بصمات المجزرة على الاطفال؛ رسوب.. شرود.. واستحالة نسيان
الشظايا التي اصابت ضحايا قانا الابرياء، وخطفت ارواحهم، من خلال النار والحديد الاسرائيليين، تركت بصمات لا تمحى في الاحياء من ابناء قريتنا الشاهدة والشهيدة. الكبار الذين عاشوا هول المجزرة، لانهم عرفوا تفاصيل دقائقها، عانوا ويعانون الامرين، وحتى الان.. لكن ماذا عن الصغار الذين شاهدوا بأمّ اعينهم امهاتهم وآباءهم واخواتهم واخوانهم، جداتهم واجدادهم طعماً للقتل الاسرائيلي المجرم.. ماذا عن هؤلاء الان.. كيف يعيشون، كيف يتصرفون، داخل بيوتهم، في علاقاتهم مع زملائهم، في دروسهم اليومية داخل صفوف مدارسهم.. يتوجهون اليهم صباح - مساء، ليطالعهم المشهد، مشهد مكان المجزرة التي لا تبارح مخيلتهم اصلاً، لانها باتت تسكنهم منذ اهوال ذلك الصباح الدامي.

الحياة اليومية لطلاب مدارس قانا، هي غير تلك التي يحياها الطلاب الاخرون، البعيدون الذين تركت المجزرة بصماتها عليهم، فكيف بهم هم الذين لمسوها لمس اليد، من خلال الانفجارات والدماء والاشلاء وفقدان الاعزة.. باختصار حياة هؤلاء الاطفال ولا سيما الذين هم دون الثانية عشرة من العمر، لا تطاق. اضطراب نفسي دائم، قلق لا يبارح، عجز في القدرة على التركيز داخل الصفوف وفي حياتهم البيتية. الدراسات التي اجريت كانت معبرة الدلالة عن معاناتهم.. لكنها بعض واقعهم اليومي، الذي يسيطر عليه شرود ومحاولة نسيان تصطدم بقساوة القتل البارد الذي تعرض له آباؤهم وامهاتهم..

وطلاب قانا يعانون من ملامح مرضية ضاغطة خلفتها وقائع الجريمة الاسرائيلية، التي لا تبارح ذاكرتهم الطرية.. مع ذلك يحاولون عبر الذاكرة او النسيان او التناسي لا فرق، البقاء في موقع الحدث وتجاوزه في الوقت ذاته. وعليه لم يصل الكبار الى التآلف مع اطفال يحجمون عن بكاء من افتقدوا ذويهم.

طلاب قانا الذين اطل عليهم عام جديد، ما زالوا في قريتهم، وسيظلون بالتأكيد، يحاولون النسيان، نسيان تفاصيل المأساة، تناسي المجزرة للانصراف الى دروسهم، واجباتهم البيتية، او التحضير للامتحانات المدرسية او العامة.. طلاب قانا الذين يأبون المغادرة يحملون في ذواتهم حقداً مقدساً على العدو الذي لم تخطىء مدافعه التصويب عندما انهالت قذائفها عليهم.. هؤلاء الطلاب كيف يعيشون حياتهم.

"الدمع تحجر في مآقيهم"، تقول نوال برجي عمة زينب (12 عاماً) وزهرة (9 اعوام) ومحمد (6 اعوام).

تضيف: لقد وقف الاولاد مذهولين لحظة المجزرة. محمد وحده صرخ "ماما" وركض بين الجثث، ومنذ ذلك اليوم والدمع جف في عيونه وعيونهم، حيث انهم لا يتحدثون عن والديهم اللذين قضيا في المجزرة، الا بعد محاولات عديدة لجرهم الى الكلام.

وتشير برجي الى التبدل الذي طرأ على سلوك اولاد اخيها "فباتوا مختلفين خائفين باستمرار وراسبين في صفوفهم، وزهرة الصغيرة اعادة صف الثالث ابتدائي للمرة الثالثة هذا العام".

وتتجنب زهرة برجي الرد على سؤالنا عن لحظة وقوع المجزرة، ثم تنصاع للتكرار قائلة "لم اعد اذكر شيئاً سوى انني كنت خائفة وعطشانة"، فيما يقول شقيقها الصغير محمد "انا ما بكيت بس خفت وشفت عمتي ميتة صرخت لماما.

وتخاف مريم برجي (12 عاما) الوحدة وهي تعيش مع شقيقها ابراهيم عند عمها وزوجته، وقد تمت معالجتها نفسياً وجسدياً في فرنسا، بعد ان التهمت النيران جسدها وبعضاً من وجهها.

تقول: بقيت اصوات الانفجارات العنيفة في رأسي لمدة طويلة، وقد مكثت في فرنسا للعلاج ستة اشهر على امل العودة ولقاء والدي، الا انني فجعت عندما علمت فور وصولي الى قانا انهما توفيا في المجزرة.

تضيف: لم اقوَ على البكاء عندها، وما زلت اعيش على امل ان يكون كل ذلك هاجساً وكابوساً فاستيقظ لارى امي وابي مجدداً.

وتقول نايلة برجي (عمة مريم وابراهيم) ان ابراهيم ابن الستة اعوام لم يعد يملك جسماً سوياً، فهو معتل دائماً يعاني من ارتفاع في الحرارة، وقد اعاد الاطباء ذلك الى اسباب نفسية بحتة.

وتشير الى ان ابراهيم لا ينفك يرسم وجوهاً سوداء تعبر عن جنود المركز الفيدجي، وهو كئيب باستمرار ولا يذكر الا نزهاته مع والده الراحل.

وتبدو شادية ابو خليل (10 سنوات) ضعيفة وغير متماسكة، التقيناها وقد عادت من المدرسة حزينة، دخلت وهي تحمل دفتر العلامات الازرق، ثم لوحت لامها وهي تقول "سقطت ثاني مرة يا ماما".

تقول والدتها نايلة برجي: "ان حالة شادية تسوء يوماً بعد يوم، وانها فقدت سمعها من شدة الانفجارات، الامر الذي انعكس على نطقها فأصبحت متخلفة عمن هم في عمرها، وقد رأى الاطباء انها تعاني صدمة شديدة وتحتاج لعلاج طويل الامد، حتى تتماثل للشفاء، وهذا كله يستلزم تكاليف باهظة نحن غير قادرين على دفعها".

رأي الاطباء
هذه المعاناة النفسية المرضية اوضحها رئيس الاتحاد العالمي للطب النفسي الدكتور فؤاد انطون، الذي قال ان اطفال قانا يعانون من حالة تسمى في علم النفس المرضي "دينايل" او نكران الواقع، بمعنى الكبت اللاواعي لكل ما يفكرون ويشعرون به حيال المجزرة، وذلك يتم بواسطة العقل الباطني الذي يكتم المعلومات ويخزنها، وهذا ما يفسره الناس بانه نسيان الوقائع، الا انه على عكس ذلك.

واشار الى ان هذه الحالة تتسبب بعوارض جسدية كارتفاع الحرارة واخرى نفسية وعصبية كالارق واليأس والاكتئاب، وهي ظواهر تأخذ مكان ردة الفعل التي احدثتها الصدمة، كذلك فان تأنيب الضمير يضاعف من معاناة الاطفال، ويدفعهم الى التفكير بعقدة ذنب من جراء بقائهم على قيد الحياة، فيما ادت المجزرة الى موت ذويهم.

يضيف انطون: ان الدراسات اثبتت ضرورة معالجة هذه الحالات، لاعاقة تطورها الى امراض نفسية وعصبية في ما بعد. واشار الى ان العلاج يتم من خلال ما يسمى بالعلاج السلوكي الذي يتفاعل الاطفال فيه مع الصدمة، ليخرجوا منها ويتخطوا ازمتهم المكبوتة، كذلك بإعطاء الادوية المساعدة لتثبيت القدرة على التركيز، مما ينعكس ايجاباً على ادائهم المدرسي.

ويؤكد الاختصاصي في الامراض الداخلية وطب العائلة، وعضو الجمعية الايطالية لامراض ترقق العظم الدكتور يوسف عبدالله ضاهر، تأثير العوامل النفسية على مجمل عملية النمو التي ترتبط بشكل مباشر بالعوامل النفسية والاجتماعية المحيطة، معتبراً ان من الاهمية بمكان التركيز على الحالات المرضية المتفشية بين اطفال قانا، وابرزها العوارض النفسية مثل القلق وضعف الشخصية والعجز عن التركيز، وهي اسباب تؤدي مجتمعة الى خلل في مراحل النمو، وتنعكس على المظهر الخارجي للطفل (شحوباً وضعفاً وقصر قامة) حتى في ظل توافر نظام غذائي كامل. ويمكن شرح هذه الحالة عملياً بفقدان هرمون النمو (GH) الذي يؤدي الى اليأس، وهو ناتج عن ضعف وخلل في المراحل الثالثة والرابعة للنوم العميق.

ويركز ضاهر على ضرورة زرع الثقة في نفوس الاطفال مجدداً، كخطوة على طريق معالجة انعكاسات المجزرة، ويلفت الى ان تثبيت بعض مظاهر مجزرة قانا وتكرار رؤيتها لن يشجع الاطفال على تجاوز حالتهم ونسيان ما جرى في نيسان الماضي.