مجزرة قانا: قذائف عناقيد الغضب، تسقط على اهداف مدنية
فرجينيا شري
مقدمة
وصف الجيش "الاسرائيلي" العام 1996 القصف المدفعي الفتاك على قاعدة قوة حفظ السلام الدولية في قانا بأنه "حادث مؤسف". وقال انه "اعطى قواته المسلحة دائما توجيهات بتجنب مهاجمة الاهداف المدنية"، واصر على ان الهجوم كان حادثا عرضيا نجم عن اخطاء في رسم الخرائط وتحديد المواقع. وجاء في رد رسمي للجيش "الاسرائيلي" في 9 ايار (مايو) 1996 ان "أي محاولة للادعاء ان النتائج المؤسفة جدا لحادثة قانا لم تكن ابدا عرضية، كما أفاد تقرير الامم المتحدة ضمنيا، لا اساس له من الصحة اطلاقا". اما سكان جنوب لبنان، الذين تحملوا بشكل اساسي وطأة "عملية تصفية الحساب" في تموز (يوليو) 1993 و"عملية عناقيد الغصب " في نيسان (ابريل) 1996، فانهم يرون ان مذبحة قانا لم تكن باي حال حادثا عرضيا. اذ تحملوا لسنوات الاعتداءات التي شنتها من دون تمييز الطائرات "الاسرائيلية". ومدفعية "جيش لبنان الجنوبي" الموالي "لاسرائيل" وادت الى قتل وتشويه اطفالهم وجيرانهم واصابتهم بجروح.
ولم يشذ حادث قانا عن هذا النمط وكان السبب الوحيد الذي جعله يثير اهتمام العالم انه كان اكثر الهجمات "الاسرائيلية" فظاعة حتى ذلك الحين. كان من الصعب تجاهل العدد الكبير للقتلى والصور الشنيعة للاجساد المحترقة والمشوهة للضحايا الذين كان بينهم اكثر من الاطفال الصغار، كما لم يكن ممكنا تجاهل سقوط القذائف - في وضح النهار وفي طقس صحو - وسط قاعدة تابعة للامم المتحدة كان واضحا انها تؤوي ما يزيد عن 800 من المدنيين.
ويمكن العثور على ادلة تدعم اولئك الذين يؤكدون ان القصف المدفعي على قانا لم يكن حادثا عرضيا ليس في تقرير الامم المتحدة وحده، الذي رفضته "اسرائيل" والولايات المتحدة، بل ايضا في الحوادث التي وقعت في اماكن اخرى في جنوب لبنان. ففي الايام التي سبقت تحول قاعدة قانا الى مشهد دام، اظهرت هجمات اخرى ان القوات "الاسرائيلية" كانت تتصرف باستهانة فظة بالقانون الانساني العالمي، بقوانين الحرب، وينبغي النظر الى مقتل وجرح مدنيين في قانا ضمن هذا السياق الاوسع.
في 17 نيسان (ابريل)، قبل يوم من كارثة قانا، وقع هجوم مماثل الى حد كبير لم يثر انتباها يذكر على قاعدة صغيرة لقوة حفظ السلام الدولية في قرية مجدل زون الواقعة على خط الجبهة حيث كان يلتجئ 600 مدنيا، وتسبب الهجوم في احداث دمار كبير داخل القاعة، وكانت معجزة ان احدا لم يقتل. هل كان هذا الهجوم هو الاخر، مثل قانا، حادثا عرضيا؟ وفي 16 نيسان دمرت الطائرات "الاسرائيلية" بشكل كامل سيارة اسعاف تحمل علامات مميزة في قرية عبا قرب النبطية كما كان هناك القصف المدمر على مستشفى الجنوب في وسط النبطية صباح 15 نيسان واطلاق صواريخ على سيارة اسعاف اخرى تحمل علامات مميزة بينما كانت تغادر قرية المنصوري في 13 نيسان ما ادى الى قتل 4 اطفال وامرأتين. هل هذه حوادث عرضية ام جرائم حرب؟
لندرس هذه الهجمات، التي نصفها ادناه بتفصيل، في ضوء ما قاله رئيس الوزراء آنذاك شمعون بيريس: "امرت الحكومة الجيش في تعليماتها الموجهة اليه حول العملية الا يلحق الاذى بمدنيين او باهداف مدنية، وان يركز كليا على منشآت "حزب الله" وعلى الارهابيين ذاتهم". اما ان يكون بيريس غير صادق او القادة العسكريين "الاسرائيليين" لم يتجاهلوا قوانين الحرب فحسب بل تجاهلوا ايضا التعليمات الواضحة لحكومتهم.
17 نيسان 1996، مجدل زون:
كان معظم سكان قرية مجدل زون الواقعة على خط الجبهة هربوا خوفا خلال الاسبوع الاول من عملية "عناقيد الغضب". لكن بعضهم التجأ الى قاعدة قوة حفظ السلام الدولية هناك، التي تمركز فيها جنود نيباليون طيلة 12 سنة. وكان 60 من المدنيين يحتمون داخل المجمع عندما تعرض الى القصف المدفعي في 17 نيسان، وكانت معجزة حقا ان احدا لم يقتل. وسرد الضابط المسؤول عن القاعدة الكولونيل "رانادوج ليمبو" الاحداث التي سبقت الهجوم. وابلغني انه في 14 نيسان "كان هناك قصف كثيف حول القرية، ولحقت اضرار بالمنازل والطرق". وفي 15 نيسان جاء صحافيون لتفقد الدمار وكانوا على متن قافلة من السيارات التابعة للامم المتحدة وسيارات خصوصية. وتعرضت القافلة الى "اطلاق نار عن قرب" من مدافع عيار 155 ملم. وفي 16 نيسان تعرض الطريق الى مجدل زون الى القصف على مساحة حوالي كيلومتر شمالي غربي القاعدة، وتسبب في قطع الطريق اليها.
وفي اليوم التالي حاولت قوة دولية تضم مهندسين بولنديين وجنودا نيباليين ان تفتح الطريق، ووصلت الى المكان على متن ناقلة جند مصفحة يرافقها باص صغير من طراز "تويوتا". وفي حوالي الساعة 11.00 صباحا، بعدما تمكن جنود حفظ السلام من ردم حفرتين نجمتا عن سقوط قنابل وازالوا الحطام عن حوالي 700 متر من الطريق، القت طائرة مقاتلة "اسرائيلية" قنبلة على مسافة 150 متر شمال الموقع الذي كانوا فيه. وواصلوا العمل لمدة نصف ساعة اضافية، لكن غادروا المكان عندما انفجرت قذائف اطلقتها دبابات او مدفعية على مسافة 200 متر امامهم.
وبعد ذلك بعشر دقائق، تعرضت القاعدة نفسها الى قصف مباشر، واصابتها 8 قذائف. وكانت نوعية القذائف تشبه ما سقط في اليوم التالي على قانا: نصفها من النوع الذي ينفجر في الهواء فوق الهدف بدل الانفجار على الارض. وكانت هذه القذائف هي التي انفجرت قرب المباني المصنعة مسبقا التي كانت تضم مطبخ المعسكر وغرفة الجلوس، ملحقة بها اضرارا جسيمة، وفوق طرق داخل القاعدة. كما لحقت اضرار بحمامات وبرج حراسة وخزان مياه. واضاف الضابط المسؤول عن القاعدة ان "قذائف اخرى كثيرة سقطت على مقربة من المكان، ولم نشر اليها في تقريرنا".
ولم تكن هناك عند وقوع الهجوم، حسب الكولونيل ليمبو، أي تحركات عسكرية لمقاتلين في المنطقة ولم تطلق أي صواريخ كاتيوشا. وقال ان "معظم نشاط المقاومة تركز في ياطر"، وهي قرية اخرى على خط الجبهة على مسافة حوالي 10 كيلومترات الى الشرق. كما لفت الى انه لم يكن هناك أي اشعار مسبق بالقصف من الجانب "الاسرائيلي" قبل الهجوم، بخلاف الاسلوب المعتاد المعمول به. وفي اليوم التالي، لم تتلق قاعدة قانا ايضا أي اشعار بالقصف.
وقال لي الكولونيل ليمبو اثناء تجوالنا في المجمع: "لا يمكن ان يكون الامر مجرد خطأ. انهم يعرفون هذه القاعدة. انها احدى قواعد قوة حفظ السلام الدولية الاقرب الى مواقع الجيش "الاسرائيلي". ربما حدث (الهجوم) لاننا كنا نؤوي مدنيين ولم يستحسنوا ذلك". ولفت الى ان خمسة كيلومترات، قرب الحدود "الاسرائيلية"، وان موقعا اخر للجيش "الاسرائيلي" كان يبعد اقل من كيلومتر عن القاعدة. واشار الى ان الطقس كان صحوا عندما وقع الهجوم واطلق جنود حفظ السلام، اثر سقوط الطقس القذيفة الاولى (قنبلة دخان)، ثماني طلقات انارة حمراء وقال ان "هذا (اجراء) عادي عندما تتعرض الى هجوم بامكانهم ان يشاهدوا القنابل المضيئة من يارين، واضاف ان القنابل المضيئة لم توقف الهجوم، واستمر اطلاق النار على القاعدة لمدة تراوح من خمس الى سبع دقائق. وبخلاف الوضع في قانا، حيث استخدمت نيران غير مباشرة، كان مجال الرؤية في اتجاه مجدل زون واضحا بالنسبة الى المدفعيين القريبين.
16 نيسان 1996، بين الزهراني والطريق العام الساحلي:
قام جنود قوة حفظ السلام الدولية، اضافة الى تنظيم القوافل لسكان القرى الذين كانوا يريدون مغادرة المنطقة وايواء حوالي 5 آلاف من المدنيين في قواعدهم خلال القتال، بتوزيع الاغذية وامدادات الاغاثة على السكان في انحاء الجنوب الذين لم يتمكنوا من الهرب او لم يكونوا راغبين في ذلك. وابلغني مسؤول في الامم المتحدة ان "يونيفيل"، وهي عملية حفظ السلام الدولية في لبنان، زودت العسكريين "الاسرائيليين" دائما معلومات عن حركة قوافلها الانسانية وان الجيش "الاسرائيلي" "ابلغنا رسميا انه لن تجري اعاقة (القوافل)". ورغم هذا التطمين تعرضت سيارات "يونيفيل" التي كانت تنفذ مهمات انسانية في احيان كثيرة الى نيران القوات "الاسرائيلية" عن قرب وعلى نحو خطر. وقال المسؤول، الذي رفض الكشف عن هويته، انه شارك في 15 او 16 قافلة خلال عملية "عناقيد الغضب" وكان شاهدا على 10 حالات لسقوط قذائف قرب السيارات.
وانطلق ستة جنود فنلنديين من القوة الدولية من قاعدتهم بعد ظهر 16 نيسان وتوجهوا على متن ناقلة جند مصفحة وشاحنة الى الزهراني لتسلم امدادات اغاثة. وعندما وصلوا الى الزهراني قاموا بتحميل الشاحنة واستغرق ذلك حوالي 90 دقيقة. وخلال هذه الفترة - في حوالي الساعة 3.30 بعد الظهر - بدأت طائرات "اسرائيلية" تقصف الطريق على مسافة حوالي كيلومترا واحد. وقال الكابتن فيلي بوتو الذي رافق القافلة: "كانوا يحاولون ان يقطعوا الطريق. وكان الطريق الوحيد الذي يؤدي الى النبطية".
وعندما انتهى الجنود الفنلنديون من تحميل الشاحنة انطلقوا غربا في اتجاه الطريق العام الساحلي. ووجدوا ان الطريق مقطوع بسبب ثلاث حفر كبيرة "تشكل صفا" خلفتها القنابل، وكل حفرة قطرها 10 امتار وعمقها 4 امتار. وبينما كان الجنود خارج سياراتهم انقضت طائرة "اسرائيلية" وحلقت مرتين فوق ناقلة الجند. وبعدما انهت تحليقها لمرة ثانية، فيما كان الجنود يستقلون الناقلة، القت قنبلة في احدى الحفر على الطريق امامهم وعلى مسافة حوالي 50 مترا من سياراتهم. وكان موقع الهجوم منطقة مكشوفة لا توجد فيها أي مبان او اشجار تحول دون رؤية السيارتين اللتين كانتا تحملان علامات مميزة واضحة. واعقب ذلك هجوم ثان. واضطر السائقان الى ارجاع السيارتين الى الوراء وقطعا مسافة تراوح بين 300 و 400 متر في اتجاه مبنى فيه مدخل بهدف الاستدارة هناك. والقيت قنبلتان اخريان، على مسافة حوالي 100 الى 150 مترا عن السيارتين حسب تقرير داخلي لـ"يونيفيل" حصلت عليه "ميدل ايست ووتش".
وأبلغني بعض موظفي "يونيفيل" انه اعتبر حوادث "اطلاق النار عن قرب" هجمات متعمدة تهدف الى عرقلة او اعاقة ايصال المساعدات الانسانية للمدنيين اللبنانيين. ولاحظ مسؤول كبير "انهم كانوا مستائين من قيامنا بجلب المساعدات. وكانوا يدركون انهم يطلقون النار على نحو خطر. السؤال من الذي اتخذ القرار بالسماح باطلاق النار على مسافة قريبة جدا من قوافلنا؟". ولا يزال سؤاله من دون جواب، لكن وتيرة مثل هذه الحوادث لا تدع مجالا للشك في ان القوات "الاسرائيلية" لم تف بواجبها وفق قوانين الحرب في الامتناع عن شن هجمات من دون تمييز (تتضمن هذه القوانين تفاصيل دقيقة) واتخاذ تدابير وقائية لضمان ان تتعرض اهداف عسكرية مشروعة وحدها الى اطلاق النار.
16 نيسان 1996، عبا:
تحمي قوانين الحرب بشكل خاص المستشفيات وسيارات الاسعاف وموظفي الرعاية الطبية من التعرض الى هجوم. وقدمت "هيومن رايتس ووتش" وثائق تثبت ان القوات "الاسرائيلية" هاجمت سيارات اسعاف وسيارات تابعة لمنظمات اغاثية تحمل علامات مميزة في تموز (يوليو) 1993 خلال عملية "تصفية الحساب". وفي رسالة تلقيناها في ايار (مايو) 1994 نفى الجيش "الاسرائيلي" ان تكون سيارات اسعاف قد استهدفت خلال تلك المواجهة. لكن بعد اقل من سنتين هاجمت طائرات "اسرائيلية" مرة اخرى سيارات اسعاف ودمرتها.
وفي 16 نيسان، كان مصطفى علي منصور (25 سنة)، هو سائق متطوع لسيارة اسعاف خلال عملية "عناقيد الغضب"، في طريقه من النبطية الى قرية عبا جنوب غربي النبطية لتلبية اتصال يفيد بوجود ثلاثة اطفال جرحى في القرية. ورافقه متطوعان آخران من الدفاع المدني. وشاهد مصطفى ثلاثة انواع من الطائرات "الاسرائيلية" تحلق فوق القرية: قاصفات وطائرة من دون طيار ومروحيات، وكان تحوم على مسافة قريبة. ووصف لي ما حدث: "وصلنا الى عبا ووجدنا ثلاثة اطفال اصيبوا بجروح في غارة "اسرائيلية". اوقفنا سيارة الاسعاف قرب المنزل، وبقيت في السيارة وذهب الآخرون الى المنزل لتقديم الاسعاف الاولي وجلب الجرحى. واثناء قيامهم بذلك انفجر صاروخان بين المنزل وسيارة الاسعاف واحدثا دخانا كثيفا. قفزت من السيارة واتصلت بالمستشفى وقلت اننا تعرضنا الى هجوم، ثم ركضت". كان مصطفى يرتدي سترة واقية من الرصاص ووضع يديه خلف رقبته. وانقذ مصطفى حياته بالخروج من سيارة الاسعاف. فبعد حوالي ثلاث دقائق على الهجوم الاول وقع هجوم ثان. وقال : "عادت الطائرات، وضربت سيارة الاسعاف ودمرتها بالكامل".
وقال مصطفى ان سيارة الاسعاف، وهي "مرسيدس" بيضاء، كانت واقفة في منطقة مكشوفة تماما على الطريق الرئيسي مع مبان سكنية على جانبي الطريق. وكانت مجهزة بمصباح ازرق على سقفها وترفع علم "الهيئة الصحية الاسلامية"، الى كتابة بالاحمر تميزها بوضوح كسيارة اسعاف تابعة للدفاع المدني.
واصيب مصطفى بجروح بليغة في النسيج العصبي ليده ورسغه الايمن الذي كان مضمدا عندما قابلته. وأجريت له عشر عمليات جراحية وابلغه الاطباء ان يده "لن ترجع ابدا الى ما كانت عليه" لان "الاعصاب ميتة". ولا يزال بحاجة الى اجراء عملية جراحية اخرى لاصلاح الانسجة التالفة. وكان مصطفى يعمل صباغا للسيارات في ورشة صغيرة في النبطية تملكها عائلته، لكنه لم يتمكن من معاودة العمل منذ اصابته.
15 نيسان (ابريل) 1996، النبطية:
في حوالي الساعة التاسعة صباح 15 نيسان، اصيبت مستشفى الجنوب بقذائف اطلقت حسب تقارير من الطيبة، وهو موقع "اسرائيلي" جنوب المدينة. وتعتبر المستشفى، التي تقع على طريق رئيسي مزدحم في وسط النبطية، اكبر مستشفى اسلامي في جنوب لبنان وتحتوي 30 سريرا. والمستشفى تابعة لـ"الهيئة الصحية الاسلامية"، وهي شبكة للخدمات الطبية تدار من قبل "حزب الله". وتلقى المستشفى ضربات خلال وابل من عشر قذائف مدفعية. وابلغني شهود عيان ان المستشفى، ان القذائف الاولى سقطت على مبنى قريب من سبعة طوابق يضم مكاتب ويقع جنوب شرقي المستشفى، كما اصابت مبنى اخر الى الجنوب مباشرة. وقال موظفون كانوا في المستشفى في ذلك الحين انهم سمعوا القصف "يقترب اكثر فاكثر".
والحقت القذائف الاربع التي اصابت المستشفى اضرارا بالسقف الجنوبي الغربي والجدران الخارجية للمبنى وبالغرف في الطابقين الاول والثاني للجانب الجنوبي الغربي. ولحقت ضرارا جسيمة بردهة التوليد في الطابق الثاني، ودمر جهازان لحضانة الاطفال الحديثي الولادة وجهاز لمراقبة الجنين. وحصلت على نسخ من صور فوتوغرافية ملونة التقطت حينها لتوثيق الاضرار. وفي الطابق الاول لحقت اضرار بغرفة اخرى، الا انها كانت خالية من المرضى. وساعد على تقليل عدد الإصابات ان عدد المرضى لم يكن يجاوز سبعة عند وقوع الهجوم، اذ نقل مرضى آخرون في وقت سابق الى مركز للرعاية الصحية الاولية في الطابق التحتاني لمبنى قرب المستشفى. واصيب ثلاثة من العاملين في المستشفى بجروح من جراء الهجوم، وكانت اصابات احدهم خطيرة.
وأبلغني مدير المستشفى الدكتور عادل اوجليك انه لم يكن هناك أي نشاط عسكري لـ"حزب الله" في المنطقة قبل الهجوم، ولم يكن هناك في الوقت نفسه أي مقاتلين في المستشفى او المنطقة المحيطة بها. وقال "نحن لا نسمح باي نشاط عسكري حول هذه المستشفى. انها سياستنا، والجميع في المنطقة يدرك ذلك". ولفت الى انه لم تكن هناك أي مكاتب لـ"المقاومة الاسلامية" في النبطية منذ ان تعرض هدف عسكري في المدينة الى هجوم من قبل القوات "الاسرائيلية" في 1992. وعبر الطبيب عن اعتقاده بان المستشفى استهدفت بشكل متعمد لدفع السكان الى الهرب من النبطية التي كانت احدى البلدات التي صدرت اوامر باخلائها في 12 نيسان. "كان احد الاسباب وراء عدم هرب السكان انهم احسوا بامان، مدركين ان المساعدة الطبية كانت متوافرة اذا احتاجوا اليها". وساعد ضرب سيارات الاسعاف بصواريخ وقصف مستشفى على تحطيم هذا الاحساس بالامان بتوجيه رسالة لا تخطيء الى سكان الجنوب مفادها ان الاهداف المدنية ليست في منأى من الهجوم.
13 نيسان (ابريل) 1996، المنصوري:
قبل يومين على قصف مستشفى الجنوب اطلقت مروحية "اسرائيلية" صاروخا على سيارة اسعاف كانت تغادر قرية المنصوري، فقتل اربعة اطفال وامرأتان. وكان رد الفعل الاولي لحكومة "اسرائيل"، بطريقة تنم عن استهزاء بقوانين الحرب العالمية المعترف بها، القاء المسؤولية على الضحايا. وقال الناطق باسمها اوري درومي: "اعطينا السكان تحذيرا مسبقا بمغادرة المكان كي لا يلحق بهم اذى، وابلغ وكالة "رويتر" للانباء اثر الهجوم ان كل الذين يبقون هناك يفعلون ذلك على مسؤوليتهم الشخصية لاننا نفترض انهم مرتبطون بـ"حزب الله".
وقمت بزيارة المنصوري بعد ذلك باربعة اشهر، بحثا عن معلومات حول الظروف التي احاطت بهذا الهجوم. وتبين ان سيارة الاسعاف من طراز "فولفو" المميزة بعلامات واضحة كانت جزءا من قافلة سيارات تهيأت بعد ظهر 13 نيسان لنقل مدنيين كانوا يغادرون المنصوري وقرى مجاورة في اعقاب التحذيرات التي بثها عبر اذاعة "جيش لبنان الجنوبي" التابع "لاسرائيل" وكان مفادها ان سكان المنطقة الذين لا يغادرونها سيعرضون حياتهم الى الخطر.
كانت بعض السيارات التي استخدمت في عملية الاجلاء، ومن ضمنها سيارة الاسعاف، تجمع في ميدان فارغ لكرة القدم على تلة القرية، وقال احد المقيمين ان مروحيتين "اسرائيليتين" كانت تحلقان فوق المكان "وتراقبان". واضاف ان الطائرات كانت "تتبادل المواقع بالتناوب. تأتي اثنتان وتغادر اثنتان. وشاهدت المروحيات سيارة الاسعاف اثناء تحميلها، وراقبت الاشخاص وهم يستقلونها". كان عباس علي حجا يقود سيارة الاسعاف، وكانت زوجته منى الشويخ (27 سنة) داخلها الى جانب اطفالهما زينب (10 سنوات) وحنين (5 سنوات) ومريم (طفل رضيع عمره شهران) - ولقيت المرأة واطفالها مصرعهم بعد ذلك بوقت قصير. كما تكدس داخل السيارة افراد من جيران الاسرة، بينهم هدوء الخالد (12 سنة) وشقيقتاها وجدتها - لقيت هدوء وجدتها ايضا مصرعهما واصيبت شقيقتاها بجروح.
وابلغني شاهد عيان من سكان القرية ان "المروحيات راقبت القافلة وهي تتحرك من القرية. كان الطريق مزدحما بالسيارات التي كانت تغادر المكان. تابعتنا المروحيات الى ج حاجز التفتيش الذي كان يديره جنود فيدجيون، وكان هناك ازدحام. وحسب تقريره كان هنا باص مدرسة امام سيارة الاسعاف، وكان الجرار البطيء، الذي يسحب عربة تكدس فيها 70 شخصا، من ضمنهم بين 40 و 45 طفلا، في مؤخرة القافلة. وبعدما اجتازت سيارة الاسعاف حاجز التفتيش للجنود الدوليين في مدخل القرية، وتقدمت حوالي 10 امتار على الطريق، اطلق عليها النار. وقال: "شاهدت المروحيتين هبطت احداهما واطلقت النار، وكانت الاخرى تحلق فوقها وتحميها. واندفعت سيارة الاسعاف بسرعة نحو منزل على الجانب الايسر من الطريق". وقالت مراسلة "رويتر" نجلا ابو جهجاه: "شاهدتها تختفي في سحابة ضخمة من الدخان اعقبها انفجار قوي، على مسافة 20 مترا من المكان الذي كنت اقف فيه عند حاجز التفتيش". واضافت ان السيارة "قذفت 20 مترا خارج الطريق، عبر حديقة ثم داخل الغرفة الامامية لمنزل، فهدمت الغرفة التي تحولت الى كومة من الحجارة".
وتم اصلاح المنزل، لكن سكان المنصوري لا يزالون يحملون ذكريات هجوم وصفه احدهم بانه "بربري".
18 نيسان (ابريل) 1996، قانا
بعد ظهر يوم 18 نيسان (ابريل) 1996 اطلقت المدفعية "الاسرائيلية" المتمركزة على الحدود اللبنانية - "الاسرائيلية" مزيجا فتاكا من القذائف على القاعدة المترامية الاطراف لقوة حفظ السلام الدولية في بلدة قانا الكبيرة، ما ادى الى قتل اكثر من 100 من الاطفال والنساء والرجال الذين كانوا لجأوا هناك. واصيب بعض الناجين بجروح فظيعة ووصلوا الى المستشفيات المحلية باجساد مشوهة و ومحروقة و ومصابة بشظايا. ويرجع العدد المرتفع للضحايا جزئيا الى نوع القذائف التي استخدمت في القصف - حوالي ثلثي المجموع من القذائف التي تنفجر في الجو فوق الهدف. وهذه القذائف الشديدة الانفجار اسلحة مضادة للافراد مصممة لتنفجر فوق الارض وتنتشر الشظايا على امتداد منطقة واسعة بهدف زيادة حجم الاصابات على الارض الى اقصى ما يمكن. ولنا ان نتخيل سكان قرية شقرا، الواقعة شرق قانا على خط النار في جنوب لبنان، ولسان حالهم يقول: "سبق ان حذرناهم".
كنت زرت شقرا قبل مجزرة قانا بثمانية اشهر. وعلى رغم ان القرية كانت هادئة في 18 اب (اغسطس) 1996، فان العائلات هناك تحملت اكثر من قسطها من الموت والاصابات والاضرار التي لحقت بالممتلكات بسبب القصف المدفعي "الاسرائيلي" مع استمرار احتلال الاراضي اللبنانية واستدامة النزاع العسكري. وابلغني سكان غاضبون ان رماة المدفعية "الاسرائيلية" بدأوا يطلقون نوعا جديدا من القذائف في وقت سابق تلك السنة. واوضح احد رجال القرية ان "الناس لم يعرفوا في البداية ماذا يجري. كنا نفتش عن مواقع سقوط القذائف على الارض. ثم ادركنا ان هذه القذائف تنفجر في الجو، وتنهمر الشظايا فوق مساحة واسعة". واستخدم القرويون تعبير "القذائف الانشطارية" لوصف هذه الاسلحة، ذكروا انها استخدمت في هجوم اصيب فيه خمسة مدنيين في شقرا صباح 14 حزيران (يونيو) 1995. فاطمة الزين، التي يبلغ عمرها حوالي 60 سنة، اصيبت بشظايا في بطنها بينما كانت واقفة امام منزلها، وكان بين الجرحى محمد علان (اصيب بشظايا قرب قلبه) وزوجته سعاد وولديهما احمد (9 سنوات) ومحمد (3 سنوات).
بعد ذلك باسبوع، في صور، عرضت ما اخبرني به سكان القرية على تيمور غوكسيل كبير المستشارين السياسيين في عملية حفظ السلام الدولية في لبنان "يونيفيل". واكد ان القذائف "المتفجرة في الجو"، المزودة بصواعق تفجير عند الاقتراب من الهدف اطلقت على شقرا، وقال ان هذه الاسلحة مصدر قلق اضافي بالنسبة الى جنود حفظ السلام.
كان هذا القلق مبررا تماما. ويمكن للمرء ان يجادل بانه حادثة قانا كانت، بالحد الادنى، ستقع لا محالة. وقال الجنرال فرانكلين فان كابن، المستشار العسكري الهولندي للامين العام للامم المتحدة آنذاك بطرس غالي، في تقريره بتاريخ 1 ايار (مايو) 1996 حول الهجوم على قانا، انه "كانت هناك ادلة مهمة على انفجار قذائف مدفعية، مزودة بصواعق تفجير عند الاقتراب من الهدف، فوق المجمع مباشرة، وتغطيها لجزء كبير من مساحته. وعلى رغم ان عدد (القذائف) لا يمكن ان يحدد بالضبط، فان الادلة المتوفرة تشير الى ان ثماني قذائف من هذا النوع انفجرت فوق المجمع ولم تنفجر سوى قذيفة واحدة خارجه".
لم تخف مشاعر الغضب والانفعال في لبنان التي اثارها الهجوم على قانا. وخلفت محاولات الحكومة والمسؤولين العسكريين في "اسرائيل" لتوضيح الكارثة وراءها عددا من التصريحات المتضاربة والاسئلة التي بقيت بلا جواب.
وقال موظف لبناني في "يونيفيل" كان يعمل في قاعدة قانا انه جلب عائلته الى القاعدة في 12 نيسان، في اليوم الثاني من القتال. وقال لي ان "البوابات كانت مغلقة. وكان هناك 300 شخص خارج القاعدة يريدون الدخول. وسمح للمدنيين خلال الايام القليلة التي اعقبت ذلك ان يدخلوا المعسكر، وسرعان ما زاد عددهم على 800". لكن الجيش "الاسرائيلي" تمسك بادعائه ان "الصور الفوتوغرافية الملتقطة من الجو للمعسكر في الايام السابقة لم تظهر أي ادلة على وجود عدد كبير من المدنيين في المعسكر". لكن واحدا على الاقل من كبار المسؤولين العسكريين "الاسرائيليين" اعترف بان الجيش كان يعرف فعلا ان مدنيين يحتمون في قواعد للامم المتحدة في انحاء الجنوب. وربما يكون السؤال الذي اثاره الجنرال موشي يعالون، رئيس الاستخبارات العسكرية، واحدا من اهم الاسئلة عن الحادث كله: "كان اجلاء مدنيين من القرى الى منشآت تابعة للامم المتحدة معروفا لدينا منذ اليوم الثاني للعملية. ولم يجر أي نقاش في جناح الاستخبارات حول ما اذا كان هناك 200 او 600 من المدنيين في قانا (…) السؤال المناسب هو هل كان صائبا ان تطلق النار في مثل هذه الظروف؟".
وذكرت "يونيفيل" في تقرير علني صدر في تموز (يوليو) 1996 ان القوات البرية "الاسرائيلية" كانت تنشط في لبنان شمال المنطقة المحتلة، وان هذه الوحدات قامت، في مرتين على الاقل خلال عملية "عناقيد الغضب" بـ"زرع الغام وشراك مفخخة". صدرت ايضا وقتذاك تقارير مفادها ان وحدة اغتيال "اسرائيلية" سرية كانت تنشط في الاراضي اللبنانية مستهدفة "حزب الله". كما نشرت رواية اخرى في صحيفة "الاوبزرفر" الاسبوعية البريطانية في 19 ايار 1996، بعد مرور 7 اشهر، كشف الجيش "الاسرائيلي" علنا وجود وحدة للقوات الخاصة، يرمز لها باسم "ايغوز" كانت تعمل داخل المنطقة المحتلة في لبنان وما وراءها. وتألفت الوحدة من بضع عشرات من المتطوع المتطوعين من كتيبة "غولاني" الخاصة، وهي الوحدة التي شكلت في شباط (فبراير) 1995 وبدأت عملياتها في لبنان في تموز 1995، حسب رئيس القيادة الشمالية للجيش الجنرال عميرام ليفين. وقال الجنرال ليفين، نافيا ان تكون "ايغوز " فرقة اغتيال: "احتجنا الى وحدة واحدة على الاقل تعني بالتركيز والتشديد على الحرب الخاصة ضد الثوار (…) حيثما يتحرك او يعيش (مقاتلو) "حزب الله" نسعى الى مطاردتهم، واضاف، موضحا لماذا قرر الجيش "الاسرائيلي" اخيرا ان يكشف وجود الوحدة الخاصة: شعرنا ان الوقت حان لاعطاء الجنود ما يستحقونه واعلام الجمهور ان جنودنا الذين يؤدون خدمتهم في جنوب لبنان ليسوا متقاعسين بل ينقلون الحرب الى العدو".
وبعد اطلاق قذائف الهاون رفعت قاعدة قانا "تقريرا عن الحادث" الى قيادة "يونيفيل" واصدرت تحذيرا عبر اجهزة الميكروفون الى جنود القوة الدولية بان عليهم ان يرتدوا السترات الواقية من الرصاص، حسب ما ابلغني الكولونيل واهمي. وقال ان اولى القذائف بدأت تسقط قرب موقع الهاون بعد انقضاء حوالي 8 الى 10 دقائق على التحذير الموجه عبر الميكروفون، في الساعة 2.08 او 2.10 تقريبا بعد الظهر، ثم تعرضت القاعدة ذاتها الى القصف، وسقطت القذيفة الاولى على محيط المجمع، قرب المدخل الرئيسي، ودمرت بنايتين من النوع المسبق الصنع. وادت القذائف الثلاث الاولى الى تدمير خطوط الكهرباء والاتصالات. وقال الكولونيل واهمي: "كانت مواقعنا في التلال تنقل الينا ما يجري كنا هنا في انتظار الموت. لم يكن هناك اطلاقا ما يمكن ان نفعله".
واضاف: "كان هناك الكثير من الصراخ، وكانت المباني تشتعل (…) لم نستطع ان نصدق ان قاعدتنا تتعرض الى هجوم، كان صوت القذائف الآتية، تعقبها الانفجارات، ومنظر القتلى يفوق حدود الوصف. كانت هناك اشلاء في كل مكان".
وابلغني موظف مدني في "يونيفيل" كان موجودا اثناء الهجوم، لكنه رفض الكشف عن هويته، ان العائلات المشردة كانت متجمعة في ثمانية مواقع في القاعدة. ودمر القصف بشكل كامل ثلاثة مبان جاهزة كانت تؤوي حوالي 240 شخصا - كل ما تبقى عند زيارتي للمكان حفرة مستطيلة ضخمة احدثها القصف وقال: "كان هناك 126 شخصا آخرين داخل منزل "فاتوا" حيث انفجرت قنبلة في الجو فوقه وقتلت 52 شخصا.
والقى الجنرال فيلناي (ضابط "اسرائيلي") مسؤولية استمرار المذبحة على قوات حفظ السلام. ونقل عنه قوله "انهم لم يبلغونا ابدا ان القذائف كانت تتساقط داخل المعسكر". لكن تقارير متزامنة لصحافيين سمعوا الاتصالات اللاسلكية، وشهادات لضباط في "يونيفيل" تناقض ادعاء الجنرال، وابلغني مسؤول رفيع المستوى في "يونيفيل" ان "الضابط المسؤول عن العمليات ضغط على زر الاتصال السريع (في جهاز الهاتف لديه) وابلغ "الاسرائيليين" حول الهجوم". واضاف: "كان القصف يتواصل. ثم اتصلوا، واعطونا انذارا بالقصف.. بينما كان القصف مستمرا ! قلنا اننا نعرف ان هناك قصف. وابلغناهم ان يوقفوا القصف". وادعى رئيس اركان الجيش "الاسرائيلي" الجنرال امنون شاحاك في 18 نيسان ان "الامم المتحدة ابلغت باسرع ما يمكن". حول القصف. ويترك هذا سؤالا من دون جواب: لماذا لم يغير الجيش "الاسرائيلي" اتجاه القصف او يوقفه بعدما تم اشعار القيادة الشمالية بان قاعدة قوة حفظ السلام الدولية تتعرض الى هجوم مباشر؟
وبين اكثر القضايا اثارة للخلاف في شأن حادثة قانا هو ما اذا كان الهجوم "الاسرائيلي" عرضيا ام متعمدا، وما اذا كانت القذائف التي سقطت داخل القاعدة قذائف طائشة - تعرف بـ"نثار المدفعية".
وعبر مسؤول كبير في "يونيفيل" عن قناعته بان الهجوم على قانا لم يكن حالة "نثار مدفعي". وقال لي: "كان يمثل تغييرا في الهدف، ليس هناك ادنى شك في انه جرى تغيير الهدف". ولم يجادل هو ايضا بان القاعدة استهدفت بشكل متعمد لكنه اعتبر ان القصف "الاسرائيلي" تميز بالاهمال: "كانوا يعرفون انهم يطلقون النار قرب قاعدة تابعة للامم المتحدة. كان الخطر الحقيقي هو مدفعية الهاون، وكان مثالا على الاهمال. كان قرارا اتخذته القيادة الشمالية للجيش "الاسرائيلي") باطلاق النار على منطقة مكتظة بالمباني. هناك خط دقيق يفصل بين انعدام الحرص والاهمال وبين القتل المتعمد في هجوم مقصود".