مقدمة
بعد
وقوع مجزرة قانا التي راح ضحيتها اكثر من مائة
لبناني بفعل القذائف المدفعية الاسرائيلية،
ادعت تل ابيب انها شكلت لجنة للتحقيق في
المجزرة.
وبطبيعة
الحال زعمت اسرائيل ان المجزرة وقعت عن "طريق
الخطأ" وهي "تأسف" لذلك.
غير
ان تحقيقا صحافيا، تم اجراؤه مع الضباط
والجنود الاسرائيليون الذين اطلقوا القذائف
المدفعية على المدنيين اللبنانيين الذين
التجأوا الى مركز للقوات الدولية، يؤكد ان
التعبئة الاخلاقية في الجيش الاسرائيلي تفسح
المجال واسعا لحدوث مثل هذه المجازر، ذلك ان
التحقيق اظهر ان الضباط والجنود
الاسرائيليين غير نادمين على فعلتهم.
يقول
احد الضباط، "ما الضرر اذا قتل مائة عربي
فالعرب كثر"، ويقول جندي اسرائيلي "لو
نقص عربي او زاد لا ضرر في ذلك"، ويقول
اخر " دعهم يموتون انهم عرب".
يوم
الجمعة الماضي (الثالث من ايار) بدأ البروفسور
آشا كاشير يلفت النظر ال الميزان الاخلاقي
لعملية "عناقيد الغضب" بشكل عام، والقصف
على قانا بشكل خاص. فكاشير هذا، وهو الذي صاغ
القانون الاخلاقي للجيش الاسرائيلي، كتب في
صحيفة "معاريف" قائلا : "حتى هذه
اللحظة تبدو البيانات المتداولة بين الجمهور
مغرضة ومنحازة، الا انني لا اجد فيها أي اساس
لمقارنة ذات صلة بكفر قاسم، وديرياسين، وصبرا
وشاتيلا او قبية. ومن الضروري اقامة نوع مختلف
من النقاش بدل المقارنات السريعة والسطحية
والمشكوك فيها".
ومع
ذلك، فان مثل هذا النقاش، الضروري جدا، حسب
رأي البروفسور كاشير، قد حدث فعلا ، وتولى
ادارته الكابتن اس (S)
قائد سرية البطارية التي اطلقت صواريخها على
المدنيين في قانا بعد مرور عدة دقائق على
القصف المدفعي الذي اودى بحياة حوالي مائة
لبناني لجأوا الى حمى القوات الدولية، اضافة
الى جرح العديد من المواطنين.
ــ
الجندي ـ أ ـ (A)
قال: " تلقينا معلومات حول ما حدث بعد خمس
دقائق بالضبط من اطلاق النار، ولا استطيع
القول ان الحالة النفسية العامة التي اعقبت
ذلك كانت سيئة وقاتمة على نحو خاص. لم نستوعب
في ذلك الحين ان الامر كان حادثا مؤسفا، من
الممكن تجنبه كي لا يحزن احد. وقد جمعنا قائد
السرية وقال لنا : "انها الحرب وعلينا ان
نستمر باطلاق النار كوننا مقاتلين عظماء".
انها مشكلتهم "بالزايد عربي بالناقص عربي
لا يهم كما تعلمون" قائد سرية البطارية قال
لنا ذلك وبالحرف الواحد.
*هل
تعني، بكلامك هذا، الكابتن اس (S)
وماذا قال بالضبط؟
ـ
" قال لنا : انها الحرب هيا، السفلة يطلقون
النار عليكم، ماذا بوسعكم ان تفعلوا".
واضاف ايضا: "اننا نطلق النار بشكل جيد،
وعلينا الحفاظ على هذا المستوى، وان العرب،
كما تعلم، يعدون بالملايين".
ــ
وقال الجندي ـ تي ـ (T)
وكان حاضرا في اجتماع الوحدة ذاته:"لم
يتكلم احد عن الامر وكأن خطأ قد حصل. فنحن قمنا
بعملنا ونعيش في حالة اطمئنان طبيعية مع
الامر. كما ان الكابتن (S)
قال لنا: ان عملنا كان جيدا، وانهم ليسوا سوى (Arabushes)
وهي الشتيمة العبرية الشائعة ضد العرب.
والكلمة مزيج من كلمة "عرب" مع نهاية
الكلمة العبرية "Rats".
*الم
يعترض احد على هذا المصطلح Arabushes؟
ــ
الجندي ـ تي ـ (T)
: لا تقل لي انك يساري او ما شابه!
ــ
الجندي ـ أ ـ (A)
: كم يوجد من العرب، وكم يوجد من اليهود؟ مات
القليل من الـ Arabushes،
ولا ضير في ذلك.
كان
هذا التقييم الاخلاقي للقصف القاتل على
المدنيين اللاجئين الى معسكر الوحدة الدولية
في قانا. ومن شهادات الجنود الخمسة والضباط
الذين خدموا في سرية البطارية تلك او القريبة
منها، والتي تمت مقابلة افرادها على حدة. من
الواضح ان احدا من جنود وضباط الوحدة لم يشعر
بالندم او تأنيب الضمير ولو للحظة واحدة على
القصف الذي جرى، كما لم يهتم احد من القادة
الكبار بطرح الاسئلة على هؤلاء الجنود حول
"نقاوة السلاح". وايضا الاطباء
النفسانيون الذين ادعى الجيش الاسرائيلي انه
ارسلهم للجنود لم يرهم هؤلاء الاخيرون بل لم
يكونوا في حاجة اليهم.
والحزن
"العميق" الذي ادعته الحكومة
الاسرائيلية وجيشها حول مقتل المدنيين توقف
عند حدود الناطق باسم الجيش الاسرائيلي. اما
الجنود والضباط الذين قاموا بالقصف فهم لم
يسمعوا به.
وكان
واضحا من الشهادات هذه، وخلافا لتقارير الجيش
الاسرائيلي الرسمية، ان القائد الاقليمي لم
يزر الجنود بعد الواقعة. بل ان تصريحات هؤلاء
الجنود اثارت الشكوك من ان التحقيق الذي اجري
معهم عقب القصف كان مجرد تغطية.وعلى عكس ما
توصلت اليه استنتاجات التحقيق التي صدرت هذا
الاسبوع، والتي تقول ان القصف على قانا جاء
نتيجة خطأ في الخرائط، فانه تم اكتشاف ومعرفة
ان افراد سرية بطارية المدفعية الذين قاموا
بعملية القصف لم ينفذوا ولم يتبعوا مقاييس
الحرارة المطلوبة، فالحرارة، كما يتعلم كل
مجند جديد في وحدات المدفعية، تؤثر في سير
القذائف وتوجهها. والضباط الذين تكلمنا معهم
اقروا بان هذا هو ما حصل تمام
في "قانا".
اما
جنود البطارية فلم يكونوا مهتمين فعلا بالذي
تسبب الخطأ.
ـ
فالجندي ـ تي ـ (T)
قال : "المدفع ليس سلاحا دقيقا جدا. اذ انك
تطلق النار من على مسافة عدة كيلومترات ولا
تعرف اين تسقط القذائف. ففي المعارك لا نقوم،
دائما بمراجعة الخرائط، لان هذا مضيعة للوقت.
فضباط البطارية يعطون الاوامر ونحن ننفذ.
وكجنود بطارية مدفعية لا نمارس مهمة الحكم في
المسالة، فهذه ليست مؤسسة ديمقراطية. انه
الجيش !، ولا احد يسألك عن رأيك. وبخصوص "قانا"
فالذي حصل سواء كان خطا ام لم يكن ، فهؤلاء
الناس قتلوا. فماذا في هذا الامر؟
*وماذا
لو سئلت عن رأيك؟
ـ
كنا اطلقنا المزيد من القنابل، وقتلنا المزيد
من العرب. فليس في ذلك أي ضرر.
*ولا
حتى تأنيب ضمير!
ـ
نحن جيش وهم عرب، هناك الكثير من العرب. ولست
اشعر باي تأنيب ضمير في هذا الامر. وهذا ايضا
ما يشعر به كل واحد من رفاقي في الكتيبة، فنحن
كجنود نطيع الاوامر آلاتية من فوق وننفذها،
والاستنكاف الضميري ليس ذا صلة بالامر. الجيش
منظمة غير ديمقراطية، هناك امر ياتي من فوق:
من الحكومة، من القائد (…..)
نتلقى الاوامر فنطلق النار.
ــ
الجندي ـ أ ـ (A)
: هناك اوامر تصدر ونحن نطيعها، وفي هذه
الحالة المحددة حصل انحراف في سير القذيفة
وسقطت حيث لم يكن من المفترض ان تسقط، وهذا
كان افضل.
*ونقاوة
السلاح؟
ـ
وما هو هذا؟
*الم
تتعلم عن نقاوة السلاح في معسكر التدريب؟
ـ
لا اعرف ما هي "نقاوة السلاح".
*وانت
يا ـ تي ـ (T)
؟
ـ
اسمع ! في التدريب المدفعي لا يضيعون الوقت في
الكلام، بل يعلموننا كيف نكون جنودا اكفاء
ومحترفين.
ــ
الجندي الثالث الذي تحدثنا اليه كان اسمه ـ
واي ـ (Y)
ومن السرية نفسها.
قال
ـ واي ـ (Y)
: بعد الذي حصل في "قانا" لم يتغير الكثير
في ما يتعلق بوضع الكتيبة النفسي. الصحافة
جعلت من الامر قضية كبيرة، لكن بالنسبة لنا
فانه ليس كذلك. نحن في الكتيبة نعيش حياة حرب .
لسنا في وظيفة سهلة، نعود منها الى البيت كل
مساء. هنا، نعيش حياة اجتماعية مؤلفة من وحدة
مرابطة جدا تسودها المحبة. اتعلم ! هناك
الكثير من المرارة والحقد نحو العرب بين
افراد الكتيبة.
*عن
أي شيء تكلم بعضكم مع الاخر بعد الهجوم على
"قانا"؟
ـ
تكلم الجنود عما حصل وكيف جرى. القليل منهم
كان خائفا من القصف. وقد علمنا به اصلا بعد خمس
دقائق من حدوثه، واذيع في نشرة اخبارية بعد
خمس عشرة دقيقة. لكن لم نتكلم في الامر كثيرا.
قلنا: جيد! البعض منهم قد مات.
*في
هذه العملية كان عدد الاصابات الاسرائيلية
صفرا، اما الاصابات المدنية اللبنانية فبلغت
150، وهذا العدد يضم المدنيين فقط؟
ـ
اسمع ! انا لا اتكلم عن هذه العملية او تلك.
هناك حرب دائرة، وفي الحرب تحصل امور كهذه.
ولحسن الحظ كان لدينا وقاء للقنابل ولم يكن
لديهم، وهذه مشكلتهم. ليسوا سوى "آرابوشيس".
لماذا يصعب الامر عليك الى هذا الحد؟
وقال
الكابتن ـ جي ـ (G)
وهو ضابط يرأس وحدة بطارية شبيهة بتلك التي
اطلقت القذائف واخطأت الهدف : " عند اطلاق
قذائف المدفعية يحصل في بعض الاحيان إخفاق.
*ورد
في الصحف ايضا ان القائد الاقليمي جاء للتحدث
اليكم، فماذا قال؟
ـ
لم يأت القائد الاقليمي للتحدث الينا، ربما
زار وحدات اخرى. واظن ان القائد ـ ك ـ (k)
قائد الفرقة العسكرية، هو الذي قدم الى هنا،
الا انه لم يتحدث الى جنودي. لقد قمت انا بهذا
الامر وتحدثت معهم لارفع من معنوياتهم.
*وماذا
قلت لهم؟
ـ
بالا يعتبروا ان ما حصل يشكل ازمة، اذ ان
امورا كهذه تحصل. فالعرب هم العرب، ولا يمكن
عمل شيء ازاء الامر، ففي الحرب تحصل امور كهذه.
كان
الكابتن "سي" محقا. فلا احد من الجنود
والضباط الذين تمت مقابلتهم احتاج لطبيب نفسي.
وحتى المحادثات التي عقدها القادة الكبار في
وحداتهم كانت مقتضبة، فقد بدت وبشكل واضح
انها خصصت للبروتوكول فحسب.
*من
اتى وتكلم معكم بعد الحادثة وماذا قال لكم؟
ـ
الجندي ـ تي ـ (T)
: المقدم ـ بي ـ (P)،
وتحدث معنا ورفع من معنوياتنا. قال لنا اننا
نعمل بنشاط، ونجيد اصابة الهدف، وان الجيش
الاسرائيلي يحتاج الى الصبر لكي يربح الحرب.
كما طلب منا المحافظة على ادائنا الجيد.
*هل
طرحتم عليه اسئلة حول الهجوم على قانا؟
ـ
اولا، من كان لديه الوقت ليسأل ؟ لقد تكلم
معنا لمدة دقيقتين، ثم انصرف.
ـ
الجندي ـ أ ـ (A)
: الكابتن "اس" تكلم معنا ايضا. فبعد
الحادث قال لنا اننا كنا رائعين، والذين
ماتوا ليسوا سوى بعض العرب (Arabushes).
*هل
استخدم الكابتن اس ـ S
ـ مصطلح (Arabushes)
؟
ـ
الجندي ـ أ ـ (A)
: اجل، هذا ما قاله، وهذا ما شعرنا به ايضا. (بالزايد
عربي وبالناقص عربي).
ـ
الجندي ـ تي ـ (T)
: لا اتذكر الكلمة التي استخدمتها، ولكن تلك
كانت الفكرة السائدة.
ـ
الجندي ـ أ ـ (A)
: عليك ان تفهم، ان امورا كهذه تحصل دائما.