شاهد عيان لبناني يروي:

هكذا نفذت "اسرائيل" مجزرة حولا في العام 1948

الحياة ـ تشرين الاول 2000


مقدمة:

نعم، اغلقت فمي، وقمعت لساني، ولم اتحدث عن المجزرة التي ارتكبها الصهاينة سنة 1948 في بلدتي حولا، إلى ان حصل التحرير في شهر ايار الماضي، فبحت بما تعرضت له وعانيت منه انا وابناء بلدتي التي استشهد منها في مجزرة واحدة حوالي 70 شهيدا وشهيدة، هي مجزرة حولا التي ارتكبها الصهاينة في صباح اليوم الموافق 31/10/1948. وسقط قبلها وبعدها عشرات الشهداء من ابنائها في مواجهات عدة مع الصهاينة.

هكذا قال لنا حسين محمد ظاهر رزق (ابوفهد) مواليد سنة 1924 الناجي من مجزرة حولا، والباقي حيا من بين ثلاثة نجوا من مأساتها.

فما الذي ذكره لنا عن المجزرة، وعن الظروف التي ادت إلى ارتكابها، وماذا قال لنا احمد حسن عبدالله مزرعاني (ابوشوقي) مواليد سنة 1925، وابن بلدة حولا عن تفصيلات اخرى تتعلق بالبلدة وشيخ العباد، وغير ذلك.

 

"حيرام" وسياسة "التنظيف"؟

في 31/10/2000 يكون قد مضى 52 عاما على مجزرة حولا، ولانها مأساة، فان مآسي اخرى تولدت منها وتبعتها، اقلها ان الناجي الوحيد منها لم يكن يستطيع الحديث عنها في بلدته، وانه كان يمكن احياء ذكرى المجزرة، لكن ليس في البلدة نفسها لقد كان الزمن زمن احتلال… وقول الحقيقة في هذا الزمن صعب ان لم يكن مستحيلا. تقول المصادر: ان مجزرة حولا ارتكبت ضمن "عملية حيرام" التي قام بها الجيش "الاسرائيلي" في الجليل الفلسطيني والجنوب اللبناني "لتنظيف" المنطقة، وقتل وتهجير اكبر عدد ممكن من سكانها.

جاء في كتاب "حرب فلسطين 1947ـ 1948" الرواية الرسمية "الاسرائيلية" الآتية "كان هدف عملية حيرام ابادة "العدو" في هذه المنطقة من الجليل الاوسط والسيطرة عليها، وتثبيت خط دفاعي على طول حدود الانتداب الشمالية "لارض "اسرائيل"" وبدأت العملية في ليل 28-29-/10/1948 واستغرق انجازها 60 ساعة".

ومن تفصيلاتها ارتكاب مجازر فظيعة في بعض البلدات الفلسطينية واللبنانية، من بينها حولا، اذ سبقتها ولحقتها عشرات المجازر التي تشبهها في التنفيذ والنتائج، من بينها مجازر في الصفصاف، وسعسع، والبعنة، ونحف، ودير الاسد وعيلبون، ونحف، والمالكية، وصلحة غيرها. بل تم احتلال 14 قرية حدودية لبنانية ضمن هذه الخطة، وتم تهجير سكانها، ولم يعودوا اليها الا بعد توقيع اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل في 23 آذار (مارس) من سنة 1949.

عندما سألت "ابوفهد" و "ابوشوقي" عن المكان الذي هربا اليه اجابا: "امضينا اكثر من خمس اشهر ونحن نعاني من برد الشتاء وقلة الامكانات وعدم وجود اماكن نأوي اليها، او انها لم تكن مناسبة لبني البشر. ومن شح في الغذاء. مرة ننتقل إلى بيوت صفيح او خشب او حتى في العراء في حوش بيروت، ومرة اخرى في "براكسات" من بقايا معسكرات الجيش الفرنسي في بلدة ضبية شمال بيروت.

واكد "ابوفهد" انه امضى ما يزيد على عشرين يوما في مستشفى سعدالله الخليل في صور اثر اصابته ونجاته من مجزرة حولا، وان رصاصة كانت ما زالت في يده اليمنى عندما نقل إلى المستشفى، فاجريت له عملية لازالتها. في حين ان زميله الناجي الثاني من المجزرة واسمه محمد الشيخ عبدو سليمان قضى في المستشفى. وذكر ابوفهد ان ناجيا واحدا قد نجا من كل مجموعة من المجموعات الثلاث التي اعتقلها اليهود، اضاف ابوفهد: "بعد خروجي من المستشفى التحقت باهلي واهل بلدتي لاقاسمهم المعاناة في حرش بيروت وضبية".

واضاف ابوشوقي: "صحيح ان موقع بلدتنا الجغرافي ومحاذاته للحدود الفلسطينية جعلنا ندفع ثمنا، لكننا قبل سنة 1948، وقبل مواجهتنا مع الغزاة الصهاينة، كان لنا ـ اهل حولا ـ مواقع متقدمة في المشاركة بالنضال والثورات ضد العثمانيين، واحمد باشا الجزار وضد ابراهيم باشا، وضد الفرنسيين، وشاركنا في الثورة العربية ودفعنا شهداء وتضحيات ثم ضد الاقطاع".

 

جيش الانقاذ والعباد والمنارة

وسألت ابوفهد (مواليد سنة 1924 كما ذكر) عن ذكرياته الباقية عن المجزرة؟ قال: "الان يمكن ان اتكلم، فان اسباب حدوثها تعود إلى ان اليهود في مستعمرة المنارة القريبة من تلة العبادة كانوا يعتدون على اراضي وكروم بعض اهالي حولا، مما حتم عليهم التصدي والدفاع عن حقوقهم واراضيهم، واستعان بعض اهالي البلدة بجيش الانقاذ الذي كان في المنطقة، فجاء وانضم اليه بعض الاهالي، ثم احتل تلة العباد… وتوالت الاشتباكات بين اليهود في المنارة وغيرها مع جيش الانقاذ وبعض الاهالي في العباد. وسقط لنا ـ قبل المجزرة الكبيرة ـ خمسة شهداء، بينهم امرأة واحدة، اثناء احدى الغارات على البلدة، كما سقط لنا شهيد في معركة المالكية، ثم فجأة انسحب جيش الانقاذ من التلة. وراجت اشاعات ان جيشا يوغوسلافيا ـ مسلما ـ بديلا سيأتي مكان جيش الانقاذ. ومروج الاشاعة لا يمكن ان يكون الا الجيش "الاسرائيلي" نفسه، او من يتعامل معه، خصوصا ان "الاسرائيليين" كانوا يعرفون ان البلدة تضم مسلحين من ابنائها". واوضح ابوشوقي ان اكثر من خمسين مقاوما كانوا من ابناء البلدة، بعضهم كان ملتحقا بجيش الانقاذ، واخر كان يتولى حراسة البلدة بعد استقالته او انهاء خدمته من الجيش الانكليزي في فلسطين ـ هو من بينهم، كما ان الحراسة كانت غير منظمة ـ وذكر ان الهجوم على حولا والقرى الحدودية اللبنانية الاخرى جاء من ضمن خطة "حيرام" "الاسرائيلية" القاضية بـ "تنظيف" الحدود من الفلسطينيين الذين نزحوا إلى القرى اللبنانية وكانوا يدخلون إلى قراهم المحتلة بين فترة واخرى لاحضار بعض اغراضهم من بيوتهم، كذلك كان من اهداف الخطة… تفتيت جيش الانقاذ الذي احتل موقع العباد، ومواجهة القوات السورية واللبنانية، واستعادة العباد والمالكية وتهجير اكبر عدد من السكان من قراهم وبلداتهم وادخال الرعب والخوف لدى كل من يفكر بمحاربة الجيش "الاسرائيلي"، حتى ولو اقتضى ذلك ارتكاب المجازر، وتطبيق سياسة الطرد والتهجير والنسف والحرق… وهذا ما تم تنفيذه في بلدتنا حولا بالضبط.

وتابع "ابوفهد" حديثه… فقال: "كثير من سكان البلدة كانوا ينامون في الحقول والتلال وبين الصخور خوفا من مهاجمة الصهاينة للبلدة، لانهم كانوا يتوقعون الهجوم بين يوم وآخر. وكانوا يتوقعون ان ياتي الهجوم من تلة العباد ومستعمرة المنارة التي تشرف على البلدة… الا ان الجيش الذي جاء في صباح يوم 31/10/1948، تقدم من جهة الشمال، أي من نواحي قرية مركبا المجاورة، لذلك اعتقد بعضنا انه الجيش المنتظر "اليوغوسلافي"، فاستقبله بعضنا بالترحاب واخذ يدله على الطريق الصحيح نحو البلدة ونحو تلة العباد، الا ان بعض من سمع احاديث الجنود ادرك ان اللغة المستعملة عبرية، كما ان كل من صادف هذا الجيش كان يقبض عليه، فدب الصياح في البلدة: يهود… يهود… اهربوا… فهرب كثيرون وانقذوا انفسهم". وانت ماذا حدث لك؟ "علقت بالفخ… صادفتهم وصادفوني… واعتقلوني مع عشرات من الرجال والنساء والاطفال… وبعدها وزعونا بحسب اعمارنا: كبار السن في بيت، ومتوسطو الاعمار في بيت اخر والشبان وكنت بينهم وضعونا في غرفة ثالثة، في حين ـ وبحسب ما عرفت بعد ذلك ـ وضعوا النساء والاطفال في بيت رابع. لجمنا الخوف ودخل الرعب نفوسنا، خصوصا اننا كنا سمعنا عن مجازر سابقة ارتبكها اليهود ضد الفلسطينيين. الجندي المشرف على حراستنا امرنا ان ندخن اذا رغبنا. ثم امرنا بعد ذلك بالوقوف ورفع ايدينا عاليا وتوجيه وجوهنا نحو الحائط كنا اكثر من عشرين شابا في غرفة البيت، ثم بدأ اطلاق النار. احسست بالرصاصة الاولى تخترق فخذي فارتميت ارضا، كما ارتمى غيري. واستمر الرصاص ينهمر علينا. ثم جاءت الرصاصة الثانية في يدي. رصاص ودم وصياح وصوت استغاثات، فاغمي علي، ثم صحوت على انفجار نسف البيت، مما ادى إلى سقوط خشبة علي من سقف الغرفة" . اضاف: "كتمت آلامي واوجاعي وبقيت هامدا لدقائق، خوفا من ان يكتشفني احد ويعرف انني ما زلت حيا. ثم سمعت حركة بجانبي… وانينا وتأكدت انه ضحية مثلي، صحت به: دخيلك هل تستطيع مساعدتي؟ الا انه كان يتألم اكثر مني، اصيب بخاصرته، وكان ينزف دما، واستمر يئن ويتأوه توجعا. استشعرت قوة في بدني، فحاولت ازاحة الخشبة عن جسمي، لم استطع، فأخذت بازاحة الردم والتراب من تحتي ومن جانبي، إلى ان خلصت نفسي وازحت الخشبة، ثم اكتشفت ان زميلي الباقي حيا هو المرحوم محمد الشيخ عبدو سليمان، فخرجنا معا خائفين مذعورين والدم ينزف من جروحنا. حب الحياة دفعنا للركض الا ان جنديا اسرائيليا صادفنا وامرنا بالتوقف، ثم اخذ باطلاق النار، تابعت الركض باقصى سرعة استطيعها. حب الحياة اعطاني قوة مضاعفة، فحدثت نفسي قائلا: "لا اريد الموت… وتابعت الركض، إلى ان وصلت إلى مكان خارج القرية لم يعودوا يروني فيه، فاختبأت. واخذ ألمي يزداد، إلى ان شاهدني الحاج يوسف حمود اثر خروجه من القرية فحملني على ظهره بعد ان اكتشف خطورة حالي ووضعني في مكان آمن. وذهب إلى بلدة مجدل سلم، واخبر ابي الذي سبقني بالوصول إلى البلدة، فجاء ليلا ومعه بعض الاهالي فانقذوني ونقلوني إلى مجلد سلم. ثم نقلني ابي في اليوم التالي إلى مستشفى الدكتور سعدالله الخليل في صور، واجرى الدكتور سعدالله عملية اخرج فيها الرصاصة من يدي، وقال مازحا: "انقل هذه الرصاصة إلى سيدك احمد بك الاسعد". وسألت "ام فهد" عن زواجها. ابتسمت وقالت: "انا اصغر من "ابي فهد"… وتزوجنا سنة 1951".

اين كنت في ساعات المجزرة؟… ليلتها بتنا خارج البلدة، في الوعر بين الصخور، وانتقلنا انا واهلي عندما سمعنا الصياح والرصاص إلى بلدة مجلد سلم. وسمعنا صوت الانفجارات التي قتلت غالبية الرجال الذي قبض عليهم اليهود. وماذا حدث للنساء والاطفال الذين وضعهم اليهود في بيت رابع؟ انقذهم الوسيط الدولي الذي مر مصادفة في البلدة. فوجدهم على الحال الذي كنا عليه.

جاء في يوميات ديفيد بن غوريون عن الـ 60 ساعة التي امضتها الوية الحرب "الاسرائيلية" في تنفيذ خطة "حيرام" الاتي: "حدثت في الجليل ايضا اعمال شاذة تقشعر الابدان لها، تتعلق باعمال فظيعة ارتكبها الجنود في الجليل".

اما عن شهداء المجزرة… مجزرة حولا فقد نقلوا إلى خندقين قريبين من بيوت القرية بحسب ما جاء في كتاب "حولا الشهيدة" الذي اعده ابن حولا ايسر حجازي.

وسألت "ابا فهد" و "ابا شوقي" عن شهداء المجزرة فقالا: "بعد عودة الاهالي إلى البلدة بالكاد تعرفوا على شهدائهم، وبعضهم لم يستطع التعرف، كما ان بعض الشهداء قتل في اماكن متفرقة وربا بعيدة، فبقي في مكانه ولم يستدل عليه احد. واشترى الاهالي قطعة ارض تم تحويلها إلى مقبرة.

 

حولا جغرافيا

تقع بلدة حولا في اقصى الجنوب اللبناني، على احدى تلال جبل عامل المحاذية للاراضي الفلسطينية. فمن الشمال تحدها بلدة مركبا، ومن الشمال الغربي بلدة طلوسة ووادي السلوقي الذي يفصلها عن بلدات شقرا ومجدل سلم وقبريخا. ومن الجنوب بلدة ميس الجبل، ومن الجنوب الشرقي والشرق سهل الحولة في فلسطين. وتشرف على بلدة هونين (من القرى السبع).

ترتفع عن سطح البحر حوالي 750م، وتبعد عن بيروت حوالي 115 كلم، وعن النبطية مركز المحافظة 30 كلم، وعن مرجعيون مركز القضاء حوالي 16 كلم".

وبحسب ما جاء عنها في كتاب "حولا الشهيدة" ويبلغ عدد سكانها حاليا حوالي 4 الاف نسمة تقريبا، ويبلغ عددهم الاجمالي حوالي 12 الفا. اغترب بعضهم منذ زمن طويل. يعمل قسم من السكان بالزراعة، التبغ والقمح والشعير اساسا، وبعض الحبوب الاخرى. كما ان الزيتون وما يتبعه من نشاط الكبس والعصر يمثل نشاطا سنويا مهما ايضا، مثله مثل العنب تقريبا.