قصف الملجأ المدني … قرار هجومي اتصف بالتهور والاهمال

السكان والقذائف الانشطارية
بعد ظهر يوم 18 نيسان (ابريل) 1996 اطلقت المدفعية الاسرائيلية المتمركزة على الحدود اللبنانية - الاسرائيلية مزيجاً فتاكاً من القذائف على القاعدة المترامية الاطراف لقوة حفظ السلام الدولية في بلدة قانا الكبيرة، ما ادى الى قتل اكثر من 100 من الاطفال والنساء والرجال الذين كانوا لجأوا هناك. واصيب بعض الناجين بجروح فظيعة ووصلوا الى المستشفيات المحلية بأجساد مشوهة ومحروقة ومصابة بشظايا. ويرجع العدد المرتفع للضحايا جزئياً الى نوع القذائف التي استخدمت في القصف - حوالى ثلثي المجموع من القذائف التي تنفجر في الجو فوق الهدف. وهذه القذائف الشديدة الانفجار اسلحة مضادة للافراد مصممة لتنفجر فوق الارض وتنشر الشظايا على امتداد منطقة واسعة بهدف زيادة حجم الاصابات على الارض الى اقصى ما يمكن. ولنا ان نتخيل سكان قرية شقرا، الواقعة شرق قانا على خط النار في جنوب لبنان، ولسان حالهم يقول: "سبق ان حذرناكم".

كنت زرت شقرا قبل مجزرة قانا بثمانية اشهر. وعلى رغم ان القرية كانت هادئة في 18 آب (اغسطس) 1995، فان العائلات هناك تحملت اكثر من قسطها من الموت والاصابات والاضرار التي لحقت بالممتلكات بسبب القصف المدفعي الاسرائيلي مع استمرار احتلال الاراضي اللبنانية واستدامة النزاع العسكري. وابلغني سكان غاضبون ان رماة المدفعية الاسرائيلية بدأوا يطلقون نوعاً جديداً من القذائف في وقت سابق تلك السنة.

واوضح احد رجال القرية ان "الناس يعرفوا في البداية ماذا يجري. كنا نفتش عن مواقع سقوط القذائف على الارض. ثم ادركنا ان هذه القذائف تنفجر في الجو، وتنهمر الشظايا فوق مساحة واسعة". واستخدم القريون تعبير "القذائف الانشطارية" لوصف هذه الاسلحة، وذكروا انها استخدمت في هجوم اصيب فيه خمسة مدنيين في شقرا صباح 14 حزيران (يونيو) 1995. فاطمة الزين، التي يبلغ عمرها حوالى 60 سنة، اصيبت بشظايا في بطنها بينما كانت واقفة امام منزلها. وكان بين الجرحى محمد علان (اصيب بشظايا قرب قلبه) وزوجته سعاد وولديها احمد (9 سنوات) ومحمد (3 سنوات).

بعد ذلك باسبوع، في صور، عرضت ما اخبرني به سكان القرية على تيمور غوكسيل، كبير المستشارين السياسيين في عملية حفظ السلام الدولية في لبنان "يونيفيل" . واكد ان القذائف المنفجرة في الجو"، المزودة بصواعق تفجير عند الاقتراب من الهدف اطلقت على شقرا، وقال ان هذه الاسلحة مصدر قلق اضافي بالنسبة الى جنود حفظ السلام.

كان هذا القلق مبرراً تماماً، ويمكن للمرء ان يجال بان حادثة قانا كانت، بالحد الادنى، ستقع لا محالة. وقال الجنرال فرانكلين فان كابن، المستشار العسكري الهولندي للامين العام للأمم المتحدة انذاك بطرس غالي، في تقريره بتاريخ 1 ايار (مايو) 1996 حول الهجوم على قانا، انه "كانت هناك ادلة مهمة على انفجار قذائف مدفعية، مزودة بصواعق تفجير عند الاقتراب من الهدف، فوق المجمع مباشرة، وتغطيتها لجزء كبير من مساحته. وعلى رغم ان عدد (القذائف) لا يمكن ان يحدد بالضبط، فان الادلة المتوفرة تشير الى ان ثماني قذائف من هذا النوع انفجرت فوق المجمع ولم تنفجر سوى قذيفة واحدة خارجه".

لم تخف مشاعر الغضب والانفعال في لبنان التي اثارها الهجوم على قانا وخلّفت محاولات الحكومة والمسؤولين العسكريين في "اسرائيل" لتوضيح الكارثة وراءها عدداً من التصريحات المتضاربة والاسئلة التي بقيت بلا جواب.

اولاً، لماذا تمسك المسؤولون الاسرائيليون بمثل هذا الاصرار بادعائهم ان الجيش الاسرائيلي لم يعرف ان مئات المدنيين كانوا يحتمون في قاعدة قانا، الا اذا كان ذلك يهدف بشكل ما الى القاء المسؤولية على قوات حفظ السلام الدولية والاساءة الى سمعتها. قال الناطق باسم الحكومة اوري درومي في 8 ايار 1996: "لم يكن لدينا أي علم بوجود مدنيين هناك". وقال رئيس الوزراء انذاك شمعون بيرير في مقابلة تلفزيونية قبل ذلك بيوم: "اعتقد انها كانت فضيحة ان يسمحوا لهم بدخول المعسكر من دون ان تخطرنا (الامم المتحدة) بذلك". واخذاً بالاعتبار عمليات الاستطلاع الجوي الاسرائيلية المكثفة فوق لبنان خلال عملية "عناقيد الغضب" وتبجح مسؤولين عسكريين في تصريحات بثتها شبكات التلفزيون عالمياً بان الطيارين كانوا قادرين على تحديد مواقع الافراد من مقاتلي "حزب الله" بدقة على الارض او في المباني، من الصعب تصديق انهم لم يلحظوا وجود مئات من المدنيين في قانا.

وقال موظف لبناني في "يونيفيل" كان يعمل في قاعدة قانا انه جلب عائلته الى القاعدة في 12 نيسان، في اليوم الثاني من القتال. وقال لي ان "البوابات كانت مغلقة. وكان هناك 300 شخص خارج القاعدة يريدون الدخول. وسمح للمدنيين خلال الايام القليلة التي اعقبت ذلك ان يدخلوا المعسكر، وسرعان ما زاد عددهم على 800". لكن الجيش الاسرائيلي تمسك بادعائه ان "الصور الفوتوغرافية الملتقطة من الجو للمعسكر في الايام السابقة لم تظهر أي ادلة على وجود عدد كبير من المدنيين في المعسكر". لكن واحداً على الاقل من كبار المسؤولين العسكريين الاسرائيليين اعترف بان الجيش كان يعرف فعلاً ان مدنيين يحتمون في قواعد الامم المتحدة في انحاء الجنوب. وربما يكون السؤال الذي اثاره الجنرال موشي يعالون، رئيس الاستخبارات العسكرية، واحداُ من اهم الاسئلة عن الحادث كله: "كان اجلاء مدنيين من القرى الى منشآت تابعة للأمم المتحدة معروفاً لدينا منذ اليوم الثاني للعملية. ولم يجر أي نقاش في جناح الاستخبارات حول ما اذا كان هناك 200 او 600 من المدنيين في قانا (…) السؤال المناسب هو هل كان صائباً ان تطلق النار في مثل هذه الظروف؟".

ماذا كانت الظروف؟ ابلغني الكولونيل واهمي القائد الفيجي لقاعدة قانا انه كان في مكتبه عندما اتى نبأ عن اطلاق ست قذائف هاون في الساعة 1,55 بعد الظهر من قبل "المقاومة الاسلامية" الجناح العسكرية لحزب الله. وكان مصدر اطلاق النار من مقبرة على مسافة 220 متراً جنوب غربي مركز القاعدة، حسب ما قدر محققون دوليون في وقت لاحق. وكان مدى قذائف الهاون، حسب مسؤولين اخرين في "يونيفيل"، لا يتجاوز 8 كيلومترات، أي اقل بكثير من المسافة الى منطقة "الحزام الامني" التي تحتلها القوات الاسرائيلية وقوات "جيش لبنان الجنوبي". وحسب الرواية الرسمية للجيش الاسرائيلي عرضت قذائف الهاون قوة اسرائيلية على الارض الى وضع "يهدد حياة افرادها الى الخطر". وقال نائب رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال ماتان فيلناي ان "قذائف الهاون بدأت تتساقط شظايا بجوار جنودنا مباشرة. وتحركنا في غضون دقائق لتخليص الوحدة من الخطر. وكان علينا اثناء ذلك ان نفهم ما يجري وان ننقل الاوامر وان نوقف نيران العدو". هكذا، اطلقت "عملية انقاذ عاجلة باستخدام نيران المدفعية"، حسب ما افاد الجيش الاسرائيلي. ومن المعقول ان نستنتج، على رغم ان الجيش الاسرائيلي لم يقل ذلك تحديداً، ان الوحدة الاسرائيلية التي تعرضن لنيران "حزب الله" كانت متمركزة شمال "الحزام الامني"، وهي احدى المسائل التي اغفلت الى حد كبير في مسلسل الاحداث في قانا.

وذكرت "يونيفيل" في تقرير علني صدر في تموز (يوليو) 1996 ان القوات البرية الاسرائيلية كانت تنشط في لبنان شمال المنطقة المحتلة، وان هذه الوحدات قامت، في مرتين على الاقل خلال عملية "عناقيد الغضب" بـ"زرع الغام وشراك مفخخة". صدرت ايضاً وقتذاك تقارير مفادها ان وحدة اغتيال اسرائيلية سرية كانت تنشط في الاراضي اللبنانية مستهدفة "حزب الله". كما نشرت رواية اخرى في صحيفة "الاوبزرفر" الاسبوعية البريطانية في 19 ايار 1996، الا انها لم تؤكد. وفي كانون الاول (ديسمبر) 1996، بعد مرور 7 اشهر، كشف الجيش الاسرائيلي علناً وجود وحدة للقوات الخاصة، يرمز لها باسم "ايغوز"، كانت تعمل داخل المنطقة المحتلة في لبنان وما وراءها. وتألفت الوحدة من بضع عشرات من المتطوعين من كتيبة "غولاني" الخاصة، وهي الوحدة التي شكلت في شباط (فبراير) 1995 وبدأت عملياتها في لبنان في تموز 1995، حسب رئيس القيادة الشمالية للجيش اميرام ليفين. وقال الجنرال ليفين، نافياً ان تكون "ايغوز" فرقة اغتيال: "احتجنا الى وحدة واحدة على الاقل تعنى بالتركيز والتشديد على الحرب الخاصة ضد الثوار (…) حيثما يتحرك او يعيش (مقاتلو) حزب الله، نسعى الى مطاردتهم". واضاف، موضحاً لماذا قرر الجيش الاسرائيلي اخيراً ان يكشف وجود الوحدة الخاصة: "شعرنا ان الوقت حان لاعطاء الجنود ما يستحقونه واعلام الجمهور ان جنودنا الذين يؤدون خدمتهم في جنوب لبنان ليسوا متقاعسين بل ينقلون الحرب الى العدو". وذكر ضباط في الجيش ان وحدة "ايغوز" قتلت 16 من اعضاء "حزب الله" وخسرت اثنين من رجالها وانها كانت نشطة خلال المواجهة العسكرية في نيسان 1996.

لم يكن الجمهور الاسرائيلي يعرف، عند تنفيذ عملية "عناقيد الغضب" باي تحرك لقواته على الارض شمال المنطقة التي تحتلها "اسرائيل". وكما لفت القائد العام لسلاح الجو الاسرائيلي الجنرال هرزل بودينغر، في وقت لاحق فان سقوط "رون اراد ثاني في الاسر هو اخر شيء (كنا) نحتاجه في هذا البلد"، وذلك في اشارة الى الطيار الذي اسطقت طائرته فوق صيدا في 1986. وحسب التقرير الرسمي للجيش الاسرائيلي عن قانا جاء القصف المدفعي الكبير بعدما "تقرر الشروع بتنفيذ اجراءات انقاذ تحت ستار ناري (…) لتمكين الوحدة التابعة للجيش الاسرائيلي من تخليص نفسها من ورطتها".

واذا اخذنا في الاعتبار انه ربما تعرضت وحدة سرية خاصة الى اطلاق النار على مسافة بعيدة داخل لبنان، وان اخر ما كانت "اسرائيل" تريده ان يقتل عناصر من وحدة "ايغوز" او يسقطوا في الاسر، سيصبح التصريح المرمز الذي ادلى به الجنرال فيلناي في مقابلة في حزيران 1996 مفهوماً اكثر. فقد قال، مشيراً الى الهجوم على قانا، ان الجيش الاسرائيلي "كان مجبراً على تبني اجراءات غريبة وغير مألوفة تماماً تتضمن الرد بعد فترة انذار قصيرة جداً". ومعلوم ان الاجراء المعتاد المعمول به منذ وقت طويل في جنوب لبنان ان يوجه الجيش الاسرائيلي "تحذيرات من قصف مدفعي" الى قوات "يونيفيل" لتحذيرها من هجمات اسرائيلية وشيكة. وليس واضحاً بعد اذا كانت "الاجراءات الغريبة وغير المألوفة" التي استخدمت في 18 نيسان تفسر عدم وجود أي تحذيرات من القصف المدفعي قبل ان تبدأ المدافع الاسرائيلية الثقيلة اطلاق قذائفها في اتجاه قانا.

بعد اطلاق قذائف الهاون رفعت قاعدة قانا "تقريراً عن الحادث" الى قيادة "يونيفيل" واصدرت تحذيراً عبر اجهزة الميكروفون الى جنود القوة الدولية بان عليهم ان يرتدوا سترهم الواقية من الرصاص، حسب ما ابلغني الكولونيل واهمي. وقال ان اولى القذائف بدأت تسقط قرب موقع الهاون بعد انقضاء حوالى 8 الى 10 دقائق على التحذير الموجه عبر الميكروفون، في الساعة 208 او 2,10 تقريباً بعد الظهر. ثم تعرضت القاعدة ذاتها الى القصف. وسقطت القذيفة الاولى على محيط المجمع، قرب المدخل الرئيسي، ودمرت بنايتين من النوع المسبق الصنع. وادت القذائف الثلاث الاولى الى تدمير خطوط الكهرباء والاتصالات. وقال الكولونيل واهمي: "كانت مواقعنا في التلال تنقل الينا ما يجري. كنا هنا في انتظار الموت. لم يكن هناك اطلاقاً ما يمكن ان نفعله". واضاف "كان هناك الكثير من الصراخ، وكانت المباني تشتعل (…) لم نستطع ان نصدق ان قاعدتنا تتعرض الى هجوم. كان صوت القذائف الاتية، تعقبها الانفجارات، ومنظر القتلى يفوق حدود الوصف. كانت هناك اشلاء في كل مكان".

وابلغني موظف مدني في "يونيفيل" كان موجوداً اثناء الهجوم، لكنه رفض الكشف عن هويته، ان العائلات المشردة كانت متجمعة في ثمانية مواقع في القاعدة. ودمر القصف بشكل كامل ثلاثة مبان جاهزة كانت تؤوي حوالى 240 شخصاً - كل ما تبقى عند زيارتي للمكان حفرة مستطيلة ضخمة احدثها القصف. وقال: "كان هناك 126 شخصاً اخرين داخل منزل "فانوا" حيث انفجرت قنبلة في الجو فوقه وقتلت 52 شخصاً".

والقى الجنرال فيلناي مسؤولية استمرار المذبحة على قوات حفظ السلام. ونقل عنه قوله "انهم لم يبلغونا ابداً ان القذائف كانت تتساقط داخل المعسكر". لكن تقارير متزامنة لصحافيين سمعوا الاتصالات اللاسلكية، وشهادات لضباط في "يونيفيل"، تناقض ادعاء الجنرال. وابلغني مسؤول رفيع المستوى في "يونيفيل" ان "الضابط المسؤول عن العمليات ضغط على زر الاتصال السريع (في جهاز الهاتف لديه) وابلغ الاسرائيليين حول الهجوم". واضاف "كان القصف يتواصل. ثم اتصلوا، واعطونا انذاراً بالقصف… بينما كان القصف مستمراً! قلنا اننا نعرف ان هناك قصفاً. وابلغناهم ان يوقفوا القصف".

وادعى رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال امنون شاحاك في 18 نيسان ان "الامم المتحدة ابلغت باسرع ما يمكن" حول القصف. ويترك هذا سؤالاً من دون جواب: لماذا لم يغيّر الجيش الاسرائيلي اتجاه القصف او يوقفه بعدما تم اشعار القيادة الشمالية بان قاعدة قوة حفظ السلام الدولية تتعرض الى هجوم مباشر؟.

كما كرر الاسرائيليون الادعاء بان مقاتلي "حزب الله" لجأوا الى قاعدة قانا واحتموا هناك اثر اطلاق قذائف الهاون. وقال رئيس الوزراء بيريز لمراسلين في 9 ايار انه "من الغريب جداً ان "يونيفيل" سمحت باطلاق قذائف من موقع يبعد 150 متراً عن المعسكر، وانها سمحت لاعضاء "حزب الله" وعائلاتهم ان يتواروا داخل المعسكر". ونفى المسؤولون في "يونيفيل" بقوة كلال التهمتين. وابلغني الكولونيل واهمي انه "في كل مرة يحدث فيها قصف مدفعي كان مدنيون يأتون الى البوابة ويطلبون الدخول (…) لم يدخل ابداً رجال مسلحون. من المعروف جيداً اننا لا نسمح بذلك. و"حزب الله" يدرك ذلك جيداً". وعندما كانت القاعدة تزدحم بالمدنيين تولى الجنود السيطرة على منافذها. وقال احد موظفي "يونيفيل" في مقابلة منفصلة ان "الرجال كانوا يحتاجون الى قصاصة ورق من الشرطة العسكرية للخروج، اذا كانوا يريدون مغادرة المكان وفحص منازلهم. وكان يسمح للنساء بالمجيء والذهاب بحرية".

اضاف الكولونيل واهمي انه حالما بدأ القصف المدفعي في 18 نيسان "اغلقنا البوابات". واوضح ان البوابات الامامية والخلفية لم تفتح الا بعد انتهاء الهجوم. واندفع الى داخل القاعدة انذاك جنود دوليون من وحدات قريبة وصحافيون وعمال اغاثة اخرون.

وبين اكثر القضايا اثارة للخلاف في شأن حادثة قانا هو ما اذا كان الهجوم الاسرائيلي عرضياً ام متعمداً، وما اذا كانت القذائف التي سقطت داخل القاعدة قذائف طائشة - تعرف بـ"نثار المدفعية" - من وابل القصف في اتجاه موقع مدافع الهاون التابع لـ"حزب الله"، او اذا كانت هذه القذائف جزءاً من اطلاق نار منفصل. وهنا، تثير الآراء غير الرسمية لموظفي "يونيفيل" الذين كانوا يعملون ميدانياً في جنوب لبنان مصدر اهتمام كبير. واطلعني الكولونيل واهمي على صورة فوتوغرافية ملونة وكبيرة، تحمل علامات مكتوبة بعناية، التقطت من الجو للقاعدة، وكانت توضح مواقع سقوط القذائف التي انفجرت في 18 نيسان وترتيب سقوطها. وعلى رغم انه لم يجادل بان الهجوم كان متعمداً فانه كان مقتنعاً بان القذائف التي سقطت داخل قاعدته لم تكن نتيجة "نثار المدفعية" كما زعم الجيش الاسرائيلي. وقال ان "مواقع سقوط القذائف كانت متقاربة جدا بطريقة لا يمكن معها ان تكون اطلقت من مدفع واحد. اما المقبرة (يقصد بذلك وابل المدفعية الاسرائيلية الذي اصاب المقبرة التي اطلق منها مقاتلو "حزب الله" قذائف الهاون"، فانه كان هجوماً مختلفاً تماماً". ولفت، على الصورة الفوتوغرافية، الى ان موقع سقوط القذائف داخل القاعدة يقدم مثالاً على احد مبادىء اطلاق نيران المدفعية يعرف بـ"الحصر في صندوق" bracketing)) - اطلاق النار اولاً على الحدود الخارجية التقريبية لهدف ما ثم الاقتراب من الهدف ذاته، وهو في هذه الحالة مركز القاعدة.

وعبر مسؤول اخر كبير في "يونيفيل" عن قناعته بان الهجوم على قانا لم يكن حالة "نثار مدفعي". وقال لي: "كان يمثل تغييراً في الهدف، ليس هناك ادنى شك في انه جرى تغيير الهدف". ولم يجادل هو ايضاً بان القاعدة استهدفت بشكل متعمد، لكنه اعتبر ان القصف الاسرائيلي تميز بالاهمال: "كانوا يعرفون انهم يطلقون النار قرب قاعدة تابعة للأمم المتحدة. كان الخطر الحقيقي هو مدفعية الهاون، وكان مثالاً على الاهمال. كان قراراً اتخذته القيادة الشمالية (للجيش الاسرائيلي) باطلاق النار على منطقة مكتظة بالمباني. هناك خط دقيقي يفصل بين انعدام الحرص والاهمال وبين القتل المتعمد في هجوم مقصود".

ان القوات الاسرائيلية ملزمة ان تبدي "حرصاً ثابتاً" كي "تحول دون سقوط ضحايا وسط السكان المدنيين" خلال تنفيذ عمليات عسكرية. كما يتوجب على المسؤولين العسكريين الاسرائيليين الذين يخططون ويتخذون القرار في شأن عمليات الهجوم ان "يتخذوا كل الاحتياطات المعقولة في اختيار وسائل وسبل الهجوم بهدف تجنب ما ينجم بشكل عرضي من خسائر في ارواح المدنيين واصابات في صفوف المدنيين والحاق اضرار باهداف مدنية".

انتهاكات "اسرائيل" لقوانين الحرب الدولية

مجزرة قانا برهنت على عدم دقة الهجمات
ولقد سبق مجزرة قانا كلام لنائب رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال ماتان فيلناي في لقاء مع صحافيين في تل ابيب في 16 نيسان (ابريل) 1996 حذر فيه من ان "هذه ليست سوى البداية. وانطلاقاً مما استعملناه الى الان، فاننا نعرف كيف نقوم بما يفوق هذا كثيراً". بعد يومين قامت "اسرائيل" بالفعل بما "يفوق هذا بكثير". وكانت المذبحة التي شهدها جنوب لبنان في 18 نيسان هي التي سلطت انظار المجتمع الدولي في النهاية على "عملية عناقيد الغضب"، ووفرت الحافز لجهود متعددة الاطراف للضغط على "اسرائيل" من اجل وقف اعمال العنف الواسعة ضد السكان المدنيين في لبنان، وعلى سورية كي توقف هجمات حزب الله بصواريخ الكاتيوشا على المناطق المدنية في شمال "اسرائيل". لكن لم يكن من الضروري ان يقتل 101 من المدنيين المشردين الذين احتموا بقاعدة قوة حفظ السلام الدولية في قانا، وهي قرية صغيرة جنوب شرقي صور، لكي يدرك العالم ان الهجوم الاسرائيلي الاخير على لبنان يمثل انتهاكاً سافراً لقوانين الحرب المثبتة في مواثيق جنيف وبروتوكولات لاحقة. وما جلب العار لاسرائيل ان رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال امنون شاحاك اظهر ازدراء لقوانين الحرب عقب الهجوم.

ذلك ان حصيلة القتلى ومقدار الدمار كانا يتصاعدان قبل وقوع مذبحة قانا، الى جانب ادلة على ان القوات الاسرائيلية تنفذ ضد المدنيين هجمات من دون تمييز وتتجاوز حجماً المتطلبات العسكرية، داخل ما تحول عملياً الى مناطق لـ"القصف الحر" على امتداد مساحات واسعة من جنوب لبنان. لم يكن من المفترض ان يثير هذا الواقع المروع أي استغرب: ففي حملة عسكرية اسرائيلية مماثلة في تموز (يوليو) 1993، اطلق عليها "عملية المحاسبة"، استخدمت وسائل الهجوم ذاتها ما تسبب في وقوع انتهاكات واسعة. (ووثقت تلك الانتهاكات في صورة مستفيضة من قبل زميلي جوست ار. هيلترمان الذي اجرى تحقيقاً في جنوب لبنان بعد انتهاء الهجوم العسكري في عام 1993.

كان الهجوم العسكري الاسرائيلي في المنطقة الواقعة جنوب شرقي صور يتميز بشراسته خلال الايام التي سبقت الهجوم المميت في قانا. وفي 15 نيسان (ابريل) سقط اكثر من 700 قذيفة و30 صاروخ جو - ارض خلال اربع ساعات، بحسب الامم المتحدة، ولم يستطع الصحافيون ان يحققوا في الدمار الذي لحق بقرى قرب صور "بسبب القصف الجوي والمدفعي الكثيف"ن حسب ما افادت وكالة "رويتر". وبعث المراسل هيثم حدادين بتقرير من صور ذلك اليوم نقل بشكل مستفيض ما قاله مشردون كانوا فروا من قرى مجاورة. قال احدهم: "انه قصف عشوائي (…) انهم لا يستثنون شيئاً. انهم يضربون المنازل والحقول والمدنيين". وقال اخر: "الاضرار لا يمكن ان توصف (…) عندما سقطت الابقار اطلقوا النار على العجول"، وادعى احد المقيمين ان حوالى 100 قذيفة مدفعية وقنبلة وصاروخ كانت تسقط كل ساعة على قرية المنصوري، مشيراً الى ان حوالى 20 مدفعاً كبيراً" تطل على القرية كانت "تطلق بسرعة فائقة". حتى صحيفة "جيروزاليم بوست" المحافظة لم تستطع ان تتجاهل انتهاكات "اسرائيل"، وتحدثت في 18 نيسان عن "الاحتجاج القوي" الذي كانت الامم المتحدة قدمته الى الجيش الاسرائيلي عندما "القت طائرات قنابل امام قافلة للامم المتحدة تحمل علامات مميزة وتتألف من عربتين بينما كانت تحاول ان تنقل مواداً ضرورية الى لاجئين يحتمون داخل مواقع الامم المتحدة وحولها".

وافاد تقرير لصحيفة "اندبندنت" البريطانية في 19 نيسان ان خمسة من القذائف التي سقطت على قاعدة قانا اطلقت من مدافع هاوتزر "ام-109" ذاتية الدفع من صنع امريكي. وجاء فيه ان "القذائف تزن حوالى 50 كلغم لكل منها، وعندما تنفجر يمكن ان تقتل اشخاصاً يبعدون مسافة 100 متر". وعندما بثت المناظر الشنيعة للمذبحة على شاشات التلفزيون في انحاء العالم، سعى مسؤولون اسرائيليون الى تبرير وابل القنابل على القاعدة ومحيطها. وافادت صحيفة "نيويورك تايمز" في 19 نيسان ان "اسرائيل" قالت ان الهجوم على القاعدة كان خطأً خطيراً"، على رغم ان الرواية لم تتضمن أي تصريحات لمسؤولين مدنيين او عسكريين اسرائيليين تقول ذلك. في الواقع. في الواقعن لم يشر الجنرال شاحاك في 18 نيسان اطلاقاً الى حدوث "خطأ"، بل داعف عن القصف المدفعي مستهيناً في صورة مشينة بقوانين الحرب المقبولة دولياً والمقرة منذ زمن بعيد: "لا ارى انه يوجد أي خطأ في التقدير (…) قاتلنا حزب الله هناك (في قانا)، وعندما يطلقون النار علينا نرد عليهم للدفاع عن انفسنا (…) لا اعرف أي قواعد اخرى للعبة، سواء بالنسبة الى الجيش او المدنيين".

كان الجنرال شاحاك يشير في تصريحه الى العمل الاستفزازي الذي تسبب في الرد الاسرائيلي العنيف. وكانت ناطقة باسم الامم المتحدة اكدت ان مقاتلي "حزب الله" اطلقوا، قبل 15 دقيقة من وقوع الهجوم، قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا من موقع يبعد حوالى 300 متراً عن القاعدة. ووجهت الولايات المتحدة و"اسرائيل" على السواء الاتهام الى "حزب الله" بانه استخدم المدنيين "غطاء" لانشطة عسكرية، وهو انتهاك لقوانين الحرب. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الامريكية ان "حزب الله يستخدم المدنيين كغطاء. انه عمل دنيء وشيء كريه". واستند رئيس الوزراء الاسرائيلي بيريز الى ذلك لحرف المسؤولية عن المذبحة والقائها على "حزب الله". وقال في 18 نيسان "استخدموهم كغطاء، استخدموا الامم المتحدة كغطاء - اعترفت الامم المتحدة بذلك".

الا ان الامم المتحدة لم تعترف بشيء من هذا. بل انها قالت فقط ان حزب الله اطلق هجوماً من موقع يبعد 900 قدم عن القاعدة. واصدرت اللجنة الدولية للصليب الاحمر ومقرها في جنيف، التي قليلاً ما تصدر بيانات صحافية اثناء استمرار النزاعات الدولية المسلحة، بياناً قوياً في 19 نيسان اعلنت فيه انها "تدين بشدة" القصف الاسرائيلي لقانا، واشارت الى "الحظر المطلق" الذي تفرضه قوانين الحرب على الهجمات العشوائية. وقالت اللجنة الدولية للصليب الاحمر ان الاوامر الاسرائيلية باخلاء مناطق كبيرة من جنوب لبنان "لا ترفع عن "اسرائيل" مسؤولية احترام المدنيين الباقين في اماكنهم". كما لاحظت ان اوامر الاخلاء الاسرائيلية كانت "في هذه الحال مخالفة للقانون الانساني الدولي".

نفي لتحميل حزب الله المسؤولية…
لكن هل يمكن فعلاً تحميل حزب الله مسؤولية استعمال المدنيين في قانا غطاْ لعملياته؟ من الانصاف القول ان خبراء القوانين الانسانية - لو طلبنا رأيهم اليوم - لن يتمكنوا من الاجماع على ان اطلاق الاسلحة من بعد 300 متر من مكان تجمع فيه 850 مدنياً يشكل مثالاً على تغطية من هذا النوع. وتعريف التغطية كما تنص عليه المادة 51 (7) من البروتوكول الاضافي الاول لمواثيق جنيف هو: "على اطراف الصراع ان لا يوجهوا تحركات السكان او الافراد المدنيين لمحاولة تغطية اهداف عسكرية من الهجمات او تغطية عمليات عسكرية".

ويعطي واحد من الشروحات الموثوقة للبروتوكول الاول مثالاً على هذا النوع من التغطية او الحماية كالاتي: "حالات سوق اللاجئين المدنيين على طريق اما لتغطية طابور متحرك من المحاربين في حال التقدم او لاعاقة حركة طوابير العدو". ويمكن ان تشمل الامثلة وضع معدات اتصال عسكرية في ملاجىء عليها اشارات واضحة بانها مخصصة للمدنيين ضد الغارات الجوية (وهو التبرير الذي قدمته الولايات المتحدة لهجومها على ملجأ العامرية في بغداد في 13 شباط (فبراير) 1991، حين قتل 204 مدنيين)، او وضع محاربين في مستشفيات او غيرها من المباني التي تحظر قوانين الحرب مهاجمتها (استعمل العراق ذلك لتبرير تدمير العتبات الدينية الشيعية في جنوب العراق في 1991، خلال الانتفاضة التي تلت "عاصفة الصحراء").

والواضح ان حزب الله لم "يوجه" المدنيين الى قاعدة الامم المتحدة، بل ان المدنيين لجأوا من قراهم في جنوب شرقي صور بسبب القصف لابري والجوي الاسرائيلي. وكان مسؤولو الامم المتحدة قبلها اخلوا الكثيرين منهم من بيوتهم واسكنوهم القاعدة لاسباب انسانية. من هذا المنظور فان حزب الله يم يكن "يحتمي" بالسكان كما تعرف ذلك المادة 51 (7) من البروتوكول. الا ان قوانين الحرب تشمل حظراً اخر له علاقة بمفهوم "الاحتماء" او التغطية. اذ تضع المادة 58 من البروتوكول الاول على اطراف الحرب مسؤولية "تجنب وضع اهداف عسكرية في مناطق مكتظة بالسكان او قرب تلك المناطق". والكلمة الجوهرية هنا هي "قرب"، الا ان البروتوكول لا يقدم تعريفاً لها، ولا يحدد بالضباط المسافة التي يمكن عندها اعتبار ان الهدف العسكري "قريب" من منطقة مدنية. كما انه لا يحدد الاماكن التي يمكن فيها اقامة اهداف عسكرية ثابتة - مثل القواعد، والمرابض الدائمة للمدفعية، ومراكز القيادة والاتصال الخ -- مقارنة بالاهداف السريعة التحرك، مثل منصات الكاتيوشا التي يمكن نقلها بسرعة او تركها بعد الاطلاق.

حتى لو كان حزب الله قام فعلاً بالاحتماء بالمدنيين في عملياته العسكرية في قانا في 18 نيسان لا تعطي قوانين الحرب قوات "اسرائيل" حرية غير محدودة في شن هجوم عشوائي على عموم المناطق التي اطلق منها المقاتلون قنابل الهاون وصواريخ الكاتيوشا. وينبغي الحكم على الهجوم الاسرائيلي على القاعدة ومحيطها من خلال شرطين قانونيين: الاول ان على اطراف صراع مسلح تجنب الهجمات العشوائية (التي تعرف بانها تلك التي لا توجه الى هدف عسكري محدد بل الى العسكري والمدني من الاهداف من دون تمييز)، والثاني تجنب الهجمات التي تفوق حجماً الحاجة المتوخاة منها (أي التي تلحق خسائر كبيرة في المدنيين تتجاوز الفائدة العسكرية من الهجمات). وقد انتهكت "اسرائيل" هذين المبدأين الاساسيين لقوانين الحرب عندما هاجمت القاعدة ومحيطها مدة تسعين دقيقة.

ادعاء الدقة… ونفي العلم بوجود المدنيين
وادعى رئيس الوزراء شمعون بيريز - على الارجح في محاولة لدحض الاتهامات بان حجم الهجوم لم يكن متناسباً مع الفائدة العسكرية المحتملة - ان القوات الاسرائيلية لم تكن تعلم بوجود المدنيين في القاعدة. وقال: "لم نكن نعرف بتجمع بضع مئات من الناس في القاعدة. ذلك ان الجيش الاسرائيلي يؤكد ان معداته تستطيع تتبع حركات المقاتلين واحداً واحداً بعد اطلاق صواريخ الكاتيوشا. واذا اضفنا الى ذلك الاستكشاف الجوي الاسرائيلي الكثيف والدائم لجنوب لبنان خلال عملية "عناقيد الغضب" فمن الصعب ان نتصور ان "اسرائيل" لم تكن تعرف بوجود اكثر من 800 شخص في القاعدة الدولية.

لكن حتى لو لم تكن "اسرائيل" تعلم فان هجومها على القاعدة يبقى انتهاكاً لقوانين الحرب، لان القاعدة التي يوجد فيها 200 جندي فيجي من القوات الدولية ليست هدفاً عسكرياً مشروعاً.

واكد الصحافي البريطاني روبرت فيسك، الذي كان في قافلة اغاثة دولية قريبة من القاعدة وقت الهجوم انه سمع انفجار القنابل الاسرائيلية الاولى بعد قليل من الساعة الثانية بعد الظهر. وفي الساعة الثانية وعشر دقائق سمع على الراديو صوت ضابط فيجي يقول: "مقرنا يتعرض للقصف". بعد دقيقتين جاءه الرد من المقر الرئيسي للامم المتحدة في الناقورة: "اننا نتصل بجيش الدفاع الاسرائيلي". وهنا اجاب الضابط الفيجي صائحاً: "الا تفهمون؟ انهم يقصفوننا الان. لقد اصابوا المقر". ولاحظ فيسك ان الوقت كان الثانية وعشرين دقيقة، وكتب: "كانت هناك ست قذائف. وجاء على الخط مسؤول اتصال لبناني يعمل مع الامم المتحدة يتكلم من المقر… الذي كان يحترق. قال: الناس يموتون هنا، نريد مساعدة". ويقدم القصف الاسرائيلي المتواصل للقاعدة، التي تحمل علامات مميزة واضحة، ومحيطها، مثالاً نموذجياً عن الهجوم العشوائي كما تحدده قوانين الحرب، التي تحظر معاملة مناطق بكاملها وكأنها هدف عسكري. ويكتسب الانتهاك اهمية خاصة من ان "اسرائيل" لم تنفك منذ بداية علمية "عناقيد الغضب" عن الاعلان عن قدرتها على القيام بضربات "جراحية" ضد حزب الله. الا ان كل تلك الصور التي نشرتها وسائل الاعلام الاسرائيلية التي تبرهن على دقة الهجمات الموجهة بالتكنولوجيا العالية لا تجدي شيئاً بالنسبة للمدنيين الذين قتلوا عندما انهالت القنابل الاسرائيلية على تلك المباني الهشة في قاعدة قانا واشعلت فيها النار. ان على المجتمع الدولي ان لا ينسى الضحايا اللبنانيين وان يحاسب "اسرائيل" على هذا الهجوم المنتهك لقوانين الحرب. وعلى المجتمع الدولي ان لا يعود الى التغافل عن استهتار "اسرائيل" بحياة المدنيين عندما تقوم بعملية في اراضي العدو، ومخالفاتها المتكررة لقوانين الحرب التي على كل الدول المتحضرة مراعاتها.

"قانا: كي لا ننسى": الانتهاكات والتعويضات

 جرائم الحرب "الاسرائيلية" والتعويض عنها
ان التعويض مبدأ مقرر في القانون الدولي العام، وهو يفرض على الجهة التي ارتكبت انتهاكاً لاحد مبادىء هذا القانون. وقد تقرر هذا الحق في المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 التي نصت على ان أي فريق يخرق القواعد المنصوص عنها في تلك الاتفاقية، ملزم قانوناً بدفع التعويضات عن الاضرار الناجمة عن تلك الاعمال.

وفي سلسلة من المؤتمرات والاتفاقات الدولية عقدت بين 1907 و1949، تمكن المجتمع الدولي من ان يحدد بوضوح الاعمال التي تشكل انتهاكاً للقواعد القانونية، وتالياً فان الافرقاء الذين يقومون بهذه الاعمال ملزمون بدفع التعويضات عنها. وقد تضمنت المادة 147 من اتفاق جنيف الرابع لعام 1949 والبروتوكول الاضافي الاول لعام 1977 ما سمي "بالانتهاكات الخطيرة" او الجسيمة لقواعد القانون الدولي، علماً بان المناقشات التي دارت للوصول الى ذلك الاتفاق اطلقت على هذه الاعمال صفة "جرائم حرب".

ان هذه الاعمال هي:
1 - القتل العمد.
2 - التعذيب او المعاملة غير الانسانية وتشمل التجارب الخاصة بعلم الحياة.
3 - تعمد احداث آلام شديدة.
4 - الاضرار الخطير بالسلامة البدنية او العقلية او الصحية.
5 - ارغام اسرى حرب او اشخاص مدنيين محميين على الخدمة في القوات المسلحة للدولة المعادية.
6 - حرمان الاشخاص من حقهم في محاكمة عادلة.
7 _ اخذ الرهائن
8 - الاحتجاز غير المشروع للاشخاص المدنيين او ترحيلهم بطرق غير مشروعة
9 - تدمير الممتلكات او الاستيلاء عليها على نطاق واسع لا تبرره الضرورة العسكرية وبصورة غير مشروعة وتعسفية
10 - الهجمات الموجهة ضد السكان او الافراد المدنيين
11 - الهجوم العشوائي الذي يصيب السكان المدنيين
12 - الهجوم على الاشغال الهندسية او المنشآت التي تحتوي على قوة خطرة
13 - الهجوم على المواقع المجردة من وسائل الدفاع او المناطق المنزوعة السلاح
14 - الهجوم على شخص عاجز عن القتال
15 - الاستعمال الغادر للشارة المميزة للصليب الاحمر او الهلال او أي شارات اخرى للحماية بحسب الاتفاقات والبروتوكول الاول.
16 - نقل السكان او ترحيلهم خلافاً للمادة 49 من الاتفاقية الرابعة وقيام دولة الاحتلال بنقل بعض سكانها الى الاراضي التي تحتلها
17 - كل تأخير لا مبرر له في اعادة اسرى الحرب او المدنيين الى اوطانهم
18 - الهجمات التي تشن عن عمد ضد الاثار التاريخية واماكن العبادة شرط ان لا تكون مستخدمة لاغراض عسكرية او في موقع قريب بصورة مباشرة من اهداف عسكرية.

 2 - في آلية التنفيذ
ان حق لبنان في التعويضات واضح، كذلك واضح ان "اسرائيل" ملزمة قانوناً بدفع هذه التعويضات. الا ان السؤال يبقى: كيف يمكن ان نفرض على "اسرائيل" دفع هذه التعويضات؟

يفرض التعويض في حالات مختلفة، وذلك:
1 - اما من جانب محكمة دولية كمحكمة العدل الدولية.
2 - او من جانب هيئة تحكيمية
3 - او على يد جهة دولية رسمية مثل مجلس الامن الدولي
4 - كذلك اعتمد التعويض كمخرج لصيغة تسوية بين بلدين متنازعين او اكثر
بالنسبة الى محكمة العدل الدولية، فان ابوابها مغلقة امام استصدار حكم منها يلزم "اسرائيل" بدفع التعويضات بسبب ان الذهاب الى المحكمة يفترض موافقة "اسرائيل" المسبقة ما لم تكن "اسرائيل" قد وقعت على المادة 36 من القانون الاساسي للمحكمة وهو امر لم يتوفر، وتالياً فانه يتعذر الحصول على موافقة "اسرائيل" للذهاب الى المحكمة.

ان ما ينطبق على محكمة العدل الدولية، ينطبق ايضاً على هيئة التحكيم اذ لا بد من الحصول على موافقة "اسرائيل".

اما بالنسبة الى مجلس الامن الدولي، فان الولايات المتحدة تقف بالمرصاد لتستعمل حق النقض ضد أي قرار يعرض على المجلس في هذا الخصوص، او غيره.

لقد واجهت الحكومة اللبنانية هذا الوضع في شهر نيسان عام 1996  ابان عملية "عناقيد الغضب". الا انها قامت بخطوة مبدعة حقاً وتسجل لها، اذ لجأت الى استعمال الصلاحيات التي يتمتع بها الامين العام للأمم المتحدة فعمدت الى تضمين القرار الذي اتخذته الجمعية العمومية التي انعقدت بدورة خاصة للنظر في اعتداء "اسرائيل" على لبنان في نيسان عام 1996، فقرة فوضت فيها الجمعية العمومية الامين العام مسح الاضرار التي اوقعتها "اسرائيل" في قانا والجنوب.

لم يكن مستغرباً ان يكون التقرير الذي وضعه الدكتور بطرس غالي الامين العام السابق للامم المتحدة عن مسح الاضرار في قانا والجنوب ساهم في ابعاده عن الحصول على ولاية ثانية في الامانة العامة، ذلك ان هذا التقرير بالغ الاهمية، لا من حيث التعويض المالي الذي يمكن ان تدفعه او لا تدفعه "اسرائيل" عن الجرائم التي ارتكبتها، بل من حيث ان هذا التقرير اسس مرجعية قانونية دولية تدين "اسرائيل" بارتكاب جرائم حرب لا تسري عليها قاعدة التقادم في القانون.

 3 - انشاء محكمة لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين
اذا كان تقرير الامين العام للامم المتحدة يشكل مرجعية قانونية دولية تجيز للبنان ان يضع بند التعويضات على جدول اعمال أي مفاوضات للسلام بينه وبين "اسرائيل"، فان هذه المرجعية القانونية صالحة للمطالبة بانشاء محكمة دولية لمجرمي الحرب الاسرائيليين الذين اتخذوا قرار عملية "عناقيد الغضب" ونفوذها اكانوا عسكريين ام مدنيين.

ان تقرير الامين العام للامم المتحدة الخاص بقانا، يشكل ارضية جيدة للجامعة العربية كي تشكل محكمة من هذا النوع، كما يشكل ارضية جيدة لجمعية الحقوقيين العرب لاخذ المبادرة وتشكيل هذا النوع من المحاكم.

فماذا في تقرير الامم المتحدة؟!…

الامم المتحدة تصفه بانه موضوعي ومتوازن ولبنان يطلب ادانة "اسرائيل" على اساسه

دافعت الامم المتحدة عن نتائج تقريرها الذي رجح ان تكون المدفعية الاسرائيلية قصفت عمداً مقر الوحدة الفيجية التابعة للقوة الدولية في قانا حيث قتل اكثر من مئة مدني لبناني في 18 نيسان. ووصفت ما ورد في التقرير بانه "متوازن وموضوعي"، رداً على التعليقات والمواقف الساخطة التي اثارها في كل من "اسرائيل" والولايات المتحدة.

ومع ان الجانب اللبناني اعتبر ان التقرير خفف مسؤولية "اسرائيل"، فانه طالب بنشره. وقال وزير الخارجية فارس بويز: "لقد تلقينا نسخة عن هذا التقرير، ونعتبر ان درجة المسؤولية فيه قد خفضت، ومع ذلك نحن نطالب بنشره".

ونقلت وكالة "رويتر" عن مصدر في الخارجية ان بيروت ستدرس احتمال تقديم شكوى الى مجلس الامن "لمعاقبة "اسرائيل" استناداً الى التقرير".

وفعلاً طلب مندوب لبنان لدى الامم المتحدة السفير سمير مبارك من مجلس الامن تحمل مسؤولياته واصدار قرار يدين "اسرائيل" بعدما اثبتت التحقيقات التي اجرتها المنظمة الدولية ان الهجوم الاسرائيلي على المدنيين كان متعمداً. وعقد السفير مبارك لهذه الغاية اجتماعات مع مجموعة دول عدم الانحياز ومع اعضاء مجلس الامن وابلغ الى "النهار" ان محادثاته مستمرة.

كذلك طلبت المجموعة العربية في الامم المتحدة من الامين العام للمنظمة الدولية الدكتور بطرس بطرس غالي اعتبار التقرير "مستنداً رسمياً لديها وضرورة نشره".

في أي حال، رفع التقرير امس رسمياً الى الدول الـ15 الاعضاء لدرسه. لكن مصادر دبلوماسية في نيويورك استبعدت احتمال صدور قرار ضد "اسرائيل" بسبب الموقف الامريكي الداعم للدولة العبرية. وتوقعت التوافق على بيان يتلوه الرئيس الحالي لمجلس الامن المندوب الصيني كين هيوا سن.

متوازن وموضوعي
وفي نيويورك علقت الناطقة باسم الامم المتحدة سيلفانا فوا على ردود الفعل على التقرير بقولها ان المنظمة الدولية لم تكن تنوي "احراج أي دولة وتوجيه الاتهام اليها". واضافت: "لقد سعينا الى معرفة الحقيقة بغية اتخاذ الاجراءات التي تحول دون تكرار مثل هذا الحادث. التقرير متوازن وموضوعي. والوقائع خير دليل. ويصعب فهم ردود الفعل القوية التي صدرت عن بعض الاطراف". ولاحظت ان "البعض لا يكتفي بمهاجمة التقرير بل يحاول النيل من سمعة واضعيه وهم الامين العام والامم المتحدة".

وفي لندن وصف ناطق باسم وزارة الخارجية البريطانية نتائج التقرير بانها "مقلقة"، مشدداً على ان لندن "تعتبر ان الامم المتحدة قامت بتحقيق متأن لا بد من اخذه مأخذ الجد". واضاف ان بريطانيا "تنتظر من الحكومة الاسرائيلية ان تقدم الرد الكامل عليه".

وفي القاهرة ابدت الصحف المصرية استياءها من موقف الادارة الامريكية المؤيد لاسرائيل بعد صدور التقرير الدولي. وعنونت صحيفة "الدستور" المستقلة صفحتها الاولى: "الى الجحيم يا كلينتون". اما صحيفة "الجمهورية" الحكومية فقالت ان "الولايات المتحدة واصلت انحيازها الكامل والسافر الى "اسرائيل" وحاولت تبرئتها من جريمة ذبح المدنيين اللبنانيين".

النص الحرفي لتقرير الأمم المتحدة عن قانا
هنا نص رسالة الامين العام للامم المتحدة الدكتور بطرس بطرس غالي الى رئيس مجلس الامن التي ارفق بها تقرير مستشاره العسكري الميجر جنرال فرانكلين فان كابن المتعلق بقصف مجمع الامم المتحدة في قانا، تحت رقم س/1996/337 تاريخ 7 ايار 1996.

رسالة مؤرخة 7 ايار (مايو) 1996 موجهة
من الامين العام الى رئيس مجلس الامن   

اتشرف بان احيل على اعضاء مجلس الامن التقرير الذي قدمه الي مستشاري العسكري، الميجر - جنرال فرانكلين فان كابن، عقب المهمة التي قام بها في لبنان و"اسرائيل" وكنت قد اتخذت قراري بايفاد البعثة في ضوء الاحداث المأساوية التي وقعت في قانا في 18 نيسان ابريل  1996، والتي قتل خلالها ما يربو على 100 مدني لبناني في مقر الكتيبة الفيجية التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.

وسيلاحظ اعضاء المجلس ان البعثة قد سعت الى ان تتثبت قدر الامكان، من الوقائع المحيطة بهذه الاحداث. وقد اجرى الجنرال فان كابن مناقشات مستفيضة مع قادة قوة الامم المتحدة المؤقتة في لبنان، ومع السلطات اللبنانية والاسرائيلية، ومع شهود العيان. وكما يتبين من التقرير، فان نسق سقوط القذائف في منطقة قانا يجعل من غير المرجح ان يكون قصف مجمع الامم المتحدة نتيجة اخطاء تقنية، و/او اجرائية، وان كان لا يمكن استبعاد هذا الامكان تماماً. ويقول جيش الدفاع الاسرائيلي، من ناحيته، ان الحادثة قد نجمت عن سلسلة من اخطاء العمليات وجوانب القصور التقنية، التي اقترنت بالمصادفة.

وانني لانظر باشد القلق الى قصف موقع القوات الفيجية بالشكل نفسه الذي انظر به الى أي اعمال عدائية موجهة الى أي موقع من مواقع الامم المتحدة لحفظ السلام. غير ان هذه الحادثة هي اخطر شأناً من كل الحوادث، لان مدنيين، فيهم نساء واطفال، قد لجأوا الى مجمع الأمم المتحدة في قانا.

وانني ارحب باتفاق وقف اطلاق النار الذي اعلن في 26 نيسان (ابريل) 1996، وآمل بشدة ان تؤدي استعادة الهدوء في المنطقة الى تعزيز احتمالات المفاوضات المفضية الى تسوية سلمية شاملة تحول دون وقوع مزيد من الاحداث المأساوية. وفي غضون ذلك، اصدرت تعليماتي الى قائد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان الميجر - جنرال ستانيسلاف فوزنياك بتعزيز التعاون مع حكومة لبنان والقوات المسلحة اللبنانية من اجل الحفاظ على السلام والاستقرار في منطقة عمليات قوة الامم المتحدة المؤقتة في لبنان. كما اصدرت تعليمات بوضع ترتيبات مع السلطات الاسرائيلية لضمان عدم اطلاق النار مستقبلاً على مواقع الامم المتحدة في لبنان.

ويظل من الاهمية القصوى ان يكفل اطراف هذا النزاع الا يصبح المدنيون الابرياء ضحايا للاعمال العدائية.

ونظراً الى خطورة الاحداث التي وقعت في قانا، قررت احالة التقرير على مجلس الامن.

(توقيع بطرس بطرس غالي)

الرواية الاسرائيلية للاحداث
في 21 نيسان / ابريل التقيت الميجور جنرال فيلنائي في تل ابيب، وزرت كتيبة المدفعية، وكان حاضراً في هاتين المناسبتين مدير سلاح المدفعية الاسرائيلية، البريغادير جنرال دان هاريل، الذي قيل لي انه اجرى تحقيقاً في حادثة القصف. واورد الضباط الاسرائيليون الرواية الاتية للاحداث:
أ - في وقت مبكر من بعد ظهر يوم 18 نيسان تعرضت دورية اسرائيلية لاطلاق النار عليها من قانا. ولم يحدد موقع الدورية بالضبط، باستثناء القول بانها كانت قريبة من "الخط الاحمر"، وهو خط يرد في الخرائط الاسرائيلية لتعيين الحافة الشمالية للمنطقة التي تسيطر عليها "اسرائيل" في جنوب لبنان. وسقطت قذائف هاون على مسافة تصل الى 40 متراً من الدورية، التي طلبت العون. وشرعت القوات الاسرائيلية في اجراءات اطلاق النار للانقاذ.

ب - في الساعة 13:52 والساعة 13:58، على التوالي، حدد رادار تعيين المواقع الاسرائيلي هدفين منفصلين في قانا، اطلقت منهما النار اصلاً. وحدد مكان الهدف الاول على مسافة نحو 200 متر جنوب غرب مجمع الامم المتحدة. وحدد مكان الهدف الثاني على مسافة نحو 350 متراً جنوب شرق المجمع وارسلت البيانات بصورة آلية الى القيادة الشمالية، والى كتيبة مدفعية ترابط على الحدود الاسرائيلية - اللبنانية، على نحو مسافة 12 كيلو متراً من البحر. وتتألف الكتيبة من ثلاث بطاريات تضم الواحدة منها اربعة مدافع. وهي مجهزة بمدافع من طراز M.109A2 ( عيار 155 ملم). وعندما تلقت الكتيبة البيانات تأكدت من موقعي الهدفين على احدى الخرائط. ووجدت ان احد الموقعين هو على مسافة تراوح بين 200 و 300 متر من موقع الامم المتحدة في قانا. وبناء عليه طلب قائد الكتيبة تعليمات من القيادة الشمالية، التي اعادت التأكد من البيانات واعطت الاذن باطلاق النار، وهذا القرار لم يتخذ بخفة بل شارك فيه ضباط من رتب عليا.

ج - وعندما وصل الامر باطلاق النار، اشتبكت احدى البطاريات مع الهدف الاول، مستخدمة مدافعها الاربعة كلها، واطلقت 38 قذيفة (شديدة الانفجار) ثلثاها تقريباً مجهزان بمصاهر من النوع الذي ينفجر عند الاصطدام بالارض. والثلث الاخر مزود مصاهر اقتراب (مصاهر الاقتراب تجعل الطلقة تنفجر في الهواء فوق الهدف، وهي كثيراً ما تستخدم ضد الافراد). واستخدم نوعاً المصاهر بترتيب عشوائي. واستخدم اسلوب تجميع النيران بحيث يتركز سقوط القذائف في المنطقة المستهدفة وللاسف، طاشت بضع قذائف واصابت مجمع الامم المتحدة.

د - ولم يكن لدى قائد كتيبة المدفعية أي تفسير مرض لسقوط هذا العدد الكبير من القذائف على مسافة نحو 200 متر شمال الهدف المقصود (انظر الرسم التخطيطي المرفق) ورداً على سؤال عما اذا كان قد غير اتجاه اطلاق النار في اثناء القصف، قال انه لم يفعل ذلك، واضاف ان المهمة لم تستغرق سوى ثلاث او اربع دقائق (كان التوقيت الذي اوردته القوات الاسرائيلية هو من الساعة 14:07 الى الساعة 14:12) وانه لم يكن ثمة وقت كاف لتغيير بيانات الهدف.

هـ وسألنا قائد الكتيبة عن الاجراءات المستخدمة في اطلاق النار. وبينت ردوده توافر مستوى عال من الاقتدار.

ز - ورداً على الاسئلة المتكررة ذكر المحادثون الاسرائيليون انه لم تكن هناك طائرات او طائرات هليوكبتر او طائرات موجهة من بعد تابعة لاسرائيل في الجو فوق قانا قبل القصف او خلاله او بعده. (ولو كانت هذه موجودة لمكنت القوات الاسرائيلية من مراقبة منطقة الهدف وضبط نيرانها). غير ان الجنرال فيلنائي وعد في 21 نيسان/ابريل، بناء على طلبي ان يبحث في هذه المسألة من جديد. واكد البريغاديز جنرال ديفيد تسور رئيس مكتب الاتصال الاسرائيلي بالقوات الاجنبية خطياً انه "لم تكن هناك طائرات هليوكبتر او طائرات صغيرة موجهة من بعد تحلق فوق منطقة قانا في 18 نيسان/ابريل، قبل الحادث او خلاله".

مسح منطقة سقوط القذائف
اسفر المسح التقني لمواقع سقوط القذائف الاسرائيلية عن المعلومات الاتية:
أ - تبين سقوط ست وثلاثين قذيفة في منطقة قانا وعثر على شظايا قذائف عيار 155 ملم في كل انحاء مجمع الامم المتحدة. وكان توزيع مرامي القذائف غير متساو، فقد كانت هناك منطقتان متميزتان تركزت فيها القذائف وكانت هناك طلقتان "طائشتان".

ب - كانت المنطقة الاولى التي تركز فيها سقوط القذائف على بعد نحو 100 متر جنوب مجمع الامم المتحدة. وهي مجموعة من المنازل التي تقع على بعد نحو 75 متراً شمال غرب موقع اطلاق قذائف الهاون. وسقط جنوب مجمع الامم المتحدة ما مجموعه 17 قذيفة (16 ذات مصهر ينفجر عند الارتطام بالهدف، وواحدة ذات مصهر اقترابي).

ج - وكانت المنطقة الثانية التي تركز فيها سقوط القذائف في وسط مجمع الامم المتحدة. ونظراً الى عدد الضحايا وحالها والدمار الناجم عن القصف، كان يتعين القيام فوراً بعملية تنظيف رئيسية بعد انتهاء القصف. وادى ذلك الى ضياع ادلة مهمة. غير انه كانت هناك ادلة لا بأس بها على ذخائر مدفعية متعددة ذات مصاهر اقترابية انفجرت فوق المجمع مباشرة فغطت جزءاً كبيراً من مساحته. وعلى رغم انه لا يتسنى تحديد العدد المضبوط، تشير الادلة المتاحة الى انفجار ثماني مقذوفات من هذا النوع فوق المجمع وانفجر مقذوف خارجه مباشرة. وهناك ايضاً ادلة على ان خمس مقذوفات شديدة الانفجار من النوع الذي ينفجر لدى اصطدامه بالهدف انفجرت في المجمع وثلاثاً منها بالقرب منه. وخلاصة القول، انه عثر على ادلة على حدوث 13 انفجاراً داخل المجمع او فوقه مباشرة و4 انفجارات قريباً جداً منه:

د - استخدمت تقريباً جميع القذائف ذات المصاهر الاقترابية في منطقة مجمع الامم المتحدة.

هـ على رغم القيام بتفتيش جوي وارضي كبير، لم يعثر على اثار لسقوط قذائف في منطقة الهدف الثاني الذي حددته القوات الاسرائيلية (350 متراً جنوب - جنوب شرق مجمع الامم المتحدة) على رغم انه عثر على ادلة تفيد انه تم اطلاق صواريخ من موقع قريب منه.

افاد شهود عدة انه حدث تحول ملحوظ في اثناء القصف في كثافة النيران من منطقة تقع جنوب غرب المجمع (موقع الهاون) الى المجمع ذاته.

 ذكر شهود عدة انهم رأوا طائرة موجهة عن بعد فوق منطقة قانا قبل القصف وخلاله وبعده. وشوهدت طائرتا هليكوبتر على بعد كيلومترين جنوب شرق مجمع الامم المتحدة في اثناء القصف، وشوهدت طائرة هليكوبتر واحدة وطائرة موجهة عن بعد على شريط فيديو صور الجزء الاخير من القصف. وقد قام بتصوير الفيديو فرد من الاحتياط المتنقل التابع للقوة من مكان يطل على مجمع الامم المتحدة في قانا على بعد نحو 1,5 كيلومتر. والطائرة الموجهة عن بعد التي تم تصويرها هي من النوع القادر على نقل البيانات انياً.

النتائج
وفي ما يأتي النتائج التي خلصت اليها:
أ - يتبين من توزيع مواضع سقوط القذائف في قانا ان هناك منطقتين متميزتين للتركيز. والنقطتان الرئيسيتان لسقوط القذائف فيهما تبعد احداهما عن الاخرى نحو 140 متراً، ولو كانت المدافع مصوبة على اساس تجميع النيران في اتجاه واحد، كما قالت القوات الاسرائيلية، لكانت هناك نقطة رئيسية واحدة فقط لسقوط القذائف.

ب - نمط مواضع سقوط القذائف لا يتفق مع تجاوز الضرب العادي للهدف المعلن (موقع لمدفعية الهاون) بطلقات قليلة، كما ذكرت القوات الاسرائيلية.

ج - في اثناء عملية القصف، كان هناك تغيير ملموس في تركيز النيران من موقع مدفعية الهاون الى مجمع الامم المتحدة.

د - توزيع مواضع سقوط القذائف التي تنفجر عند الاصطدام والانفجارات التي حدثت في الجو يجعل من غير المحتمل حدوث استخدام عشوائي للقذائف ذات المصاهر التي تنفجر عند الاصطدام والقذائف ذات المصاهر التي تنفجر عند الاقتراب من الهدف، كما قالت القوات الاسرائيلية.

هـ لم تكن هناك صدمات في المنطقة المستهدفة الثانية التي زعمت "اسرائيل" انها قد قامت بقصفها.

و - وعلى النقيض من الانكارات المتكررة، كانت طائرتا هليوكبتر اسرائيليتان وطائرة موجهة عن بعد في منطقة قانا عند القصف. وعلى رغم عدم امكان استبعاد هذا الاحتمال استبعاداً تاماً، فان من غير المحتمل ان يكون قصف مجمع الامم المتحدة نتيجة اخطاء تقنية و/او اجرائية جسيمة.

منع التكرار
في نيسان (ابريل)، ابلغ الجنرال لوفين الجنرال فوزنياك اتخاذ القوات الاسرائيلية احتياطات جديدة في ما يتصل باطلاق النار على اهداف مجاورة لمواقع الامم المتحدة، واوصى بمراجعة هذه التدابير وتأكيدها على الصعيد السياسي.