العدوان الصهيوني على محطات الكهرباء في لبنان الاهداف والنتائج
مقدمة
تناولت الصحافة اللبنانية موضوع الاعتداءات على محطات الكهرباء من حيش الاهداف والنتائج والدعم الامريكي لذلك العدوان
قراءة "إسرائيلية" في اهداف العدوان على لبنان
كتبت جريدة المستقبل بتاريخ 12-2-2000 :
اطلقت ""اسرائيل"" على عدوانها الاخير ضد لبنان اسم " شعلة صامدة" وبذلك اصبح لكل رئيس حكومة في ""اسرائيل"" اسم عدوان على لبنان يلازمه ويميز حقبته مناحيم بيغن اول رئيس حكومة عن اليمين له "سلامة الجليل" واسحق رابين "ابوالامن" كما يسميه محبوه من الاسرائيليين له عملية "تصفية الحساب" وان كان في نظر بعض القادة العرب "رجل السلام"، فيما شمعون بيريس صاحب نظرية " الشرق الاوسط الجديد" له "عناقيد الغضب" والان جاء دور ايهود باراك اكثر رؤساء الحكومات في ""اسرائيل"" حيازة للنياشين العسكرية ليكون اسم عدوانه على لبنان "شعلة صامدة".
هذه الرحلة ""الاسرائيلية"" من العدوان على لبنان عمرها اكثر من عشرين سنة ومحطاتها كثيرة ودامية ابرزها "مذابح صبرا وشاتيلا" و" قانا" وغيرها ، لكن الان وبعد عقدين من الزمن بدأت تقر ""اسرائيل"" بالهزيمة، وتبحث عن مخرج يكفل لقادتها وجيشها ماء الوجه ومغادرة لبنان من دون ان يسجل ذلك عليها هروبا.
" هذه الحرب خسرناها" يخلص يؤيل ماركوس وهو معلق صحافي مغمور تقرأ كتاباته في ديوان رئاسة الوزراء وتؤخذ على محمل الجد. ويقول ان " لبنان دخل في عظمنا ، وعندما نتحدث عنه تتغير اللغة، فلا نتحدث عن عملية عسكرية وانما عن توجيه رسالة ".
وسرد المعلق تسميات ومسميات كثيرة اطلقها الاسرائيليون على ورطتهم فــي لبنان " فيتنام الصغيرة" " الوحل اللبناني" " المستنقع اللبناني" " لعنة لبنان" ويضيف "تسعة رؤساء حكومات تعاقبوا على قمة السلطة في ""اسرائيل"" . تغير العدو في لبنان لكن الحرب لم تنته".
ويتفق محللون في ""اسرائيل"" على انه ومنذ اللحظة التي تعهد فيها باراك بالخروج من لبنان نفدت الاوراق والعجائب من يدي ""اسرائيل""، ولم يعد هناك منطق في البقاء في لبنان . هذه الحرب خسرناها ويجب الخروج فورا ، فلا حاجة لعد الايام حتى تموز المقبل".
ويجمل المعلقون الاسرائيليون العملية العسكرية الاخيرة " بأن الطائرات الحربية ""الاسرائيلية"" الحديثة من طراز اف 16 ضربت محطات توليد الكهرباء في لبنان ، لكن مقاتلي حزب الله على ظهور البغال نجحوا في قتل جندي اسرائيلي آخر" ويعترف المعلقون بحرقة واضحة بأن مقاتلي حزب الله يظهرون خبرة قتالية مثيرة للتقدير.
وتساءلت اسبوعية " كل هزمان" " كيف تحولت مجموعة من السمكرية والحدادين وصغار الفلاحين الى جيش صغير محنك وحكيم ابقى خلفه المرة تلوم المرة الجيش ""الاسرائيلي"" العظيم والقوي عاجزا". ولم تتردد الصحيفة في تحقيق امتد على اربع صفحات بالقول " ان حزب الله هو قوة العصابات الافضل في العالم، يدمج بين احتراف عسكري مثير ونشاط مجتمعي واستخدام صحيح للاتصالات ووسائل الاعلام وبناء شبكة واسعة للتعليم والثقافة، مما حوله الى عنصر له مكانته على الحلبة السياسية اللبنانية، يملي الى حد كبير الخطوات السياسية في المنطقة " .
وبالفعل فقد بدأت تظهر في وسائل الاعلام ""الاسرائيلية"" مؤشرات تحث الخطى على تسريع الانسحاب من لبنان، اذ تذكر عد الايام الباقية حتى تموز وهو الموعد الاقصى الذي حدده باراك للخروج من لبنان،الى استطلاعات للراي تؤكد تزايد عدد الاسرائيليين على اختلاف انتماءاتهم السياسية المؤيدين للانسحاب الفوري المنفرد.
واشار استطلاع للراي اجراه معهد " داحف" المتخصص في تل ابيب ان 57 في المئة من الاسرائيليين يؤيدون انسحابا منفردا، بينما يرى 41 في المئة ضرورة ارتباط ذلك باتفاق مع سوريا او لبنان.
وبدأ الجنود والعسكريون يجاهرون صراحة بمواقفهم المؤيدة للانسحاب، والتساؤل حول جدوى بقائهم فوق الاراضي اللبنانية، ما فتح الباب على احتمال تصدع الروح المعنوية لهؤلاء الجنود الذين كما قال احد المعلقين " صار اسم لبنان وحده كفيلا بضعضعة ثقتهم ونشر الرعب في صفوفهم".
" وفي ضوء ذلك ترددت معلومات تؤكد ان باراك يفكر في تقديم موعد الانسحاب، لاسيما ان هناك من بات يلقي بالمسؤولية عن اطالة امد الوجود ""الاسرائيلي"" فوق الارض اللبنانية على الجيش . ووسط ذلك كله كشف استطلاع لمعهد " غالوب" في تل ابيب ان 76 في المئة من الاسرائيليين يؤيدون الهجمات الجوية ""الاسرائيلية"" التي استهدفت منشآت البنى الاقتصادية في لبنان وان 52 في المئة يعتقدون انه توجب ان تكون اعنف واقوى، وفي الوقت نفسه ايد 72 في المئة استمرار عملية السلام مع سوريا، لكن 42 في المئة فقط يعتقدون ان باراك سيفي بتعهده باخراج الجيش ""الاسرائيلي"" من لبنان بينما كانت النسبة 50 في المئة قبل ثلاثة اشهر.
وفي عرض لمواقف العسكريين في لبنان لاحظ ناحوم برنيع " في يديعوت احرونوت" ان اصواتا كثيرا مطالبة بالانسحاب الفوري : " هذه الحرب لن ننتصر فيها ابدا، نحن كبار وثقال ، وهم صغار وخفاف، وما دمنا سنخرج من هناك، فالافضل ان نخرج الان ولا ضرورة للبقاء لاننا لن ننتصر فيها ابدا " قال احد العسكريين .
وبينما تغفل التحليلات والمصادر ""الاسرائيلية"" المعايير لصدق النيات ""الاسرائيلية"" وحقيتها، فانها تنصاع الى التناغم مع المعزوفة الرسمية بخصوص الموقف ازاء لبنان، لكنها لا تغفل ان "المعركة الراهنة هي على الانسحاب من لبنان" كما قالت صحيفة " يديعوت احرونوت" : " المعركة ليست حول شروط استمرار بقاء الجيش ""الاسرائيلي"" في لبنان وانما حول شروط انسحابه، كيف يتم تنفيذه وتفسيره ومن يستطيع ادعاء الانتصار في نهايته، وبالاساس ماذا سيجري بعده". والاعتقاد الراسخ لدى صناع القرار في تل ابيب ان حزب الله " يريد افشال الانسحاب كي يبدو هروبا للجيش ""الاسرائيلي"" امام مقاتليه".
ويخلص كثيرون في ضوء القراءة والتطورات الى وصف الموقف الراهن بانه "ورطة سياسية عسكرية ومعنوية معقدة" وفي الوقت نفسه يعتقد بعض المراقبين في ""اسرائيل"" ان " قصف حزب الله لشمال """اسرائيل""" بالكاتيوشا سيعزز المعارضين للانسحاب المنفرد، بينما ضرب الجنود الاسرائيليين في لبنان والحاق الخسائر بهم سيحشد المزيد الى جانب مؤيدي الانسحاب".
وهكذا يميل المراقبون الى ان "الحرب التي ادراتها ""اسرائيل"" هذا الاسبوع كانت مقلوبة حسب افتتاحية صحيفة (هآرتس) التي فسرت ذلك بالقول "ان عملية تصفية الحساب في تموز 1993 انتهت بسلسلة تفاهمات بين ""اسرائيل"" وسوريا،وكان هدفها كبح القصف داخل ""اسرائيل"" واخراج المدنيين في الجانبين من دائرة العمليات الحربية". وبعد هذه الحرب بثلاث سنوات كلف شمعون بيريس الجيش بعملية عسكرية جديدة عرفت بـ "عناقيد الغضب" وكان هدفها من وجهة النظر ""الاسرائيلية"" " تصحيح التفاهم السابق على نحو عزز حصانة المدنيين"، ثم تجمدت المحادثات السلمية السورية ـ ""الاسرائيلية"" في عهد حكومة بنيامين نتنياهو وعادت القذائف تنهمر على شمال ""اسرائيل"" . وهذا الاسبوع ادرات ""اسرائيل"" حربا مقلوبة تقول " هآرتس" استهدفت عبر قصف منشآت ومواقع في عمق لبنان الحد من الهجمات على جنود الجيش ""الاسرائيلي"" وميليشيا جيش لبنان الجنوبي ، والهدف هذه المرة غير ما كان في المرات السابقة وهو تقليص التفاهم السابق. والسؤال المركزي الذي يشغل بال السياسيين والعسكريين في ""اسرائيل"" هو كيف يتم ضمان منع حزب الله من ملاحقة الجيش ""الاسرائيلي"" خلال انسحابه ومنع حزب الله من تقويض ميليشيا جيش لبنان الجنوبي وانيهارها. وبين هذين التوجهين يستمر البحث عن صيغة تجمع التطلعات السورية والاسرائيلية.
العدوان: عجز في المواجهة وتخبط داخلي
فاطمة التريكي تكتب في الكفاح العربي بتاريخ 10-2-2000:
بعد اجتماع " ماراتوني" عرضت خلاله مختلف الاحتمالات والخيارات والخطط خلص قادة العدو وكبار جنرالات " الجيش الذي لا يقهر!!" قبل ايام الى قرارات حازمة بالرد على عمليات المقاومة في التوقيت والمكان المناسبين ... وطبعا بقيت هذه القرارات طي الكتمان الى ان عاينها اللبنانيون بعيد منصف ليل الاثنين الماضي ، وكانت كما ترقب الكثيرون غارات على محطات تحويل الكهرباء (كالعادة) والجديد الوحيد في السيناريو هو توغل الطائرات شمالا وفي الداخل (ديرنبوح وبعلبك) وعدم حصر العدوان بمحطة الجمهور التي لم تنته بعد اعمال اصلاحها من العدوان الاول قبل 8 اشهر، الحصيلة الميدانية لما تقدم في الجانب اللبناني: 18 جريحا مدنيا (بينهم 4 اطفال وامرأة) وتاكيد سياسي حاسم على الثوابت الوطنية غرق شبه تام في الظلام وقسم من المقاومة على الرد الملائم.
يوازي ذلك في المقلب الآخر: ارباك اسرائيلي بشأن تفاهم نيسان (على لسان حاييم رامون الذي نعاه امس الاول وعاد امس ليجدد الالتزام به والمشاركة في اجتماعات لجنته) ومزيد من التهديد والتوعد والآلاف من سكان المستوطنات الشمالية (من بقي منهم ولم يغادر هاربا) ما زالوا حبيسي الملاجىء خشية ان تدكهم صواريخ الكاتيوشا في عمق مستوطناتهم.
واذا كان لبنان الرسمي والشعبي قد حسم موقفه من مسالة العدوان الاخير فاكد التزامه تفاهم نيسان كمرجعية وحيدة للاوضاع الميدانية الامنية مع "اسرائيل" والتزامه ايضا ارتباطه بسوريا وارتباطهما معا بالسلام وفق ثوابتهما المحسومة ، فان الواقع على الارض بعد العداون بحسب المراقبين لا يحمل سوى تفسير واحد مؤاده التخبط "الاسرائيلي" في التعامل مع المقاومة في الجنوب والفشل في فرض الشروط على سوريا لتقديم تنازلات خلال المفاوضات المتعثرة بينهما بسبب الالتفاف "الاسرائيلي" على مطلب الانسحاب من الجولان حتى خط 4 حزيران 67.
وبرأي المراقبين فان اختيار قادة العدو ضرب البنى التحتية في لبنان دون سواه من الخيارات كرد على العمليات المكثفة للمقاومة التي اسفرت خلال الاسابيع الخمسة الفائتة فقط عن سقوط 7 قتلى من جنود الاحتلا ل (دون ذكر العملاء وفي طليعتهم عقل هاشم) بدلا من استهداف مباشر لقادة حزب الله لاسيما كوادره العسكرية باعتباره راس الحربة في المقاومة سبب امران:
1ـ عجز "اسرائيل" عن مواجهة المقاومة عسكريا او اغتيال قادتها ، وقد فشلت بالفعل عملياتها الاخيرة في هذا الاطار.
2ـ ان ضرب البنية التحتية لاسيما الكهرباء باعتبارها المصدر الاساسي للطاقة والمرفق الاشد تاثيرا في دورة الحياة اليومية والاكثر ايلاما وكلفة يحقق هدفا سياسيا يراهن عليه العدو وهو اثارة اجواء من النقمة لدى اللبنانيين تنقلب على المقاومة اولا من خلال تحميلها وزر القصف الذي جاء ردا على عمليات ادت الى مقتل جنود اسرائيليين داخل الاراضي اللبنانية المحتلة !! وعلى الدولة اللبنانية ثانيا لانها تدعم هذه المقاومة ولا تحرك ساكنا ازاء ما يجري من عمليات وثالثا على سوريا بسبب تتاييدها للمقاومة وللموقف اللبناني.
هذا التكتيك الذي لايزال قادة العدو يراهنون عليه رغم سقوطه بالتجربة الحية لا يمكن ان ينجح في تحقيق اي اختراق لجملة اعتبارات اهمها:
1ـ الاجماع الفعلي المحقق لدى اللبنانيين على دعم المقاومة كحق بديهي لا نقاش فيه ضد قوات تحتل الارض وترتكب مختلف صنوف الانتهاكات وكخيار وحيد لتحقيق التحرير وهو خيار التزم به اللبنانيون منذ بدء كابوس الاحتلال قبل اكثر من عقدين من الزمن .
2ـ ادراك الجميع للنتيجة البينة التي رتبت المعادلة الصهيونية القائمة على قصف المنشآت المدنية اللبنانية مقابل كل تصعيد في عمليات المقاومة وهي هزال وضعف جيش العدو وقصر يده وقلة حيلة المسؤولين السياسيين في الكيان "الاسرائيلي" ، فالعجز عن مقارعة المقاومين هو وحده الذي اوصل الجيش " الاسطورة" الى دك منشآت الكهرباء وقصف المدنيين في منازلهم وبث الذعر لدى النساء والاطفال والشيوخ عبر خرق جدار الصوت وكل ذلك دون المواجهة مع مقاوم مسلح واحد.
3ـ ان كل المؤشرات والمعطيات المتوافرة من داخل الكيان "الاسرائيلي" تؤكد بما لا يقبل الشك ان كفة الميزان على مختلف الصعد لم تعد ابدا لصالح العدو ، فاعلامه الذي طالما لعب دورا اسياسيا الى جانب العسكر والذي تمكن في الماضي من قلب الحقائق وتزويرها لصالحه في صراعاته السابقة مع العرب ، لم يعد قادرا بعد اليوم على النجاح في هذا الدور وهو اليوم غارق في جدل متصاعد يشارك فيه السياسيون والقادة العسكريون حول صوابية بث التلفزيون صورا عن جنود الاحتلال الجرحى وهم يتللون من الالم ويتخبطون في دمائهم فيما رفاقهم يجرجرون العار وهم يرفعون قتلاهم من ارض العمليات التي تستهدفهم.
4ـ مدى تاثير بث مثل هذه الصور على معنويات افراد الجيش ( المنهارة اساسا) وعلى المجتمع "الاسرائيلي" المرتجف والمدجج بالسلاح والمتلطي دائما وراء آلة عسكرية كان يظنها لا تقارع.
5ـ ان الغارات الاخيرة وضعت المبادرة في يد حزب الله واستوجبت جلوس قادة "اسرائيل" واكفهم على قلوبهم مخافة رد الكاتيوشا التي ستستتبع منهم توسيعا للعمليات
العسكرية ضد لبنان ، كما اعلنوا ما لن يؤدي بدوره الى اي مكاسب وسيدخلهم مجددا في مقامرة عسكرية ـ سياسية لن يحصدوا منها سوى المزيد من التضعضع والخسائر خصوصا وان تجربة عمليتي تصفية الحساب (1993) وعناقيد الغضب (1996) لا تزال ماثلة في الاذهان .
اذن، "اسرائيل" ضربت ضربتها وتنتظر ما سيحصل والخلاصة التي يجمع عليها المراقبون انه ومهما كانت الاحتمالات والردود المطروحة في الخطط "الاسرائيلية" فان المؤكد ان السير على هذا الخط " لن يوصل الى اي نقطة" فعمليات المقاومة لن تتوقف بل ستزداد ولبنان سوريا ملتزمان تماما بوحدة مساريهما ومصيرهما وضرب المنشآت المدنية ، على بشاعته لن يغير شيئا في الحسابات السياسية والعسكرية بل يقتضي الرد المناسب والموجع من المقاومة ، واسرائيل الغارقة في المستنقع اللبناني الذي خسرت فيه حتى اليوم اكثر مما خسرته في كل حروبها مع العرب (اكثر من الف قتيل خلال 15 عاما) ليس امامها مرة اخرى سوى الانسحاب من لبنان .
العدوان و... نخوة الاشقاء
كتب فؤاد مطر في جريدة اللواء بتاريخ 12-2-2000:
من حق لبنان على الاشقاء العرب ان يقفوا معه في ايامه الصعبة التي يعيشها، من حقه عليهم ان يترجموا مشاعر الراي العام في كل بلدة وكيف ان اي حديث داخل البيوت وخارجها هو دائما عن لبنان وما يقاسيه من العدوان الاسرائيلي وكيف انه وحده في الميدان يواجه بشرف هذه الهجمة عليه.
من حق لبنان على الاشقاء وقد كررت الدولة الخارجة على القانون الدولي الشاردة في فيافي الشرق الاوسط الذي يخلد الى سكينة تبعث على الحيرة، تدمير محطات الكهرباء،ومعروف ما الذي ينتج عن هذا التدمير من شقاء لكل مواطن ... من حقه ان يسأل بصيغة المستفسر والمتعجب: اذا كانت قمة عربية استثنائية من اجل مواجهة هذه العربدة وغيرها من الاحوال والمآزق العربية العالقة واولها موضوع الحصار على العراق متعثرة الانعقاد، ودعوة وزراء الخارجية العرب الى اجتماع استثنائي في بيروت غير مرحب بها ... فإن هنالك مبادرات مساندة كثيرة في الاطارين المعنوي والمادي يمكن الاخذ بها من بينها ان يوفد القادة العرب الى بيروت وزراء الطاقة يعقدون بالقرب من حطة كهرباء دمرها العدوان او تحت خيمة تجاور الانقاض الناشئة عن التدمير اجتماعات يقولون من خلاله انه اذا كانت اسرائيل تعتدي على محطات الكهرباء في لبنان لكي تضغط بالعتمة على العقول والمشاعر التي تضيء وتفيض حماسة ووطنية ، فإن كل دولة عربية تعتبر ان ما اصاب محطات لبنان يمكن ان يصيب محطاتها مستقبلا اذا كان لن يوضع حد للعربدة الاسرائيلية وبحيث لا تتجاوز اسرائيل حجمها ، كذلك ان هؤلاء الوزراء باجتماعهم هذا يزيلون من اذهان شعوبهم علامات استفهام وتعجب كثيرة تتعلق بالمواقف الرسمية من العدوان على لبنان ، ويبعثون الحيوية في القدرة اللبنانية على المواجهة العادلة لاسرائيل، ويجعلون كل لبناني يرى ان النخوة العربية ما زالت لم تندثر، وهذا المواطن الذي اضطره العدوان الى معالجة التعتيم بوسائل كثيرة منها الشموع ومنها المولدات امام المحلات التجارية التي تشكو من الكساد او على شرفات المنازل ... ان هذا اللبناني يشعر ضمنا ان غياب نخوة الاشقاء يخدم العدوان وان حضورها يؤكد ان الدنيا العربية بخير على رغم الاغفاءة الطويلة لبعض اهل القرار بعد حدوث العدوان الاسرائيلي على محطات الكهرباء في لبنان وكانما هو حادث عادي ناتج عن " ماس" كهربائي وليس عدوانا بالطائرات الاميركية قامت به اسرائيل لان مقاومين لبنانيين يقولون لها بشجاعتهم وتضحياتهم اخرجي من ارضنا، وهي التي اعتادت على ان تحتل اراضي الغير وتصادر حقوقهم ولا تخرج مها مطمئنة الى ان الادارة الاميركية من الرئيس بيل كلينتون الى جيمس روبين الناطق باسم الخارجية مرورا بعشرات الكوهينيين في هذه الادارة لديهم من التخريجات ما يجعل العدوان على الاخرين حقا تملكه اسرائيل ، بمثل ما تملكه الولايات المتحدة... وتمارسه.
تفاهم نيسان "اسرائيلياً" : المأزق والحل
كتبت جريدة المستقبل بتاريخ 12-2-2000 :
بعد ان تورط شمعون بيريز في عملية عناقيد الغضب عام 1996 ومن ثم دفع ثمنها في الانتخابات اللاحقة صدر" تفاهم نيسان" على انه الصيغة الوحيدة المتاحة آنذاك.
وعلى الرغم من التعنت الليكودي الذي مثله نتنياهو رافضا كل الاتفاقات والالتزامات الاسرائيلية السابقة لاحظ بعد حين، كما اعترف هو نفسه،انه مضطر الى " التعامل " مع تفاهم نيسان.
وهذا التعامل دفع نتنياهو ايضا الى عملية حزيران 1999 التدميرية المعروفة وكان وزير دفاعه آنذاك موشيه ارينز يقول " لم يعد لتفاهم نيسان اي معنى" الا ان الجانبين الاميركي والفرنسي كانا حريصين على ضرورة صمود هذا التفاهم واعتماده.
واليوم تتكرر القصة ـ المأساة ذاتها : موشي ارينز نفسه يصرح عشية الضربة الهمجية الاسرائيلية الاخيرة "ان قرار باراك بالعودة والتصرف بحسب تفاهم نيسان اديا بسرعة الى تجديد عمليات حزب الله بكامل حجمها الى ذروة لا سابق لها " ودعا نتيجة لذلك،الى تجاوز هذا التفاهم بشكل كامل.
وتتكرر اليوم قصة التدمير ذاتها على مرأى العالم وسمعه من دون ان يرفع احد صوته : ان ثمة دولة عدوانية المنشأ والسلوك تهدد دولة اخرى وتنفذ تهديدها بما يخالف كل الاحكام الدولية والانسانية معا،ولا يبرز في المقابل،الا السعي الاميركي ـ الفرنسي اياه : عودوا الى تفاهم نيسان.
يشكل تفاهم نيسان معاهدة (او نوعا من الالتزام الدولي) بين لبنان واسرائيل مع ان ايا من الدولتين لم توقعه شكلا، ذلك لان هذا التفاهم اقترن بموافقة مجلس الوزراء في كل من الدولتين وذلك بشكل صريح ورسمي. كما اقترن ايضا بموافقة السلطات الدستورية الاخرى بشكل ضمني ومن دون اي تحفظ في البلدين ذاتهما.
وعلى هذا الاساس فإن لتفاهم نيسان قيمة تعاقدية ملزمة للطرفين ولا يجوز تبديله ولا تعديله من طرف واحد. وقانون المعاهدات الدولية للعام 1969 يجيز هذا النوع من الالتزامات التعاقدية (المواد 11ـ 13) الثنائية.
ويشكل تفاهم نيسان، فضلا عن ذلك،التزاما متعدد الاطراف وذلك من خلال مشاركة الدول الاخرى في لجنة المراقبة. وهذه الدول (الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا) ليست شاهدة فقط وانما هي مشاركة ومسؤولة في تطبيقه وضرورة احترامه من خلال عمل اللجنة نفسها. وبالتالي فان "اسرائيل" مسؤولة ليس فقط تجاه الجانب اللبناني في هذا التفاهم ـ الالتزام وانما تجاه الاطراف الثلاثة الاخرى . وعندما تهدد اسرائيل بالانسحاب من لجنة تفاهم نيسان فانها تكون مسؤولة امام هذه الاطراف الثلاثة ان هي (اي اسرائيل) اقدمت على قرار من جانب واحد مخالف لمواقف الاطراف الاخرى ومتعارض معها.
الا ان ما قامت به "اسرائيل" ( في حزيران 1999 وفي شباط 2000) لا يشكل خرقا لتفاهم نيسان فقط في اطاره التعاقدي الملزم وانما يشكل خرقا لكل المبادىء والقواعد الدولية وانتهاكا فاضحا لكل حقوق الانسان ومخالفة كاملة لجميع مبادىء الامم المتحدة بدءا بالمادتين الاولى والثانية من ميثاقها...
وعلى هذا الاساس يقتضي ان لا تقتصر الدعوة الدولية على العودة الى تفاهم نيسان. ويقتضي ايضا ان لا تحصر مسؤولية "اسرائيل" بانتهاك هذا التفاهم وحسب وانما بانتهاك جميع الاحكام الدولية وقواعدها.
وفي العودة الى تفاهم نيسان يتضح ان سبب صموده يرتكزعلى :
ـ ان هذا التفاهم فرض على "اسرائيل" ولم يستجد منها. فهو الذي يشكل مأزقا للجانب الاسرائيلي لانه تضمن تساويا في حقوق المدنيين والمنشآت المدنية للدولتين. وهو الذي لم يشر الى اي حل مطمئن للجانب "الاسرائيلي" المدني والعسكري معا لانه لم يتضمن اي بند سياسي ولا اي حكم آخر يمكن اعمال الاجتهاد والمناورات "الاسرائيلية" بصدده.
ـ ان هذا التفاهم يتضمن اعترافا اسرائيليا (فضلا عن الاعترافين الاميركي والفرنسي) بالحق المشروع للمقاومة في الدفاع عن النفس. ومع ان المقاومة الوطنية تكتسب شرعية دولية في المبدأ الا انها،هنا تثبت اعترافا تعاقديا بها، وهذا هو المأزق الاسرائيلي الاخطر الذي يمكن دفعه من جهة قانونية ايضا: ان "اسرائيل" تعترف ضمنا بوجودها غير الشرعي وتقر للمقاومة بحق الرد اذا تعرضت هي للمدنيين وللمنشآت المدنية في لبنان واذا تعرضت ايضا لعناصر المقاومة المدنيين انفسهم.
ـ ان هذا التفاهم غير متروك،في تنفيذه،الى المزاج "الاسرائيلي" ولا الى استجداء موافقته وانما هو فاعل على الارض : التزام اسرائيل يقابله التزام للمقاومة وانتهاك "اسرائيلي" يرد عليه بانتهاك للمقاومة مع فارق واحد: ان الشعب اللبناني يتحمل الضربات مع اصراره على احتضان مقاومته في حين ان الشعب "الاسرائيلي" ترعبه الضربات ويضيق ذرعا بحكومته ويطالب بالتعجيل في الانسحاب.
المسؤول "الاسرائيلي" يدرك، بعد الضربات الهمجية التي يكون قد اندفع او دفع الى اتخاذها، ان رسالته لم تؤد هدفها.
ـ فإذا كانت الرسالة "الاسرائيلية" موجهة الى الشعب اللبناني للتشكيك في مقاومته او الى المسؤول اللبناني للتخلي عن تأييدها . فقد آن للمسؤول "الاسرائيلي" ان يدرك ان الشعب والمسؤول معا مقتنعان اليوم ان المقاومة وحدها هي التي تجعل القرار 425 غير قابل للتفاوض ولا التراجع.
ـ واذا كانت الرسالة "الاسرائيلية" موجهة الى " الشعب الاسرائيلي" لكسب المزيد من التأييد للحكومة الحالية فقد آن لهذا الاسرائيلي ان يدرك ان الحل الاقرب والانسب الذي يراه هذا " الشعب " هو التعجيل في الانسحاب من " المستنقع اللبناني" .
ـ واذا كانت الرسالة "الاسرائيلية" موجهة الى القيادة السورية لتقديم التنازلات ولتدجين المقاومة تمهيدا لتفكيك بنيتها، فقد آن لهذا المسؤول "الاسرائيلي" ايضا ان يدرك ان المفاوض السوري سيظل يعبر دائما عن النبض الشعبي العام. كما انه سيتثبت بفاعلية المقاومة واستمرارها لاغراض وطنية وسياسية وتفاوضية ايضا.
ـ واذا كانت هذه الرسالة موجهة الى الراي العام الغربي ـ الاميركي والاوروبي تحديدا ـ فـإن هذا الرأي لا يرى الان سبيلا لضبط النفس واعادة الهدوء ومعاودة المفاوضات الا في اعادة احترام تفاهم نيسان والتزام بنوده...
واشنطن تشجع "تل ابيب" على العدوان
جوزيف ملكون يكتي في جريدة اللواء بتاريخ 12-2-2000:
في عصر اندثار الاستعمار والاحتلال في العالم الذي سقط تحت مطارق المناضلين الاحرار وليس فقط بفضل قرار للامم المتحدة اتخذته اواسط الاربعينات بأنهاء كل انواع الاستعمار، تصر الولايات المتحدة على التمسك بمنطق الاحتلال وتعطي مبررا له وكأنها تنسى ما جرى لها في فيتنام الجنوبية عندما تشبثت بكل وسيلة لكي تنقذ جنودها من مصايد الفيتكونغ لتخرج بعدها تجر اذيال اول هزيمة عسكرية لها في تاريخها الحديث .
نقول هذا والرئيس كلينتون يبرر العدوان "الاسرائيلي" على محطات الطاقة الكهربائية في لبنان قائلا انه جاء ردا على مقتل اربعة من الجنود "الاسرائيليين" في الجنوب.
وزيرة خارجيته،مادلين اولبرايت، لم تخرج عن ذلك المنطق المريض الذي ينضح بالحقد على المقاومة لانها تمارس حقها الشرعي في طرد المحتل، قالت " ان "اسرائيل" لم تستهدف المدنيين ولم تنتهك تفاهم نيسان،اعتقد ان سبب اتخاذهم هذه الخطوة انهم تكبدوا خسائر.. انهم لا يتجاهلون تفاهم نيسان عام 1996".
الم يسأل كلينتون نفسه، ماذا يفعل الجنود الاسرائيليون في جنوب لبنان وماذا كان يفعل الاميركيون في سايغون يومها ؟ مثلما يتعرض جنود الاحتلال الى نيران المقاومة التي تطالب مع كل اللبنانيين بخروجهم فقد تعرض الاميركيون الى نيران الفيتكونغ مطالبين بخروجهم ، كلينتون نفسه خشي من الذهاب الى حرب فيتنام خوفا على حياته فتملص من الخدمة العسكرية، لكن اميركا اصرت على البقاء فكان مصيرها انتكاسة عسكرية كبيرة ارغمتها على سحب جنودها بعدما سقط منهم اكثر من 80 الف قتيل .
اما الشعب الاميركي فالقسم الاكبر منه كان ضد حرب فيتنام وطالب في مظاهرات عديدة خروج القوات الاميركية التي ذهبت الى هناك تحت شعار " مكافحة الشيوعية" وليس للعدوان على شعب فيتنام او شعوب شبه جزيرة الهند الصينية والحلول محل الاستعمار الفرنسي في السيطرة على تلك المنطقة !!.
ولا شك ان تبرير رئيس اكبر دولة للعدوان الاسرائيبلي يعكس اما ذهنية المسؤولين الاميركيين الذين ما زالوا يعيشون العنجهية الاميركية ولغة الكاوبوي او ان كلينتون لا يريد اغضاب "اسرائيل" واللوبي الصهيوني لانه يخشى ان يمنى مرشحه ومرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة آل غور بهزيمة امام منافسه الجمهوري المتوقع جورج بوش (الابن) ، حاكم ولاية تكساس ان اتخذ موقفا مشرفا حيال العدوان "الاسرائيلي".
اما قول اولبرايت ان "اسرائيل" لم تستهدف المدنيين في عدوانها ، فان عشرات الجرحى من المدنيين الذين سقطوا من جراء قصف محطتي الكهرباء في بعلبك ودير نبوح ، جرحوا بطريق الخطأ ،طبعا يدحض ادعاءات اولبرايت، ولو حصل مثل هذا بالنسبة لصاروخ اطلقته المقاومة وادى الى جرح عدد من "الاسرائيليين" في كريات شمونة / مثلا ، لقامت القيامة واتهمت المقاومة بالوحشية وخرق تفاهم نيسان واستحق لبنان مزيدا من التدمير والقصف.
لكن، طالما ان جنود الاحتلال موجودون في الجنوب فلماذا يحاولون التهرب من الاحتكاك مع المقاومة حتى يظهروا شجاعتهم وايمانهم بانهم يدافعون عن مثل "اسرائيل" العليا في الاحتلال والتصدي لكل من يحاول زعزعتهم عن نقاط تمركزهم بدلا من التحول نحو ضرب مراكز اقتصادية.
لا ريب ان استهداف "اسرائيل" البنى التحتية اللبنانية يؤكد عجز تل ابيب عن النيل من المقاومة، فهي اذ تدرك ان رحيلها عن الجنوب آت آجلا ام عاجلا ، انما تسعى من عدوانها الى اضعاف دور لبنان الاقتصادي والسياحي في المنقطة وهو ما اخفقت في تحقيقه في السابق وستخفق كذلك في الحاضر والمستقبل .
ويبدو ان "اسرائيل" لم تتعظ في حملة " عناقيد الغضب " وفي الاعتداءات الاخرى التي اعقبتها ، هل تتصور ان لبنان سيتراجع عن مواقفه القومية فيرضح لمطالبها " فيتنام الشمالية تحولت الى ساحة تجارب لمختلف الاسلحة الاميركية في محاولة لارغامها على سحب دعمها للفيتكونغ ، لكنها صعدت وتمسكت بشعار طرد الاميركي المحتل من فيتنام الجنوبية وحققت شعارها في النهاية وتوحدت فيتنام بشطريها الشمالي والجنوبي .
ولبنان الذي تدعم حكومته وشعبه وكل العرب المقاومة ضد الاحتلال "الاسرائيلي" والمطالبة برحيله سواء طبقا للقرار 425 او طبقا لمنطق المناضلين الاحرار لن يتزحزخ عن ثوابته الوطنية مهما كلفه ذلك من تضحيات وسواء وقفت الولايات المتحدة مع العدوان او ادانته بكل برود.
بيروت لم ولن تتوقع من واشنطن اي دعم لمواقفها الوطنية فهي لم تدن يوما استباحة الطيران "الاسرائيلي" اجواء لبنان كل يوم منتهكا سيادة دولة عضو في الامم المتحدة، هي لم تنس استخدامها الفيتو عدة مرات في مجلس الامن ضد كل الاعتداءات "الاسرائيلية" بما فيها عناقيد الغضب،انما ايجاد مبرر للعدوان يشجع المفاوض "الاسرائيلي" على مواقفه المتعنتة والمراوغة .