شارون ومجزرة قبية:

الخلفية السلوكية

 

نافذ ابوحسنة
كاتب فلسطيني


تذكر مذبحة قرية قبية في موضع متقدم ضمن سلسلة المذابح التي نفذها الصهاينة على ارض فلسطين، لكنه غالبا ما تندر الاشارة الى ان هذه المذبحة تعتبر من بواكير تجسيد "ارهاب الدولة" الذي يمارسه العدو الصهيوني. فمن المعروف ان من قام بتنفيذ هذه المذبحة، هو "قوات نظامية" في جيش الاحتلال الصهيوني، على خلاف ما سبقها من مذابح "دير ياسين" و" ابوشوشة" وغيرها، حيث كان المنفذون من افراد العصابات الصهيونية "الهاغاناه، الارغون، شتيرن وليحي.."، وبذلك كانت مذبحة قبية بداية لسلسلة من المذابح النظامية، اذ اعقبتها مذبحة غزة 1955، وكفرقاسم 1956، والسموع 1966، وصولا الى قانا 1996، وما يجري حاليا على الارض الفلسطينية. واذا كانت ثمة عوامل عديدة تدفع باستمرار الى استذكار المذابح الصهيونية، وفضح هذا الكيان الارهابي، فان عاملا اضافيا يدعونا الى ذلك الان، وهو المرتبط بانتخاب ارييل شارون سفاح قبية، رئيسا للوزراء في كيان العدو الصهيوني.

ومثل هذه الحالة لا تشكل مفاجأة من أي نوع، بل ربما من الضروري ان يكون الصهيوني سفاحا قد ولغ في الدم العربي حتى يكون مهيئا لاحتلال منصب رفيع في كيانه، وبذلك فان شارون يشكل استجابة لمتطلبات القاعدة لا شذوذا عنها، بل هو يدرج في خانة الاستجابة القصوى، لان سجله مليء اكثر من سواه بالمذابح والارهاب.

لا يختلف سيناريو مذبحة القبية كثيرا عن تلك الطرائق التي اعتمدت سابقا ولاحقا عليها في تنفيذ المذابح بحق الفلسطينيين والعرب، ولكن دور شارون في هذه المذبحة هو المختلف، اذ قام باعداد وحدة خاصة لتنفيذها.

ففي اثناء حرب 1948، شكلت القيادة الصهيونية وحدة مظليين خاصة من مئة عنصر، لكن هذه الوحدة لم تشارك في الحرب المذكورة، ولم تظهر أي فاعلية. وبعد انتهاء الحرب قرر الصهاينة تطوير سلاح المظليين، فقاموا في آب من عام 1953، بتشكيل وحدة خاصة عرفت باسم "الوحدة 101" ونواتها عشرون عنصرا، اسندت قيادتهم وتدريبهم الى ارييل شارون، الذي عمل على توسيع قوام وحدته خلال وقت قصير، ليرتفع الى 40 عنصرا، دربهم على علميات القصف والتخريب والقتل والتعذيب بشكل خاص.

ولم يكد يمضي شهران على تشكيل هذه الوحدة، حتى كانت تقوم باول اختبار عملي لها في قرية قبية التي تبعد نحو كيلومترين عن خط الهدنة المرسوم عام 1949، غربي رام الله، اذ كانت الوحدة المذكورة راس حربة القوة الصهيونية التي هاجمت القرية.

جهز الصهاينة للهجوم قوة من 600 عنصر، تولوا قصف القرية بالمدفعية بداية، ثم طوقوها وعزلوها عن القرى الاخرى، وشغلوا مراكز القوات الاردنية التي يتوقع ان تتحرك للنجدة، ثم اندفع شارون وافراد وحدته الى داخل القرية للبدء في عمليات القتل والنسف والتدمير، حيث انقسم افراد الوحدة الى مجموعتين، تولت الاولى القتل بالرشاشات، في حين كانت الثانية تقوم بتلغيم البيوت لنسفها. وهكذا فقد اسفر الاعتداء الوحشي الذي بدأ في السابعة والنصف مساء 14/10/1953، واستمر حتى الرابعة من صباح يوم 15/10، عن استشهاد سبعة وستين مواطنا من سكان القرية رجالا واطفالا ونساء، اضافة الى عدد كبير من الجرحى، وابيدت اسر كاملة، منها اسرة عبدالمنعم قادوس المكونة من اثني عشر فردا. كما اسفر الهجوم عن تدمير 56 منزلا، ومسجد القرية، ومدرستها، وخزان المياه الذي يغذيها.

اعتبرت القيادة الصهيونية عملية قبية نجاحا لوحدة شارون، فاخذت تعمل على تعزيزها بسرعة. وفي مطلع كانون الثاني 1954، جرى دمج الوحدة 101 بقوة المظليين المشكلة منذ عام 1948، واسندت قيادة الوحدة الجديدة لـ "شارون" كي يتولى تدريبها وقيادتها.. وسوف يرتبط اسم هذه الوحدة وقائدها بسلسلة طويلة من المذابح والاعتداءات الوحشية.

تبقى اشارة طريفة فقد حمل قرار مجلس الامن الصادر يوم 24/11/1953، الذي ادان ما وصفه بـ "العمل الانتقامي على قبية الذي قامت به قوات “اسرائيل” المسلحة.. الخ" حمل ارقم 101، تماما مثلما هو الاسم الرمزي لوحدة شارون. هي الصدفة بالتاكيد، لكن فيها ما هو اعمق من مجرد .. المصادفة.