الغزو الجوي "الاسرائيلي" انعاش للذاكرة الوطنية
د. كميل حبيب
(استاذ في كلية الحقوق ـ الجامعة اللبنانية)
مرة اخرى تكشف الالة العسكرية الصهيونية عن عمق جهلها لقرار الدولة اللبنانية في البناء وللارادة الشعبية اللبنانية في التحرير، فربما وللمرة الاولى في تاريخ لبنان الحديث يلتقي اللبنانيون، وباجماع كبير حول خيارات وطنهم الاقليمية التي اعلنها فخامة الرئيس العماد اميل لحود في خطاب القسم ، والتي اكد عليها دولة الرئيس سليم الحص امام الجمعية العامة للامم المتحدة. واما الخيارات ـ الثوابت فهي :
1 ـ حق لبنان في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي بكل الوسائل.
2 ـ العمل على تنفيذ قرار مجلس الامن رقم 425 دون قيد او شرط .
3 ـ وحة المسار والمصير مع الشقيقة سوريا .
4 ـ رفض التوطين والتأكيد على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم فلسطين.
هذه الثوابت الوطنية حظيت بتاييد كل اللبنانيين، وبالتالي لم يعد باستطاعة الدولة الصهيونية اللعب على الاختلافات المذهبية ، تمام كما حاولت خلال حقبة الثمانينات. فالسلم الاهلي اللبناني متجذر ومتحصن بدليل الالتفاف الشعبي حول الجيش الوطني ابان احداث الضنية والتي اثبتت دون ادنى شك ان اية بندقية عميلة لاسرائيل يجب القضاء عليها.
ان الجريمة "الاسرائيلية" بتدمير محطات الكهرباء تظهر سياسة باراك في خلق شرخ بين الشعب اللبناني والمقاومة. هذه المقاومة التي فرضت حقيقتها على الوجود نابعة من صميم المجتمع اللبناني وتراثه ، ولو ان المقاومة الوطنية كانت تلك الحالة الطارئة لما استمرت وحققت انتصارات عسكرية وديبلوماسية، حتى الكونغرس الاميركي اعترف بحق لبنان بمقاومة الاحتلال "الاسرائيلي" على اساس ان احتلال اراضي الغير بالقوة هو اعلى درجات الارهاب على الاطلاق.
لقد اظهرت الجريمة "الاسرائيلية" الاخيرة ضد لبنان ان قادة اسرائيل الجدد لا يزالون اسرى مذكرات بن غوريون وشيسون ودايان ، فبن غوريون تحدث عن ضعف لبنان وسهولة تفكيكه كمقدمة لانشاء دويلات طائفية شمال "اسرائيل" ، من جهته تكهن شيسون بان يكون لبنان الدولة العربية الثانية التي سوف تعقد صلحا مع "اسرائيل" ، اما دايان فقد وضع سيناريو متكاملا يتضمن " شراء" جندي لبناني برتبة ضابط واعلانه قائدا على جنوب لبنان ، لكن هذا اللبنان قد ولى الى غير رجعة. فالضابط اللبناني الذي اسماه دايان " بالمخلص" قد اضحى عميلا صغيرا وماجورا خارجا عن المجتمع والدين والدولة ، يأتمر بأوامر الدولة العبرية، وينتظر اوخم العواقب. واما لبنان " القوي في ضعفه" فلم يعد له اي مكان في عقول اللبنانيين، وها هو فخامة الرئيس يعبر في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة عن الارادة الرسمية والشعبية في اعادة عمار ما تهدم دون التراجع قيد انملة عن خيار المقاومة في التحرير.
اخيرا، ان لبنان لن يكون الدولة العربية الثانية توقع صلحا مع "اسرائيل" ، فلقد سبق لبنان الى السلم "الاسرائيلي" مهرولون كثر، متعطشون للحصول على سلطات وهمية على حساب القضية والمقدسات . وربما لمن المفيد تذكير باراك ان المقاومة العسكرية اللبنانية لجيشه المحتل هي احدى اشكال المقاومة .
الحقيقة ان الجريمة الاسرائيلية ضد المنشآت المدنية قد انعشت الذاكرة الوطنية اللبنانية المقاومة لكل اغراءات التطبيع مع العدو الصهيوني في مرحلة ما بعد التسوية .. اذا حصلت التسوية وربما هذا ما ادركه ديفيد ليفي بان الشعب اللبناني لن يكون مطواعا للتطبيع مع " الدولة العبرية" ، فهدد بتطبيق سياسة الارض المحروقة ضد لبنان ، وما في ذلك من مفارقة حمقاء .
وفي المحصلة ان تاريخ الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان هو تاريخ مجازر وارهاب . من هذه المجازر نذكر حولا (1948) جانين(1967) بنت جبيل (1967) عملية الليطاني (1978) والتي سقط خلالها 560 شيهدا،الاجتياح البربري عام 1982 وما تخلله من حصار مرعب لمدينة بيروت دام اكثر من 72 يوما والاشتراك في مذابح صبرا وشاتيلا، وقد اوقع هذا الغزو الالاف من القتلى والجرحى عدا الخسائر المادية الباهظة،وفي تموز 1993 اقترفت "اسرائيل" مجازر اخرى ابان ما سمي بعملية " تصفية الحساب " ولقد اسفرت هذه العملية عن استشهاد 135 مواطنا وتهجير 300 الف انسان من قراهم،واما قانا الجليل فان دمها لم يجف،واطفالها ما زالو يبحثون عن الحقيقة. وعندما دوت صيحة موتهم عالية وحزينة في اروقة الامم المتحدة كان زعماء "اسرائيل" يضحكون في سرهم لان موت العرب لا معنى له بنظرهم، فهم وقود لدولة تخطط خطواتها منذ سنوات بعيدة على ارضنا العربية بالحديد والدم والنار. نعم في 18 نيسان عام 1996 قصفت المدفعية "الاسرائيلية"، وعن سابق تصور وتصميم ، موقع القوة القوة الفيدجية التابع للامم المتحدة مخلفة 107 شهداء معظمهم من النساء والشيوخ والاطفال.
ان المجازر التي اقترفتها "اسرائيل" بحق لبنان لم تكن نتيجة اخطاء تقنية او اجرائية، بل نتيجة للعقيدة الصهيونية المتعطشة للدم . فمهما تعددت او تغيرت وجوه رؤساء الحكومات الاسرائيلية، يبقى الارهاب السمة الرئيسية للسياسة "الاسرائيلية" تجاه لبنان، اما خيارنا نحن فيبقى في دائرة المقاومة وعلى كل الصعد والمستويات،يكفي ان نشير الى انه بين الحملة الصليبية الاولى وبين تحرير القدس على يدي الايوبيين قرابة القرنين من الزمن، لم يستطع الغزاة خلالها التجذر في هذه الارض بالرغم من محاولاتهم الجدية لذلك .