كفر قاسم : المجزرة الحية

ريم عبيدو

النهار - 16-5-1998


جالت الصحافية ريم عبيدو بين قرى وبلدات فلسطين المحتلة ولملمت حكايات الاسى والمجازر، سمعت احدهم يصرخ"تكسور اتام" أي احصدوهم وانهمر الرصاص من كل جانب.

ذهبنا الى قرية كفر قاسم لنبحث عما تبقى في ذاكرة اهلها عن احتلال القرية عام 1948 والمذبحة التي تلته عام 1956 ، فوجدنا كبارها يمتلكون كل الذاكرة والصغار يرددونها.

وبمجرد وصولنا الى القرية عن طريق اللد، اصطحبنا اطفال القرية الى ساحة الشهداء، وإذا بها في مركز المدينة على مفترق طرق، يقف على احد زواياها نصب تذكاري يحمل اسماء 49 شهيدا من ابناء القرية سقطوا في ذلك اليوم " الأسود" ، كما وصفه أحدهم، 29 شهر تشرين الاول عام 1956، اليوم الأول للعدوان الثلاثي على مصر.

بعضهم كان عائدا من العمل في المحاجر، وبعضهم الآخر من الحقول، وغيرهم وجدوا مصادفة في تلك البقعة التي تفوح منها رائحة الموت.

وروى لنا الشباب ما سمعوه من آبائهم عن كيفية سقوط القرية في يد "اسرائيل" قبل نصف قرن من الزمن. وكيف سمع اهل القرية عن المجازر التي ترتكبها "اسرائيل" في القرى الفلسطينية الأخرى، ففكروا في الهرب، ولكنهم راجعوا أنفسهم، وبقوا. ورفعوا الرايات البيضاء وانتظروا. انسحب منها الجيش الأردني وتسلمتها "اسرائيل".

تنبهت الأخيرة عام 56 الى ان اهل القرية العربية الواقعة في اقصى جنوب المثلث العربي والقرى المجاورة لم ينزحوا. فخططت لمجزرة تكون عبرة لمن لم يعتبر.

كان ذلك اليوم يوما عاديا بالنسبة الى صالح خليل عيسى (ابو الوليد) ابن التاسعة عشرة في حينه. كعادته خرج مبكرا هو وابنا عمه اسعد وعبد ليقطفوا البرتقال من بيارات مستوطنة مجاورة اسمها "بيتح تكفا"، استقل الثلاثة دراجاتهم وبدأوا يومهم من دون ان يكون لديهم ادنى توقع لما سيحدث بعد يوم شاق في المستوطنة "الاسرائيلية" .

جلس ابو الوليد معنا في مقهى يشرف على النصب التذكاري، يشعل السيجارة تلو الاخرى. وبدأ يسترجع الذكريات. ذاكرته لم تخنه بعد، على رغم مرور عشرات الاعوام على تلك اللحظات العصيبة. يسترجع الذكريات وكأنه يتلوها عن ظهر كتاب دونه ليحتفظ بالشهادة لنفسه وللعالم ليذكر ويتذكر. وروى:

" كنا عائدين على دراجاتنا، انا وابناء عمي، كل شيء على ما يرام. لم اشعر باي شيء غريب. الساعة كانت الرابعة مساء والشمس قاربت المغيب، وحدة حرس الحدود كانت مرابطة على مدخل القرية. اقترب منا احد الجنود وقال:"ضعوا دراجاتكم هنا والحقوني". ثم سألنا من اين نحن. فاجبنا: من كفر قاسم. هنا بدأت اشعر ان شيئا غريبا يحدث، لكني لم اتخيل انه قد يصل الى حد القتل. ظننت انهم سيضربوننا ويهينوننا كما اعتادوا في السابق، خاصة لمن لم يكن معه تصريح من الحاكم العسكري".

وكان ابو الوليد يتقن اللغة العبرية. واخرج التصريح من جيبه واوضح لهم انه يحمل تصريحا. لم يكترثوا. وقال : اوقفونا في طابور طويل، وسمعت احدهم يأمر الجنود : "تكسور اتام". فهمت في الحال ماذا يقول "احصدوهم" ! شعرت وكان السماء اطبقت علي، لم اقدر على الحركة، احسست بلساني يثقل وانني اعجز حتى عن التفكير. فقط شيء واحد راودني: لا شك انهم قتلوا جميع ابناء القرية".

توقف ابو الوليد عن الحديث واشعل سيجارة من سيجارة. تنهد واستطرد:"بدأت زخات الرصاص تنهمر من كل حدب وصوب . لحظات وكأنها الدهر". كتم انفاسه. وحين بدأ الجنود جمع الجثث كتم انفاسه أكثر. سحبوه من رجليه والقوا به على حافة الشارع فوق زملائه وابناء قريته، اصابته كانت خفيفة في يده ورجله.

في ذلك اليوم كان اسماعيل بدير عائدا من عمله في قطف الزيتون على عربة من عجلتين يجرها بغل، لا يعلم شيئا عن منع التجول الساري الذي كانت حكومة "اسرائيل" فرضته على القرية. والى جانب العربة او خلفها سار رجلان يحملان الخضروات. استوقفتهم دورية "اسرائيلية" مدججة بالسلاح. امروهم بالنزول من العربة. شاهد اسماعيل جثث بعض القتلى على الأرض وشعر بما سيؤول اليه مصيره. توجه اليهم قائلا :" دخيلكم ! لماذا تنوون قتلنا ؟" فاجابه القائد:"اخرس". والتفت الى جنوده آمرا إياهم بالعبرية "تكسور اتام".

ارتمي اسماعيل تحت الجثتين مصابا في فخذه وخاصرته مدعيا الموت. حمله الجنود مع الجثتين ورموه خلف السور، سحب رجله الدامية وتسلق اول شجرة زيتون صادفته . وشاهد اهل قريته وهم يحصدون امامه، وروى وهو يشير باصبعه الى الاسماء المكتوبة على نصب تذكاري في ساحة الشهداء وسط القرية تارة والى المواقع التي حصدوا فيها وشجرة ذكرياته الاليمة تارة اخرى:

"انتفض كالدجاجة "المذبوحة"

كان الألم يقطع اوصالي. وكانت الدماء تسيل الى اسفل الشجرة. خفت ان ينكشف امري. مزقت قميصي وربطت مكان النزف. فاذ بالعقدة تغوص في اللحم. مزقت قطعة اخرى وربطتها على الفخذ.

ومن فوق الشجرة شاهدت عثمان عيسى راعي الأغنام ومعه ابنه يقتربان من فسحة بالقرب من مفترق الطرق هنا: و أشار بإصبعه الى مكان يعج بالبيوت والدكاكين، وقال :"كانت المنطقة غير مأهولة. كدت ان اصرخ لانبههم، ولكني اكتشفت انه ليس لي صوت. وما هي الا دقائق حتى بدأ الرصاص ينهال عليهما، سقطا على الارض مع مجموعة من الاغنام، بينما هرب بقية القطيع الى داخل المدرسة". واشار باصبعه الى مدرسة تحمل اسم "مدرسة الغزالي".

اخذت انتفض كالدجاجة المذبوحة والعرق يتصبب من كل جسدي. الناس على الأرض، بعضهم اقربائي ، وبعضهم اصدقائي. حاولت ان اغمض عيني كي لا ارى، فسمعت صوت عربة قادمة من الطرف الآخر لمفترق الطرق. ازداد خفقان قلبي، لان هذا يعني مزيدا من القتلى. توقفت العربة وحين اقتربت تحققت ان فيها صديقي محمود ريان و آخرون. توجه أحد الجنود اليهم وامرهم باستئناف السير. وفور اجتياز السيارة مفترق الطرق، اطلق الجنود النار عليهم من الخلف، انحرفت السيارة وانقلبت، وشاهدتهم فيما بعد ينقلون من فيها ويكومونهم فوق الجثث.

"ازداد الالم، وشعرت بالدوار. وضعت يدي على وجهي واذا به منتفخ كالبالون". وبعد وقت قصير، وانا بين الإغماء والصحو، وصلت الى مفترق الطرق عربة من اربع عجلات مربوطة ببغل عليها اسماعيل عاقب وابن عمه توفيق. أمرهم  أحد الجنود بالوقوف الى جانب العربة. ثم وصلت مجموعة من راكبي الدراجات الى المكان، وكان أولئك عمال في طريق عودتهم من عملهم، وكانت مصابيح دراجاتهم مضاءة، لان الشمس كانت قد غابت. أمرهم الجنود بوضع دراجاتهم الى جانب العربة والوقوف في صف واحد مع ركاب العربة وبقية راكبي الدراجات، فصار عددهم نحو 14 شخصا بينهم ابن عمي احمد بشير بدير، وقف في آخر الصف، فصرخ في وجهه الجنود:"يا كلب قف في منتصف الصف"، فانتقل المرحوم الى منتصف الصف.

… وعندما لم ير الجنود في الافق مصابيح لدراجات اخرى، سأل الجندي الواقفين في الصف من اين هم وكان جوابهم جميعا انهم من كفر قاسم. وفي هذه اللحظة خطا الجندي خطوة الى الوراء، وامر جنديين كانا يقفان في خط عكسي لصف الضحايا :" تكسور اتام". وفور ذلك أطلق وابل من الرصاص على صف الرجال، فسقطوا جميعا ما عدا مصطفى جينجي الذي قفز من فوق الجدار دفعة واحدة. وشاهدته يزحف مع الغنم . اما ابن عمي، فعفط لثوان من حلاوة الروح ثم همد. حملوهم وكوموهم الى جانب الشارع. كان بعضهم على قيد الحياة.

3 ايام فوق الشجرة

… ثم شاهدت سيارة شحن قادمة من شارع عمر بن العزيز (احد الشوارع المتفرعة من المفترق) . سمعت البنات وهن يغنين في داخلها ودخلت السيارة المفترق دون ان تتوقف، فركض احد الجنود خلف السيارة وصاح "قف"  لكنها واصلت طريقها، ودخلت الى طريق المدرسة، فاجتاز الجندي الشارعين، وصرخ مرة اخرى : قف، قف، وهو ينادي جنديين آخرين موجودين في المكان. توقفت السيارة في النهاية على طريق المدرسة. وامر جندي الركاب بالنزول من السيارة . نصب السائق السلم على حافة صندوق السيارة، وتوجه الى النساء قائلا : "يا اخواتي انزلن، واعرضن بطاقات هوياتكن". ولكن يبدو ان النساء لاحظن وجود الجثث في مفترق الطرق، وتوسلن امام الجندي ان يرحمهن ويبقيهن على قيد الحياة دون جدوى، قتلهن جميعهن، واشار باصبعه الى اسماء 14 امرأة وثلاثة رجال. ولكن اهل القرية قالوا ان امرأة واحدة نجت هي حنة سليمان عامر.

"حمل الجنود القتلى الى شاحنات. أردت النزول من على الشجرة فلم استطع. سمعت مكبر الصوت يعلن استمرار منع التجول، فعرفت ان هناك أناسا ما زالوا على قيد الحياة في القرية. مكثت فوق الشجرة ثلاثة ايام. انتفخ وجهي اكثر واكثر. شاهدت الدود يخرج من رجلي. انتهى منع التجول وعثر علي ابن عمي تحت الشجرة. ولم اع ما حولي الا في المستشفى ورجلي مقطوعة".

ومنذ ارتكاب المجزرة وحكومة "اسرائيل" تتملص من المسؤولية. حاكمت جنودها وحكمت عليهم بدفع غرامة مقداره ليرة "اسرائيلية" واحدة وغسلت يدها من دماء الشهداء والجرحى.

وعلى رغم المجزرة، فان سكان كفر قاسم لم يغادروا القرية والى الآن لم تستطع حكومة "اسرائيل" زرع أي "اسرائيلي" بينهم، وان صادرت اراضيهم الزراعية واقامت منطقة صناعية عليها تسمى (ماركتوم)" وقال اسماعيل "فهمنا ان هدف المجزرة "الاسرائيلية" هو دفعنا الى ترك البلد، الناس قالت نموت هنا افضل، خصوصا حين سمعنا ماذا حصل للذين هاجروا عام 1948.

ويدرج اسم كفر قاسم من جديد في كل مقال وخطاب لدى اقتراف "اسرائيل" اعمالا دموية رهيبة في حق الفلسطينيين وغيرهم، مثل صبرا وشاتيلا والاقصى والحرم الابراهيمي وقانا.

ولمن يريد ان يقف على أبعاد هذه المجزرة فلا بد له من إدراك اهمية موقع كفر قاسم، فهي قرية حدودية تفصل بين الأراضي التي احتلتها "اسرائيل" عام 48 والضفة الغربية. ضمت الى "اسرائيل" مع بقية قرى المثلث بحكم اتفاق الهدنة بين المملكة الهاشمية والحكومة "الاسرائيلية" ، والتي قضت بتجزئة فلسطين بين الطرفين. وتم ذلك بعدما وضعت حرب عام 1948 أوزارها.

"ولكن أحدا لم يسأل أهل قرى المثلث عن رغبتهم في الانضمام الى "اسرائيل" ، كما قال اسماعيل .

وكفر قاسم التي اكتوت بنار المجزرة لا تزال تعاني سياسة هذه الدولة وخصوصا في موضوع مصادرة الاراضي في منطقة "رأس العين" حيث اقيمت المنطقة الصناعية.

والقرية التي كان عدد سكانها لا يتعدى الف شخص ، كبرت وصارت كالمدينة وتكاثر سكانها فوصل عددهم الى 14 الف نسمة، معظمهم من بدو النقب طردتهم "اسرائيل" اليها بعدما صادرت بيوتهم واراضيهم.

اطفال القرية وكبارها يتقنون العبرية كما يتقنون العربية، اما بحكم عملهم في المصانع "الاسرائيلية" واما من خلال مناهج التدريس، غير ان أجواءها عربية، لا تختلف عن قرى الضفة الغربية وغزة. ولم نشاهد "اسرائيليا" واحدا يجول في شوارعها. ولكن مركز الشرطة غير البعيد عن ساحة الشهداء ، لا بد منه.