شهادات حية من قانا تدين "اسرائيل"
جرحى قانا في بيرمنغهام
"كل يوم والثاني قصف.. قتلونا كثيراً في الجنوب"
حسين بلحص من صديقين، جنوب لبنان، عمره سنتان ونصف. شعره فاحم وعلى الرغم من شحوبه ما زال في عينيه وميض الطفولة، يثير السخط مقدار ما يبعث على الرجاء".
عاش حسين لان عمه المفجوع لم يكن متأكداً ان ثلاثين من اسرته ماتوا كلهم في قانا. وراح الى ثلاجة المستشفى يتفقد الجثث الموضوعة في اكياس نايلون. كانوا كلهم هناك، ارباً ارباً. الا ان حسين الصغير تحرك فجأة في الكيس… اما العم ففقد عقله وهو الان قيد العلاج في المستشفى.
وكان حسين جالساً في كرسي نقال، في الغرفة 22 من مستشفى برايوري في بيرمنغهام، ساقه اليمنى مضمدة حتى اعلى الفخذ بعدما اجريت لها عملية جراحية عميقة لتنظيف ما تبقى من الشظايا. قبل الجراحة كان متوقعاً ان يجري بتر القدم لكن الاطباء استبشروا خيراً بعد الجراحة. "سترجع يا حسين الى صديقين وتلعب مع اصدقائك"، قالت له عبير الحسيني المتطوعة المرافقة له ولاثنين آخرين الى بريطانيا للعلاج. لكن الصبي ليس هنا وليس هناك. البنج وعدم القدرة على الطعام وفقدان جزئي للذاكرة، وكل ذلك الترحال، وكل هؤلاء الناس… ادراكه مشتت تماماً. ولعله لا يعرف انه واحد من اولئك الذين احترقوا في قانا، وانه الوحيد على قيد الحياة من اسرته.
رئيس البعثة الاسلامية في بريطانيا، شبير حسين، يمازح الصبي محاولاً اقناعه بان يأكل شيئاً: "انه لا يأكل، اليوم بالكاد اقتنع بان يمضغ بعض رقائق البطاطا. لا يطيق اللحم. لكن عليه ان يأكل لانه يتناول جرعات كبيرة من المضاد الحيوي لمنع انتشار الالتهاب في ساقه… عبير تعالي اقنعيه بان يأكل".
من الصعب ان يسلخ المرء عينيه عن ذلك الوجه الصغير بعينيه الواسعتين الشاهدتين بصمت جارح على ما كان في قانا. على السرير قربه تتقلب وتلهو لينا التقي (6 سنوات) وهي من بنات قريته. فقدت تسعة من اسرتها في قانا. اصابتها الشظايا في رأسها ولدى محاولة استئصالها في بيروت اصيبت بشلل جزئي في الجهة اليمنى من جسمها وما عادت قادرة على النطق. "اليوم، تقول عبير الحسيني، للمرة الاولى منذ اصابتها وقفت لينا وحدها 30 ثانية". وتلتفت اليها: "قومي، قفي، خلي عمو يصورك". لكن لينا، مع انها تضحك وتتقلب كأنها على الشاطىء لا تريد ان تتصور، فشعرها محلوق وهي في البيجاما. وحين غافلتها والتقطت لها صورة قرصت يدي بقوة.
"مشكلة لينا، يقول شبير حسين، ان علاجها بحاجة الى وقت. قد تتحسن في بطء خلال 18 شهراً. ويتوقع الاختصاصيون اجراء عملية اخرى لها لانهم يشكون بوجود نثرات من الشظية باقية في دماغها". ويتمتم شبير "وكل هذا مكلف للغاية".
في الغرفة المجاورة ماجدة محمود عياد (38 سنة) من الجميجمة. ستائرها مغلقة لان الضوء يزعجها فهي لم تفتح عينيها على الضوء الا اليوم. جسمها احترق وتبقع بالشظايا. لكن وجهها المخيط الى الجهة اليسرى ما زال يرد الناظر اليه، بقوة حانية، نحو ذلك الجنوب، فكأنها بقمطتها البيضاء على اهبة التوجه الى بيدر او بستان. ومع انها منهكة من الجراحة وبالكاد قادرة على شق فمها، بذلت جهداً وتكلمت بصوت رقيق، تغشاه بحة صافية: "ضرب الاسرائيليون بيتنا بالصواريخ. ما شعرت نفسي الا وانا في المستشفى. استشهد في البيت بنت وشاب وجرح اربعة. زوجي اصابه الزجاج المكسر في عينيه فأفقده بصره، اولادي في الشادر الان. عندي تسعة. ولي ابنة عم مفقودة. بحثوا عنها في كل مكان. لم يجدوها. يمكن الصاروخ ذوبها… نحن متنا كثيراً في الجنوب. كل يوم والثاني قصف… عندي صبي عمره 5 سنوات، اسمه خضر، قلبي متعلق به كثيراً. كل يوم اراه في منامي. قال لي يا ماما بدي جيب فرد (مسدس) واطلع اضرب الاسرائيلية لانهم ضربوك".
منذ 1991 استقدمت البعثة الاسلامية في بريطانيا 35 طفلاً وطفلة للمعالجة من لبنان. ويقول رئيسها شبير حسين: "وجلبنا اطفالاً من افغانستان وسريلانكا. كنا نعمل كأي مجموعة خيرية في صمت وهدوء. لكننا بحاجة الى دعم، معنوياً ومادياً. عبير الحسيني وحدها تهتم ليلاً ونهاراً بالطفلين وبماجدة. تترجم لهم وتسهر على راحتهم. وانا وحدي اركض في كل الاتجاهات بين الاطباء والاختصاصيين والمستشفيات بحثاً عن افضل الشروط لهم. بديهي اننا في حاجة الى مساعدة".
كانت السماء ماطرة خفيضة ترسل رذاذاً متقطعاً كالدموع. وكان الخروج من مستشفى برايوري اصعب الف مرة من دخوله.
كيف وصل الطفل حسين بلحص الى لندن؟!..
لم يسقط حسين بسقوط القذيفة الاولى على المركز الفيدجي حيث انتشر الصراخ والرعب، فالارواح كانت لا تزال متشبثة بأجسادها، القذيفة الثانية شكلت محور الصمت الكامل… وانهمرت الثالثة والرابعة.
احد عشر شهيداً هم عائلة حسين الذي فقد امه وشقيقه ذا الاشهر الثمانية واعمامه وجديه. "جثة" حسين كانت معهم مكومة في اكياس النايلون تستقر على باب احد البرادات في مستشفى نجم ساعة المجزرة. اكثر من ساعة ونصف الساعة وحسين مكوم على نفسه في عمق الكيس يراقب الاشلاء التي تغطيه من دون ادنى حركة او حتى دمعة كما يفعل الصغار في كل العالم.
خال الطفل عدنان عطوي، وبعد علمه بالمجزرة، بدأ بالتفتيش عن اقربائه بين الضحايا في الاكياس المتفحمة، "فتحت اكثر من كيس وعرفت اكثر من جثة"، ثم توجه الى كيس كبير خصص لجثث الاطفال يقلب ما في داخله من بقايا الاجساد "وفجأة لمحت قميص ابني فرفعته وقلبي يرتجف، احتزت يد الطفل وتحركت اصابعه، نظرت الى وجهه فرأيت رموشه تتحرك وعينيه تنظران في الصمت من دون أي كلمة او همسة وكأنه ارتدى قناعاً فاصلاً ما بين عالمه وعالمنا".
ركض عدنان حاملاً حسين بين يديه وهو يصرخ في باحة المستشفى "بعدو طيب، ما مات". اضاف: "لكنني كنت لا ازال عاجزاً عن تحديد شكله فشعره محروق ووجهه مدمى وساقه مسحوقة".
وتابع: ان القميص الذي يرتديه هو الاثر الوحيد الذي دلني على هويته وادركت انه من عائلتي.
ويروي عدنان انه بعد اجراء الاسعافات الاولى لحسين "حيث نزلت اكثر من عشرين مرة الى قسم الطوارىء لاحضر الادوات للممرضة، اتضحت معالم الطفل وعرفت انه ابن اختي وكان قد لبس قميص ابني اثناء استحمامه في منزلنا صباح المجزرة".
بقي حسين اربعة ايام يجهل ذاته، فقط عينان تسبحان في دنيا لم يعد فيها الا طعم الوجع الكثير، وبحث عن وجه يسطع في نفسه فيتمتم "بدي امي"…
يتحدث والد الطفل عن الفاجعة ثم يواصل سفره في عمق وحدته "انه كل ما بقي لي من عائلتي ومن رائحة زوجتي".
ويحكي الاب عن ولده انه كان شقياً، يتحرش باخيه الاصغر، يعربش على شرفات المنزل، "لكنه تبدل في المستشفى"، يقول الوالد، فقد اظهر وعياً غريباً، كان يتكمش بكل زائر، يريد من الجميع ان يبقوا الى جانبه في الغرفة كل كي لا يبقى مع الالم.
يذكر ان الجندي الفيدجي الذي وضع حسين في الكيس قال "حاولت انقاذه لان عينيه كانت فيهما حياة، لكنه بعد دقائق قال لي "باي فيدجي"، ثم فارق الحياة، فوضعته في كيس الجثث". ولما اوضحنا للجندي ان حسين لا يزال على قيد الحياة وصفنا بالـ"كريزي" (مجنونة)، مؤكداً ان الطفل مات بعد دقائق من المجزرة وانه لن يصدق ان حسين نجا.