مائة يوم على حكم شارون

شوقي ابوشغيرة/ كاتب فلسطيني
مجلة الشروق ـ الامارات 25/6/2001


انتهت مطلع الاسبوع الماضي المئة يوم الاولى من حكم ارييل شارون، وهو في عز شعبيته بين “الاسرائيليين”. وهذا الاسبوع تكون قد انتهت مدة "خطة المئة يوم" التي وضعها شارون مع رئيس اركان الجيش “الاسرائيلي” للقضاء على الانتفاضة. ومن الان فصاعدا ثمة ستة اسابيع حاسمة، فيها الكثير من عض الاصابع المؤلم بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والسبب ان على "الاتفاق الامني" الهش جدا بين الجانبين، الذي رتبه رئيس وكالة المخابرات المركزية الاميركية، ان يفضي بعد ذلك الى وضع شارون وجها لوجه امام ما يسميه “الاسرائيليون” بـ "كابوس حياته": ان يتخذ قرارا بتجميد المستوطنات، حسب توصيات "ميتشيل". لذا يستنتج المحللون “الاسرائيليون” ان الصراع بين شارون وعرفات سيدور خلال هذه الاسابيع الحاسمة على شكل سباق لتأمين غطاء دولي، يريده الاول قبل الاقدام على عملية عسكرية كبيرة ضد الفلسطينيين والسلطة، ويرده الثاني لقلب الصورة، بحيث تسقط حكومة شارون في لحظة رفضها دفع ثمن دبلوماسي باهظ.. وهي لحظة ستعود فيها الانتفاضة الى اوجها ايضا.

 

وقف اطلاق النار يبن الفلسطينيين والاسرائيليين لا اقدام له. هذه العبارة التي استخدمها امين عام الجامعة العربية عمرو موسى، بعد اجتماع لجنة المتابعة العربية في عمان يوم الاثنين من الاسبوع الماضي، تكاد تكون موضع اجماع لا يخرقه سوى بعض المتفائلين من مديري الدبلوماسية الاميركية في المنطقة. الفلسطينيون، وكذلك “الاسرائيليون”، مجمعون على ان مهمة رئيس وكالة المخابرات المركزية الاميركية جورج تبنيت نجحت نجاحها المحدود، لان الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي يريدان فترة "هدنة" لاعادة تعديل موازين القوى، فقط. واذا كان كل الحديث دار خلال الفترة القريبة الماضية عن "ضغوط دولية" هائلة قادتها الولايات المتحدة، على رئيس السلطة الفلسطينية، ليقبل (مع قليل من التحفظ) بوثيقة تينيت، فان حال شارون ليس افضل من خصمه، مع ان العالم كله وقف الى جانبه، وتبنى مطالبه الامنية، وتجاهل رفضه لربط الامن بالسياسة، كما طلب الفلسطينيون.

بالنسبة الى شارون، لا بد من تمديد الوقت الى اوسع مدى، ومنع الامور من الوصول الى لحظة قد ينجح فيها الفلسطينيون في دفع العالم الى سؤال رئيس الحكومة “الاسرائيلية” عن رأيه في الخطوة التالية، وتلك التي يفترض ان تأتي بعدها: أي الوصول الى مرحلة يكون فيها استحقاق "اجراءات الثقة المتبادلة" اسرائيليا، كما في بنود توصيات لجنة ميتشيل، والمقصود تجميد المستوطنات. اما الخطوة الابعد، فهي الاتفاق على شروط العودة الى طاولة المفاوضات، وتحديدا المفاوضات النهائية، بعد تنفيذ انسحاب الثالث، حسب اتفاق اوسلو. الطريف في الامر، ان كلا من شارون وعرفات يلعبان باوراق مكشوفة، ويمارسان تكتيكات دبلوماسية معروفة لكل منهما، وكذلك للعالم اجمع، والاثنان يعرفان ان وقف النار الذي نظمه تينيت هش جدا، بلا اقدام، وقابل للانهيار في أي لحظة، ولا يحميه سوى احساس كل منهما بان استثماره في "خطة تينيت" وتوصيات ميتشيل بدأ يجني الارباح.

على العكس من ذلك، وهذه مفارقة اضافية، فان احساس أي منهما بان استثماره هذا بدأ بالخسارة، ولن يقود الا الى فوز الاخر بالارباح، سيعني العودة الى المربع الاول.

وتلك لعبة قد تبدو غريبة في منطق الدبلوماسية وتجاذباتها، غير ان هذا هو واقع الحال بالضبط.

 

لعبة الوقت

يقول كثير من المحللين العرب، وفقا للقواعد المألوفة كأمر واقع في المنطقة، ان "الوقت" لم يلعب يوما ولن يلعب ابدا لمصلحة الفلسطينيين، وان الاستثمار فيه استثمار “اسرائيلي” بامتياز. وكأنما ما يجري اليوم هو تكرار لمشهد احتلال فلسطين في العام 1948.

والسبب ان الحصار “الاسرائيلي” المستمر على الفلسطينيين، على الرغم من ادعاءات حكومة شارون حلحلته هنا او هناك في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، سيأكل الانتفاضة شيئا فشيئا، فلا تعود تقوم لها قائمة في ما بعد، أي ان صيرورة الانتفاضة ستكون تثبيت احتلال “اسرائيل” للضفة وغزة.

والسبب الاخر هو هن شيئا لا يستطيع ان ينفي ان السلطة الفلسطينية استجابت للضغوط الهائلة التي مورست عليها، بينما كان سيف تصفيتها نهائيا مسلطا على رقبتها. و"الوقت" هنا سيكون لمصلحة نجاح شارون في توظيف ضغوط دولية اضافية عليها (طالما ان العالم الذي تقوده واشنطن متواطئ مع “اسرائيل”)، ما يعني انها ستجبر لاحقا على اعتقال الناشطين في "حماس" وحتى في "فتح" الذين يستطيعون تنفيذ العمليات المؤذية لـ “اسرائيل” والتي ميزت الانتفاضة الحالية، واربكت حكومة شارون، وزرعت الرعب في صفوف التجمع الصهيوني في فلسطين.

و"الوقت" قد يفيد شارون ليلزم السلطة (ودائما عبر الضغط الدولي) بكل نقطة في خطة تينيت (مثل جمع الاسلحة والصواريخ ووقف "التحريض" وتحييد المستوطنات والمستوطنين عن هجمات المقاومين الفلسطينيين)، من دون ان ينفذ شارون شيئا ذا اهمية من حصته من خطة تينيت، وتحديدا العودة الى خطوط وظروف 28 سبتمبر 2000.

دليل اصحاب هذا الرأي قاعدة "تصفير الساعة"، التي يصر عليها “الاسرائيليون”، أي العودة الى عد اسابيع التهدئة الستة، من البداية، كلما قام فلسطيني بعملية عسكرية، وربما كلما رمى احدهم حجرا على جندي “اسرائيلي”، وشارون بالمناسبة، يعتبر الحجارة ايضا ضمن قائمة الارهاب والعنف الفلسطيني المطلوب الالتزام بوقفه الكامل، وبنسبة مئة في المئة، قبل التحرك في أي اتجاه آخر.

وثمة حجة اخرى، هي ان شارون سيظل قادرا على اقناع "عالم اميركا" بتمديد الوقت، لانه هو بالذات من يواصل سياسة "ضبط النفس"، بينما لا يلتزم الفلسطينيون بـ "وقف اطلاق النار" حارما عرفات من احتمال أي نجاح لتكتيكه الذي يريد دفع صورة شارون الى التآكل امام العالم، لان هذا الاخير يرفض العودة الى طاولة المفاوضات او الالتزام بتنفيذ توصيات ميتشيل (مسألة المستوطنات)، وحتى عدم التزامه بخطة تينيت عمليا.. وبالتالي قد لا يصل الفلسطينيون ابدا الى لحظة "كابوس شارون"، فما بالنا بوضعه وجها لوجه امام استئناف المفاوضات النهائية، من حيث توقفت في كامب ديفيد ـ 2، وطابا، مع حكومة ايهود باراك في يناير الفائت.

كل ما سبق قد لا يعني الا ان الفلسطينيين، وانتفاضتهم، ومعهم السلطة الفلسطينية في مأزق يشبه حفرة الرمل، التي تتوسع كلما عملت معاول الدبلوماسية عليها.

وان شارون، اذا نجح، ودائما لان العالم هو عالم اميركا، بينما الدول العربية لا تدعم السلطة الفلسطينية في وجه هذا العالم لاقامة شكل من التوازن الدبلوماسي، نجح في متابعة السير على طريق خدعة شريكه شيمون بيريز، متظاهرا بالتصرف كمن يضبط نفسه، ويرغب في "السلام"، بينما الفلسطينيون المتوحشون يحبون الحرب والعنف والارهاب، وهم من رفض العرض السخي لباراك في المفاوضات، فكانوا مثل "الطماع" الذي ضيع في لحظة غباء شديدة كل ما جمع.. لذا فان شعارا من قبيل لا استئناف للتفاوض تحت النار، سيظل يعمل في واشنطن وعواصم اوروبا، وحتى في موسكو، وخلال هذا الوقت ستأكل الدبلوماسية “الاسرائيلية” ما لم تقضمه من "جثة الانتفاضة" الآلة العسكرية في الميدان..

وهكذا يكون وعد “اسرائيل” للعالم بـ "شارون الجديد" و"عرفات الارهابي القديم" قد تحقق.. وعلى “اسرائيل” ان تعيد تنظيم احتلالها للضفة وغزة من جانب واحد بمزيج من فصل محدود من طرف واحد، واحزمة امنية على الطريقة اللبنانية، لوضع الفلسطينيين الى الابد في "اقفاص" محكمة الاغلاق، فلا يستطيع أي منتفض         منهم تسلق الاسوار، ولا حتى رؤية جندي “اسرائيلي” ليرمي عليه مجرد حجر.. وبامكان تنظيم حياة هؤلاء اداريا وامنيا في وقت لاحق بوساطة قيادات محلية: "روابط مدن" تشبه روابط قرى موشيه دايان.

 

القبيح يقود الاطفال

كل ما سبق، له ما يدعمه على ارض الواقع، وعلى الاقل، فان هذا هو تكتيك شارون، ودائما هو تكتيك مستند الى انحياز عالم اعمى الى “اسرائيل”، ويريد من هذا الاخير ليس اكثر من الادعاء كذبا بانه متجاوب مع دعوات التهدئة والسلام ليواصل العالم عماه وانحيازه.

غير ان صورة شارون التي رسمها العالم الاميركي في اشهر الانتفاضة الماضية، لن تخفي صورته القبيحة، لكن تلك التي لم تعد مرعبة للفلسطينيين بعد ما جرى تهشيمها كلوح من الزجاج.

وصورة شارون القبيحة هذه، هي صورة المجتمع “الاسرائيلي” ذاته التي يعرفها العالم كله، ويتأكد من مشهدها وهو يقرأ استطلاعات الرأي العام “الاسرائيلي” الاخيرة التي تجعل من هذا القاتل، رئيس الوزراء الاكثر شعبية في تاريخ “اسرائيل” (القصير جدا)، اقله منذ حرب العام 1967، وذلك لانه يمثل صورة القاتل، فقط، والمجرم القذر القادر ايضا على الكذب بامتياز بمساعدة بيريز.

مع ذلك، فان “الاسرائيليين” انفسهم يكذبون على انفسهم عندما يصدقون ان شارون ركب "كوابح" لشخصية "الجرافة" التي طالما تقمصها، فعرف كيف يحشر عرفات امام العالم، ما يوحي بانه (أي شارون) سيأكل الانتفاضة بالشوكة والسكين.. وبهدوء. وسيخلص المجتمع “الاسرائيلي” من حالة الفزع التي صارت فيها الحياة في “اسرائيل” اشبه بالعيش في الجحيم.

ومن اسرار شعبية شارون، ايضا، كما يكشف عن ذلك محللون “اسرائيليون”، ذلك الفراغ القيادة في "“اسرائيل”" فوراء شارون، كما يكتب يوئيل ماركوس في "هآرتس" ثلاث رؤساء حكومة، الواحد افضل من الاخر، لكنهم فشلوا وخيبوا الامال.

وامام شارون هؤلاء الثلاثة فقط، او من يشبههم، وعندما يجري الحديث عمن سيخلفه يلاحظ “الاسرائيليون” جميعا ذلك الفراغ الكبير في المشهد السياسي “الاسرائيلي”.

وان "مجتمعا" لا يجد قائدا له افضل من شارون الواقف على قدمي شيمون بيريز (الموصوف ابدا بالخاسر) هو مجتمع مأزوم، لا يعرف ما يريد، ويتصرف كالطفل الذي يخبئ عينيه بيديه، كي تختفي المشكلة من وعيه.

ومرة اخرى، فان هذا المجتمع يثبت انه لا يستطيع التصرف، وحتى الحياة، الا كالطفل تحت حماية والديه، فالعالم الاميركي يتدخل ويضغط ليحمي “اسرائيل” وليساعدها على المشي وسط حقل الاشواك الفلسطيني "الوحيد" هذه المرة، والضعيف ايضا بمقاييس القوة المتعارف عليها.

ان مجتمعا مصابا بمثل هذه الحالة الرديئة من "الطفولة الابدية"، وعدم النضج، لا يشبه في مقاييس البشر الا "الرجال المتخلفين عقليا"، وطبيعي اذا، ان لا يجد هذا المجتمع "المتطفل" الا عجوزا خرفا، ومجربا جيدا على مستوى نقص القدرة على الرشد، مثل ارييل شارون ليقوده..

فالى اين ستمضي هذه القافلة معصوبة العينين، فاقدة الرشد والترشيد؟ والى اين سيمضي الفلسطينيون في المقابل؟

 

 

الحكاية الفلسطينية

ليس ابدا، من قبيل الاعجاب بالفلسطينيين وانتفاضتهم على مدى اشهر ما بعد 28 سبتمبر الماضي، القول ان الفلسطينيين يظهرون رشدا اكبر من سنهم وقدرتهم على المشي وسط حقل الظلم الاشد مضاضة.

انهم يتصرفون الان وهنا كما هو واقعهم بالضبط، بلا اوهام او خيالات، بلا شعارات جوفاء تريد سطرا في سجل التاريخ، حيث يدفن الضحايا الجيدون، وهم في المقابل لا يستهترون بقوتهم، ويدركون قدرتهم على ممارستها في اللحظة التي تكون فيها "قدرة القوة" قادرة على الفعل، لا خلبية.. وان اعترى الامر بعض الاخطاء احيانا.

هم يتعلمون من التجربة، واذا كانت “اسرائيل”، تتحدث منذ حوالي 9 اشهر عن "حرب الاستقلال الثانية"، فانهم لا يريدون تكرار مأساة "النكبة، فلم يوكلوا لا سلاحهم ولا دبلوماسيتهم لاحد، ولا يثقون باية وعود، لا يلبسون اية اقنعة او حتى نظارات شمسية.. فالواقع هو الواقع.. والامل (وهو الاب الشرعي لاستمرار الحياة) هو، فقط، في حفر جدران الواقع الصلبة لرسم الصورة المشتهاة بهدوء. لا وقت للغضب من ذوي القربى، ولا وقت ايضا للرهان على عالم لا يواجه اميركا الا بمؤتمرات "اطفال" في لجان الامم المتحدة لحقوق الانسان والمخدرات، وبالادعاء ان "لوفت ستوري" على التلفزيون الفرنسي غير متأثر بعالم "الامركة" الاكثر استهلاكية وبعدا من الخصوصية الانسانية.. والثقافة العريقة.

"الغضب" يعين الفلسطينيين على الانتباه الدائم فقط، لمواصلة قراءة افكار "“اسرائيل”" ومن يحميها، والامل يعينهم فقط،كي لا يغلب الحزن بدموع من ضباب الصورة كما هي فتنقلب.

والان اذا، يفهم لماذا يستقوي الفلسطينيون على انفسهم بـ "الوحدة الوطنية" في ميدان "الانتفاضة" وكيف صاروا يفهمون ان ما تريده “اسرائيل” هو تشتيت طاقتهم بدبلوماسية العالم الاميركي، وان كانت لا تراهن قط على "حربهم الاهلية"، ولكن كي لا تفعل هذه الطاقة فعلها في لحظة "الحقيقة" القريبة عندما تعود طائرات اف 16 التي لا تميز صواريخها بين سلطة ومعارضة لحرث الحقول الفلسطينية المملوءة بالحجارة والناس واشجار الزيتون والاستشهاديين ايضا.

واللافت، وهذه ليست مفارقة، ان الفلسطينيين جميعا، بمن فيهم السلطة الموافقة على وثيقة تينيت، يقولون ان لا شيء على الارض اسمه "وقف اطلاق النار" وان الاحتلال “الاسرائيلي” بحد ذاته هو "اطلاق نار" وطبيعي ان تندرج في السلة ذاتها كل التفاصيل: الحصار، المستوطنات والمستوطنون، القتل المستمر للفلسطينيين، المعازل الامنية التي تقام حولهم، الخنق الاقتصادي، فكل هذه بنات شرعيات للمصيبة الاصلية: الاحتلال ووقف النار الحقيقي اذا، هو انهاء الاحتلال.

يعرف “الاسرائيليون” في المقابل، ان اسلحة الانتفاضة الحقيقية موجودة في تربة الارض الفلسطينية، وقد جرب معظمها في الاشهر التي مضت، ولا شيء يقول ان ايا من هذه الاسلحة استنفد، او تثلم، او فقد صلاحيته. فماذا اذا قدر الفلسطينيون. وسيقدرون، على السير على حد السيف، وعلى حد الصبر ايضا، حتى لا يعود العالم القادر على "الكذب" يستطيع مواصلة القدرة على هذه الهواية؟

 

و.. الصورة الفلسطينية

هذه هي الصورة الفلسطينية الاوضح:

ـ مشهد الانتفاضة ثابت في الصورة بكل مقومات قوته، ومقومات قدرته على ممارستها، مقابل تثبيت مشهد العجز “الاسرائيلي” المقر باللاقدرة على تصفية الانتفاضة، حتى من خلال ممارسة اعلى مستويات القوة الحربية، وفي هذا المشهد ايضا "توازن الرعب" بالاحرى الفزع الذي حفر كأثر ثابت في سيكولوجيا تعامل المجتمع “الاسرائيلي” مع الانتفاضة.

اما المشهد الذي يتحرك الان، ففي تفاصيله ما يأتي:

ـ اجبار العالم على الغاء كذبة ان الفلسطينيين فوتوا عرض باراك السخي: "نحن لم نفوته، لكن العرض لم يكن سخيا، بل مجرد حيلة، ولسنا من اوقف المفاوضات، وليعد الى الطاولة هذا العرض، لنعيد ابداء وجهات نظرنا فيه، ومطالبنا "المشروعة" في مواجهته، من دون ان نمل..

ولكننا هذه المرة لن نجلس على الطاولة الى الابد.. فلا بد من تحديد فترة لا تزيد على السنة لانهاء المفاوضات النهائية، على القواعد التي قالت بها واشنطن نفسها في رسائل الدعوة الى مدريد: أي الانسحاب “الاسرائيلي” الى خطوط 4 يونيو 1967، وعودة اللاجئين (القرار 194) وما يحق لاي دولة في العالم من شؤون السيادة والامن والاستقرار. وكيف يمكن الحديث عن "انهاء صراع"، بينما الصراع لا يزال قائما بكل حيثياته وجذوره؟

ـ ها نحن ايضا نوافقكم على "ميتشيل" و "تينيت"، فليتفضل العالم ليثبت مصداقيته.. ان شارون يكذب، فهو لا يوقف اطلاق النار، ولا يريد "اجراءات ثقة" او "تجميد الاستيطان" او العودة الى المفاوضات.. وكم ستدوم تغطية الكذبة دوليا؟ بامكاننا الانتظار حتى تجدوا الوقت مناسبا لسؤاله عن كوابيسه: "وقف الاستيطان"، "العودة الى المفاوضات من حيث توقفت"، وقتها سيتحول جهدكم نحو “اسرائيل” نفسها، اما لاسقاط شارون (العائد الى قافلته التي لم يغادرها اصلا)، واما لحماية استمراره رئيسا للحكومة في وجه من سيسقطونه من “الاسرائيليين” في اليمين وفي اليسار.

ـ لا يفكر احد بأن "الوحدة الوطنية الفلسطينية" ستنهار. وسيثبت الفلسطينيون للعالم انهم حالة ديموقراطية فريدة، تعلمت من التجربة، وانهم فرقة موسيقية تعزف سيموفونية رائعة بلا نشازات، بينما المايسترو هو كل هؤلاء العازفين.

ـ الام سيوظف العالم الاميركي ضغوطا على العالم العربي، ليظل صامتا بألم، يسأل الفلسطينيون، الا يصغي العالم "الاميركي" الى تلك التحذيرات الرسمية العربية، من ان الكذب وتجاهل الحقيقة لا يلعبان مع "الوقت" لعبة منسجمة؟ وان الوقت يعمل فقط لمصلحة الانفجار الاكبر، بينما جهود الاطفائي لا تريد التعامل مع الحريق الاصغر؟

وهل تظنون الدول العربية، والجمهور العربي يصدقون اكذوبة التزام “اسرائيل” بضبط النفس ووقف النار؟ ام ان وقف النار بلا اقدام طالما لم تنسحب القوات “الاسرائيلية” بالكامل الى خطوط 28 سبتمبر، وطالما كان هناك احتلال ستكون هناك مقاومة، كما قال عمرو موسى.

ـ ان الفلسطينيين يدركون جيدا مخطط شارون ـ بيريز، وهم مستعدون له، غير انهم سيتركونه الى اللحظة التي لا يستطيع فيها اخفاء هذا المخطط، ليكون مفضوحا لا يستره أي غربال، وهذا المخطط صريح جدا، "الايحاء للعالم بان عرفات لا يفي بالتزاماته، لطرده من الحلبة السياسية، ولطرد التسوية السياسية، اصلا من الحلبة، وفي المقابل يريد شارون ضمان تأييد دولي واسع له قبل الاقدام على العملية العسكرية الواسعة ضد الفلسطينيين، والتي يظن انها ستكون القاضية على الانتفاضة والمدمرة للسلطة، غير ان شارون، يقول الفلسطينيون، يكون نسي مشهد الانتفاضة، وحقيقة ان شيئا لا يكسرها عسكري