شارون مجرم حرب
سعاد سرور لـ"الانتقاد": هكذا قتلونا

 

أمير قانصوه/  كاتب لبناني
الانتقاد/ بيروت 22/6/2001


مقدمة

لم تكن الفتاة سعاد سرور لتتمكن من سرد قصتها لنا، فما حدث ذلك اليوم يشكل لها مأساة حقيقية ما زالت تلازمها حتى الآن. وما العكازتان اللتان تستند اليهما عندما تمشي الا دليل قاطع على أن مأساة صبرا وشاتيلا والمذبحة التي أودت بحياة نحو ألفي مواطن لبناني وفلسطيني بينهم عائلة سعاد بمعظم أفرادها، لم تترك أثرها في نفس الفتاة فحسب، بل في جسدها أيضاً الذي يشلّه رصاص الصهاينة، وإن كان بيد أزلامهم.

 قبل نحو شهرين التقيت بـ"سعاد" صدفة على هامش توقيع كتاب يتناول أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان، لم ترغب حينها في الحديث الصحافي، حتى لا يؤثر ذلك على البرنامج الذي كانت تعدّه هيئة الاذاعة البريطانية عن مذبحة صبرا وشاتيلا ومسؤولية آرييل شارون فيها، وكان اتفق معها على ان تكون الضيفة الرئيسية فيه (برنامج بانوراما، عرض يوم الأحد الماضي وأحدث ضجة داخل الكيان الصهيوني نتيجة الاتهامات الموثقة لشارون).

هذا اضافة الى نيتها التوجه الى بروكسل للانضمام كشاهدة ومدعية في ملف الدعوى على المجرم شارون أيضاً، الذي تعده مجموعة من المحامين بينهم لبنانيون وعرب وبلجيكيون.

لكن أمام اصرارنا تحدثت سعاد بشكل مقتضب عن ذلك اليوم الذي قُتل فيه معظم عائلتها..

قالت: "كنا نأكل عندما طُرق الباب ودخل المسلحون الى المنزل. لم نتحرك، لكنهم بدأوا العبث بمحتوياته.. أظن أنهم كانوا يبحثون عن أسلحة وغيرها من الأمور التي تهمهم وبينها المال. لكنهم عندما أنهوا ذلك أتوا الينا وحصل عراك بسيط مع والدي قبل أن يطلقوا النار من أسلحتهم عليّ وعلى أبي وأمي وإخوتي وعدد من جيراننا الذين كانوا لحظتها في منزلنا".

تضيف: "أفرغ القاتل كل الرصاص الذي في سلاحه واستطاع اثنان من اخوتي الفرار من أمام الرصاص، فاختبأا في الحمام ونجوا، لكن المسلحين بعد أن اعتدوا عليّ، عمدوا الى اطلاق النار على أجسادنا الواحد تلو الآخر ليتأكدوا من موتنا".

هنا توقفت سعاد عن الكلام، لم تعد تستطيع سرد تلك الرواية الحزينة.. لكن بعد دقائق تنفست خلالها ما خلفته في رئتيها.. قالت: "قُتل الجميع وبقيت بينهم على قيد الحياة أسبح في دمي ودم أهلي، ولا أسمع غير مواء القطط المسعورة - تخيل ان حيواناً أكل من اللحم الآدمي ماذا سيحل به - كان الأمر بالنسبة إليّ مأساة أخرى قبل ان يتدخل القدر وينتشلني من هناك لأبقى على قيد الحياة".

ومطلع هذا الاسبوع وصلت الفلسطينية سعاد سرور برفقة محاميها شبلي وجدي الملاط الى بلجيكا، لتدعي على رئيس الوزراء الصهيوني آرييل شارون بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية.

وتستفيد سرور مع 27 ناجياً آخرين من قانون صدر عام 1993 يسمح للمحاكم البلجيكية بمساءلة المسؤولين الاجانب عن انتهاكات لحقوق الانسان بينها القتل الجماعي، بغض النظر عن مكان وقوعها او جنسيات الضحايا او المتهمين وأماكن إقامتهم.

وقال المحامي البلجيكي لوك فالين (محامي أحد مقدمي الدعاوى): "منذ حوالى 20 عاماً لم تحدث ملاحقات قضائية، ولم يكن بوسع الضحايا تقديم شكوى في لبنان أو "اسرائيل"، وقاموا بذلك في بلجيكا، وأصبح بوسع الضحايا ان ينظر القضاء في ملفاتهم".

وسبقت سرور الى بلجيكا لجنة مؤلفة من رعايا فلسطينيين ولبنانيين ومغربيين وبلجيكيين، وقدمت في مطلع حزيران /يونيو دعوى بالحق المدني ضد شارون بتهمة الابادة.

واستند مقدمو الدعوى الى نتائج تقرير لجنة تحقيق اسرائيلية أطلق عليها لجنة "كاهانا"، وكانت خلصت الى تحميل شارون مسؤولية غير مباشرة عن المجزرة، الأمر الذي أرغمه وقتها على الاستقالة من منصب "وزير الدفاع"، وعدم السماح له باحتلال مثل هذا المنصب أبداً.

وكانت محكمة بلجيكية أصدرت خلال الأيام الماضية حكماً ضد راهبتين روانديتين بالسجن لـ12 و 20 سنة بعد ادانتهما بأداء دور في المجازر التي ارتكبت في راوندا عام 1994. كما أدانت المحكمة أيضاً رجل الاعمال ألفونسو هيغا نيرو والبروفسور فينينت تشيمانا، وشكلت هذه الاحكام سابقة رحبت بها منظمات الدفاع عن حقوق الانسان، وهي أول أحكام يصدرها محلفون من بلد على متهمين في بلد آخر.

يذكر ان المجرم شارون كان يزمع القيام بجولة أوروبية تشمل بلجيكا، الا انه لأسباب لم يعلن عنها أجّل زيارته. ويعتقد مطلعون ان السبب الذي يقف وراء تأجيل زيارته تلك هو الدعاوى التي يمكن ان تحركها المحاكم البلجيكية في وقت قريب.