في المفاضلة بين شارون وباراك:
 بين المنافق باراك والمجرم الصريح شارون

 

عن دراسة مطولة للكاتب الامريكي جيفري غولدبيرغ تضمنت عدة لقاءات مع شارون

الكاتب: مازن البندك/ كاتب فلسطيني

المصدر: مجلة الجيل ـ بيروت آذار 2001


مقدمة

قال الشاعر العربي: تعددت الاسباب والموت واحد! تماما كما يمكن ان يقال اليوم تعددت الاسباب والموت واحد والقتلة هم هم: شارون وباراك وبيريس. شارون جزار صبرا وشاتيلا، وباراك جزار الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي بلغ عدد ضحاياه من الشهداء الفلسطينيين حتى اليوم وفي اقل من اربعة اشهر حوالي 350، وبيريس جزار قانا.

ولكن ذلك لن يمنع احد فلاسفة اتفاقية اوسلو من توجيه نداء الى الناخبين الفلسطينيين في الاراضي المحتلة بالتصويت لايهود باراك، فرد عليه ابناء 1948 بالمظاهرات والاحتجاج والدعوة الى الامتناع عن التصويت سواء لايهود باراك او ارييل شارون كما اعلن الاعضاء العرب في الكنيست “الاسرائيلية”، من بينهم عزمي بشارة واحمد الطيبي، دعوتهم الناخبين الفلسطينيين الى القاء ورقة بياض في صندوق الاقتراع علامة الاستنكار لكلا المرشحين.

والذين يتوهمون ان هنالك فروقا بين قادة “اسرائيل” وان هنالك خلافا في برامج حزبي العمل والليكود تجاه العرب والفلسطينيين يجهلون ابسط الحقائق البديهية في الصراع وهي ان الجانب “الاسرائيلي” لا يرتدع يوما ولا يقف عند حد الا مضطرا ومجبرا وليس لان هذا القائد “الاسرائيلي” او ذلك قرر ان يقف او يتراجع باختياره.

 

في حرب 1948، توقفت الهجمة “الاسرائيلية” على كل الجبهات بعد ان اصبح الكيان الصهيوني الجديد عاجزا عن ان يتوسع ويلتهم ويهضم اكثر مما حصل عليه. وفي 1956، انسحبت “اسرائيل” من سيناء وغزة لان الموقف العربي الذي كان يتمتع بعناصر قوة معنية ذاتية ودولية اضطرتها الى ان تنسحب. وبعد حرب 1967، قبلت حكومة “اسرائيل” بالانسحاب الى حدود 4 حزيران 1967 (بناء على مشروع روجزر وزير خارجية امريكا حينذاك) بعد ان شنت مصر وسورية حرب الاستنزاف واوقعت باسرائيل خسائر عادلت نسبتها خسائر امريكا في فييتنام. وبعد حرب 1973 والتي حقق فيها الجانب العربي، مصر وسورية انتصارات محددة اثبتت قابلية “اسرائيل” للهزيمة، رضيت “اسرائيل” بالانسحاب من سيناء (ولو ان ذلك حدث بعد ذلك باستفراد مصر وبخطأ السادات الذي لم يعرف ان انتصار حرب تشرين النسبي كان بنتيجة وحدة الموقف السوري ـ المصري وان العبث بهذا الموقف هو الذي ما يزال يجرجر الموقف العربي كله في اوحال اليوم).

وبعد الانتفاضة الفلسطينية 1987-1993 التي هزت كيان “اسرائيل” من جهة، وزعزعت صورتها في العالم، من جهة اخرى، اضطرت “اسرائيل” بان تعترف بالشعب الفلسطيني الذي طالما كانت تنكر وجوده، واضطرت ان تجلس مع ممثلي الشعب الفلسطيني وان تفاوضه. اما ان النتيجة كانت اتفاقية اوسلو التعيسة فذلك يعود الى تخاذل الطرف الفلسطيني الرسمي وخروجه على الاجماع الذي تحقق في مؤتمر مدريد.

المهم، انه على طول هذا المسلسل الطويل من الصراع بين العرب واسرائيل تبادلت الاحزاب “الاسرائيلية” من اليمين واليسار، من الليكود الى العمل الى الاحزاب الدينية، المواقف نفسها ولعبت الادوار نفسها، دون ان يكون هنالك عامل مختلف او تأثير متميز في السياسات “الاسرائيلية” لحزب “اسرائيلي” دون آخر او لشخصية “اسرائيلية” دون اخرى، من بن غوريون الى ايهود الى ارييل شارون.

فالمسألة، اذن، ليست باراك او شارون ولكنها السياسة “الاسرائيلية” التي تحكمها اعتبارات القوة البحث وعلاقاتها في مرحلة معينة.

بل ان شارون بصفته وزيرا في حكومة اسحق شامير وافق على تفكيك المستعمرات “الاسرائيلية” في سيناء بعد اتفاقيتي كامب دافيد. كما ان شارون حيث كان عضوا في حكومة الليكود برئاسة نتنياهو وافق على اتفاقية الخليل التي تضمنت بعض التراجع عن المواقف “الاسرائيلية” المتطرفة والمعلنة لليمين “الاسرائيلي”. فالعامل الاساسي في موقف أي حزب او فئة او شخصية في “اسرائيل” هو قدرة “اسرائيل” على تحقيق احد اطماعها في فترة معينة على اساس حسابات الربح والخسارة والممكن وغير الممكن. فقط.

وفي مواجهة السلطة الفلسطينية، هل يقدم باراك اكثر مما يمكن ان يقدمه شارون؟

في تصريح اخير لشارون يوضح موقفه من مختلف المسائل كما يلي:

ـ القدس، قال شارون انه لن يقبل ابدا بتقسيمها وانها ستبقى تحت السيادة “الاسرائيلية”.

ـ وادي الاردن، اعلن شارون انه سيبقى تحت السيطرة “الاسرائيلية”.

ـ عن المستوطنات، قال انها لن تفكك.

ـ اللاجئون الفلسطينيون، قال انه لن يقبل بعودتهم.

وفي كل هذه القضايا الاساسية لا يبدو ان هنالك خلافا بينه وبين باراك حسبما نعلم حتى الان. تبقى نقطة واحدة، وهي اراضي الضفة الغربية وغزة، فان باراك يعرض انسحابا اوسع. لكن الاثنين باراك وشارون يتفقان على نزع سلاح أي كيان فلسطيني وكذلك استمرار السيادة الفعلية على مثل هذا الكيان بالسيطرة على معابره ورقابته والتحكم فيه. أي ان أي كيان فلسطيني، لدى الشخصين، يجب ان لا يزيد بوصة واحدة عن مفهوم البانتوستان، أي سيطرة “اسرائيل” الفعلية على مقدرات أي كيان فلسطيني يمكن ان يتخذ لنفسه بعد ذلك اية تسميات: من السلطة المحلية الى الدولة.

 

وفي تصريح اخير للصحفي الامريكي اليهودي جيفري غولدبيرغ، ابدى شارون قدرته على تحسين لهجته مع الفلسطينيين عند اللزوم وانه أي شارون بعث الى ياسر عرفات بتهاني الموسم.

اذن، اذا كانت هنالك اية فروق بين شارون وباراك في مواجهة العرب والفلسطينيين فانها في اللهجة او الاسلوب لقاتلين محترفين.

ولكن هل يعني ذلك ان شارون وباراك هما نسخة واحدة؟ طبعا لا ولكن فلنعلم من البداية انها مجرد فروق هامشية.

او كما قال عبدالكريم مفيد، من ام الفحم في الاراضي المحتلة (1948) للصحفي الامريكي نفسه، ان سكان الكيبوتز “الاسرائيليين” الذين يتظاهرون بمسايرة العرب وانهم يساريون وليسوا من اليمين المتطرف : هؤلاء هم الاسوأ، لانهم منافقون، انهم جزء من النظام نفسه ولكنهم يحاولون انكار ذلك.

او كما يقول هاشم محاميد النائب العربي في الكنيست “الاسرائيلية”: "اعتقد باننا تعلمنا اخيرا ان هنالك كاهانا (العنصري القاتل) صغير في قلب كل يهودي".

هذا هو الفارق بين شارون وباراك: باراك منافق وكاذب يحاول ان يلبس لبوسا مزيفا وشارون لا يخفي او لا يستطيع ان يخفي حقيقته.

ولكن في قلب كل منهما كاهانا القاتل العنصري المتعصب.

 

من هو شارون؟

يقيم ارييل شارون، ولقبه اريك، في مزرعة سيكامور على اطراف النقب في جنوب فلسطين، وهي اكبر مزرعة حمضيات وفواكه في “اسرائيل”، وتبلغ مساحتها حوالي خمسة الاف دونم، دفع له ثمنها احد اضخم عمالقة الانتاج السينمائي في هوليوود ميشولام ريكليس. ولم يهتم شارون بالنقد الذي تعرض له من ان الاحد الاثرياء اليهود يصرف عليه.

يعمل في مزرعته عمال من تايلاند ويرفض ان يعمل لديه أي فلسطيني. ضخم الجثة، ولكنه اقصر مما يبدو عليه، راسه صغيرة وجسمه يتناثر من تحته. يتمتع بشهية خرافية. شعره اشيب وتملأ بشرته بقع الكبد. يبلغ من العمر الثانية والسبعين ولكنه شديد النشاط والحيوية.

حين استقبل شارون احد الصحفيين في مزرعته، قطف برتقالة وفتحها بسكينه الصغير وقدمها له قائلا: هذه هي الصهيونية، واشار الى الشجر. "الصهيونية هي فلاحة الارض".

فلسفة شارون بسيطة: "الصهيونية نشاط جسدي وعملي. يعني ذلك انه علينا الدفاع عن (ارضنا). واذا تركنا ـ سلمنا ـ جزءا من ارضنا فعلينا ان لا نفعل ذلك الا لخدمة اهم مصالحنا".

شارون هو احد اثنين يستطيع القول انه كان على صلة مباشرة مع منشئ “اسرائيل” بن غوريون. الثاني شيمون بيريس.

لم يكن يحلم شارون في ان يصبح رئيسا لوزراء “اسرائيل” قبل ان يقدم باراك استقالته الاخيرة، في مناورة سياسية بعد ان فقد غالبية الكنيست واراد ان يمنع نتنياهو من العودة الى رئاسة الوزراء. ولكن نتنياهو لم يرشح نفسه وترك زعامة الليكود لشارون.

ولد شارون في قرية جماعية شمال تل ابيب لوالدين مهاجرين من روسيا. في اول عمره انضم للهاغاناه، وهي التنظيم العسكري للجالية اليهودية في فلسطين. وفي حرب 1948 رقي الى قائد سرية. في بداية الخمسينات تولى قيادة عصابة عسكرية يطلق عليها "الوحدة (101) تضم عددا من الاشقياء امثاله، تخصصت بالاعتداء على الفلسطينيين وخاصة المدنيين. وفي احدى جرائم هذه العصابة اعتدوا على قرية قبيه، بالقرب من القدس، وقتلوا 69 مدنيا فلسطينيا معظمهم من النساء والاطفال. بعدها انتشرت شهرة شارون كسفاح وقاتل ومجرم.

 

سنة 1977 اصبح شارون وزيرا للزراعة في وزارة المجرم الاخر مناحم بيغين. قال ان مهمته الحقيقية في تلك الفترة هي بناء المستوطنات “الاسرائيلية” في الضفة الغربية وغزة حتى لا تستطيع اية حكومة “اسرائيلية” في المستقبل ان تعيد الارض للعرب. اطلق عليه المستوطنون "المحدلة" لاندفاعه في بناء المستوطنات.

سنة 1981 تولى شارون منصب وزير الحرب في وزارة بيغين وبدأ يعد لمغامرته لغزو لبنان سنة 1982، التي كلفت “اسرائيل” مئات القتلى في الفترة الاولى فحوالي الثلاثة الاف قتيل بعد ذلك، حين خرجت “اسرائيل” مهزومة من لبنان سنة 2000.

حين اطلق شارون حربه ضد لبنان، قال لمجلس الوزراء “الاسرائيلي” ان العملية ستستمر يومين فقط وان قواته لن تزحف داخل لبنان الى اكثر من خمسة وعشرين ميلا. ولكن الغطرسة والغرور والخفة دفعت شارون والحكومة “الاسرائيلية” الى توسيع اهداف الغزو والاتجاه الى تشكيل حكومة تابعة لـ”اسرائيل” في لبنان. تمت محاصرة بيروت وبلغت الجريمة ذروتها بمذبحة صبرا وشاتيلا التي قتل فيها حوالي 3500 فلسطيني من النساء والاطفال والشيوخ، في معظمهم، وكان شارون هو المنظم والمسؤول الاول عن تلك المجزرة. استمرت مجزرة صبرا وشاتيلا حوالي ثلاثين ساعة تحت سمع القوات “الاسرائيلية” وقائدها ارييل شارون.

 

بعد ثماني عشرة سنة ذُلّت “اسرائيل” وهُزمت على ايدي المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله استنادا الى سورية الاسد. وانسحبت من لبنان دون معاهدة ودون وعود او شروط من أي نوع.

بعد خمس سنوات من غزو لبنان انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الاولى في نهاية الثمانينات والتي استمرت ست سنوات. وبذلك تعاظمت الهزيمة “الاسرائيلية”، التي بدأت بمغامرة شارون غزو لبنان، والتي كان احد اهدافها القضاء على الثورة الفلسطينية. فقد انطلقت الثورة الفلسطينية من جديد وباسلوب جديد.

 

اليهود الاشكيناز الغربيون لا يحبون شارون بل ان يوسي ساريد يصفه بانه "نيرون". ولكن هنالك جزءا مهما من “الاسرائيليين” الذين يتحمسون له ويطلقون عليه "ملك “اسرائيل”". ويأتي هؤلاء من المستوطنين والمتدينين والمهاجرين الروس واليهود الشرقيين الذين تعود اصولهم للاقطار العربية والاسلامية. يرون فيه القبضة الحديدية التي سوف تأتي بالامن.

 

كيف يتصور شارون الصراع العربي “الاسرائيلي”؟

في حديثه الطويل مع جيفري غولدبيرغ، يقول شارون: "ان العرب لا يريدون اليهود ان يكونوا هنا. هذا هو سر القصة كلها. لن يسمحوا لاحد قط ان يمتلك فلسطين غيرهم. عليك ان تقرأ القرآن. سترى كيف يفكرون في اليهود. انهم يريدون اخذ هذه الاراضي بالقوة".

بعض اليهود الذين كانوا يدعون انهم من انصار السلام واعطاء العرب حقوقهم يقفون اليوم الى جانب شارون، منهم الكاتب اليهودي المعروف آموس اوز. يقول اوز: "يتحدثون عن ان نحب بعضنا البعض، عن ضرورة ان يفهم الواحد منها الاخر. ولكننا لا نفهم بعضنا البعض. لعل هذه هي المشكلة".

ينظر شارون بعين الحذر والتوجس من الجليل في شمال فلسطين الذي تسكنه غالبية عربية ساحقة يبلغ عددها حوالي اربعمائية الف عربي.

في نهاية السبعينات اطلق شارون برنامج اطل عليه "ميتزبيم" أي المرابض المطلة Lookouts بهدف استيطان وانشاء قرى يهودية على رؤوس الجبال. وهو برنامج لم يختلف “الاسرائيليون” حوله وجذب اعدادا كبيرة من انصار الصهيونية اليساريين والمثاليين يختلفون عن سكان المستوطنات في الضفة الغربية وغزة الذين تغلب عليهم المشاعر اليمينية. ويبلغ حاليا عدد هذه المرابض ثمان وعشرين قرية يسكنها حوالي عشرة الاف يهودي.

 

هل يتمتع شارون بحب “الاسرائيليين”؟

يجيب جيفري غولدبيرغ: ان “الاسرائيليين” يلتفون حول شارون حاليا بدافع اليأس: انهم ينتظرون احدا، أي شخص، ان ينقذهم من الورطة التي يعيشون فيها.

ولكن امل “الاسرائيليين” بان يخرجهم شارون من المأزق هو امل زائف. لان افكار شارون لا ترى مثل هذا الاحتمال.

يقول شارون: "ان الفكرة القائلة بان “اسرائيل” يمكن ان تنهي الصراع، هي فكرة سخيفة، انك تعرف وجهة نظري من السلام: لا يمكن تحقيقه. ان احسن ما يمكن ان تأمل به “اسرائيل” هو شيء قريب من معاهدة عدم اعتداء".

يفسر غولدبيرغ هذا الكلام: "هدنة مسلحة".

وحين سأله غولدبيرغ عن استراتيجيته السياسية في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الحالية: "تهلل وجهه" وقال انه يؤمن بحل عسكري للعنف الفلسطيني، وراح يروي عن اعماله في قطاع غزة سنة 1970 التي تميزت بالوحشية والعنف.

ويضيف شارون: "لا فائدة من التنازلات. لن تبدو “اسرائيل” حسنة حتى لو قدمنا كل التنازلات".

ولكن حين تحدث جيفري غولدبيرغ مع شارون للمرة الاخيرة (قبل حوالي الشهرين) يلاحظ ان لهجة شارون، وهو على ابواب النصر والانتخابي، قد تغيرت. "فهو لا يريد ان يقود “الاسرائيليين” الى حرب لا مفر منها". وقد جعل شعاره الانتخابي: "فقط شارون سوف يحقق السلام". ويقول غولدبيرغ ان شارون بعث بتهاني السنة الجديدة لعرفات.

ويضيف غولدبيرغ ان شخصية شارون فيها تناقضات وتتخللها عدة اطياف.