياس حبيقة وفادي افرام واخرين، محملة اياهم مسؤولية التخطيط للمجزرة واعطاء الاوامر بتنفيذ عمليات القتل، مكتفية بتحميل القادة "الاسرائيليين" كارييل شارون وزير الدفاع آنذاك وامير دروري قائد المنطقة الشمالية مسؤولية المشاركة في اجتماعات تم فيها البحث في دخول عناصر كتائبية الى المخيمين ضمن اطار "اشتراك الجانب الكتائبي في عملية السيطرة على بيروت الغربية" (كتاب امنون كبليوك "تحقيق في مجزرة" ص 35)، كما ان تقرير كاهانا" تضمن ثغرات عدة بهدف التغطية على الدور "الاسرائيلي" كطرف مدبر للمجزرة.
بعد 16 عاما على المجزرة، ما تزال مشاهدها المروعة حية في ذاكرة من عاشوا قساوة تلك الايام وما يحتفظون به حكايات عن اهوالها.
ناجون من المجزرة يروون وقائع محفورة في ذاكرتهم :
عائلات ابيدت وحوامل بقرت بطونهن واطفال تطايرت رؤوسهم
"رأيت عشرات الجثث امام الملجأ القريب من بيتنا. ظننت في البداية ان القصف قضى عليهم. بدأ القصف بعد مقتل بشير الجميل، كنا في المخيم خائفين من قدوم الكتائب والانتقام منا، لم ننم تلك الليلة وكان الحذر يلف المخيم".
هذا ما رواه ماهر مرعي - احد الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا - وهو يصف ما حدث ليلة السادس عشر من ايلول 1982، قال :" رأيت الجثث، امام الملجأ مربوطة بالحبال لكني لم افهم، عدت الى البيت لاخبر عائلتي، لم يخطر في بالنا انها مجزرة، فنحن لم نسمع اطلاق رصاص، اذكر اني رأيت كواتم صوت مرمية قرب الجثث هنا وهناك، ولكني لم ادرك سبب وجودها الا بعد انتهاء المجزرة. كواتم الصوت "تتفندق" بعد وقت قصير من استخدامها، ولذا يرمونها.
بقينا في البيت ولم نهرب حتى بعد ان احسسنا ان شيئا مريبا يحدث في المخيم. رفض والدي المغادرة بسبب جارة اتت للمبيت عندنا، وكانت اول مرة تدخل بيتنا. زوجها خرج من المقاتلين على متن احدى البواخر ولم يكن لديها احد، فقال ابي لا يجوز ان نتركها ونرحل. كان اسمها ليلى. كانت الجثث التي رأيتها امام الملجأ لرجال فقط. ظننا انا ووالدي ان الملجأ كان مكتظا فخرج الرجال ليفسحوا المجال للنساء والاطفال بالمبيت واخذ راحتهم، فماتوا بالقصف. كنت ذهابا يومها لإحضار صديقة لنا - كانت تعمل مع والدي - تبيت في الملجأ. كانت تدعى ميسر. لم يكن لها احد هي الاخرى. كان اهلها في صور واراد ابي ان احضرها لتبيت عندنا. قتلت في المجزرة مع النساء والاطفال. رأيت جثتها في ما بعد في كاراج ابو جمال الذي كان الكتائبيون يضعون فيه عشرات الجثث، بل المئات. كان المشهد لا يوصف !!!
عندما دخل "الاسرائيليون" الى بيروت الغربية كنا نعتقد ان اقصى ما قد يفعلونه بنا هو الاعتقال وتدمير بيوتنا، كما فعلوا في صور وصيدا وباقي الاراضي التي احتلوها. اذكر اني ذهبت صباح يوم المجزرة - وكان يوم الخميس في 16 ايلول - مع مجموعة كبيرة من النساء والاطفال لاحضار الخبز من منطقة الاوزاعي سيرا على الاقدام (كان عمري 14 عاما). كنا "مقطوعين" من الخبز وليس لدينا ما نأكله. رفض اصحاب الافران يومها ان يبيعونا، كان الخبز متوفرا ويبيعونه الى اللبنانيين فقط مع انه كان متوفرا بكثرة. عدنا الى المخيم فلم نستطع الدخول، اذ كانت الطرقات المؤدية الى المخيم جميعها مقطوعة، وكان "الاسرائيليون" يقنصون من السفارة الكويتية باتجاه مدخل المخيم الجنوبي. عند تقاطع هذا المدخل وبئر حسن، كان هنالك قسطل مياه مكسور، وكان اهالي المخيم يعبئون منه الماء رغم القنص. رأيت عند قسطل المياه "اسرائيليا" من اصل يمني يقتل فتاتين فلسطينيتين، لانهما وبختا فلسطينيا ارشد "الاسرائيلي" الى الطريق التي هرب منها احد الذين يطاردونهم، هكذا قالت ام الفتاتين التي كانت معهما وهربت عند بدء اطلاق الرصاص. حاول اهل المخيم سحب الفتاتين فقتل رجلان وهما يحملان جثتيهما، - قنصهما "الاسرائيليون" من السفارة - ثم ما لبث اهل المخيم ان سحبوهما بالحبال. يومها رأيت ارييل شارون في هليكوبتر امام السفارة، احسست انه قائد "اسرائيلي" كبير، لم اكن اعرف من هو الا بعد ان رأيته على شاشات التلفزيون بعد انتشار اخبار المجزرة.
تمكنا بعد ذلك من العودة الى المخيم في المساء كانت القذائف المضيئة تملا سماء المخيم، هنا، بدأ صوت ماهر يرتجف عندما اخذ يخبرني ما حصل في بيتهم تلك الليلة - أي الخميس وهو اول يوم في المجزرة. قال ماهر:"عندما اخبرت والدي عن الجثث، طلب منا ان نلزم الهدوء والا نصدر أي صوت، تتألف عائلتنا من 12 شخصا، ستة صبيان واربع بنات وابي وامي. كان اخواي محمد واحمد خارج البيت وهما اكبر مني سنا. الباقون كانوا في البيت وكانت جارتنا ليلى عندنا. قرابة الفجر، صعد اخي الى السطح مع ليلى كي تطمئن على بيتها. كان النعاس قد غلبنا انا وابي - اذ بقينا ساهرين ننصت الى ما يجري في الخارج ونسكت أختي الصغيرة التي كانت تبكي من وقت لاخر.
لم نشعر بصعود ليلى واختي الا عندما نزلا. كنتا خائفتين فقد رآهما المسلحون. ما هي الا لحظات حتى بدأنا نسمع طرقا عنيفا على الباب. عندما فتحنا لهم اخذوا يشتموننا واخرجونا من البيت ووضعونا صفا امام الحائط يريدون قتلنا. ارادوا ابعاد ليلى اذ ظنوا انها لبنانية لانها شقراء، وابعدوا اختي الصغيرة معها لانها شقراء هي الاخرى وظنوا انها ابنة ليلى !
رفضت ليلى تركنا، واخذت اختي تصرخ وتمد يديها الى امي تريد "الذهاب" معها، كان عمرها اقل من سنتين وكانت ما تزال تحبو، في تلك اللحظة، كان جارنا حسن الشايب يحاول الهرب خلسة من منزله، فاصدر صوتا وضجة اخافتهم.
كان هناك شاب من بيت المقداد يطاردهم ويطلق عليهم النار ويختبئ، كان اسمه يوسف، لمحته تلك الليلة عدة مرات، اعتقد انهم ظنوا في تلك اللحظة ان الضجة صادرة عنه، لذا ادخلونا الى البيت وهم يكيلون لنا الشتائم، طلبوا من والدي بطاقة هويته، وما ان ادار ظهره ليحضرها حتى انهال الرصاص علينا جميعا كالمطر لم اعرف كيف وصلت الى المرحاض واختبأت فيه وفي طريقي الى المرحاض وجدت اخي الاصغر اسماعيل فاخذته معي واقفلت فمه. رأيت من طرف باب المرحاض كل عائلتي مرمية على الارض، ما عدا اختي الصغيرة. كانت تصرخ وتحبو باتجاه امي واختي وما ان وصلت بينهما حتى اطلقوا على رأسها الرصاص فتطاير دماغها وماتت.
اسماعيل وانا لم نتحرك. لزمنا الصمت فترة. لم اعد استطيع التنفس، فحاولت بلع ريقي لاستعادة تنفسي وكنت مترددا في فعل ذلك. اذ كنت - عادة - اصدر صوتا عندما أبلع ريقي وخفت ان يسمعوا الصوت ويأتوا لقتلي. وبالفعل، عندما فعلت كان صوت البلع مسموعا من شدة السكون الذي سطر على البيت لكنهم لم يسمعوني، فقد خرجوا بعد ان نفذوا جريمتهم. كان كل شيء ساكنا، امسكت الباب كي لا يتحرك لانه كان يصر - في العادة - صريرا. خفت ان يسمعوه فيعودوا ورحت احركه ببطء شديد. كما اعتقدت انهم ربما لاحظوا غيابي وانهم سيعودون لقتلي. لذا انتظرت بعض الوقت، وعندما تيقنت من خروجهم وعدم عودتهم خرجت من المرحاض وابقيت اسماعيل فيه. بدأت اتفقد عائلتي. والدتي تظاهرت بداية بالموت وكذلك اختاي نهاد وسعاد، ظنا منهما اني كتائبي. ولكن، والدي وباقي اخوتي "الخمسة" وليلى كانوا جميعا امواتها، كانت امي مصابة بعدة طلقات وكذلك نهاد وسعاد.
امي ونهاد تمكنتا من الهروب معي واسماعيل، بينما سعاد لم تستطع لان الطلقات اصابت حوضها وشلت. تركناها وخرجنا لاحضار الاسعاف - يا لسذاجتنا- ولم نكن نعرف ماذا ينتظرنا في الخارج، الذين دخلوا الى بيتنا كانوا خليطا من القوات اللبنانية وقوات سعد حداد، اذ كان بينهم مسلمون ولا يوجد مسلمون الا مع سعد حداد. عرفنا انهم مسلمون من مناداتهم لبعضهم. كان بينهم من يدعى عباس واخر يدعى محمود.
بعد خروجنا من البيت تهنا عن بعضنا البعض. بقيت انا واسماعيل معا، واخذوا يلاحقوننا من مكان لاخر. اخذت انبه الناس لما يجري، فكثيرون كانوا ما يزالون في بيوتهم، يشربون الشاي ولا يدرون بشيء. اختبأنا في مخزن طحين ثم ما لبثوا ان اكتشفوا امرنا فهربنا مجددا. اطلقوا الرصاص علينا، هربت وعلق اسماعيل ولم يجرؤ على عبور الشارع كان في الثامنة من عمره، عدت اليه وامسكت بيده وهربنا معا. ثم ما لبثنا ان وجدنا جمعا حاشدا من النساء والاطفال كانوا يجرونهم الى المدينة الرياضية حيث يتمركز "الاسرائيليون" فانضممنا اليهم".
بقروا بطن جارتنا
نهاد اخت ماهر كانت في الخامسة عشرة من عمرها في ذلك الوقت. الان هي متزوجة ولديها ستة اطفال، قالت انها كانت تحمل اختها الصغيرة على يدها عندما بدأ المسلحون باطلاق النار"لا اعرف كيف سقطت من يدي، اصيبت بطلقة في رأسها وانا ايضا وقعت على الارض. اخذت اختي تحبو - وتفرفر - باتجاه امي وهي تصرخ ماما.. ماما.. اطلقوا الرصاص على رأسها فسكتت على الفور. جارتنا ليلى كانت حاملا. عندما اصيبت بدأ الماء يتدفق من بطنها، وماتت. تظاهرت بالموت، وبعد خروجهم بقليل - لا ادري بكم من الوقت - بدأت اتفقد الجميع. فهمست لي امي : ارتمي وتظاهري بالموت قد يعودون.
اجبتها لا آبه، فليعودوا ! عندها خرج ماهر - واسماعيل في ما بعد. كنت اظنهما ميتين. ما ان رأيت ماهر ارتميت على الارض، فقال : لا تخافي انا ماهر. عندها اطمأننت انا ووالدتي، وقمنا لحمل اختي سعاد ومساعدتها على النهوض فلم نستطع. لقد كانت مشلولة. طلبت من ماهر واسماعيل ان يهربا الى خارج المخيم وان يركضا باقصى سرعة حتى لو اضعنا بعضنا. لم يكن معنا مال، اذ اخذوا كل مالنا. كان لدينا عشرون الف ليرة خبأناها في "كيس حفاضات" اختي الصغيرة، رغم اني تظاهرت انه مجرد كيس حفاضات ! كان المسلحون يتكلمون بالعربية، لكن البعض منهم لم يتكلم على الاطلاق، كانوا شقرا، وعينوهم زرقاء، عندما هربنا، اضعنا ماهر واسماعيل وبقيت مع امي على امل ان نذهب الى مستشفى غزة لاحضار اسعاف الى سعاد. اخذنا نتنقل من بيت الى آخر ونحن ننزف. كثيرون لم يصدقوا في البداية ان مجزرة تحدث في المخيم، الا عندما رأونا مصابين والدم يغطينا. وصلنا الى مستشفى غزة فوجدنا اخوي الكبيرين احمد ومحمد هناك امام المستشفى. كانت الناس تتجمع عند مدخل المستشفى. كانوا يصرخون والرعب يسيطر عليهم.
كان الصراخ رهيبا، كانه يوم القيامة، تركنا المستشفى بعد ان نزعوا منا الرصاصات وهربنا الى منطقة رمل الظريف. امي تعبت كثيرا من انتفاخ صدرها بالحليب، فاختي الصغيرة كانت ما تزال ترضع قبل ان تقتل، ومع موتها بدأت امي تعيش حالة الفطام ! كان فطاما نفسيا وجسديا لم تستطع تحمله فمرضت كثيرا".
سألتها عن اختها سعاد التي بقيت في البيت، قالت انهم عادوا الى البيت وضربوها "بجالون المياه" واطلقوا عليها النار مجددا ! "بعد الحادثة، لم نعد نتكلم مع بعضنا عما جرى. كنا نخاف على بعضنا من الكلام. لذا، لم اسأل سعاد شيئا ! ! ".
عندما اذهب احيانا لانام عند والدتي، اذهب الى بيتها في الروشة - الذي تسكنه كمهجرة منذ المجزرة. لا احب ان انام في بيتها في المخيم، - حيث جرت المجزرة لاني عندما اذهب الى هناك لا انام ابدا. قليلا ما تأتي امي الى بيت المخيم. بل هي لا تهدأ في مكان منذ حادثة المجزرة، وتتنقل باستمرار بين بيوت الاقارب والأصدقاء. لم نعد كما كنا ابدا. تصوري اننا عدنا وفقدنا اخي اسماعيل في حرب اقليم التفاح".
نهاد التي نجت من المجزرة، لا تجد اليوم ما تطعم به اطفالها، رغم تردادها كلمتي "الحمد الله" زوجها عاطل عن العمل منذ سنوات، هو يعمل في البناء، لكن الاجور المتدنية التي يتقاضاها العمال الآخرون تقضي على امكانية ايجاد أي عمل، حتى لو قبل ان يعمل باجر زهيد، فان ذلك الأجر لا يكفيه، بسبب الغلاء الفاحش في لبنان، وهو لا يستطيع ايجاد أي عمل اخر بسبب التقييدات المفروضة على عمل الفلسطينيين في لبنان.
الجرح ما زال ينزف
"ستة عشر عاما مضت على المجزرة. كانها البارحة" ! قالت ام غازي التي فقدت احد عشر شخصا من افراد عائلتها. "لا تقلقي يا ابنتي" - قالت لي "انت لا تذكرينني بشيء. فانا لم انس كي اتذكر والجرح ما زال ينزف. عندما جاء المجرمون الى بيتي كنا نقيم ذكرى اربعين ابنتي. كانت قد توفيت في المبنى الذي قصفه "الاسرائيليون" في منطقة الصنائع، وكان مقرا لابو عمار. جاء افراد عائلتنا من صور للمشاركة في ذكرى اربعين ابنتي وكانوا جميعا هنا - نساء ورجالا. لم نكن نسكن في هذا البيت بل في الحي الغربي المتاخم لشارع المخيم الرئيسي - كان يوم جمعة. قتل يومها اخوتي واولادي وزوجي واصهرتي".
عندما دخلوا علينا كانوا اثني عشر مسلحا، يحملون البنادق والبلطات والسكاكين، لم نكن نعرف بالمجزرة بعد. كان الباب مفتوحا والبيت مزدحما بالنساء والاطفال والرجال. فصلوا الرجال عن النساء والاطفال. كانوا سيأخذون ابني محمود وكان يومها في الثامنة من عمره. قلت لهم "هذه بنت" فتركوه. اقتاد اربعة منهم النساء والاطفال اتجاه المدينة الرياضية وبقي الرجال في البيت تحت رحمة الاخرين. اخرجونا من المنزل حفاة. مشينا على الزجاج المحطم والشظايا. في الطريق تعثر ابني بالجثث المذبوحة والمرمية هنا وهناك وكان يحمل اخته الصغيرة. صرخت قائلة "باسم الله عليك"، فانتبه المسلح وقلت له وهو ينتزعه من بين يدي: "دخيلك. لم يبق لي غيره". طلبت منه ان يقتلني بدلا منه. اتوسل واتوسل - لكنه يصر على قتله. قال انه يريدني ان اعيش بالحسرة والحزن طيلة عمري. وبينما انا اتوسله وارتمي على بندقيته واديرها عن ابني، وضع يده خطأ على صدري. كنت اخبأ في "عبي" اثني عشر الف ليرة فانتبه وسألني ماذا اخبأ. قلت "اذا اعطيتك اياهم تعطيني ابني، فقال نعم. طلبت منه ان يقسم بشرفه، ففعل ! ! ! ! اعطيته المال واخذت ابني الذي كان يرتجف من الخوف. منذ ذلك اليوم ظهرت خصلة بيضاء في شعره.
وصلنا الى المدينة الرياضية فوجدنا "الاسرائيليين" هناك. اخبرناهم بما يحدث وطلبنا منهم ان يساعدونا ويذهبوا لانقاذ اولادنا ورجالنا، قالوا: لا دخل لنا. هؤلاء لبنانيون منكم وفيكم. وحبسونا في المدينة الرياضية طيلة النهار. كانوا يتكلمون العربية. عند المغرب، اخرجونا قائلين: إياكم ان تعودوا الى المخيم. اذهبوا الى مكان اخر. ذهبنا الى الجامعة العربية سيرا على الاقدام. وجدنا اثنين سوريين، ظننا في البداية انهما "اسرائيليان" فقد كان شعرهما اشقر وعيناهما زرقاوين. اخبرناهما بما حصل لنا، وقلنا لهما اننا نبحث عن مكان نبيت فيه. فتحوا لنا الجامعة، واعطانا احدهما بعضا من ثيابه مزقناها ولففنا الصغار بها، اذ لم يكونوا يلبسون ثيابا كافية عندما خرجنا، لم يكن لدينا قرش واحد. لا ندري الى اين نذهب، ولا نعرف شيئا عن رجالنا واولادنا. في اربعين ابنتي فقدت زوجي واربعة اولاد وستة من افراد عائلتي".
ام غازي لم تسكن في بيتها مجددا، اذ لم تحتمل ذلك، عندما عادت الى المخيم استأجرت منزلا اخر. تهدم بيتها القديم في حرب المخيمات، وتعيش الان في ظروف مادية سيئة للغاية، كانت تتكلم على مهل وترتجف طيلة الوقت. تعيش منعزلة عن محيطها في الم لا ينتهي.
انقضوا على الرجال بالبلطات
شهيرة ابو ردينة التي ترفض التكلم عن المجزرة عادة، تكلمت واخبرتني ماذا حدث. قالت : " كنا في الغرفة الداخلية نختبئ من القصف لأنها اكثر امانا وبعيدة عن الشارع - يقع بيتها في الشارع الرئيسي حيث جرت المجزرة الاساسية - كنا كثرا في المنزل - قالت : بقينا فيه حتى الصباح. كنا نسمع اثناء الليل صراخا واطلاق رصاص. عرفنا حينها انهم يقتلون الناس. كانوا يتراكضون في الازقة القريبة من بيتنا، فلم نجرؤ على الخروج. عند الفجر، خرجت اختي لتتفقد الحي وترى ماذا يجري. ما ان اصبحت في الخارج حتى صرخت "بابا" بصوت مرعب ثم سمعنا اطلاق الرصاص . خرج والدي وراءها فقتل ايضا. (وجدت جثة اخت شهيرة في ما بعد - مربوطة الى النافذة وكانت منتفخة جدا. كان عمر اختي 17 عاما، اخي كان في الرابعة والعشرين من عمره. وزوجي في الثالثة والعشرين وابن عمي في الأربعين، اما والدي فكان في الستين، جميعهم قتلوا، جاءوا صباحا واخرجونا من البيت، وضعوا الرجال امام الحائط وانقضوا عليهم بالبلطات.
وانهمر عليهم الرصاص كالمطر ثم اقتادونا الى الشارع الرئيسي و كنا نساء واطفالا فقط. وضعونا امام الحائط، وما ان هموا بقتلنا حتى سمعنا "اسرائيليا" يصرخ بالعبرية. لم نفهم ما يقول، لكنهم هم فهموا وتوقفوا عن قتلنا بعدما تحدثوا معه بالعبرية. عندها اخذونا الى المدينة الرياضية وحبسونا عند "الاسرائيليين" في غرفة صغيرة، وكانوا طيلة الوقت جالسين معنا يشحذون البلطات والسكاكين، اخبرنا "الاسرائيليين" ماذا يفعلون بنا في المخيم فلم يهتموا.
بقينا هناك، الى ان بدأت الانفجارات. بدأت الالغام المزروعة في المدنية الرياضية تنفجر، فهرب "الاسرائيليون" الى ملالاتهم، وهربنا نحن باتجاه الكولا ".
حاولوا ذبحنا على الطريق
محمد ابو ردينة ابن عم شهيرة كان في الخامسة من عمره عندما حدثت المجزرة قتل يومها والده واخته وصهره. اخبرني محمد كيف قتلوا اخته. قال:"كانت حاملا عندما قتلوها. بقروا بطنها وفتحوه بالسكاكين واخرجوا الجنين منه ثم وضعوه على يدها. والدي قتل امام بيت شهيرة ابنة عمه. كنا نختبئ تلك الليلة في بيت عمي. انا وامي واختي اقتادونا مع الباقين من نساء والعائلة واطفالها الى المدينة الرياضية وحاولوا ذبحنا على الطريق. كنت صغيرا ولم اع ما يحدث لنا. لم اع، الا اني كنت خائفا جدا، وعيت المجزرة عندما كبرت بسبب الظروف الصعبة التي عشناها بعد ذلك. تدمر بيتنا في حرب المخيمات واصبحنا بلا مأوى نتقل من مكان الى اخر. دخلت في ضياع تام بعد مرض امي. في عام 1992 جاء احدهم واحضر لها شريط فيديو عن المجزرة فرأيت والدي واختي. عندها اصيبت بجلطة في الدماغ، تحولت بعدها الى مجرد صورة. كانت تتوه في الطرقات فاذهب للبحث عنها. كنت في حوالي الرابعة عشرة من عمري وليس لي احد. وجدت نفسي مضطرا للاهتمام بها بدل ان تهتم هي بي، الى ان ماتت عام 1995. اضطررت للعمل وانا صغير جدا. والدتي عملت لبعض الوقت في تنظيف مكتب علي ابو طوق اثناء حرب المخيمات. كان علي يعطف علينا وساعدنا في ترميم بيتنا. انا الان وحيد وليس لي احد. المجزرة غيرت مجرى حياتي ودمرتني".
محمد الان - في العشرين من عمرة. ابيض شعره بعد المجزرة مباشرة وهو في الخامسة من عمره والمأساة حفرت عميقا في قسمات وجهه. يبدوا الان اكبر من عمره بعشر سنوات على الاقل. قال انه يسعى حاليا للهجرة. اذ لم يعد يحتمل الحياة هنا ! ".
القتل ذبحا او بكواتم الصوت منع الفلسطينيين من معرفة ما يجري في المخيم. كثيرون لم يصدقوا ان مذبحة تجري في مخيمهم. روى العديد من اهالي المخيم كيف كانوا يتجمعون في بعض المساحات يتسامرون ويتناقشون ويشربون القهوة. بينما تجري على بعد امتار منهم عمليات ذبح وقتل. في ساحة الجامع، اخبرنا بعض المسنين كيف لم يصدقوا ان مجزرة تحدث في المخيم الا بعد قدوم نساء واطفال تغطيهم الدماء. قال "ابو محمد" انه كان ضمن وفد الرجال الذي تشكل لمقابلة "الاسرائيليين" وتسليم المخيم لهم كي تتوقف المجزرة. كان ابو محمد "الوحيد" الذي نجا من الوفد، اذ تخلف عنهم وذهب لاحضار بطاقة هويته من المنزل. سرعان ما قتل اعضاء الوفد رغم خروجهم حاملين شرشفا ابيض.
اخبرني احد الرجال الذي رفض ذكر اسمه ان المخيم كان محاصرا بالجيش "الاسرائيلي" من جميع مداخله. "عندما علمنا بالمجزرة اردنا ان نخرج لكننا خفنا ان يقتلونا. عند ذلك قام احد الشباب باشعال قنينة غاز ورميها في مخزن للاسلحة في المخيم. بدأ المخزن يتفجر فهرب "الاسرائيليون" والكتائب بعيدا عن مكان الانفجار. عندها تمكنا من الخروج من طريق على مقربة من المخزن المنفجر ! ".
توقفت المجزرة السبت في 18 ايلول، مئات الجثث في الشوارع والازقة ترقد تحت اطنان من الذباب. اطفال مرميون على الطرقات. نساء وفتيات تعرضن للاغتصاب منهن من بقين على قيد الحياة، ومنهن من قضين عاريات في اسرتهن او على الطرقات او مربوطات الى اعمدة الكهرباء ! ! رجال قطعت اعضاؤهم الجنسية ووضعت في افواههم، مسنون لم ترأف بهم شيخوختهم ولم يعطهم المجرمون فرصة ان يرحلوا عن هذا العالم بسلام، ومن لم يقض منهم في فلسطين عام 1948 قضى في المجزرة عام 1982، حوامل بقرت بطونهن وانتهكت أرحامهن واطفال ولدوا قسرا قبل الاوان وذبحوا قبل ان ترى عيونهم النور.
المقبرة الجماعية التي دفن فيها الضحايا هي اليوم مكب للنفايات ومستنقع يغرق في مياه المجارير ولا يسع الموتى - حتى في موتهم - ان يرقدوا بسلام ! ! اما الناجون، فيعيشون في ظروف انسانية وسياسية صعبة، اقل ما يقال فيها انها موت بطيء يلاحقهم - منذ المجزرة - انى حلوا !
كيف نقرأ المجزرة اليوم ؟ انقرأها كمجرد ذكرى نستعيدها ام نقول "عفا الله عما مضى " ونمضي الى حياتنا وكأن كل شيء على ما يرام ؟ هل نكرر المطالبة بمحاكمة الفاعلين، اليوم وقبل الغد، ام ننتظر تغير موازين القوى الدولية والمحلية ونقول للعدالة ان تنتظر؟ من يقرر العفو عن المجرمين وبأي حق يعفو؟ واذا قبلنا ان نعفو عن جرائم الحرب في لبنان فكيف نربي اطفالنا بعد ذلك؟ انربيهم ان الحق للقوي ام نربيهم على الخوف بحجة حمايتهم من القتلة، ام نطلب منهم التغاضي عن دم الابرياء، فينشأون "بلا دم" وفاقدي الحس والعدالة؟ وان اكملنا على هذا النحو- ونحن اكملنا - انمنع "اسرائيل" من ارتكاب مجازر جديدة ؟ ! وهل نمنع المجرمين الذين يعيشون بين ظهرانينا من تكرار ما فعلوا؟ وهل تصدق توبة تائب منهم - لو تاب؟ - لا يضع نفسه طوعا امام القضاء ؟ ! !
نشاطات في المخيم وتنظيف المقبرة
بادرت بلدية الغبيري، بأمر من رئيسها محمد سعيد الخنساء الى القيام بحملة تنظيف واعادة تأهيل المقبرة الجماعية لشهداء مجزرة صبرا وشاتيلا في منطقة الحرج - بئر حسن، تمهيدا لتنظيم مسيرة شعبية في الساعة السادسة من مساء اليوم الاربعاء انطلاقا من مدخل شاتيلا الشمالي حتى المقبرة بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين - فرع لبنان، وتحالف القوى الفلسطينية واللجان الشعبية في المخيمات.
ووجه الاتحاد العام للكتاب والصحافيين والفلسطينيين واللجنة الشعبية في مخيم شاتيلا برقية شكر الى الخنساء والمجلس البلدي في هذه المناسبة، وتمنوا عليه مواصلة العمل والتعاون من اجل رفع الظلم اللاحق بأرض المقبرة واجداث الشهداء وكرامتهم.
واصدر الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين بيانا دعا فيه الى المساهمة في الحفاظ على هيبة واحترام مقبرة شهداء المجزرة واقامة نصب تذكاري عليها " لكي لا تظل ملعبا للأطفال او مكب للخضار والنفايات" ورفع الاتحاد شعار " ساهموا معنا كي لا يدفن الأحياء ولا يقتل الشهداء مرتين".
من جهتها، اعلنت جمعية الوفاء للأرض والانسان ومركز الشباب الفلسطيني في مخيم شاتيلا واهالي شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا عن برنامج اعد لمناسبة ذكرى المجزرة اليوم والخميس والجمعة 16 و17 و 18 الجاري ويشمل اقامة معرض في شوارع المخيم حيث تمت المجزرة ويتضمن عرض صور لضحايا المجزرة مع شروحات بالاضافة الى ورشة عمل حقوقية وتخصيص يوم الجمعة المقبل للتعازي ونشاطات اخرى.