مصر ولبنان يفتحان ملف الجرائم "الاسرائيلية"
الاهرام العربي / مصر
4/10/2000
مقدمة:
جرائم الحرب "الاسرائيلية" لا تتوقف فقط عند ما حدث في حروب 48 و56 و73 ولا تنتهي عند قتل الاسرى المصريين بطرق بشعة، ناهيك عن بشاعة الاجرام وارتكاب القوات "الاسرائيلية" لبعض المذابح في بحر البقر وابوزعبل، وغيرهما في قائمة طويلة ربما تكون قد تجاوزت آلاف المدنيين والعسكريين على حد سواء في اقل من 17 عاما في الفترة من 56 وحتى حرب اكتوبر 73. هكذا تحدث دبلوماسي مصري رفيع المستوى إلى "الاهرام العربي" مؤكدا ان الدبلوماسية المصرية قد انتهت بالفعل بالتعاون مع بعض الجهات المصرية المعنية مباشرة بفصول الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" من اعداد قوائم وسجلات جرائم الحروب "الاسرائيلية" ضد المصريين مدونة باسماء القادة والجنرالات العسكريين في الجيش "الاسرائيلي" ومواقع الاحداث وشهادة الشهود باقلام واعترافات من "اسرائيل" نفسها.
وطبقا لتأكيدات الدوائر الدبلوماسية المصرية فان جميع ملفات القتل والتنكيل بالاسرى المصريين على يد "الاسرائيليين" يضاف اليها ملفات جديدة حاليا بقصف المدنيين والابرياء العزل على الحدود والمدن المتاخمة لـ"اسرائيل"، انتهى اخيرا من اعدادها ورصدها واصبحت جاهزة بالفعل على مكتب عمرو موسى وزير الخارجية حيث ينوي الجانب المصري بدء تحريك هذه القضية عبر مؤسسات الامم المتحدة المعنية ومحكمة العدل الدولية.
يشار في هذا الاطار وفقا لمعلومات مؤكدة ان الجانب المصري كان يعتزم تأجيل تحريك هذه الملفات لبعض الوقت بهدف اتاحة الفرصة امام عملية السلام وحتى لا يتهم الجانب المصري بافشالها او اعطاء حكومة باراك الفرصة الذهبية لقتل عملية التسوية خاصة ان قضية وملفات قتل الاسرى تشمل محاكمات قادة وجنرالات عسكريين مازال بعضهم في خدمة قيادة الجيش "الاسرائيلي".
وكانت الدوائر المصرية المعنية قد اتفقت على تحريك هذه الملفات حتى انتهاء مفاوضات المسار الفلسطيني على اكثر تقدير والبت في وضع قضايا الحل النهائي للفلسطينيين وتمكينهم من اقامة دولتهم المستقلة، وبعدها يمكن للجانب المصري التفرغ تماما لمعركة ملاحقة قتلة الاسرى المصريين وطلب التعويضات المناسبة خاصة ان معركة من هذا النوع سيطول وقتها وربما تتعرض خلالها فصول العلاقات المصرية ـ "الاسرائيلية" لانتكاسة قوية.
لكن يبدو ان الجانب المصري قد وجد في اثارة قضية تشكيل محكمة الحرب، التي طالبت بها القمة العربية الاخيرة لا تعوض فقرر التعجيل باثارة القضية حيث تجري حاليا اولى الخطوات الهادفة إلى تشكيل لجنة مصرية قومية تقودها الدبلوماسية لهذا الغرض خاصة بعد ان بات المصريون على يقين من ان عملية السلام يبدو انها لن يكتب لها النجاح على يد باراك او جيل حزب العمل "الاسرائيلي" الحالي وان الامور تسير من سيئ إلى اسوء.
الملفات والوثائق المصرية ستحمل العديد من المفاجآت غير الواردة في الحسبان للاسرائيليين والاوروبيين وللعديد من دول المنطقة نظرا لدقتها وتوثيقها بشواهد وادلة دامغة ووثائق حية اعدها اكثر من عشرين جهة مصرية رفيعة على رأسها السفارة المصرية في "اسرائيل" حيث تحوي تلك الملفات المصرية عشرة آلاف صفحة وتضم قوائم كاملة باسماء العمليات والمواقع العسكرية المصرية التي قتل ودفن فيها الاسرى ونوعية واسماء الضباط والقادة "الاسرائيليين" ومشاهد تبدو حية حتى الان لفظاعة التمثيل بجثث القتلى المصريين وتجميع الضباط والجنود المصريين في صفوف طويلة ثم صدور الاوامر "الاسرائيلية" لهم بالركوض على بطونهم لتسير فوقهم دبابات العدو "الاسرائيلي" وتحصد ارواح العشرات والآلاف في اليوم الواحد في دقائق معدودة ناهيك عن مشاهد اخرى تصور مئات الجنود المصريين وهم واقفون معصوبي العينين وفي المقابل بضعة جنود وقادة "اسرائيليين" يرأسهم الجنرال "الاسرائيلي" عيزرا وايزمان الذي اصبح فيما بعد وزير الدفاع ثم رئيسا لـ"اسرائيل" في منطقة الفردان وقتل يومها 268 جنديا مصريا، والمشهد نفسه يتكرر يوميا لموشيه دايان، وعزرا رفائيل وشمعون شتريت واسحاق رابين وجنيادى رافى وابراهام كوهين وموشيه شاحاك وعوزي شاردي وتنتهي القائمة التي تضم اكثر من اربعة الاف قائد وجندي "اسرائيلي" بآخر اسم مدون فيها ويحمل لقب القناص لايهود باراك الذي عمل لاكثر من 14 عاما متواصلة في المواقع العسكرية في مدن سيناء وبطول حدود الاسماعيلية وبورسعيد، شارك واسهم خلالها بشكل مباشر في قتل واغتيال اكثر من 400 بين ضابط وجندي مصري قبل ان ينقل لجهاز الاستخبارات "الاسرائيلي" الموساد.
طبقا لسيناريو التحرك المصري فان الجانب المصري ينوي خوض هذه المعركة الجديدة مع "الاسرائيليين" بشكل فردي وعبر حرب سياسية ودبلوماسية طويلة، وفي هذا السياق تنوي السلطات المصرية التقدم بطلب مباشر لمحكمة العدل الدولية وكذلك التقدم بطلب مباشر للجمعية العامة للامم المتحدة لاعتماد تشكيل محكمة دولية لهذا الغرض في حالة تعثر فكرة اللجوء لمحكمة العدل الدولية والتي تشترط ضرورة قبول الطرفين باللجوء اليها ومادام الجانب "الاسرائيلي" سيرفض الدبلوماسية سيكون عبر التعاون مع الامم المتحدة ورئاسة لجنة حقوق الانسان الدولية استنادا إلى نصوص وبنود اتفاقيات جنيف الرابعة ومعاملة اسرى الحرب وكذلك حماية المدنيين والابرياء خلال سنوات الحرب وقد رأت مصر التحرك بشكل منفرد في هذه القضية حيث ان التعاون بشكل جماعي مع العديد من الدول العربية التي طالتها جرائم البطش والعنصرية سيطول بعض الوقت وبالتالي ربما يتعطل قرار تشكيل المحكمة الجنائية الدولية خاصة اذا اخذنا في الحسبان وجود انشقاقات عديدة حاليا في موقف دول الاتحاد الاوروبي بشأن التعامل مع المطالب العربية الصادرة اخيرا من الاتحاد الاوروبي وعضوية مجلس الامن الدائمة كبريطانية وبالتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية لا ترى أي فرصة لنجاح هذه المطالب العربية وترى ان مثل هذا التصعيد العربي ربما يأتي بنتائج عكسية في المدى القريبة بشأن تعطيل وشل عملية السلام.
في المقابل هناك وجهة نظر مصرية ثابتة ترى ضرورة تعاون مصر في تحريك ملف قضية قتل الاسرى والجرائم "الاسرائيلية" مع جميع الدول العربية المعنية مباشرة بالصراع العربي ـ "الاسرائيلي" لاسباب عديدة ومنها ان مصر تترأس حاليا القمة العربية الاخيرة الصادرة عنها قرارات التحرك نحو الامم المتحدة ومجلس الامن لطلب تشكيل محكمة جنائية دولية اضف إلى ذلك ان مصر هي الدولة العربية الوحيدة حاليا التي تملك العديد من الوثائق والادلة التي تشهد بفظاعة وبطش الاجرام "الاسرائيلي" وان ضم الملف المصري إلى الملفات الفلسطينية واللبنانية والسورية سيعطى الزخم والمصداقية والاهتمام بالطلب العربي لتشكيل المحكمة الجنائية الدولية.
اصحاب وجهة النظر هذه يستندون في موقفهم إلى امكانية التحرك عربيا بشكل جماعي إلى الجمعية العامة للامم المتحدة بدلا من مجلس الامن في حالة الاصطدام بالفيتو الامريكي والبريطاني ويمكن بشيء من الجهود والتحركات الدبلوماسية العربية الفاعلة دعوة الجمعية العامة للامم المتحدة لعقد جلسة استثنائية واصدار قرار تشكيل المحكمة الجنائية لتخرج إلى ارض الواقع فهل العرب فاعلون؟
شارون على رأس المطلوبين
بالتوازي مع مصر فان امام الحكومة اللبنانية الجديدة ملفات عديدة ابرزها الاعداد لمواجهة دبلوماسية وسياسية على مستوى العالم تستهدف تعرية "اسرائيل". عبر الكشف عن سلسلة الجرائم التي لا حصر لها والتي ارتكبتها في حق مواطنين لبنانيين وفلسطينيين على الاراضي اللبنانية على مدى العقود العديدة الماضية منذ مجزرة "حولا" في عام 1950، حتى مجزرة "قانا" مرورا بمجازر "صبرا وشاتيلا"، بالاضافة إلى اعداد الملفات، للمطالبة امام المؤسسات الدولية بتعويضات بعشرات مليارات الدولارات، من "اسرائيل" جراء تدميرها المتواصل للبنان، بدءا من عدوان ابريل 1970 حتى الاندحار "الاسرائيلي" في الخامس والعشرين من مايو الماضي.
وتقول مصادر حكومية انه سيتم سريعا تكليف لجنة وزارية باعداد ملفات تكون اساسا لشكاوى لبنانية على "اسرائيل" من شقين: الاول توجيه الاتهام إلى "اسرائيل" ومسؤولين "اسرائيليين" بارتكاب مجازر ابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية في لبنان. والشق الثاني يتعلق باعداد وثائق وملفات عن حجم الخسائر اللبنانية جراء الاعتداءات "الاسرائيلية" منذ عام 1970، حتى الان والتي تقدرها تقديرات غير نهائية باكثر من ثلاثين مليار دولار، وتعود سياسة المجازر "الاسرائيلية" تجاه لبنان إلى العام 1950، عندما دخلت قوات الاحتلال إلى قرية "حولا" اللبنانية، وارتكبت مجزرة راح ضحيتها اكثر من سبعين مدنيا لبنانيا، وكان لبنان قد تقدم فعليا بشكوى إلى الامم المتحدة بشأن مجزرة "قانا" التي سقط فيها اكثر من مائة مدني لبناني، غالبيتهم من النساء والاطفال، بقصف "اسرائيلي" على موقع للقوات الدولية كانوا يحتمون به في ابريل 1996، وطالب لبنان في شكواه بالحصول عل تعويضات من "اسرائيل".
وتقول المصادر ان الجديد في الموضوع هو اعتزام لبنان التقدم بشكوى إلى كل من الامم المتحدة ومحكمة العدل الدولية في لاهاي ومحكمة جرائم الحرب في روما تستهدف النيل من مسؤولين "اسرائيليين" على رأسهم ارييل شارون، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية، كما يتم البحث في اعداد ملف عن جرائم رئيس الوزراء "الاسرائيلي" ايهود باراك في لبنان، خصوصا ان باراك قاد العدوان على بيروت في ابريل 1970، الذي اغتيل فيه ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية، وقتل فيها عشرات المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين وجرائم رئيس الوزراء "الاسرائيلي" السابق ارييل شارون الذي شارك في العدوان على مطار بيروت في عام 1968، والذي ادى إلى تدمير اسطول طائرات شركة خطوط الشرق الاوسط اللبنانية. وترى المصادر ان هذه الملفات تحتاج إلى جهد كبير خصوصا ان اندحار "اسرائيل" عن الجنوب والبقاع الغربي، كشف عن مقابر جماعية لجنود لبنانيين ومدنيين ومقاتلين فلسطينيين، سقطوا اثناء فترة الاحتلال، ومن بين المهام المطروحة حاليا، اعادة فتح ملف مجازر "صبرا وشاتيلا" التي سقط فيها اكثر من الفين من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين في اثناء فترة الاحتلال "الاسرائيلي" لبيروت في ايلول 1982.
وتشير المصادر إلى ان دبلوماسيين امريكيين نصحوا لبنان باغلاق صفحة الاحتلال "الاسرائيلي" وعدم اثارة موضوعات ماضية، ملمحين الى ان الادارة الامريكية لن توافق على مثل هذا التوجه اللبناني خصوصا ان لبنان يملك اكثر من غيره من الدول العربية وثائق ودلائل تدين "اسرائيل" وابرز قادتها على جرائمهم بحق البشرية، التي ارتكبت على ارض لبنان على مدى ثلاثين عاما.
وتؤكد المصادر على ان الحكم اللبناني مصر على السير حتى النهاية في هذه القضية على اساس ان الاندحار "الاسرائيلي" لم يسقط حقوق لبنان واللبنانيين ولا يعطى المبرر للسكوت عن الجرائم "الاسرائيلية"، وغالب الظن ان الخوض في هذا الملف سيكون المهمة الرئيسية للحكومة الجديدة، والامتحان الاول الاهم لها على الساحة المحلية.
وما يزيد في هذا التوجه هو حجم الدعم العربي الذي حازت عليه الحكومة الجديدة، حكومة "الائتلاف الوطني" الاولى في لبنان منذ سنوات طويلة.