جرائم "اسرائيلية" بحق الشعوب العربية
بلال شرارة
صحافي لبناني
مقدمة:
منذ ما قبل قيام "اسرائيل" على ارض فلسطين، اعتمد الخطاب السياسي "الاسرائيلي" على صيغة اخلاقية وانسانية بغرض استقطاب الرأي العام الدولي تجاه دولة قامت على احتلال اراضي الغير وتهجير السكان الاصليين.
الا ان الوقائع الميدانية، تجرد "اسرائيل" من مفردات الاخلاق والانسانية ذات الهدف الاعلامي الصرف، ذلك ان هذه الوقائع تظهر "اسرائيل" كدولة بوليسية محضة ترتكب الجرائم المختلفة، فتهاجم المدن والقرى وتقتل سكان، وتعتقل اسرى الحرب وتعدمهم، وتهدم القرى وتهجر سكانها، وتحرق ممتلكات اصحاب الارض الحقيقيين لتقيم مستوطنات لليهود القادمين من ارجاء المعمورة على انقاض القرى والبلدات المدمرة.
هذه المقالة، تسلط الضوء على الاعمال الجرمية "الاسرائيلية" في المناطق العربية التي احتلتها خلال حرب الخامس من حزيران في العام 1967.
في الجولان
اقدم الجيش "الاسرائيلي" بعد احتلاله الجولان السورية في حزيران 1967 على تدمير 80 بالمئة مدينة القنيطرة السورية {العاصمة الاقليمية للهضبة السورية المحتلة} كما اقدمت هذه القوات على هدم 17 قرية في المرتفعات السورية المحتلة منها: ابوزيتون، الرزانية، تل السقي، خان الجو خدار.
في الضفة الغربية وغزة
وعلى نفس الصعيد رافق اجتياح القوات "الاسرائيلية" للضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران 1967 ـ رافق ذلك ـ اعمال قتل ونهب وتدمير واسعة وقد احصت مصادر فلسطينية {يوميات المؤرخ عارف العارف} اقدام القوات "الاسرائيلية" على ارتكاب جرائم فردية وجماعية فظيعة بحق المدنيين في مدن وقرى الضفة والقطاع نتج عنها:
المدينة عدد القتلى
القدس قرى القدسنابلسقلقيليةالخليلقرى رام الله والبيرةغزةاريحابيت لحم 204 قتلى291 قتلى64 قتيل71 قتيل بالاضافة إلى تدمير وحرق 60 بالمئة من منازل المدينة48 قتيل73 قتيل143 قتيل16 قتيل11 قتيل
في 11/6/67 اقتحم الجنود الصهاينة بلدة يالو الفلسطينية وقتلوا 25 من ابنائها وهدموا البلدة واحرقوها وفي نفس التاريخ صمم الجنود الصهاينة مجزرة اخرى في قريتي بيت نوبا وعمواس الفلسطينيتين ذهب ضحيتها 30 مواطنا.
دماء على طريق القناة
نقلت مجلة الشرق الاوسط عن باحث "اسرائيلي" قوله ان مذابح اخرى ابشع ارتبكت خلال حرب يونيو (حزيران) 1967 واوضح ارييه يتسحاقي الاستاذ في جامعة بار ايلان في تل ابيب ان القوات "الاسرائيلية" اجهزت على ما يقرب من 900 جندي مصري بعد استسلامهم خلال هذه الحرب. واكد في حديث للاذاعة ان "اكبر مذبحة جرت في منطقة العريش بشبه جزيرة سيناء حيث اجهزت وحدة خاصة على حوالي 300 جندي مصري او فلسطيني من قوات جيش تحرير فلسطين".
وكان يتسحاقي قد ادلى بهذه الاقوال بعد ايام من طلب مصر من "اسرائيل" التحقق من تقارير ذكرت ان قواتها قتلت عشرات الاسرى في حرب عام 1956. وقال يتسحاقي لراديو "اسرائيل" "مثل هذه الاشياء تحدث في كل حرب".
وقال يتسحاقي انه اجرى بحثا بعد الحرب في موضوع قتل الاسرى لكن قادته الاعلى لم يعيروا نتائج البحث أي اهتمام فيما وصفه بانه "مؤامرة صمت".
وقال يتسحاقي انه قرر الكشف عن هذه المعلومات لان الاهتمام تركز على قتل 49 اسيرا مصريا في حرب عام 1956.
وقال : "الامر الذي يغضبني هو ان الجميع صنعوا قضية من هذه الحالة بينما هم يعلمون ان هناك حالات عديدة مماثلة لها".
يذكر ان "اسرائيل" لم توقع الاتفاقات الدولية ضد جرائم الحرب القابلة للتقادم. وفي المقابل لا يعترف القانون "الاسرائيلي" بتقادم الجرائم التي ترتكب ضد البشرية وتلك التي ارتكبتها القوات النازية ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.
مقابر جماعية
وفي 20/9/95 نقلت صحيفة "الاهرام" مشاهدات لبعثة استكشافية ارسلتها إلى صحراء سيناء اكدت العثور على مقبرتين جماعيتين يروي شهود عيان انهما تضمان رفات اسرى حرب مصريين عزل قتلوا برصاص جنود "اسرائيليين" في حرب عام 1967.
وجاء في تقرير البعثة ان افرادها عثروا على بقايا عظام بشرية في مقبرتين حفرتا في قاعدة جوية وواد صحراوي قرب مدينة العريش الساحلية على مسافة نحو 300 كيلومتر شمال شرق القاهرة.
وافاد عبدالسلام موسى، وهو رقيب اول سابق في احدى قواعد الدفاع الجوي على خمسة كيلومترات من العريش والذي قام بدور الدليل للبعثة، انه كان بين مجموعة من الاسرى المصريين شاهدوا "الاسرائيليين" وهم يقتلون اسرى مصريين آخرين بالرصاص في 7 حزيران 1967. وقال : "رأيت طابورا من الاسرى بينهم مدنيون وعسكريون. اطلقوا عليهم الرصاص دفعة واحدة. وبعد موتهم امرونا بدفنهم".
وفي وادي الميدان على 27 كيلومترا من العريش كشف البدو للبعثة موقعا اكدوا ان "الاسرائيليين" قتلوا فيه 30 اسير حرب مصريا اعزل. وقال احد البدو ويدعى الشيخ سليمان مغنم سلامة: "جاءت حافلات محملة بجنود وقفت احداها ونزل منها نحو 30 جنديا مصريا وفتح اليهود عليهم الرشاشات على امتار من طريق الاسفلت في وادي الميدان". واضاف انه بعد رحيل "الاسرائيليين" تولى البدو دفن الاسرى المصريين".
واوضحت الصحيفة ان عمليات الحفر في الموقع اسفرت عن اكتشاف بقايا عظام بشرية وجماجم تحلل معظمها بفعل العوامل الطبيعية.
وروى سكان محليون للبعثة واقعتين قتل فيهما جنود "اسرائيليون" جنودا مصريين بعد استسلامهم.
سيناء: نار الدماء تحت رماد الرمال
على نفس الصعيد اجرت صحيفة الجمهورية القاهرية في 12/10/1995 تحقيقا من سيناء حول جرائم قتل "اسرائيل" للاسرى المصريين سواء كانوا عسكريين او مدنيين في حربي 1956 و1967 تضمن شهادات شهود عيان وجاء في التحقيق:
وقد تجاوزت هذه الجرائم وفقا لشهادة شهود العيان ما فعله النازيون مع اليهود ويتحدى الشهود الموجودون أي محاولات للانكار من جانب "اسرائيل" اذ ان الوقائع نشرت بالاسماء والاماكن والتواريخ.
ونقلت عن الحاج حسن حسين المالح "65 سنة".. بحكم مسكنه المجاور لمنطقة النخيل بالقرب من منصب الوادي حيث شاطئ البحر بمنطقة ابوصقل قوله ان الجنود "الاسرائيليين" كانوا يجمعون الاسرى المصريين بهذه المنطقة بعربات النقل ويوهمونهم بأنهم سينقلونهم في اتوبيسات للتوجه إلى منطقة القناة.. ويأمرونهم بالوقوف صفوفا ووجوههم متجهة إلى البحر ثم يطلقون عليهم الرصاص ويتركونهم قتلى ويغادرون المكان.. وتتوالى نفس العملية في عدة افواج من الاسرى الذين بلغ عددهم التقريبي 3000 اسير.. واكد ان ذلك قد حدث في منتصف شهر اغسطس 1967.
واضاف ان هذه الجثث ظلت على سطح الارض اكثر من 10 ايام حتى تمكن بعدها اهالي المنطقة من دفنها في هذه المنطقة.
ويقول الحاج حسن المالح.. اثناء الاحتلال عمدت "اسرائيل" إلى اخفاء تلك الوقائع والجرائم وضللت الصحافة العالمية.. فما فعلوه مع الاسرى في عام 1967 ابشع مما فعلته النازية في اليهود بل فعلوا ذلك ايضا مع المدنيين.
واضاف انه كان يوجد شيخ كبير من ابي صقل بالعريش يبلغ من العمر 80 عاما وحينما كان في طريقه إلى المسجد ليؤدي الصلاة اطلقوا عليه الرصاص امام باب المسجد دون ان يقترف أي ذنب وكان يسير خلف هذا الشيخ بائع متجول يبيع الحلوى للاطفال لم يتركوه ايضا واطلقوا عليه الرصاص.
وقال انهم كانوا يطرقون ابواب المنازل ويطلقون الاعيرة النارية على المواطنين المدنيين واسرهم وقتلوا "العبد يوسف بكير" امام باب منزله.
وشاهد امام منطقة الوادي ان جنود الاحتلال كانوا يأمرون الاسرى بحفر قبورهم بأيديهم والانبطاح على الارض ثم تسير الدبابات فوقهم.
واكد انه كان يوجد ضابط مصري اسمه "احمد" جاء إلى مسجد السلام بأبي صقل ورفع اشارة بيضاء للاستسلام ليكون في عداد الاسرى ورغم ذلك اطلقوا عليه 6 طلقات رصاص فمات. ويقول شاهد العيان ان ذلك.. كان امام شيخ المسجد "الشيخ عبدالقادر عثمان" امام المسجد ومن ابناء بني سويف.. ويشهد معظم ابناء ابوصقل على هذه الواقعة.. ويشير إلى انه كان يوجد شيخ اسمه "سليم ابراهيم" امام مسجد الحدود اطلقوا عليه النار ايضا.
كذلك شاهد الحاج حسن المالح كلا من عبيد الازعر وابراهيم القصلى اللذين كان يحملان الطعام على الجمل للجنود المصريين المختفين عن اعين جنود الاحتلال.. فما كان من الجنود "الاسرائيليين" الا انهم قتلوهما بالرصاص.
ويضيف ان جنود الاحتلال تربصوا ببعض الجنود المصريين اثناء عودتهم من ساحل البحر على بعد 100 كيلومتر من العريش وقاموا بعمل كمين لهم وتمكنوا من جمعهم ثم قتلوهم جميعا وهم يجلسون على الارض رافعين ايديهم لاعلى.
وقال ان الذي قام بهذا العمل الاجرامي مجندة "اسرائيلية" طويلة القامة وانه رغم مرور هذه المدة الطويلة الا انه لا زال يتذكر ملامحها جيدا ومستعد استعدادا كاملا للتعرف عليها في أي وقت.
ويعلن الحاج المالح اصراره وتحديه لاي مسؤول "اسرائيلي" يشكك فيما يقول وقد شاهد "الاسرائيليين" في مطار العريش حينما جمعوا المدنيين من المنازل إلى المطار واطلقوا عليهم النيران داخل المخابئ والخنادق الموجودة تحت الارض.
كما شاهد عقب سنوات من الاحتلال عربات الصليب الاحمر التي جمعت ما يمكن جمعه من اشلاء وجثث الاسرى.
ويقول كاتب التحقيق الصحفي ان الحاج حسن حسين المالح قد قادني إلى مواقع الدفن حيث تم الحفر واستخراج بعض الجثث والجماجم والعظام للاسرى المقتولين بأيدي الجنود "الاسرائيليين". واضاف الشيخ المالح قائلا: "انه رأى اعدادا كبيرة من الاسرى المدنيين والعسكريين وهم منبطحون امام المنازل وعلى المرتفعات وكانوا يطلبون منهم رفع الايدي والاتجاه إلى الشمس بحجة تصويرهم ثم يطلقون عليهم النيران من الخلف.
واشار إلى وجود اكثر من مقبرة جماعية في هذه المنطقة وسط اشجار النخيل واحدى هذه المقابر في احد المنازل الجديدة والمهجورة.
ويؤكد ان كل منطقة بها بقع من الزيت هي مقبرة جماعية بها اكثر من قتيل بسبب تحلل الجثث واختلاط الدهون الادمية بالرمال.
واضاف انه في عام 1973 كنا نقدم العون والغذاء والعلاج للاسرائيليين العائدين بعد فشلهم في حرب اكتوبر وعاملناهم معاملة انسانية.
وفي رفح قال الحاج محمد جمعة الجرابعة انه يوجد عدد من المدافن الجماعية للاسرى بمنطقة معسكر البرازيل التي تقع على الحدود الدولية لمصر.
وفي جرادة بمنطقة ابوعجيرم "بعد السكاسكة" كانت قوات الاحتلال تطلق النيران على الجنود العزل من السلاح رغم فانلاتهم البيضاء لاعتبارهم اسرى.
ويؤكد الشيخ سلامة عرادة ان منطقة الخروبة قد امتلأت بجثث الاسرى وقد نقلوهم إلى مدافنهم الخاصة بهم.
ويقول الشيخ محمد الكوز ان منطقة الكوزة ايضا قد امتلأت بالاسرى الذين قتلوا امام اعينهم.
ويؤكد الحاج اسماعيل خطابي صاحب اراضي منطقة الصخرة التي توجد على تل الشيخ زويد ان هناك اعدادا كبيرة من جثث الاسرى تقترب من الفي اسير.. وانه شاهد طائرة "اسرائيلية" هيلكوبتر وهي تهبط حيث جمعت الاسرى وقتلتهم بالنيران ثم اقلعت على الفور.
ويقول الحاج صالح ابو هولي بمدينة الشيخ زويد.. ان "الاسرائيليين" هجموا على معسكر الجنود المصريين بالمنطقة المجاورة لارضه وامروهم بالانبطاح على الارض وقامت الدبابات بالمرور فوقهم.
ويؤكد مصطفى حسن محيصن ابومنيع انه لا يخلو متر واحد في سيناء من دم مصري اسير.
ويقول محمد سعيد علي صالح 48 سنة انه رآهم وهم يجمعون الجنود المصريين العزل من داخل العريش عند مصنع البلح بالوادي وسط اشجار الزيتون حيث قتلوهم وكان عددهم التقريبي من 700 إلى 800.
وفي "الشيخ زويد" جمعوا جنود قسم الشرطة "سلاح الحدود" العزل وعددهم يربو على المائة وتوجهوا بهم خلف فندق السلام واطلقوا عليهم النار.
وفي اطار الجرائم العسكرية "الاسرائيلية" يكشف د. "اسرائيل" شاحاك النقاب عن ان آلاف الجنود المصريين الذين وجدوا انفسهم خلف خطوط الحركة العسكرية "الاسرائيلية" متوقعين ان يعاملوا كأسرى فكان هؤلاء يكتفون بان يشيروا لهم إلى الطريق المؤدية نحو قناة السويس او مدينة العريش، كأنهم يقومون بعمل انساني، بينما هم في الواقع يتركونهم نهباً للحر والعطش والجوع. والجنود المصريون الذين اسروا تمت ابادتهم بالقتل المباشر على يد اليهود غير المتدينين. وبالقتل غير المباشر على يد اليهود المتدينين الذين تحايلوا على نصوص الشريعة اليهودية بعدم جواز قتل غير اليهودي ان لم يكن محاربا.
في حرب 1967 كان القادة العسكريون الصهاينة يستقلون طائرات الهليكوبتر لاصطياد الجنود المصريين في الصحراء، وهم بدون سلاح او مؤن.
ويقول صحفي "اسرائيلي" ان عسكريا اسرائيليا اخبره انه اطلق سراح اسيرين مصريين ثم اخرج مسدسه وقتلهما من الخلف. ويقول الصحفي بان ضغوطا مورست عليه كي لا يكتب هذه الواقعة وغيرها. وهو كتبها ليس بهدف الاثارة ليتم تشكيل لجنة تحقيق، انما لكي يكف الزعماء والقادة "عن ادعاء الورع والحديث عن طهارة السلام".
المدنيون والاسرى الذين قتلوا عمدا في حرب حزيران 1967 يتوزعون على مناطق: غريف الجمال على طريق العريش 50 اسيرا، قرية الميدان التي تبعد 23 كيلو غرب العريش 70 اسيرا، وزقبة ومشرة وبئر الجديرات 100، وسما 400، والمشبه 30، الختمية 1000 عسكري مدني، شرقي قناة السويس 400، ممر الجدي 900، المراشدة وهمسة في جنوب العريش 120، ومطار تمادة ومنطقة الرنا 40.
وعندما قررت الحكومة المصرية رفع شكوى قضائية بحق العسكريين "الاسرائيليين" الذين ارتكبوا هذه المجازر في صحراء سيناء ابان حربي 1957 و1967، مستندة إلى اعترافاتهم والى وقائع وشهود آخرين، كان رد اسحاق رابين : "ان تهمة القتل سقطت بالتقادم حسب القانون "الاسرائيلي"".