العزية حديقة من ماء واشجار وناس واسرائيل احالتها إلى التاريخ والنسيان

السفير 24/6/2000


مقدمة:

باكرا دمرت القرية الصغيرة العزية، وتدميرها يؤرخ بداية الحرب "الاسرائيلية" على جنوب لبنان. وكانت بداية قاسية وعنيفة واجرامية، اذ دمرت البيوت كافة وقتل وجرح من في داخلها، وهم فلاحون يعملون في مزرعتي آل سلام (العزية والحنية). لتتحول العزية مع نشوء الشريط الحدودي "خط تماس". اما لماذا دمرت فامر لم تتضح حقيقته بعد. "اسرائيل" قالت ، يومها، ان الفلسطينيين يقيمون فيها قاعدة عسكرية. ووكالات الانباء كتبت ان القتلى هم من المدنيين، ولم تشاهد آثار عسكرية في القرية.. اما الناجون فبعضهم يرى ان العزية مدخل إلى واد يفضي إلى فلسطين، وقد دمرت القرية لكي تخلو الطريق امام "الاسرائيليين" في ذهابهم وايابهم.

 

تحولت العزية قبل الاعتداء عليها وتدميرها تدميرا كاملا في التاسع من تشرين الثاني العام 1977 من مراح للماعز ومزرعة تعود ملكيتها لآل سلام ومجموعة بيوت لا تزيد على خمسين حيث يسكن مزارعون مع عائلاتهم إلى قرية او "حديقة" يقصدها اهالي القرى والبلدات والمدن المحاذية (قضاء صور) يتفيأون باشجار الصفصاف والخروب والليمون ويجلسون ويمرحون قرب النبع وعلى جانبي القناة الصغيرة التي تسقي المياه عبرها البساتين وصولا إلى البحر.

قرية تاريخها ومشهدها ماء واشجار ومزارعون من هنا وهناك، تركوا قراهم وبيوتهم قسرا، الذين من القرى الاكثر جنوبية قصدوا العزية ولجأوا اليها هربا من الاحتلال والاعتداءات "الاسرائيلية" المتكررة (طربيخا، يارين، مروحين والبستان) واما الآخرون من المزارعين فاوصلهم السعي إلى العمل إلى العزية، هؤلاء مزارعون عمال لا يملكون بساتين ولا حقولا  ليزرعوها. ينزلون حيث ارزاقهم ومنازلهم التي قسمها الله لهم.

وبيوت العزية كانت عبارة عن دار واحدة، بيوت متلاصقة مبنية على شكل مستطيل الضلع الرابع منه مدخل له بوابة حديد يمكن اقفالها فتغدو الساحة ملعبا مشتركا للجميع، كما يصفها محمد ابوخانة احد الناجين من المجزرة التي ارتكبتها "اسرائيل"، في التاسع من تشرين الثاني 1977، ممهدة للاجتياح الاول في آذار من العام التالي 1978.

لكن لماذا وقع اختيار "اسرائيل" على قرية صغيرة، هي العزية. لتدمرها بالكامل، في عملية اطلقتها قبل يوم واحد، الثامن من تشرين الثاني، واطلقت عليها اسم "الدرس التأديبي". واستهدفت، اول ما استهدفت، مدينة صور والبلدات القريبة : الحنية، دير قانون راس العين، ارزاي، الواسطة والخرايب، بالاضافة إلى العزية، التي باغتتها باكثر من غارة شنها سرب من الطائرات "الاسرائيلية" من طراز فانتوم، فدمرت تدميرا كاملا اثار ذهول المسؤولين في الصليب الاحمر الدولي الذين شهدوا المجزرة وعجزوا عن انقاذ الضحايا بسبب كثافة القصف وشدته، كما جاء في صحف اليوم التالي (الخميس 10/11/1977).

ومما نقلته وكالات الانباء العالمية، ذكرت وكالة يونايتد برس انترناشونال انه "برغم البيانات "الاسرائيلية" على انهم قصفوا المواقع العسكرية فقط من دون المدنية، فان مراسلنا راى قرية وقد سواها الدمار تماما بالارض، العديد من الضحايا كانوا من النساء والاطفال والعجز… ركام المنازل التي تم تدميرها كانت قرية تدعى العزية… الاشجار قسمت نصفين والمنازل سحقت إلى درجة من المستحيل معها القول كم كان عددها… العديد من الجثث بقي تحت الركام … قنبلة لم تنفجر لا تزال تقبع في المكان، الاهلون المزارعون اتهموا المراسل بانه اميركي وجاسوس وهددوا باطلاق النار عليه.

تاريخ قرية العزية روايات شفهية، ليست المجزرة التي ابادتها نهاية لها جميعا، ربما هي بدايتها، بابها إلى التاريخ والى الذكريات. فالعزية تؤرخ لبدء عصر الابادة الجماعية عبر سلاح الجو، بذريعة الوجود الفدائي الفلسطيني، وهي القرية الوحيدة، منذ انطلقت الحرب "الاسرائيلية" على لبنان، التي محيت كقرية عن الخريطة، ولم يعد بناؤها، فسكانها فقراء لا يملكون البيوت التي يقيمون فيها، ولا تتوافر لديهم قدرة عادة بناء ما تهدم، وخصوصا ان المجزرة اضعفت حماسة اصحاب المزرعة وترددهم في تحمل مسؤولية اقامة المزارعين في منطقة بدا واضحا انها صارت في مرمى الطيران والمدفعية "الاسرائيلية"، ورويدا رويدا بدأت تظهر فيها معالم الجبهة والقتال.

وذاك وحده، ربما ما ابقى بساتين العزية في منأى من البناء العشوائي فوق مساحات المشاع التي تبلغ نحو خمسة آلاف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة المزرعة، وتلك مساحات كان يقصدها رعاة البقاع الغربي في فصل الشتاء عندما تكسوا الثلوج جبالهم العالية، "يشتون" في العزية "الدافئة"، مقابل ان يبقى براز الماشية في المراح، فيستخدمه المزارعون في ما بعد سمادا للاشجار والزرع. وما زال حتى اليوم، وعلى الرغم من القصف شبه اليومي الذي يطال الجبال والاودية والقرى المحيطة، يقصد العزية عدد لا بأس به من الرعاة الذين يطلق عليهم اسم "المشتية".

تقول الرواية عن اسباب استهداف "اسرائيل" للقرية الهادئة، العزية، ان مسؤولا في احدى المنظمات الفلسطينية، (فتح)، كان مقيما هنا.

لكن زوجة ابوايمن تعزو السبب إلى امور اكبر من زوجها، وتصر على ان المجزرة تمهيد للاجتياح الذي تلاها باشهر خمسة تخللتها اعتداءات متكررة شبه يومية، تقول "لو كان المستهدف زوجي لكانت فرقة كوماندوس كمنت له ونالت منه وهو يعبر الطريق وحيدا في سيارته الصغيرة (فلوكسفاغن). واسرائيل لا تقيم معلوماتها على اخبار كاذبة. وهي تعلم ان القرية يسكنها مزارعون عزل. ولو كان من وجود لمسلحين في العزية لما وجدوا بين السكان".

فهدف المجزرة، تقول ام ايمن : "ازالة القرية الواقعة في واد يصل إلى فلسطين، وربما كان الفدائيون يعبرون منه اثناء تنفيذهم العمليات".

يلتقط محمد ابوخانة خيوطا اخرى تفضي إلى رواية جديدة، يقول: "قبل ايام من المجزرة كمن فدائيون لشخص كان يتردد على العزية والقرى المحيطة، واسمه كميل العميل، وقتلوه مع شخصين كانا برفقته، والله اعلم ما هي علاقتهما به، لعله التقى بهما اثناء الطريق فمشى معهما".

الا ان ابوخانة يرفض فكرة الثأر لعميل ككميل، او لاكبر منه، ويتردد في البحث عن مبرر واقعي لارتكاب "اسرائيل" مجزرة مثل هذه، يقول: "من يعرف العزية وسكانها ينف أي مبرر لتدميرها".

خسرت ام ايمن والديها ووالدي زوجها وابنها ايمن الذي كتب له الشاعر شوقي بزيع قصيدة يرثيه ويتذكر العزية القريبة من زبقين (بلدة بزيع). ولعل تلك القصيدة التي غناها مارسيل خليفة، إلى اخبار المجزرة في الصحف، هي كل ما كتب عن العزية وقد اختصرتها المجزرة، كما في التاريخ كذلك في الواقع. فالى كونها قرية صغيرة، ووقعت المجزرة عشية زيارة الرئيس المصري الراحل انور السادات لاسرائيل التي حازت اهتمام الصحف والناس عموما، بما في ذلك بعض عائلات قتلى المجزرة. ولا تنسى ام ايمن ان في تلك الايام اطلق سراح المطران كبوجي ونفي إلى روما. تقولِ: "جملة عوامل جعلت من مجزرة العزية وما رافقها من اعتداءات اخبارا ثانوية، او شبه ثانوية في الاعلام عموما"' وهي بهذا تجيب عن سؤال ابنها محمد الذي سألنا عن اسباب تذكر العزية والمجزرة.

ومحمد كان برفقة والدته اثناء المجزرة. وقد فرت به إلى خارج البيت ثم إلى مغارة تبعد مئات الامتار من المكان الذي تتكرر عليه الغارات. تقول: "كأن الانسان احيانا يعرف قدره، يحدسه، فوالدي قبل يوم من المجزرة وعندما بدأت الاعتداءات خافا علينا، ونحن عائلة كبيرة، فكرا في ارسالنا إلى بلدتنا برجا، وقد اختارا ان تبقى معهما شقيقتي ليلة، وابني ايمن الذي كان عمره ثلاثة اعوام وسبعة اشهر، وهؤلاء الاربعة استشهدوا في المجزرة ونجا الاخرون من العائلة. كأن والدي ووالدتي قد اختارا من يرافقهما في رحلتهما".