اللد .. تستذكر مجازر الصهاينة

 

بقي مسجد دهمش في اللد مغلقا منذ عام 1948 حتى سمحت "اسرائيل" بفتحه امام المصلين من عرب اللد عام 1997 بعد ان قام العرب بتنظيفه من بقايا الدماء التي سالت من الضحايا جراء المجزرة المروعة التي ذهب ضحيتها زهاء 160 فلسطينيا من الاطفال والنساء والشيوخ وتتميز اللد عن غيرها من المدن الفلسطينية بصمودها امام العصابات الصهيونية التي لم تستطع ان تدخلها الا بعد الهدنة الثانية رغم سقوط حيفا ويافا وعكا وغيرها من مدن الساحل والقرى الواقعة في السهل الساحلي الفلسطيني خلال شهري ابريل (نيسان) ومايو (ايار) عام 1948 .

كما ان اللد كانت مركزا للمهاجرين اللاجئين الذي تدفقوا من السهل الساحلي ومدن الساحل بعد سقوطها، فقد جمعت اعدادا كبيرة من الأسر التي أرغمت على اللجوء الى اللد، بحيث كان عدد سكان المدينة عام 1948 نحو 25 الف نسمة في حين بلغ عدد اللاجئين اليها 20 الفا.

خديعة الدخول

واللد هي المدينة الوحيد التي دخلها "الاسرائيليون" بخديعة حيث دخلوها بلباس الجيش العربي الاردني بعد ان روجوا اشاعات مفادها ان قطعا من هذا الجيش ستدخل المدينة للحيلولة دون سقوطها بايدي الصهاينة.

وفي الذكرى الخمسين لاحتلال المدينة "التقت الشرق الاوسط" مع رئيس وعدد من اعضاء جمعية اللد الخيرية في عمان التي تحرص على احياء ذكرى الشهداء الذي قضوا دفاعا عن المدينة سواء عام 1948 او خلال الثورات التي سبقت ذلك العام، كما التقت عددا من المجاهدين وكبار السن الذي عاصروا تلك الاحداث.

اللد اليوم

يحرص عدد كبير من ابناء اللد في الأردن على زيارة مسقط رأسهم كلما سنحت لهم الفرصة ومشاهدة ما آلت إليه أوضاع المدينة والبحث عن منازلهم "ان بقيت" والعقارات التي خلفوها هناك وكذلك مشاهدة ما طرأ على أراضيهم وبيارات البرتقال التي يمتلكونها من تغييرات.

واللد اليوم مدينة حديثة تمتاز ببناياتها البيضاء التي تغطيها الأشجار من كافة الجهات بحيث تبدو للقادم اليها من بعيد وكأنها لوحة فنية رائعة الجمال.

ويقول عبد الجواد مبروك وهو من مواليد عام 1948 في اللد الذي عاد لتوه من زيارة لمسقط رأسه: ان المدينة تبدو من بعيد وكأنها غابة كثيفة لا يستطيع الانسان ان يشاهد المنازل او المباني والشوارع الا عندما يقترب منها.. وتقوم اللد عام 1998 على انقاض المدينة القديمة التي ارغم اهلها على مغادرتها بعد الاحتلال "الاسرائيلي" بعد ان نفذ فيها اليهود مجزرتين رهيبتين احداهما في جامع دهمش والأخرى في الشوارع الرئيسية.

ويضيف عبد الجواد مبروك ان بعض اجزاء و أحياء المدينة القديمة ما زالت قائمة، وان مبانيها قد تهدمت او آلت للسقوط، وتحظر "اسرائيل" على من بقي من اهل المدينة فيها او أقام فيها بعد عام 1948 من مناطق بئر السبع من اقامة مبان جديدة او ترميم او إصلاح المباني الآيلة للسقوط، مما جعل هذه الاحياء اشبه باحياء الصفيح، الا ان العرب يقومون باعمال البناء سرا وتبدو المباني الاسمنتية داخل الواح الصفيح.

ومن المنازل التي ما زالت قائمة منذ ان هجرها اهلها عام 1948 منازل الحي الشرقي وبعض منازل الحي الغربي حيث تتركز الاقلية العربية، ومبنى بلدية اللد في وسط المدينة الذي بقي مقرا للبلدية حتى عام 1986 حيث اقيم مبنى جديد للبلدية.

ومن معالم المدينة العربية التي ما زالت قائمة جامع دهمش وقد سمي هذا الاسم نسبة الى عائلة دهمش التي قام احد أبنائها ببنائه على نفقته الخاصة في مطلع هذا القرن، وكذلك المسجد الكبير وكنيسة الخضر وهما متلاصقان يشتركان في جدار واحد، الى الشرق منه مبنى المسجد والى الغرب مبنى الكنيسة وما زالت الصلوات تقام في كل منهما حتى اليوم وهناك قبر الصحابي المقداد بن الاسود الكندي… وهناك مصبغة حسونة وخان الحلو وهو عبارة عن فندق قديم وسوق الحلال وهو عبارة عن ساحة كبيرة يحيط بها سور وتضم خزانات مياه، اما الحي الشرقي فقد أزاله "الاسرائيليون" بالكامل واقاموا على انقاضه شققا سكنية لليهود المهاجرين من روسيا .

اهالي اللد

يقول عبد المجيد ابو خالد من مؤسسي جمعية اللد الخيرية ان "الاسرائيليين" ارغموا سكان المدينة عام 1948 على الهجرة شرقا و إخلاء المدينة بعد المجزرتين اللتين ارتكبتهما العصابات الصهيونية في جامع دهمش والشوارع والساحات الرئيسية في المدينة ومن بين 28 الفا هم سكان المدينة 20 الفا الذي هاجروا اليها من مدن وقرى الساحل لم يبقى فيها سوى 150 شخصا من المقعدين وذوي العاهات الذين لم يتمكنوا من الهرب واختبأوا في بعض المنازل القديمة وتمكنوا بالتالي من البقاء في اللد واصبح عددهم الان زهاء 500 نسمة.. اما اهل المدينة فقد فروا مذعورين الى الشرق وتتركز الغالبية من اهالي المدينة حاليا في مدن عمان والزرقاء واربد في الاردن، بالاضافة الى القدس ورام الله ونابلس في الضفة الغربية.

ويبلغ عدد اهالي اللد حاليا 210 آلاف نسمة من بينهم 60 الفا في الضفة الغربية و 150 الفا في الاردن من بينهم زهاء 100 الف في عمان وحدها ، قسم كبير منهم في المخيمات وفي مخيم الحسين على وجه التحديد.

ويمتاز اهالي اللد بالتماسك الاجتماعي والترابط الأسري وهم متدينون بطبعهم ويحافظون على التقاليد والعادات، حتى من بقي من اهل اللد في المدينة بعد احتلالها فيهم محافظون . وقد شوهدت بعض النساء وهن يعملن  على أجهزة الكومبيوتر ويرتدين الزي الشرعي، وبسبب هذه المحافظة لم تكن هناك دار للسينما في اللد حتى عام 1948 كما خلت المدينة من اماكن اللهو والتسلية وهي اكثر مدن فلسطين المحتلة عام 1948 شبها بمدينة الخليل.. اما الآن فقد زرعها الصهاينة بالأندية الليلية ودور اللهو والتسلية و أضحى العرب فيها اقلية لا تذكر. فمن بين 60 الفا هم سكان المدينة فان عدد السكان العرب لا يتجاوز 650 نسمة من بينهم 500 من الذي تمكنوا من البقاء عام   1948 و 6000 من اهالي بئر السبع وصحراء النقب الذين طردتهم "اسرائيل" من اراضيهم واستولت عليها فاقاموا في اللد.

ولا يتمتع عرب اللد بظرف معيشية ملائمة او قريبة للظروف المعيشية "للاسرائيليين" رغم انهم يحملون الجنسية "الاسرائيلية" بل ان الغالبية العظمى لا تتوفر لها متطلبات الحد الادنى من المعيشة.

مجزرة جامع دهمش

ويستذكر اهالي اللد خاصة كبار السن ممن عاصروا الاحداث التي شهدتها المدينة عام 1948 المجزرة الرهيبة التي اقترفها الصهاينة عام 1948 في المسجد المعروف بجامع دهمش. ويقول درويش حوسة (80 عاما) وهو حلاق في منطقة ابي علي بضواحي العاصمة الأردنية ان بعض المجاهدين أطلق قنابل يدوية على دوريات يهودية اقتحمت المدينة فاحرقت سيارتين بمن فيها من الجنود والمسلحين. ويضيف ان الصهاينة اعتقدوا ان القنابل سقطت عليهم من مئذنة المسجد العالية فما كان منهم الا ان حاصروا المسجد الذي كان مليئا بالاطفال والنساء والشيوخ والعجزة من الفلسطينيين الذين لجئوا الى اللد من مدن وقرى الساحل الفلسطيني التي احتلها اليهود. وما لبث الصهاينة ان اقتحموا المسجد و أطلقوا النار عشوائيا على كل من فيه حتى سقطوا جثثا هامدة، فدخل بعض اليهود واخذوا يقلبون الجثث بأقدامهم وكلما سمعوا  أنينا من أحد أجهزوا عليه وكلما وجدوا جريحا ما زالت الحياة تنبض في عروقه اطلقوا عليه النار وكل من اعتقدوا ان نفسا لا زال يتردد فيه قتلوه. واستمرت جريمة جامع "دهمش" حتى المساء حيث اغلق الصهاينة المسجد على من فيه ولم يسمحوا لذوي الشهداء بنقلهم او دفنهم.

وفي اليوم التالي للمجزرة طلب الصهاينة من الاهالي مغادرة المدينة خلال 24 ساعة في الوقت الذي كانت فيه سياراتهم العسكرية تجوب الشوارع الرئيسية والساحات وتطلق النار عشوائيا على كل من تصادفه من السكان.

وتصدى رجال المقاومة رغم قلة عددهم وضآلة إمكانياتهم للعصابات اليهودية  خاضوا معها معركة غير متكافئة حيث سقط نحو 800 شهيد من المجاهدين واهالي اللد الذي اطلقت العصابات "الاسرائيلية" النيران عليهم عشوائيا في الشوارع والساحات. وقد بقيت جثث الشهداء في المسجد عدة ايام حيث قام الصهاينة بعد ذلك بدفنهم في مقابر جماعية ، وقد بلغ عدد شهداء مجزرة جامع دهمش 160 من الاطفال والنساء والشيوخ وبقي المسجد مغلقا بعد هذه المجزرة 49 عاما حتى سمح "الاسرائيليون" بفتحه عام 1997 حيث قام عدد من عرب اللد بغسل المسجد وتنظيفه من اثار دماء الشهداء التي بقيت عالقة على ارضه وجدرانه 49 عاما. واوضح عبد الجواد مبروك ان الناس عادوا للصلاة في جامع دهمش الذي شهد المجزرة الرهيبة وانه ادى الصلاة فيه خلال زيارته الاخيرة لمسقط رأسه.

معركة اللد

ومن اهالي اللد حمزة صبح الذي كان من قادة المجاهدين في اللد والمناطق المحيطة بها وهو الان شيخ طاعن في السن تجاوز التسعين من عمره، ويقول عن معركة اللد وسقوطها بيدي العصابات "الاسرائيلية" انه قبل الاحتلال "الاسرائيلي" للمدينة كان اهالي اللد يقومون بمساعدة المدن والقرى الفلسطينية التي تتعرض لهجوم "اسرائيلي" وتطلب النجدة والمساعدة، وكانت اللد بحكم موقعها في مأمن من الهجمات "الاسرائيلية" حيث تقع في عمق السهل الساحلي على بعد 16 كيلومترا من يافا و43 كيلومترا من القرى، وبجوارها شقيقتها الرملة التي لا تبعد عنها سوى 8 كيلومترات ولم يكن بجوار اللد مستوطنات يهودية تهاجمها بين حين واخر كما هو الحال مع المدن الفلسطينية الاخرى.

ويقول حمزة صبح ان موقع اللد ولبعدها عن المستوطنات اليهودية وكثرة بياراتها ومزارعها جعلت منها مركزا آمنا من اعتداءات اليهود ولذلك هاجرت إليها أعداد كبيرة من مدن الساحل وقرى السهل الساحلي التي سقطت بأيدي اليهود خلال شهري ابريل (نيسان ) ومايو (ايار) عام 1948 ..إضافة الى ذلك كان اهالي اللد يتوقعون هجوما "اسرائيليا" من الغرب حيث المستوطنات "الاسرائلية" في تل ابيب فاقاموا خندقا كبيرا وانشأوا الاستحكامات اللازمة إلا أن "الاسرائيليين" هاجموا المدينة من الشرق خلافا للتوقعات، ويقول حمزة صبح ان معركة اللد بدأت في السابع من يوليو (تموز) 1948  حيث قصفت طائرات "اسرائيلية" بعض مواقع المدينة وضواحيها، وتمكن "الاسرائيليون" من احتلال الجزء الشرقي من المدينة.

وفي العاشر من يوليو 1948 احتل اليهود المطار بعد معركة ضارية مع الثوار والمجاهدين استشهد خلالها زهاء 100 مجاهد في مقدمتهم عبد ربه ابو مشرف من ابرز قادة المجاهدين في المدينة وكان آنذاك قائد وحدة حماية المطار.. وفي الحادي عشر من يوليو "راجت شائعات ان قوات من الجيش الاردني ستدخل المدينة لنجدتها في غضون ذلك قام الصهاينة بهجوم على المدينة من قرية جمزو القريبة، الا ان المجاهدين، صدوهم على اعقابهم، وفي اليوم ذاته دخلوا المدينة بلباس الجيش العربي لتضليل المجاهدين الذي سرعان ما أيقنوا الخدعة اليهودية واشتبكوا مع عصابات شتيرن والارغون التي قدمت من الشرق في معارك طاحنة ، ولدى مرور سيارات "اسرائيلية" القى رجال المقاومة قنابل يدوية عليها فاحرقوها، وانتقاما لهذه العلمية اقدم الصهاينة على ارتكاب مجزرة جامع "دهمش" التي ذهب ضحيتها زهاء 120 من العزل الأبرياء.

استمرت المعارك بين المجاهدين وعصابات الصهاينة طوال يوم الحادي عشر من يوليو، وفي صباح اليوم التالي كانت القوات "الاسرائيلية" قد احتلت المدينة واستولت عليها وطلبت من اهلها مغادرتها خلال 24 ساعة.

وفي الثالث عشر من الشهر ذاته قام الصهاينة بإجلاء أهالي المدينة بالقوة و أخرجوهم من بيوتهم واقتادوهم زرافات ووحدانا وقذفوا بهم خارج المدينة وباستثناء نحو 50 شخصا من العجزة او فاقدي البصر او ذوي العاهات الذين لم يتمكنوا من السير واختبأوا في بعض الاماكن، فقد ارغم 28 الفا هم سكان المدينة و 20 الفا آخرون لجأوا اليها من مدن وقرى السهل الساحلي على مغادرة المدينة دون ان يسمح لهم بحمل أي شيء حتى الامتعة.

الهجرة والتشرد

يقول عبد الهادي شلش (70عاما) ان المسلحين الصهاينة كانوا يقتادون الناس من بيوتهم واحيانا يجرونهم جرا في الشوارع ويطلقون النار في الهواء فوق رؤوسهم لترويعهم وتخويفهم وحملهم على الهجرة وتفريغ الارض استعدادا للاستيلاء عليها، وكان بعض المسلحين الصهاينة يقفون على مخارج المدينة لتفتيش اللاجئين والاستيلاء على كل ما بحوزتهم من اموال ومتاع وحلي ومصاغ ولم يسمحوا لهم بأخذ اي شيء. وما ان سمع اليهود باحتلال المدينة حتى سارعوا لنهب كل ما فيها من اثاث وادوات وملابس حتى ابواب المنازل ونوافذها، وقد نقل اليهود كل ما استولوا عليه من منازل اللد الى مستوطناتهم وهو عبارة عن حمولة 1800 شاحنة.

ويقول شلش ان رحلة العذاب استغرقت ثلاثة ايام بلياليها عبر الطرق الوعرة والمزارع وأشجار الزيتون حيث كنا نتحاشى السير على الطرق المعبدة التي كان "الاسرائيليون" يسيطرون عليها ويقومون بالاعتداء على المهاجرين رغم الظروف السيئة التي كانوا يعانون منها، وبعد ثلاثة ايام وصلت افواج اللاجئين الى رام الله ومنها واصلوا السير الى اريحا حيث استقر عدد من الأسر في الضفة الغربية وخاصة في رام الله والقدس ونابلس فيما انتقل العدد الاكبر من اهالي اللد الى الاردن وهم يقيمون الآن في عمان والزرقاء واربد  غالبيتهم في مخيمات اللاجئين.

ان كافة سكان اللد قد اقتلعوا من مدينتهم باستثناء 500 نسمة ما زالوا مزروعين هناك ولكن دون حقوق، فقد استولت "إسرائيل" على الغالبية العظمى من اراضي المدينة وخاصة غابات الزيتون وبيارات الحمضيات واستولت على المنازل والمباني ومن بقي من اهلها يعيشون في اكواخ الصفيح وفي المنازل الآيلة للسقوط.

وابناء اللد يحتفظون بمفاتيح منازلهم في اللد وسندات ملكية اراضيهم التي تعتبر من اخصب مناطق فلسطين كونها واقعة في قلب السهل الساحلي، وامل العودة يراودهم، بل ان غالبيتهم يعيشون على هذا الامل ويرفضون أي حل لقضية اللاجئين لا يقوم على قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العام للأمم المتحدة الذي يقضي بضمان عودة اللاجئين وتعويض من لا يرغب منهم في العودة.. إلا أن أهل اللد جميعا يرغبون في العودة الى مدينتهم التي غادرها منذ 50 عام.