خيط دم على يد اللعبة
احب الشاعر عصام العبدالله ان يكتب قانا على طريقته شعوراً رقيقاً يحشد فيه في جو من الهدوء افكاراً جمة تختصر قانا والوضع العربي فعلاً وانفعالاً. وبالتأكيد يرسم ملامح الجلاد الصهيوني "الاسرائيلي".
خواطر قانوية
لانها بيروت فندق القضايا الكبيرة وكتابها. ولانها بيروت قبضة القرى الواقعة في الماء والملح ليصير خير كثير.
لانها بيروت، القلب واللسان والعاصمة، تستقبل بيروت قانا. تتقدم الضحية ببهائها فتفتح بيروت ذراعيها. تبكي قليلاً ثم تنهض للاحتفال.
لا يذكر احد ان بيروت كانت عاصمة للبنان فقط. ولا مرة الا وضبطت بيروت متلبسة بأكثر من ثيابها، مدججة باكثر من جروحها، ولها صوت كأن الزمن الجديد منهمك بالغناء ومنهمك بالفناء. كلما سقط شهيد نبت قربه قمر بالالوان. ولذلك عندما نادت بيروت لعرس قانا جاء الجواب حاراً وكريماً.
كان السؤال كيف تستقبل قانا في بيروت، ومن يستقبل قانا في بيروت. وهل تمر قانا وتمضي ام تقيم كوردة الذاكرة التي لا تذبل كما في الاساطير. كان السؤال كيف تقيم قانا في بيروت من دون ان تظل جملة في السياسة، ان تصير جملة من الذاكرة، حيث يكمن السر ويشتغل على تأليف الحميم النديم.
طلال سلمان ونضال الاشقر، نضال الاشقر وطلال سلمان دبا الصوت فاجتمع ناس ورن جرس وانفتحت ابواب الوقت ليبدأ الركض.
لا بد من مال لتقيم قانا في بيروت. سيكون لها بيت وساحة وحديقة، ويمر قربها بائع الجرائد لتقرأ العناوين لانها تعرف التفاصيل.
من اين المال. هذا المطلوب المكروه؟
لان اللجنة التي تألفت تنتمي الى النشاط الثقافي اللبناني والعربي، كان لا بد من مكان هو مسرح المدينة، ومن نتاج هو فني ثقافي بشكل عام. اللوحة والاغنية انواع ثقافية مرغوبة ولها حضور مادي. فليكن اذن معرض للفن التشكيلي وامسيات غنائية ويعود الريع لانجاز بيت قانا وضواحيه.
كان الجواب حاراً وكريماً، الفنانون التشكيليون انهمروا باعمالهم المتبرع بها، والمطربون انهمروا هم ايضاً وقالوا سنغني للرمز الذي هو قانا، وسنقيم العرس لولادتها الجديدة. وسبعة ايام تليق بقانا الايام السبعة.
كأن قانا لحظة اختلاط مذهل. عثر على ابنه في الكيس وعرفه من القميص. ولكنه لم يعثر سوى على القميص. كان يرتديه ابن اخته. تبادلوا القمصان.
ثمة حادثة ثانية. كانت زينب تحمل لعبتها ثم حدث القصف وتناثرت الناس. كذلك زينب. لم يعثر احد عليها، وعثروا على لعبتها مكسرة، فدفنوا اللعبة مكانها، واشار احد المسعفين الى انه شاهد خيطاً من الدم على يد اللعبة وهو لا يعرف حتى الان اذا كان الدم لزينب ام للعبة.
قانا لحظة اختلاط مذهل كادت ان تخلط لبنان.
سمعت احدهم يسأل كيف نغني ولا تزال القبور طازجة؟ وسمعت رداً عليه يقول: لنزين القبور بالغناء. كنا نزين القبور بالزهور والبكاء. لماذا لا نجرب الغناء نذهب في الحياة ضد قاتلنا.
اعرف ناساً ليسوا فنانين تشكيليين، ولكنهم يقتنون بعض اللوحات، احبوا ان ينزلوا اللوحات من على جدرانهم ويعلقوها على جدار الزمن الذي هو زمن قانا. والعرس زمن جميل.
البيوت التي غادرها اهلها ولم يعودوا مقفلة معتمة كأنها في وحشة الخسارة. يقول فلان الفلاني ان البيوت تشاهد اهلها من الداخل. لو انتبه احدهم وادار اجهزة التلفزيون في البيوت لكان الاهل رجعوا من الشاشات واقاموا في غرفهم.
يؤكد الذين خبروا السلاح ان الضحية لا تسمع صوت الانفجار. الذين يسمعون هم الذين صدفة لم يموتوا. لا تسمع الضحية. ليكن صوتك خفيضاً من حرير ثمين حتى لكأن الضحية النائمة ترتدي حرير الكلام.
عندما اختبأ اهل قانا وجورها عند "الامم المتحدة" كانوا يعتقدون بانهم آمنون. "الامم المتحدة" اعتقدت ذلك ايضاً واقامت لهم خياماً. ثم تبين انه لا تكفي خيام "الامم المتحدة". فهي مغشوشة والنساجون نسوا ضمائرهم سهواً على خيطانها.
الناس الذين يوسعون في المكان ويوسعون في الزمان كثيرون. نحفظ اسماءهم. اما الامكنة التي وسعت مكانها وزمانها فقليلة. قانا تضاف الى القافلة القليلة من الامكنة التي صارت المكان على اطلاق الحادث الانساني في الانسانية.
يروي احدهم ان قانا تعويذة يعلقها المقاتلون الاشداء في اعناقهم، ويروي ان طعنة الانفجار اصابت التعويذة فكسرتها وسلم المقاتل الجميل الذي اسمه لبنان.
يعترف فلان بانه يقبل بان يكون جلاداً في حالة واحدة. ان يكون جلاد الجلاد، يقول فلان ان جلاد الجلاد اجمل من الضحية.
نخاف ان لا تكون قانا الاخيرة. التوراة الجديدة ما زالت اربعين صفحة فقط. اربعين جريمة. اربعين سنة واربعين السواد.
لا تجد "اسرائيل" وقتاً للحياة. فهي مشغولة بتأليف الموت.
الذين بمقدورهم شراء لوحات سيكون لهم ان يقتنوا تذكاراً من عرس قانا. ستدخل قانا الى البيوت، ويشير الاولاد الذين سيأتون الى اللوحة ويحفظون قانا. انها ليست لوحة قانا. انها لوحة العرس.
الغناء الذي سيندلع في الليالي السبع لن يكون في اغلبه غناء القضايا. لا يغنون قانا فقط الارجح انهم سيغنون لها ما يطربها. من يؤكد ان الشهداء لا يطربون.
يرى احد المهتمين بالسياسة ان قانا اسقطت شيمون بيرير. لم يكن بمقدوره ارتكاب مجزرة ثانية فتنحى. نتنياهو يستطيع. لكل منهم مجزرته المدوية.
تنظر القرى الى قانا بارتباك واضح. صحيح انها سلمت - أي القرى - ولكن الصحيح ايضاً ان قانا طارت في الدنيا. قد تختار القرى الطيران في الدنيا.
لا نعرف بعد اذا كانت جامعة الدول العربية عازمة على اتخاذ اجراء معين بخصوص قانا. ونعرف ان الفنانين العرب اتخذوا اجراءاتهم. تتأخر السلطة دائماً، لتصل الى الاحتفال بعد رفع الستارة، لا تحب السلطة مشاهدة الستارة وهي ترفع.
لا تخاف "اسرائيل" من ارتكاب الجرائم. لذلك فهي ليست بحاجة لذكاء الجريمة كي تتخفى. شرطي هذا الكوكب مشغول بالنظر في جرائم الفلك، و"اسرائيل" عصاه يهش بها على غنم الشعوب.
ليس بكاءً ذلك الذي يسمع في ليل القرى. انه فقط دموع. البكاء قامة منحنية. الدموع كرامة البكاء.
المدينة التي تنهض من كلامها القديم وركامها القديم، ستكون حتماً بحاجة الى "حجاب" اسم "قانا"، تربطه الى زندها، وتذهب صباحاً الى العمل مجتهدة وصبورة.
هل هو العرس الثاني. هل يشبّ ويترعرع ويتأيّد كالعرس الاول. هل يحول الغياب الى حضور كما حول الماء الى شيء اخر.
يسعى في المدينة طيف اسمه قانا بهي كالنشيد النبيل للضحية الواضحة.